حصاد زيارة ماكرون للصين: وعود سياسية واتفاقيات وعقود اقتصادية

ماكرون وشي (رويترز)
ماكرون وشي (رويترز)
TT

حصاد زيارة ماكرون للصين: وعود سياسية واتفاقيات وعقود اقتصادية

ماكرون وشي (رويترز)
ماكرون وشي (رويترز)

تحت عنوان: «ماكرون فشل في إقناع شي جينبينغ بالقيام ببادرة من أجل أوكرانيا»، نشرت صحيفة «لوموند» المستقلة موضوعاً مفصلاً عددت فيه الجهود التي بذلها الرئيس إيمانويل ماكرون لحضّ نظيره الصيني على تعديل موقفه من الحرب الروسية على أوكرانيا، وأعادت التذكير بالحجج التي استند إليها لدفعه إلى التخلي عن موقف «الحياد»، ولإقناعه بالامتناع عن الاستجابة لطلبات روسيا الحصول على أسلحة وأعتدة صينية. ورغم تضمين البيان المشترك فقرات عن أوكرانيا، ومنها أن الطرفين تعهدا العمل من أجل «مؤازرة كلّ الجهود الرامية لعودة السلام إلى أوكرانيا»، فإن الرئيس الصيني، كما كتبت الصحيفة، اكتفى بـ«خطوات صغيرة» بحيث لم يتخلَّ عن موقفه «المتفهم» لروسيا، لا بل إن دعوته لـ«معاودة مفاوضات السلام (بين روسيا وأوكرانيا) بأسرع وقت» بقيت «مبهمة». وما قبله جينبينغ جاء في نص البيان المشترك، وفيه أن الطرفين «يعارضان الهجمات المسلّحة على محطات الطاقة النووية والمنشآت النووية السلمية الأخرى»، ويدعمان الجهود التي تبذلها الوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان سلامة محطة «زابوريجيا» النووية. وخلاصة الصحيفة المذكورة لخصتها افتتاحية اليوم، وهي بعنوان: «حوار صعب ولكنه مفيد».
بيد أن باريس سعت للتركيز على النقاط الإيجابية من زيارة الدولة لجهة أهمية معاودة التواصل المباشر وجهاً لوجه بعد انقطاع ثلاث سنوات، والتأكيد أن هدفها «لم يكن جعل الصين تنتقل من معسكر إلى آخر، بل أن تساهم بشكل مفيد في تحقيق أهداف محددة بوضوح». ونقلت باريس عن شي جينبينغ قوله إنه مستعد للعمل مع فرنسا «لتهيئة الظروف للمفاوضات» بين موسكو وكييف. وقال الإليزيه: «بالنسبة لنا، تم تحقيق الهدف»؛ أي جعل الصين تؤدي دوراً للعودة إلى المفاوضات. بيد أن الصعوبة أن لا مؤشرات حول سبل ترجمة الوعود إلى مبادرة محددة المعالم.
كان لافتاً أن البيان المشترك لم يأتِ على ذكر روسيا ولم يتضمن إدانة لغزوها أوكرانيا، وهو ما امتنعت عنه بكين منذ البداية. كذلك لم ينص البيان على ضرورة انسحاب القوات الروسية من الأراضي التي احتلتها في أوكرانيا، وهو ما تعتبره كييف الشرط الذي لا يمكن الالتفاف عليه للجلوس إلى طاولة المفاوضات. وقد اكتفى البيان في فقرته العاشرة بتأكيد أن الطرفين «يدعمان كل الجهود الرامية إلى عودة السلام لأوكرانيا على قاعدة القانون الدولي ومبادئ شرعة الأمم المتحدة». ونصت المادة (11) على أن الجانبين «يعارضان أي هجمات تستهدف المحطات النووية والمنشآت النووية السلمية الأخرى، ويدعمان الوكالة الدولية للطاقة الذرية في جهودها للعب دور بناء في المحافظة على أمن وسلامة هذه المنشآت بما فيها محطة (زابوريجيا)». أما البند الأخير فقد دعاد «أطراف النزاع»، من غير أن يسميها، إلى الاحترام الصارم للقانون الدولي...
وواضح مما سبق أن بكين هي التي فرضت صياغة البيان بحيث غابت عنه المواقف الفرنسية بخصوص الحرب الأوكرانية تماماً، إلا أن ماكرون لم يتردد، خلال تصريحاته في الأيام الثلاثة، في توجيه انتقادات لاذعة لروسيا وتحميلها مسؤولية الحرب والتنديد بانتهاكها للقانون الدولي. ومما قاله أمس للطلاب في كانتون، إن روسيا «دولة قررت استعمار جارتها وعدم احترام القواعد وإعادة نشر الأسلحة وغزوها».
تجمع الصحافة الفرنسية على أهمية زيارة ماكرون للصين، إلا أنها تذهب كلها إلى ما ذهبت إليه صحيفة «لوموند» فيما خص الملف الأوكراني. فصحيفة «لوفيغارو» اليمينية أشارت بدورها إلى «ضعف» الالتزامات الصينية التي وصفتها بـ«الضبابية». ولم يصدر عن أي مصدر رئاسي أي حديث عن التزام صيني بخصوص الامتناع عن تزويد روسيا بالسلاح. ونقلت «لوفيغارو» عن أليسيا غارسيا ــ هيريرو، المسؤولة الاقتصادية عن آسيا في بنك «ناتكسيس»، قولها إن القادة الأوروبيين «يعانون كثيراً لفهم حقيقة الصين التي تمتنع عن الانخراط في الملف الأوكراني، ليس بسبب فقدانها لوسائل التدخل، بل لأنها اختارت هذه السبيل».
ومن جانبه، قال يورغ ووتكيه، رئيس اتحاد الغرف التجارية في الاتحاد الأوروبي والخبير بالشؤون الصينية، إن «الزيارة إيجابية لمعاودة الاتصالات (المباشرة)، لكن لا يتعين توقع أي شيء ملموس حول روسيا» من جانب السلطات الصينية.
ومن جانبها، فقد اعتبرت صحيفة «ليبراسيون» اليسارية، أن ما جاء على لسان الرئيس جينبينغ «تعبير عن مواقف عامة ولا يختلف عما صدر عن السلطات الصينية منذ بداية الحرب في أوكرانيا».
* الاقتصاد
كان الجانب الاقتصادي - التجاري رئيسياً في زيارة ماكرون، نظراً لموقع الصين على الخريطة الاقتصادية العالمية ولفقدان التوازن في الميزان التجاري بين البلدين لصالح الصين، وهو ما تسعى باريس للتخفيف من وقعه. وتفيد أرقام الجمارك الفرنسية بأن العجز التجاري مع الصين بلغ العام الماضي 30 مليار يورو؛ إذ إن الصادرات الصينية لفرنسا بلغت 49 مليار يورو مقابل 19 مليار يورو من الواردات الفرنسية. بيد أن العجز الفرنسي تصعب مقارنته مع العجز الأميركي الذي بلغ للعام نفسه 223 مليار دولار، وهو يتفاقم عاماً بعد عام. وتشكو باريس كما بقية عواصم الاتحاد الأوروبي من الصعوبات التي تواجهها شركاتهم في الصين التي تعد من أكبر أسواق العالم. وفي الفقرات الخاصة بالاقتصاد والتجارة، جاء في الفقرة (17) أن فرنسا والصين «تلتزمان العمل معاً من أجل الوصول إلى منافسة عادلة وغير تمييزية بين الشركات» الصينية وغير الصينية، وتعدد القطاعات المعنية، وأبرزها البنوك والصحة والطاقة والاستثمارات والزراعة والصناعات الغذائية... فضلاً عن توفير بيئة أفضل وتمكين شركات كل طرف من الوصول إلى أسواق الطرف الآخر.
وتنص الفقرات (18 – 24) على الخطوات التي سيعمل الجانبان على تنفيذها لتعزيز شراكاتهما في كل المجالات. وسيعمل الطرفان على رغبتهما المشتركة لتحقيق نقلة نحو استخدام الطاقة عديمة الكربون، والتعاون في القطاع النووي السلمي ورفع مستوى التعاون في ميدان البحث والتطوير بين الهيئتين المعنيتين بالطاقة النووية في البلدين، والعمل معاً على تقنيات معالجة النفايات النووية. وفي هذا السياق، جددت شركة كهرباء فرنسا ونظيرتها الصينية اتفاق الشراكة الاستراتيجية الموقع للمرة الأولى في عام 2007، ويشمل بناء واستثمار محطات نووية إضافية في الصين. كذلك وقعت الشركة الفرنسية اتفاقيات تعاون لإنشاء «بارك» بحري لإنتاج الطاقة الكهربائية بفضل الرياح. ومن بين العقود والاتفاقيات العديدة التي تم توقيعها بمناسبة الزيارة، أشار البيان المشترك بشكل خاص إلى اتفاق شراء الصين 160 طائرة «إيرباص»، وإلى تعزيز التعاون بين الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران وبين إدارة الطيران المدني الصينية. وإلى جانب الطائرات المذكورة، تم الاتفاق مع «إيرباص» على إطلاق خط إنتاج إضافي لمصانعها الواقعة في منطقة «تياجين» قريباً من بكين بحيث يدخل الخدمة في عام 2025. وتعد الصين أكبر سوق للطائرات المدنية في العالم.
كذلك وقّعت شركة «إيرباص هيليكوبترز» عقداً ضخماً مع شركة التأجير الصينية «جي دي إيه تي»(GDAT) لبيعها خمسين مروحيّة من طراز «إتش 160» الجديدة والمتعدّدة المهام، حسبما أعلنت المجموعة الأوروبية أمس (الجمعة). ويعدّ هذا العقد، الذي لم تُكشف قيمته، الأضخم منذ بدء بيع هذه المروحيات في عام 2015؛ إذ تمّ بيع نحو مائة نسخة منها حتى الآن. وسيتم استخدام هذه المروحيات لنقل الأفراد إلى منصّات النفط والغاز ومزارع الرياح البحرية، وكذلك للخدمات الطبية الطارئة، وغيرها من المهمّات التي تدخل في إطار الخدمة العامة، وفق بيان صادر عن «إيرباص هيليكوبترز». وما يصح على «إيرباص» وشركة كهرباء فرنسا من وعود سياسية يصح على شركات أخرى فرنسية رئيسية مثل «سويز» و«لوريال» وشركة «سي إم إيه - سي جي إم» البحرية، والكثير غيرها التي وقعت اتفاقات وعقوداً، وقد بلغت 14 اتفاقاً وعقداً بعشرات المليارات.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

العالم زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

أدلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بمزيد من التصريحات بشأن مكالمة هاتفية جرت أخيراً مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، في أول محادثة مباشرة بين الزعيمين منذ الغزو الروسي لأوكرانيا. وقال زيلينسكي في كييف، الجمعة، بعد يومين من الاتصال الهاتفي، إنه خلال المكالمة، تحدث هو وشي عن سلامة الأراضي الأوكرانية ووحدتها «بما في ذلك شبه جزيرة القرم (التي ضمتها روسيا على البحر الأسود)» وميثاق الأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم الصين ترفض اتهامها بتهديد هوية «التيبتيين»

الصين ترفض اتهامها بتهديد هوية «التيبتيين»

تبرأت الصين، اليوم (الجمعة)، من اتهامات وجهها خبراء من الأمم المتحدة بإجبارها مئات الآلاف من التيبتيين على الالتحاق ببرامج «للتدريب المهني» تهدد هويتهم، ويمكن أن تؤدي إلى العمل القسري. وقال خبراء في بيان (الخميس)، إن «مئات الآلاف من التيبتيين تم تحويلهم من حياتهم الريفية التقليدية إلى وظائف تتطلب مهارات منخفضة وذات أجر منخفض منذ عام 2015، في إطار برنامج وُصف بأنه طوعي، لكن مشاركتهم قسرية». واكدت بكين أن «التيبت تتمتع بالاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والوحدة العرقية وموحّدة دينياً ويعيش الناس (هناك) ويعملون في سلام». وأضافت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، أن «المخاوف المز

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

وافق البرلمان الياباني (دايت)، اليوم (الجمعة)، على اتفاقيتين للتعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا، ما يمهّد الطريق أمام سريان مفعولهما بمجرد أن تستكمل كانبيرا ولندن إجراءات الموافقة عليهما، وفق وكالة الأنباء الألمانية. وفي مسعى مستتر للتصدي للصعود العسكري للصين وموقفها العدائي في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، سوف تجعل الاتفاقيتان لندن وكانبيرا أول وثاني شريكين لطوكيو في اتفاق الوصول المتبادل، بحسب وكالة كيودو اليابانية للأنباء. ووافق مجلس المستشارين الياباني (مجلس الشيوخ) على الاتفاقيتين التي تحدد قواعد نقل الأفراد والأسلحة والإمدادات بعدما أعطى مجلس النواب الضوء الأخضر لها في وقت سابق العام

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
يوميات الشرق الصين تُدخل «الحرب على كورونا» في كتب التاريخ بالمدارس

الصين تُدخل «الحرب على كورونا» في كتب التاريخ بالمدارس

أثار كتاب التاريخ لتلاميذ المدارس الصينيين الذي يذكر استجابة البلاد لوباء «كورونا» لأول مرة نقاشاً على الإنترنت، وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). يتساءل البعض عما إذا كان الوصف ضمن الكتاب الذي يتناول محاربة البلاد للفيروس صحيحاً وموضوعياً. أعلن قادة الحزب الشيوعي الصيني «انتصاراً حاسماً» على الفيروس في وقت سابق من هذا العام. كما اتُهمت الدولة بعدم الشفافية في مشاركة بيانات فيروس «كورونا». بدأ مقطع فيديو قصير يُظهر فقرة من كتاب التاريخ المدرسي لطلاب الصف الثامن على «دويين»، النسخة المحلية الصينية من «تيك توك»، ينتشر منذ يوم الأربعاء. تم تحميله بواسطة مستخدم يبدو أنه مدرس تاريخ، ويوضح

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

شجّع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، (الأحد) أساطيل الاتحاد الأوروبي على «القيام بدوريات» في المضيق الذي يفصل تايوان عن الصين. في أوروبا، تغامر فقط البحرية الفرنسية والبحرية الملكية بعبور المضيق بانتظام، بينما تحجم الدول الأوروبية الأخرى عن ذلك، وفق تقرير نشرته أمس (الخميس) صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية. ففي مقال له نُشر في صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، حث رئيس دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أوروبا على أن تكون أكثر «حضوراً في هذا الملف الذي يهمنا على الأصعدة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.