استعدادات روسية لمواجهة هجوم أوكراني مضاد بعد تسريب «وثائق» أميركية عنه

ترجيحات بفتح جبهة زابوريجيا لتخفيف الضغط على باخموت

استعدادات روسية لمواجهة هجوم أوكراني مضاد بعد تسريب «وثائق» أميركية عنه
TT

استعدادات روسية لمواجهة هجوم أوكراني مضاد بعد تسريب «وثائق» أميركية عنه

استعدادات روسية لمواجهة هجوم أوكراني مضاد بعد تسريب «وثائق» أميركية عنه

مع تواصل المعارك الضارية في باخموت وتضارب المعلومات حول حجم تقدم قوات مجموعة «فاغنر» في المدينة الاستراتيجية، وترجيح قرب الإعلان عن سقوطها بشكل نهائي في أيدي القوات الروسية، تركزت الأنظار (الجمعة)، على استعدادات روسية لمواجهة هجوم أوكراني مضاد توقعت مصادر الانفصاليين الأوكرانيين، أن يمتد من زابوريجيا إلى عدد من المناطق الأخرى. وتزامنت تقارير قادة عسكريين ميدانيين، حول هذا الشأن، مع نشر تسريبات أميركية أشارت إلى الهجوم المرتقب. وحملت تصريحات نُسبت إلى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، مؤشرات جديدة إلى عزم الغرب على دعم التوجه الأوكراني.
وكانت قوات «فاغنر» قد نشرت صوراً وتسجيلات فيديو خلال اليومين الماضيين من مناطق في وسط باخموت في مسعى لتأكيد فرض سيطرة كاملة على المدينة، كما تحدثت تقارير عن إحكام قبضة القوات على محطة سكك الحديد في المدينة بعد إجبار القوات الأوكرانية على الابتعاد عن خطوط التماس حولها، ما يعني قطع آخر خطوط الإمداد إليها.
ووصفت أوكرانيا الوضع في باخموت بأنه «صعب»، لكنها أشارت إلى أنها صامدة رغم التفوق العددي للقوات الروسية. وأفاد المتحدث باسم القيادة العسكرية الشرقية سيرهي تشيرفاتي، لـ«رويترز»، بأن أوكرانيا تسيطر على الوضع في باخموت وتدرك النيات الروسية، وأن موسكو حققت نجاحاً تكتيكياً في بعض الأماكن لكنها تدفع ثمناً باهظاً مقابل ذلك. وقال تشيرفاتي: «الوضع صعب، العدو يبذل أقصى جهوده للاستيلاء على باخموت. لكنه يعاني من خسائر فادحة ولم يحقق نجاحاً استراتيجياً». وأردف قائلاً إن «جميع القرارات تُتخذ بهدف عدم السماح للعدو باختراق دفاعنا وبهدف إلحاق أكبر قدر من الضرر به والحفاظ على الأفراد».
لكن القوات روسية أحرزت تقدماً في السيطرة على أراضٍ في مدينة «باخموت»، طبقاً لجهاز الاستخبارات البريطاني.

بالأرقام والتواريخ... تسريب وثائق سرية تكشف خطط أميركا للحرب الأوكرانية

وذكرت وزارة الدفاع البريطانية، (الجمعة)، في تحديث منتظم لها بشأن الحرب، أن القوات الروسية ربما شقت طريقها بوسط المدينة وسيطرت على الضفة الغربية من نهر «باخموتكا». وأضاف التقرير أن هذا يعني أن طريق إمداد أوكرانياً رئيسياً إلى غرب البلدة «ربما تعرّض لتهديدات بشكل خطير». وتابع التقرير أنه بعد عدم إحراز القوات الروسية أي تقدم في باخموت، منذ نهاية مارس (آذار) الماضي، زادت موسكو بشكل كبير وجودها في المنطقة ونشرت أيضاً المزيد من المدفعية. وذكر جهاز الاستخبارات البريطاني أن هناك أيضاً «احتمالاً واقعياً» أن تهدأ التوترات بين موسكو وقوة «فاغنر» المرتزقة الروسية، «محلياً»، حيث حسّن الجانبان من التعاون.
ومع توقع أن مسألة سقوط المدينة غدت «مسألة وقت»، كما قال مسؤولون عسكريون، تحدثوا عن انسحابات واسعة للقوات الأوكرانية من التحصينات التي أُقيمت حولها، اتجهت الأنظار (الجمعة)، إلى احتمال اشتعال جبهة جديدة، مع بروز معطيات عن تجهيزات دخلت مراحلها النهائية لشن هجوم أوكراني مضاد على عدة محاور.
ونقلت وسائل إعلام حكومية روسية تفاصيل عن وثائق أميركية مسرَّبة وُصفت بأنها «بالغة السرية»، وقامت صحيفة «نيويورك تايمز» بنشر تفاصيل حولها. وعلى الرغم من إشارة المصادر الروسية إلى صعوبة التحقق من صحة الوثائق المنشورة، لكن مضمونها أشار -كما قالت وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية- إلى دخول تحضيرات الهجوم المضاد مراحلها الأخيرة. وقالت الوكالة إن التسريبات تتحدث عن عدد القوات الأوكرانية، ومستوى إمدادها بالمعدات العسكرية، وما تحتاج إليه القوات المسلحة الأوكرانية للهجوم الذي كان مخططاً له أن ينطلق بداية الشهر الماضي. كما أشارت الوثائق المسربة إلى أن خسائر أوكرانيا منذ اندلاع الحرب بلغت بالفعل 71 ألف جندي.
وحوت الوثائق معلومات مختصرة حول 12 لواء أوكرانياً قيد التشكيل، بدا أن 9 منها قد تم تدريبها وتزويدها بالعتاد من الولايات المتحدة وحلفاء «الناتو» الآخرين. كما تفترض المواد السرية أن 6 من الألوية باتت جاهزة بحلول نهاية مارس لشن الهجوم، في حين تحتاج الألوية الأخرى إلى فترة شهر إضافي لاستكمال استعداداتها. كما تشير الوثائق إلى حاجة أوكرانيا إلى أكثر من 250 دبابة و350 مدرعة لاستكمال دعم هذه التشكيلات.
ونقلت الوكالة الروسية عن مصادر في الولايات المتحدة أن وزارة الدفاع الأميركية فتحت تحقيقاً لكشف آليات تسريب وثائق سرية للبنتاغون تصف حالة الجيش الأوكراني وخطط الولايات المتحدة و«الناتو» لدعم قوات كييف.
اللافت أن هذه المعطيات وجدت تأكيداً رسمياً، عبر تصريحات أطلقها وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، في مقابلة مع النسخة الفرنسية من «Ouest – France»، وتحدث فيها عن هجوم أوكراني مضاد من أوكرانيا يُنتظر أن ينطلق في الأسابيع المقبلة. وعلى حد قوله، فإن الدول الغربية التي تدعم نظام كييف وضعت هدفين يتعلقان بالتدخل في الأزمة الأوكرانية.
وأشارت «نوفوستي» إلى تأكيد بلينكن أن بلاده وضعت هدفين لتحركها في المرحلة المقبلة: «أولاً، يجب القيام بكل شيء ممكن لمساعدة أوكرانيا على استعادة الأراضي، بما في ذلك الهجوم المضاد المتوقع في الأسابيع المقبلة. لكن الهدف الثاني هو مساعدة أوكرانيا على بناء قدراتها على المديين المتوسط والطويل».
ورداً على سؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تعتزم دعم كييف في رغبتها في القتال من أجل الاستيلاء على شبه جزيرة القرم ودونباس بالقوة، قال وزير الخارجية إن مسؤولية مثل هذا القرار تقع على عاتق أوكرانيا.
ووفقاً لبلينكن: «هذا قرار أوكرانيا. الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يحقق إرادة الشعب الأوكراني. في الواقع، هذا قرار للأوكرانيين. جنباً إلى جنب مع الكثير من البلدان الأخرى، ندعم أوكرانيا في جهودها».
في هذا السياق، كانت وكالة «رويترز» قد نشرت قبل أيام معطيات عن انتهاء أوكرانيا من مرحلة تدريب ثمانية ألوية هجومية ضمن ما يسمى «الحرس الهجومي»، والتي يبلغ مجموع أفرادها 40 ألف جندي. ونقلت عن وزير الدفاع الأوكراني أوليكسي ريزنيكوف، قوله إن الهجوم المضاد يمكن أن يبدأ عندما يتوقف الانهيار الطيني، أي مع بداية فصل الصيف. ووفقاً لوكالة «نوفوستي» الروسية فإن خبراء عسكريين وسياسيين في أوكرانيا والغرب كرروا خلال الفترة الماضية، أن منطقة زابوريجيا تعد «أحد اتجاهات الضربات المضادة المحتملة من أجل الوصول إلى ساحل بحر آزوف وقطع الممر البري إلى شبه جزيرة القرم».
في هذا الإطار، قال الزعيم الانفصالي فلاديمير روغوف الذي يترأس حركة «نحن مع روسيا»، إن مجموعة من الضباط الأميركيين والبريطانيين قامت بوضع وتصميم خطة هجوم القوات الأوكرانية عبر آزوف. وزاد: «خطة هجوم آزوف في مقاطعة زابوريجيا، التي يحضر لها نظام كييف، تم وضعها وتصميمها من مجموعة عسكرية تابعة للناتو في الولايات المتحدة وبريطانيا». ووفقاً له، فإن الدور الرئيسي في الخطة، سيعود إلى المدرعات والدبابات التي يتوجب عليها تحقيق اختراق سريع بهدف الوصول إلى ساحل بحر آزوف، مع تجاوز المدن والبلدات الكبيرة. وقال روغوف: «هدفهم الرئيسي يكمن في قطع الممر البري مع القرم وقطع إمداد مجموعتنا العسكرية في الجبهة. ووفقاً لخطتهم سوف يسبق الهجوم قصف صاروخي كثيف وضربات بطائرات انتحارية من دون طيار تستهدف مواقع البنية التحتية، ومن ثم يبدأ الاختراق بالمدرعات. يبقى السؤال فقط عن اتجاه الضربة». وشدد روغوف على أن «القيادة العسكرية الروسية تعلم جيداً بالخطط الأوكرانية وتحضيرات العدو». وقال: «نتخذ كل التدابير الضرورية لحماية منطقتنا». وكان روغوف قد أعلن قبل يومين أن القوات الأوكرانية «حشدت مجموعة كافية من الجنود، لشن هجوم على خطوط التماس في المقاطعة». وزاد: «تلقت استخباراتنا معلومات دقيقة حول توريد الدبابات الغربية الجديدة لأوكرانيا، وندرك أن الغرب يدفع بالرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي للهجوم، ويطالبونه بإظهار مدى فاعلية المعدات الغربية، فهم بحاجة إلى نتائج سريعة».
وأشار روغوف إلى أن وسائل الإعلام الأوكرانية تنشر حملات إعلامية تهدف لتهيئة الرأي العام لهجوم مضاد، موضحاً أن الحملات تهدف لإثارة بلبلة بين المدنيين وخفض الروح المعنوية للجنود الروس، وقال: «هذه الخدعة لن تخيف رجالنا، وسوف يتلقى العدو رداً قاسياً جداً». وكانت روسيا قد ضمت مقاطعة زابوريجيا في الخريف الماضي، وحالياً تسيطر القوات الروسية على نحو 70 في المائة من أراضي المقاطعة لكن لا تزال مدينة زابوريجيا عاصمة الإقليم تحت السيطرة.


مقالات ذات صلة

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أوروبا مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أدى هجوم كبير شنته روسيا على أوكرانيا خلال الليل إلى مقتل ​سبعة أشخاص وإصابة العشرات، إذ أطلقت موسكو أكثر من 660 من الطائرات المسيرة والصواريخ 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)

روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أعلنت موسكو وكييف، الجمعة، تبادل 193 أسير حرب من كل جانب، وأوضح الجيش الروسي أن الإمارات والولايات المتحدة توسّطتا في عملية التبادل الجديدة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكدًا أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...