من قاع البحر إلى رحابة السماء... تأملات في الكون والوطن

نبيل نحاس يقدم معرضه الأول في فرنسا تحت عنوان {جذور السماء}

من معرض الفنان نبيل نحاس في شاتو لاكوست (الشرق الأوسط)
من معرض الفنان نبيل نحاس في شاتو لاكوست (الشرق الأوسط)
TT

من قاع البحر إلى رحابة السماء... تأملات في الكون والوطن

من معرض الفنان نبيل نحاس في شاتو لاكوست (الشرق الأوسط)
من معرض الفنان نبيل نحاس في شاتو لاكوست (الشرق الأوسط)

في رحاب «شاتو لا كوست»، تلك الضيعة الريفية في بروفانس بفرنسا التي تحولت متحفاً مفتوحاً في أحضان الطبيعة، يقيم الفنان اللبناني - الأميركي نبيل نحاس معرضه الأول في فرنسا تحت عنوان «جذور السماء»، يقدم عدداً من الأعمال الحديثة للفنان تعرض في قاعتين منفصلتين.
يصحب الفنان مجموعة من الصحافيين لمعرضه، يقول، إنه لا يحب الحديث عن أعماله، ولكنه يجيب عن الأسئلة بجمل قصيرة يكسرها بإطالة النظر للوحة أو أخرى في القاعة.

نبيل نحاس مع أحد أعماله في قاعة رينزو بيانو في شاتو لاكوست (الشرق الأوسط)

في القاعة الأولى لوحات لطبيعة حزينة، لأشجار ضخمة، تحمل الكثير من جذوره في لبنان، هنا نرى أشجار الأرز والزيتون غير أنها ليست كالأشجار في ربوع لبنان، بعضها هنا متفحم، عارٍ من الأغصان والأوراق، يغلب عليها السواد. أسأله عن طغيان اللون الأسود في اللوحات، وعن إذا ما كان يفكر بأحداث داكنة في لبنان مثل انفجار مرفأ بيروت، يختار الابتعاد عن الشرح والتوصيف ويجيبني بجملة مقتضبة «لم أكن أفكر بذلك، اعتدت على استخدام اللون الأسود في أعمالي». الأشجار الداكنة بتدرج ألوانها والطبقات المتتالية من الألوان الداكنة عليها مع خلفيات حمراء صارخة، تبث إحساساً قوياً بالحزن. قبل دخولنا القاعة مع الفنان نلتقي أحد الزوار. يحيي الفنان قائلاً «الأعمال مؤثرة جداً يا نبيل، وكأننا في ثلاجة موتى»، يجيبه الفنان بابتسامة صغيرة «لماذا لا تعتبرها جذوراً للأمل؟» في القاعة وأمام اللوحات يغلب الشعور بالموت على الأمل، أسأله عن الحالة الشعورية التي كان عليها «قلت لي بأن اللون الأسود من ألوانك المعتادة، ولكننا لا نستطيع الهرب من تأثير الأسود والأحمر هنا». يجيبني قائلاً «استخدمت هذه الألوان من قبل»، يتوقف قليلاً قبل أن يضيف «كنت أرسم لأشجار الأرز قبل الانفجار (مرفأ بيروت) لم أتعمد رسمها بالمناسبة». مضيفاً «لا أحب شرح الأشياء في لوحاتي». الأشجار تبدو مجردة من الأغصان والأوراق، أعلق مرة أخرى وأخيراً يستجيب الفنان لمغزى سؤالي ويقول «بعض هذه الأشجار تحتضر الآن، وهو تعليق على حالة الأمور الآن». يقول، إن تأثيرات الأوضاع في لبنان تقبع في أعماق عقله. أشجار الأرز التي ترمز للبنان قريبة لقلبه يقول «لدي بعض منها في حديقتي، عمرها مئات السنين، أتمنى أن تكون حاملة لتاريخ طويل في داخلها». يصفها بأنها أشجار «معذبة» ويضيف «لبنان في كارثة، مرّت بكثير مثلها منذ بداية تاريخها، ولكنها دائماً تعود».

من معرض الفنان نبيل نحاس في شاتو لاكوست   -  تفصيلة من لوحة للفنان نبيل نحاس    -   عمل من المعرض (الشرق الأوسط)

ليست فقط الأشجار التي تتجسد حولنا، في أكثر من مكان تتجاور الأشجار «المعذبة» مع أشكال هندسية أو دوائر منتظمة في خيوط دائرية. تتساءل إحدى الحاضرات حول ماهية الدوائر ويجيبها قائلاً «أنا لا أرسم بأسلوب واحد فقط، أنا فضولي بطبعي، فإذا ما حدث أمر ما يشغلني أترك اللوحة التي أعمل بها وأتحول لغيرها إذا أحسست أنها ستأخذني لمنطقة مختلفة، وبعدها أعود مرة أخرى للوحتي الأولى».
لماذا اختار الجمع بين لوحتين مختلفتين في الأسلوب؟ أسأله ويقول «عنوان المعرض هو (جذور السماء)، وهو مستمد من عنوان رواية للمؤلف الفرنسي رومان جاري (جذور السماء) وهي أول رواية (بيئية) في العالم. كنت دائماً مهتماً بالطبيعة في شكلها الروحي، ليست الطبيعة التي ترينها من النافذة، بل الطبيعة بمعناها الواسع والمتعلق أيضاً بالكون، الأشجار هنا متعلقة بجذورها وأيضاً بالسماء».
في إحدى اللوحات شجرة عملاقة لا نرى سوى منتصفها تتوسط اللوحة وإلى جانبها لوحة تحتلها أشكال هندسية متشابكة، قد تكون الامتداد البيئي للشجرة بتركيبتها الجينية. يقول، إن الأشكال الهندسية مستوحاة من شكل سمكة نجم البحر (لنجم البحر قصص أخرى في لوحات الغاليري الثاني)، ويضيف مشيراً إلى تلك الأشكال «هي رسومات أنتجتها في السبعينات، الأشكال فيها مستمدة من نجم البحر، إذا رسمنا خطاً يمر بأطراف نجم البحر نحصل على هذا الشكل الهندسي وهو أساس الهندسة الإسلامية، قلت لنفسي لماذا لا أعيد استخدام هذه الرسومات التي تمثل الشكل الجزيئي وقد تكون هي التركيب الجزيئي للشجرة».
يرفض الحديث عن استخدام الألوان في لوحة تمثل شجرة زيتون صفراء على خلفية سوداء، مرت فرشاته المليئة باللون على جذع الشجرة وأغصانها، نلاحظ أن اللون انساب في قطرات على اللوحة، يبدو غير مرتاح مرة أخرى لشرح طريقته في العمل «أنا أرسم اللوحات فقط، وليس لدي الكثير لأقوله عنها».

- الفنان والطبيعة
خلال الجولة ألتقي جوانا شفالييه منسقة المعرض، ويدور بيننا حديث عن الفنان وأعماله. تعلق على العرض بقولها «جذور السماء»، يمكن اعتباره بمثابة يوميات للفنان، رسم اللوحات بعد انفجار مرفأ بيروت.
تقول، إن الأعمال في هذه القاعة مختلفة عن الأعمال في القاعة التالية «في القاعة التالية لن تعرفي إن كنتِ تنظرين لقاع البحر أم للسماء». بالإشارة إلى التعامل مع الطبيعة في أعمال نحاس، تقول «نبيل يتعاطف مع الطبيعة، ويمكننا رؤية الأشكال الهندسية على أنها أساس العالم».
تشرح أكثر طريقة الفنان في العمل «نبيل يسبغ على اللوحات الكثير من العاطفة والانطباعات والكثافة، إذا رأيت اللوحات في صور فوتوغرافية فلن تستطيعي فهم هذا الحضور للون والتركيب وحتى الثقل، ولكن إذا اقتربتِ من اللوحة ستحسين وكأنك في داخلها».
عن استخدام الألوان وتساقطها على قماش اللوحة، هل هو أمر متعمد؟، تقول «هو يحب فعل ذلك لأنه يمنحه الحرية، عندما ننظر لعمله نحس بأنه غير محكوم، يتنقل من لوحة لأخرى، يضع لمسات هنا ثم يذهب للوحة أخرى وينشغل بها، هي الحرية في الرسم، لا قيود ولا تحكم، كمن يقوم بخطوات راقصة، يمكننا رؤية الديناميكية».
شفالييه تفهم نبيل نحاس وطريقة عمله، تحس بها وتتفاعل معها وحين تشرحها لنا تدخلنا لعالم الفنان وطريقة تفاعله، تشرح لنا «نبيل يأخذ وقته، قد يلقي مزحة ثم يهرب من الحديث، لا يشعر بأنه مرتاح للحديث عن عمله، أمر طريف في الحقيقة لأنه عندما يشرح عمله قد يقول أشياء مختلفة، وكلها حقيقية، ليس هناك تفسير واحد، أرى أعماله مثل فطيرة (ميل فوي) الفرنسية المكونة من طبقات، أعماله أيضاً هي طبقات من الفكر والإيحاءات».
عن الأشجار المحترقة تقول «هي تعبيرات عن المشاعر التي اجتاحته بعد انفجار المرفأ، أحس بالقلق والحزن على معاناة الناس، لم يكتب ذلك بالكلمات، ولكنه قام برسم سلسلة من اللوحات، قد لا يعرف الناظر أنها رسمت بوحي من ذلك الحدث ولكنها تبعث بشعور ثقيل وقوي».
اللوحات تصور أشجار الأرز وأشجار زيتون ونخلات وحيدة، كلها ترمز للوطن، لتاريخه وثقافته وأيضاً تركيبته البيئية. في لوحة تتصدر العرض تظهر لوحة يغلب عليها اللون الأصفر؛ ما نتخيله حرائق غابات مستعرة بينما في لوحات مجاورة تتناول لوحات أشجار زيتون محروقة على خلفية مشتعلة حمراء، تعتبر شفالييه كل ذلك إشارات واضحة للأحداث التي مر بها لبنان في 2020. تؤكد المنسقة على أن الفنان يعبّر عن كل ذلك بنبرة تحدٍ على الرغم مما تظهره الألوان وتعبيرات الفرشاة من الصدمة والألم. ترى في تصوير الأشجار مقاومة وتحدٍ من الفنان للواقع المرير في تشكيل تلك الكتل الداكنة الصلبة صامدة تمثل الكبرياء والألم الجماعي.

- من قاع البحر إلى السماء
في الغاليري الثاني نحن أمام عالم آخر، لوحات عملاقة تسكنها أسماك نجم البحر. هي الأساس تفترش اللوحات بألوان مختلفة، تمثل الطبقة الأساسية باللون الرمادي وفوقها طبقات أخرى من الألوان بعض تلك الأشكال المجسمة ملون وفي لوحات أخرى لامع. مثلما قالت شفالييه نحس بأننا ننظر إلى قاع البحر في الكثير منها، أشكال لكائنات لا نعرفها ودوائر وأشكال هندسية، كل منها لها نسيج مركب من الألوان الأكريليك ومن مجسمات السيليكون.
يتحدث الفنان عن التجربة الأساسية التي أدخلت نجم البحر للوحاته «في عام 1991 هبّت عاصفة قوية، وكان بيتي قريباً من الشاطئ، عندما ذهبت إلى هناك وجدت الشاطئ مغطى بأسماك نجم البحر، أخذت بعضها معي للبيت ووضعتها على لوحة قماشية، انصرفت عنها لفترة ثم عدت للوحة وللأسماك ونظرت لها وجدت أن هناك شيئاً ما يجذبني لها». يرى الفنان تلك الأسماك إشارة إلى أصل الأشياء يستوحي من شكلها التركيبات الهندسية التي نراها «نحن هنا نبدأ من الصفر، وهو ما يعادل أساس الهندسة». يستدرك «لست مهتماً بنسخ الطبيعة، ولكني مهتم بالتطور، يمكنك الانتقال من قاع البحر للكون، هناك جملة أعجبتني للفيلسوف نيتشه تقول (يجب أن يكون لديك فوضى في داخلك لتلد نجمة راقصة)، أعتقد أن المقولة تعبّر عن هذه اللوحة».
يعرج الفنان في حديثه إلى علاقة لوحاته بالفن الإسلامي، يشير إلى اللوحات الضخمة المفروشة أرضيتها بأشكال نجم البحر «أعتقد أن هذه اللوحات تمثل ماهية الفن الإسلامي، فهو ليس في الخط أو في الكتابة، بل في هذه الأشكال».
خلال حديثي مع شفالييه أشير إلى أن علاقة نحاس بالطبيعة قوية جداً، تصحح لي «ليست قوية، بل هي أساسية، كل شيء مرتبط بالطبيعة؛ وهو ما يجعل أعماله معاصرة جداً فهو مهتم جداً بالبيئة والطبيعة والحفاظ عليها».


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تخصص 20 مليار دولار لبناء قاعدة قمرية… وتعلّق خطط محطتها المدارية

صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ نظام الإطلاق الفضائي التابع لـ«ناسا» لبعثة «أرتيميس 2» والمركبة الفضائية «أوريون» يظهران عند شروق الشمس في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس «ناسا»، اليوم الثلاثاء، أن وكالة الفضاء الأميركية ستستثمر 20 مليار دولار لتطوير قاعدة على سطح القمر، مع تعليق خططها لإنشاء محطتها المدارية القمرية المعروفة باسم «غايتواي».

وقال جاريد إيزاكمان في بيان أدلى به خلال فعالية استمرت ليوم كامل في مقر وكالة «ناسا» بواشنطن: «تعتزم الوكالة إيقاف مشروع (غايتواي) بشكله الحالي، والتركيز بدلاً من ذلك على البنية التحتية التي تُمكّن من استدامة العمليات على سطح القمر».

وأضاف: «على الرغم من التحديات التي تعترض عمل بعض المعدات الحالية، ستعيد الوكالة توظيف المعدات المناسبة وستستفيد من التزامات الشركاء الدوليين لدعم هذه الأهداف».

وكانت وكالة الفضاء الأوروبية، إلى جانب منظمات دولية أخرى، من بين الشركاء في مشروع «غايتواي».

يأتي هذا التغيير الأخير لخطط «ناسا» بعد تعديلات طرأت على برنامج «أرتيميس» الذي يهدف إلى إعادة رواد فضاء أميركيين إلى القمر، والتأسيس لوجود طويل الأمد هناك، تمهيداً لبعثات مستقبلية إلى المريخ.

وكان من المُفترض أن تكون محطة «غايتواي» المدارية القمرية بمثابة نقطة عبور لرواد الفضاء المتجهين إلى القمر، ومنصة للأبحاث.

لم يكن تعليق المبادرة مفاجئاً، إذ انتقدها البعض باعتبارها تهديداً للموارد أو تشتيتاً للانتباه عن طموحات أخرى متعلقة بالمهام إلى القمر.

وقال إيزاكمان إن «ناسا» تخطط حالياً لإنفاق 20 مليار دولار على مدى السنوات السبع المقبلة لبناء القاعدة القمرية عبر عشرات المهمات، «بالتعاون مع شركاء تجاريين ودوليين لوضع خطة مدروسة وقابلة للتنفيذ».

وأضاف: «سيكون هناك مسار تدريجي لبناء أول قاعدة دائمة للبشرية خارج كوكب الأرض، وسنأخذ العالم معنا في هذه الرحلة».

«أرتيميس 2»

أعلن إيزاكمان الذي تولى قيادة «ناسا» أواخر العام الماضي، على نحو مفاجئ قبل أقل من شهر، إعادة هيكلة برنامج «أرتيميس» الذي شهد تأجيلات متكررة في السنوات الأخيرة، وذلك بهدف ضمان عودة الأميركيين إلى سطح القمر بحلول عام 2028.

وأوضح إيزاكمان أن هذا الهدف لا يزال قائماً، لكن وكالة الفضاء الأميركية تُجري تعديلات على برنامج رحلاتها ليشمل مهمة تجريبية قبل الهبوط النهائي على سطح القمر، وذلك لتحسين «الخبرة العملية» في عمليات الإطلاق.

جاء هذا التعديل الاستراتيجي بعد تأجيلات متكررة لمهمة «أرتيميس 2» التي كان من المقرر إطلاقها في فبراير (شباط)، ولكنها باتت مرتقبة حالياً في أبريل (نيسان). وتهدف المهمة إلى تحقيق أول تحليق قريب من القمر منذ أكثر من نصف قرن.

خلال ولايته الأولى، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب رغبته في أن تطأ أقدام الأميركيين سطح القمر مجدداً.

وتواصل الصين المضي قدماً في خططها لأول مهمة مأهولة إلى القمر بحلول عام 2030 على أقصى تقدير.

ويعتمد الجهد الأميركي جزئياً على تقدم شركاء «ناسا» من القطاع الخاص.

وقد تعاقدت «ناسا» مع شركتي الفضاء «سبايس إكس» و«بلو أوريجين»، التابعتين للمليارديرين إيلون ماسك وجيف بيزوس، لتطوير مركبات الهبوط القمرية المستخدمة في برنامج «أرتيميس».


القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)
بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر، وأكدت الوزارة في بيان، الثلاثاء، أن المقال المنسوب للمدعو فؤاد الهاشم، الصحافي الكويتي، تضمن إساءات إلى مصر وشعبها والقيم الأخلاقية العربية، إضافة إلى ادعاءات تسيء إلى الجوانب الصحية والسياحية في مصر.

وعدّ البيان «وقوع هذا الشخص في مستنقع البذاءات التي استخدمها تجاه مصر وشعبها أمراً مرفوضاً، وانحطاطاً أخلاقياً قبل أن يكون سقوطاً مهنياً وإعلامياً، وهو تصرف لا يمكن التسامح معه أو الصمت إزاءه».

ووجهت الوزارة التحية للأصوات الكويتية ومن سائر دول الخليج العربية من إعلاميين ومثقفين ومسؤولين ومواطنين شرفاء، سارعوا لإدانة ما اقترفه ذلك الشخص تجاه مصر وشعبها، وعبروا عن المشاعر الوطنية والقومية الطبيعية والمتجذرة لدى الشعبين في مصر والكويت، وما تضمنته مقالاتهم وآراؤهم بما يربط البلدين الشقيقين عبر التاريخ القديم والحديث من روابط اجتماعية وسياسية وثقافية.

وأهاب البيان بالإعلاميين والمواطنين المصريين عدم الوقوع في فخ الخلط بين انحراف هذا الشخص عن كل القيم والأعراف والأخلاقيات، وبين الشعب الكويتي الشقيق المحب لمصر بقيادته ومواطنيه ونخبه الثقافية والإعلامية، والحريص دائماً على العلاقات الطيبة مع مصر وقيادتها وشعبها، وعدم الانسياق وراء الفتنة التي أرادها هذا الشخص المسيء فى هذا التوقيت تحديداً للوقيعة بين الشعبين، فكاتب المقال لا يمثل في نظرنا إلا نفسه، ونربأ بإعلام وشعب الكويت أن يكون معبّراً عنهم».

وقال السفير عزت سعد، المدير التنفيذي للمجلس المصر للشؤون الخارجية، إن «العلاقة بين مصر والكويت لن يؤثر فيها سلباً مثل هذه المقالات، لكن من المناسب الرد وتوضيح علاقتنا بالكويت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الكويتي يقدرون دور مصر في بناء الكويت الحديثة ودورها في تحرير الكويت بداية التسعينات، ومن ثم يجب عدم الالتفات لمثل هذا الرجل الذي كتب كلاماً لا يستحق القراءة فضلاً عن الرد عليه».

ولفت سعد إلى أن إصدار بيان والتحرك قانوناً في مثل هذه المواقف أمر يعود لتقديرات وزارة الدولة للإعلام، مضيفاً: «في مناسبات سابقة كان هناك دائماً ذوو نفوس ضعيفة يكتبون مثل هذه الكلمات غير المسؤولة والتي تحتاج إلى دليل ملموس يدعمها، وهي صغائر لا تستحق الاهتمام».

وأعلنت الوزارة عن إجراءات تم اتخاذها تجاه الموضوع بالتنسيق بين وزارتي الخارجية في مصر والكويت، وإحالة الموضوع برمته إلى النائب العام في الكويت الشقيقة لاتخاذ ما يلزم قانوناً إزاءه، كما قام وزير الدولة للإعلام بمصر بالاتصال هاتفياً بوزير الإعلام بدولة الكويت، للتعبير عن الرفض التام لهذا المقال الذي نُشر في إصدار إعلامي كويتي، وهو تصرف غير مقبول، ويسيء للعلاقات الوطيدة بين البلدين، معرباً عن ثقته بأن الجانب الكويتي لن يتهاون إزاء هذا السلوك.

ويرى العميد الأسبق لكلية الإعلام جامعة القاهرة، الدكتور حسن عماد مكاوي، أن «المقال المسيء صدر عن شخص ليس له حيثية، وليس له ثقل في المجتمع الكويتي، فهو شخص بلا جنسية (بدون)، وهو كاتب صحافي غير معروف ومحدود القيمة، ولا يستحق الرد على ما قاله من تفاهات وعبث».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «العلاقات بين مصر والكويت أكبر من هذا الأمر، ومثل هذه الكتابات سواء صدرت عن شخص كويتي أو شخص مصري يجب ألا يُعتد بها؛ لأنها لا يمكن أن تؤثر في علاقات سياسية واقتصادية واجتماعية عبر عشرات السنين الماضية».

وفي الوقت نفسه، جدد وزير الدولة للإعلام خلال الاتصال الهاتفي التأكيد على دعم مصر حكومة وشعباً لدولة الكويت الشقيقة في مواجهة ما تتعرض له من اعتداءات إيرانية غير مبررة. وأكد البيان أنه يتم التنسيق حالياً بين وزارتي الخارجية فى مصر والكويت بشأن ما يمكن اتخاذه من إجراءات قضائية وفق القوانين الكويتية تجاه الشخص المذكور.

وجددت الوزارة عزمها وكل الجهات المصرية المختصة، على إخضاع أي تجاوزات تضر بالمصالح الوطنية، وتسيء للعلاقات مع الدول العربية الشقيقة، للقوانين واللوائح المصرية، وهو الأمر الذي تناشد الجهات المعنية في الدول العربية الشقيقة، القيام به تجاه المتجاوزين في حق مصر وشعبها والساعين إلى الإضرار بعلاقات دولهم الشقيقة معها، وذلك وفقاً لما تتيحه الأنظمة والقوانين في كل منها.

ووصفت المتخصصة في الإعلام والدعاية بجامعة القاهرة، الدكتورة سارة فوزي، البيان الصادر عن وزارة الدولة للإعلام في مصر بأنه «متوازن جداً»، وثمنت خطوات الوزارة في سرعة الرد على كل ما يتم نشره دولياً ومحلياً وما يتم تداوله من شائعات.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أهم ما يميز البيان التفرقة بين الآراء الفردية، والروابط القوية بين الكويت ومصر وغيرها من دول الخليج خصوصاً في وقت الأزمات والحروب».

ولفتت إلى أن «التحرك القضائي وتصعيد الأمر ضد أي شخص يتجاوز أمر مهم جداً، حتى لا نرى كتّاباً آخرين يحاولون التطاول على مصر»، وأكدت أنه «إلى جانب قوة مصر الناعمة يجب أن يعرف المتجاوزون أن مصر يمكنها أن تضرب بيد من حديد على المسيئين والمتجاوزين حتى لا يتكرر الأمر».

وأشارت سارة إلى حوادث عالمية كثيرة تم التحرك فيها قضائياً من قبل الدول ضد مقالات نشرت في دول أخرى تنال من هيبة الدولة المتضررة، وتسيء لها أو لأحد رموزها أو تطلق اتهامات جزافية ضدها.

وكان المقال المنشور في إحدى الصحف الكويتية قد أثار ضجة كبيرة في مصر، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ونشرت ابنة كاتب المقال وهي المخرجة السينمائية فرح الهاشم بياناً ورسالة موجهة للرئيس المصري على صفحتها بموقع «فيسبوك» تنفي فيه علاقتها بما يصدر عن هذا الشخص الذي وصفته بأنه «والدها البيولوجي»، وقالت في منشورها إن علاقتها به منقطعة منذ أعوام طويلة، وأنها تختلف تماماً مع آرائه، مؤكدة محبتها وتقديرها لمصر وشعبها.


مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: الكشف عن بقايا دير أثري بوادي النطرون

 اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
اكتشاف بقايا دير أثري بمصر يسلط الضوء على تاريخ الرهبنة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

سلط اكتشاف بقايا دير أثري بوادي النطرون (شمال القاهرة) الضوء على بدايات الرهبنة في مصر والعالم، وتفاصيل الحياة اليومية للرهبان، بجانب تطور النسق المعماري عبر عصور مختلفة.

وأعلنت البعثة الأثرية المصرية المشتركة بين «المجلس الأعلى للآثار» و«كلية الآثار بجامعة القاهرة»، الثلاثاء، عن اكتشاف بقايا مبنى دير أثري يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي، بمنطقة الأديرة المطمورة بوادي النطرون بمحافظة البحيرة، والتي تُعد من أهم مراكز نشأة الرهبنة في مصر والعالم.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والأثار المصرية، «يمثل هذا الكشف مرحلة هامة في تطور الحياة الرهبانية المبكرة، حيث يلقي الضوء على التخطيط المعماري للأديرة الأولى في هذه المنطقة ذات القيمة الدينية والتاريخية الكبيرة».

وتبلغ مساحة المبنى المكتشف نحو 2000 متر مربع، وهو مشيَّد من الطوب اللبن، حيث يصل سُمك الجدران الخارجية إلى متر كامل، بينما يتراوح سُمك الجدران الداخلية ما بين 60 و70 سم، ويتراوح ارتفاعها بين 1.80 و2.20 متر.

ويضم المبنى فناءً مركزياً مكشوفاً يتوسط التخطيط العام، تحيط به مجموعة من الوحدات المعمارية التي تشمل أفنية فرعية تفتح عليها قلالي (حجرات الرهبان) بأشكال ومساحات متنوعة، ما بين المربع والمستطيل. كما تم الكشف عن مجموعة من الملحقات الخدمية في الجزء الغربي من المبنى، تضم مطابخ متكاملة وأفراناً وأماكن لتخزين المؤن.

المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور فنون العمارة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي أن الاكتشاف يمثل «إضافة نوعية لفهمنا لبدايات الرهبنة في مصر، والتي انطلقت من أرض مصر لتنتشر في مختلف أنحاء العالم»، وأضاف في إفادة رسمية أن «وادي النطرون يُعد أحد أهم المراكز الروحية والتاريخية في مصر، وهذا الاكتشاف يعزز من مكانته على خريطة السياحة الدينية والثقافية الدولية».

وأسفرت أعمال الحفائر عن اكتشاف عدد من أماكن الدفن داخل المبنى، تحتوي على بقايا عظام بشرية يُرجح أنها تعود لرهبان الدير، في دلالة على الطابع الجنائزي المرتبط بالحياة الرهبانية في تلك الفترة.

ويرى أستاذ الآثار بجامعة القاهرة الدكتور جمال عبد الرحيم أن «الاكتشاف يفتح الباب أمام مزيد من الدراسات العلمية حول حياة الرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الآثار المكتشفة ستسهم في تسليط الضوء على الحياة الاجتماعية واليومية للرهبان، بشكل مغاير وأكثر عمقاً مما ورد في كتب التاريخ، حيث تقدم الحفريات تفاصيل مختلفة عن الروايات التاريخية»، مؤكداً أن «الدير المكتشف يبرز تطوراً كبيراً في العناصر المعمارية الخاصة بالأديرة».

يحتوي على عناصر معمارية فريدة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتضمن الكشف الأثري الجديد تفاصيل معمارية وفنية عدة، حيث تم العثور على عدد من النقوش بالخط القبطي، تتضمن أسماء رهبان أقاموا بالدير، إلى جانب كتابات دينية تتضرع بالرحمة والمغفرة، وهو ما عدته البعثة «يسهم في تأريخ المبنى، وتوثيق الحياة اليومية للرهبان».

ورأى أستاذ الاجتماع بالكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية، الدكتور نصيف فهمي أن «اكتشاف الدير الجديد يفتح مجالاً واسعاً لدراسة الحياة الاجتماعية للرهبان»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحياة الاجتماعية للرهبان بها تفاصيل غير معروفة للكثيرين، وتوفر الاكتشافات الأثرية معلومات جديدة».

وبحسب وزارة السياحة، أظهرت الدراسات المعمارية استخدام أنظمة تسقيف متنوعة، بمبنى الدير المكتشف، منها الأقبية والقباب المبنية من الطوب اللبن، كما كُسيت الجدران بطبقة من الملاط الأبيض، وزُينت برسومات جدارية تضم عدداً من الصلبان وأشجار النخيل وزخارف نباتية وهندسية متنوعة.

المبنى يعود إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلادي (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد عميد كلية الآثار بجامعة القاهرة الدكتور محسن صالح أن «البعثة وضعت خطة متكاملة لتوثيق المبنى المكتشف وصيانته وفقاً لأحدث المعايير العلمية، مع مراعاة طبيعة مواد البناء الطينية وتحقيق مبادئ الاستدامة». بينما أكد رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة السياحة الدكتور ضياء زهران، أن المبنى يعد «نموذجاً متكاملاً لمباني الرهبنة المبكرة، حيث يحتفظ بمعظم عناصره المعمارية»، بينما أوضح رئيس البعثة الأثرية الدكتور ياسر إسماعيل عبد السلام، أن هذا الكشف «يمثل دليلاً مادياً هاماً يؤكد الروايات التاريخية حول نشأة الرهبنة في وادي النطرون»، مشيراً إلى أن «المبنى يعكس مرحلة انتقالية في تطور العمارة الرهبانية بين القلالي الفردية والأديرة الكبيرة».