قناة السويس الجديدة في الإعلام.. المياه تكذب الغطاس

إجراءات لمواجهة مروجي الشائعات وسط مخاوف على حرية النشر

الرئيس عبد الفتاح السيسي في جولة له مع ضيوفه داخل المجرى الملاحي الجديد لقناة السويس (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي في جولة له مع ضيوفه داخل المجرى الملاحي الجديد لقناة السويس (الرئاسة المصرية)
TT

قناة السويس الجديدة في الإعلام.. المياه تكذب الغطاس

الرئيس عبد الفتاح السيسي في جولة له مع ضيوفه داخل المجرى الملاحي الجديد لقناة السويس (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي في جولة له مع ضيوفه داخل المجرى الملاحي الجديد لقناة السويس (الرئاسة المصرية)

يدقق المعد التلفزيوني المصري، خالد حسنين، في الأخبار التي تتدفق من الإنترنت قبل التعامل معها للتأكد من مصداقيتها. وبالنسبة لكثير من الإعلاميين والمعدين الآخرين أصبحت مسألة التحري عن الأحداث تزداد صعوبة في بلد غارق في «الشائعات الإلكترونية»، وهو يحارب عدة تنظيمات متطرفة في عموم البلاد، خاصة في شبه جزيرة سيناء.
أبرز وآخر مثال على معضلة الشائعات تلك التي تخص قناة السويس الجديدة، كانت مع ظهور تقارير، يستند معظمها إلى مصادر مجهولة، تقلل من جدوى مشروع المجرى الملاحي. ويقف خلفها عادة خصوم النظام المصري. وما بين وسائل الإعلام التي تتحدث عن مزايا المشروع القومي الكبير، والأخرى التي تصفه بـ«الطشت (حوض غسل الملابس)» أو «الترعة (مجرى نهري صغير)»، انتظر الرأي العام ليرى بنفسه الحقيقة على أرض الواقع، ولسان حاله يقول إن المياه تكذّب الغطاس.
وبينما كان الرئيس عبد الفتاح السيسي يلقي كلمة الافتتاح للمشروع الذي تكلف نحو ثمانية مليارات دولار، مرت من خلفه، في المجرى الملاحي، سفن عملاقة في أول عبور لها في قناة السويس الجديدة. كانت لحظة فارقة أظهرت إلى حد كبير مشكلة ترديد الشائعات التي انجرفت فيها كثير من الصحف والمواقع الإخبارية ليس بشأن قناة السويس الجديدة فقط، ولكن في قضية أخرى لا تقل خطورة وهي قضية الإرهاب. وبدأت السلطات في اتخاذ إجراءات لمواجهة مروجي الشائعات وسط مخاوف على حرية الصحافة.
يقول حسنين الذي يُعدُ برامج حوارية وسياسية في قناة للتلفزيون الرسمي، وهي «قناة النيل للأخبار»، إن أصول الإعلام معروفة، وهي تحري الدقة.. «خاصة في الأخبار التي تتعلق بالأمن القومي والقوات المسلحة، ويمكن أن تؤثر على استقرار المؤسسة العسكرية». وهو لا ينسى الحدث الذي أربك ملايين المصريين والعرب وحتى الأجانب، وذلك حين سارعت وسائل الإعلام في تصوير وقائع بدا منها أن الإرهابيين استولوا على سيناء قبل نحو شهر من الآن.
فجأة، ومع ساعات الصباح الأولى، امتلأت صفحات الوكالات والمواقع الإخبارية، المفترض أنها رصينة، بأنباء عن قتل «داعش» سبعين من أفراد الجيش المصري، واحتلال التنظيم المتطرف لمدينة الشيخ زويد في شبه جزيرة سيناء. ومع نهاية النهار ثبت لدى غالبية المتابعين أن هذه المعلومات لم تكن صحيحة، وسط حالة من الذهول والتعجب.
وتسعى الحكومة لاتخاذ إجراءات تحد من تدفق «الأخبار المضروبة» التي يصفها البعض بأنها أصبحت مثل «شبح يطارد وسائل الإعلام المصرية»، فحتى مشروع قناة السويس، الذي أطلقه السيسي في أغسطس (آب) 2014 وافتتحه قبل أيام، لم يسلم من التشكيك فيه، رغم وقوف ألوف العمال تحت الحر والشمس لشق قناة بطول عشرات الكيلومترات، من أجل تيسير حركة الملاحة في القناة والتأسيس لمشروعات كبرى في هذه المنطقة.
ومن بين الإجراءات الحكومية المزمعة تغليظ العقوبة على مروجي الشائعات التي تضر بالأمن القومي. إلا أن أوساطا إعلامية وسياسية أخذت تعرب عن مخاوفها على حرية الصحافة وحرية التعبير. لكن البعض يرى أن الجدية في العمل الإعلامي والتزام معايير المهنة، كفيلة بحل المشكلة بين السلطة التنفيذية والصحافة، وأن الرغبة في تحقيق السبق الصحافي لا ينبغي لها أن تضرب القواعد المتعارف عليها في العمل الإعلامي، كما يقول حسنين.
ويضيف أنه من المعتاد التعامل مع الأخبار التي تتعلق بنجوم الرياضة والفن والسياسة، وغيرها من الأخبار الأخرى، ومن المحتم، بطبيعة الحال، تحقيق سبق صحافي، لكن في القضايا التي تتعلق بالأمن القومي لا بد من الحرص قبل النشر. والمشكلة التي يعاني منها الإعلامي حسنين، مثل كثير من الإعلاميين الآخرين، تتعلق بتيار الشائعات والأخبار المنقوصة التي تبثها مواقع لا أول لها ولا آخر على الإنترنت.
ونقلت قنوات التلفزيون صورا من كاميرات محمولة على الطائرات وأخرى متحركة فوق مراكب وثالثة مثبتة على الأرض، مشاهد من زوايا مختلفة للمشروع أثناء افتتاحه بمشاركة المئات من ممثلي حكومات ووسائل إعلام من دول العالم. ومنذ الصباح الباكر كان من يراقب يضع يده على قلبه لكسب الرهان. وكما خسر أصحاب مواقع الشائعات المصداقية بسبب «الأخبار المضروبة» عن «داعش سيناء»، تكبدوا خسارة جديدة حين شاهد ملايين المصريين السفن العملاقة وهي تضرب المياه على جانبي القناة الجديدة. أو كما قال أحد الصحافيين مازحًا: هذه سفن ضخمة.. هذا ليس طشت. إنه مشروع كبير.
وحظي افتتاح القناة بتغطية إعلامية عربية ودولية واسعة. واستمرت وقائع بث الحفل على القنوات المحلية أكثر من خمس عشرة ساعة في يوم واحد. يقول سعيد عبد الله المعد في إحدى القنوات التلفزيونية الخاصة، إن عملية بث وقائع افتتاح مشروع قناة السويس، يوم الخميس الماضي، ومشاهدة السفن وهي تعبر في المجرى الجديد، كان بمثابة رد عملي على كل من شكك في المشروع.. «في كل لحظة كنت أشاهد فيها وقائع الافتتاح، ونحن في الاستوديو، أتذكر حملة التشويه التي كان يروجها البعض ومنها قول أحد الدعاة الهاربين ومن المعادين للحكومة في تسجيل جرى نشره على «يوتيوب» وقنوات موالية لجماعة الإخوان المسلمين تبث من خارج البلاد، إن القناة مجرد «طشت» أو «ترعة».
تجول الرئيس السيسي في المجرى الملاحي، وتأمين السلطات للضيوف، كان ردا عمليا آخر على أن مصر ليست كما يصورها البعض. وسبق للرئيس القيام بخطوة مماثلة عقب أحداث الشيخ زويد بعدة أيام. فقد توجه بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لتفقد مسرح الأحداث. وفي مثل هذه الزيارات الخطرة يبقى وزير الدفاع، وهو الفريق أول صدقي صبحي، في مكان آخر لمتابعة تأمين زيارة الرئيس، تحسبا لوقوع أي طارئ، كما يقول مصدر أمني.
لكن ظهرت في نفس وسائل الإعلام تقارير تزعم وجود خلافات بين الرجلين، اعتمادا على «تكهنات». ويضيف أن عدة مواقع إعلامية على الإنترنت تعاملت، للأسف، مع هذه الشائعة باعتبارها حقيقة، مشيرًا إلى أن الصفحات والمواقع المحسوبة على المتطرفين روجت لهذا النبأ الوهمي. كما انتقل سريعا لصفحات المواقع الصحافية الكبيرة.
يقول أحد الإعلاميين ممن بثوا هذا الحدث كخبر إنه اضطر للإشارة إلى الموضوع على موقع صحيفته الإلكتروني، بعد أن انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي. وقام بنسبته إلى حسابات على «تويتر» و«فيسبوك». ويضيف أنه حاول الحصول على تعليق من الجهات الرسمية، لكن لم يتلق أي رد. وفي نهاية المطاف، وبحثا عن السبق الصحافي، كتب «تردد على مواقع التواصل كذا وكذا». وجرى حذف الخبر بعد أن تدخل رئيس التحرير. لم يكن من المناسب التعامل مع «كلام» و«تكهنات» لمجهولين في الفضاء الإلكتروني، في قضية تشكك في استقرار سلطة الحكم في دولة تخوض حربا على الإرهاب وتحاول أن تثبت للعالم أن كل شيء على ما يرام. ويضيف أن الحدث الخاص بالشيخ زويد وما كان فيه من ملابسات خطيرة، جعله يتعامل بحرص مع المصادر الإخبارية التي تقلل من أهمية مشروع في حجم المجرى الملاحي الجديد.
يقول مسؤول أمني يشرف في القاهرة على جهاز لمراقبة الإنترنت، إن المصادر الأساسية لكل ما جرى بثه من شائعات تقلل من أهمية مشروع قناة السويس الذي وضع فيه المصريون أكثر من ستين مليار جنيه من مدخراتهم، وعن حوادث الشيخ زويد الإرهابية في ذلك اليوم، كانت مصادر غير موجودة لا في القاهرة ولا في قناة السويس ولا في الشيخ زويد ولا في سيناء.
ويضيف: «مثلا، وفيما يتعلق بسيناء، وببساطة، كانت اتصالات الهواتف والإنترنت مقطوعة هناك بشكل كامل طيلة النهار. كنا نرى مواقع لوكالات وصحفًا كبرى تبث عن مصادر في المدينة وتقول إنه جرى الاتصال بها عبر الهاتف. كان هذا مثيرا للسخرية بالنسبة لنا. حتى الاتصال بالهواتف المربوطة بالأقمار الصناعية ليس متاحا بذلك الشكل الواسع في سيناء».
ولم تتوقف الشائعات لكن وقعها أصبح أقل من السابق. مثلا.. نشرت إحدى صفحات التواصل على «فيسبوك» أن «داعش يهدد باحتلال الساحل الشمالي خلال أسابيع». ومعروف أن هذه المنطقة الواقعة شمال غربي القاهرة على البحر المتوسط تعد مصيفا لملايين المصريين. وانتشر الخبر «الشائعة» في الصحف الكبرى سريعا وفي محطات تلفزيون أيضا. لكن الرد العملي جاء من الساحل الشمالي نفسه حين امتلأ بالمصطافين عقب عيد الفطر حتى وصل متوسط تأجير شقة مصيفية لليلة واحدة إلى نحو 500 دولار.
لكن مقاومة الشائعات ليست بالأمر الهين كما يقول خالد عبد البر المشرف على موقع إخباري متخصص في الشؤون النيابية. ففي بلدان يصعب فيها التواصل مع المسؤولين على مدار الساعة وتعاني من حالة تشبه التربص في مسألة تدفق المعلومات، يعتمد كثير من المراسلين والمحررين والمعدين على ما تحت أيديهم من بيانات غير مكتملة التفاصيل، أو على «أخبار تبثها صفحات وحسابات مجهولة وغامضة»، كما يقول.
ومن جانبه، يوضح المعد حسنين: «لو قلت إن الإرهابيين استطاعوا الاستيلاء على ثكنة عسكرية، فهذا يمكن أن يؤدي إلى انخفاض الروح المعنوية للجنود الآخرين، فما بالك إذا كان الموضوع برمته لم يكن صحيحا. أو لم يكن على ذلك النحو المبالغ فيه. يوجد نوعان من الأخبار، كما يرى حسنين.. الأخبار التي يمكن أن يكون فيها مساحة من التكهنات، مثل تغطية الانتخابات البرلمانية والرئاسية وترجيحات من يمكن أن يفوز فيها، من خلال تقارير من المندوبين، حتى قبل أن يصدر بيان رسمي بنتيجة هذه الانتخابات.. وهناك نوع آخر يتعلق بالأمن القومي وهذا لا مجال فيه للتكهنات أو التأويل».
الرئيس السيسي، وخلال مشاركته في حفل حضره عدد من أسر شهداء الجيش والشرطة وقطاع من الشباب ومن أطياف المجتمع أيضا، تحدث عن مساع وإجراءات من أجل «تحصين الدولة والحفاظ على كيانها ومؤسساتها، والحيلولة دون نجاح المخططات التي تستهدف تثبيط عزيمة المواطنين وزعزعة أمن واستقرار البلاد». كما دعا الرئيس وسائل الإعلام إلى «الالتزام بالموضوعية وتحري الدقة في نقل ونشر المعلومات، حفاظًا على الروح المعنوية لأبناء الشعب ورجال القوات المسلحة والشرطة في مواجهة حروب الجيل الرابع التي تستغل وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة في شن حرب نفسية تستهدف تحطيم معنويات الشعوب وبث الإحباط في نفوس مواطنيها».
العقبة التي تواجه خطط ملاحقة الشائعات التي تنطلق من الإنترنت، تكمن في وجود إمكانية لإخفاء هوية المستخدم الإلكتروني، وبالتالي لا يخشى من العقاب أو من احتمال الوصول إليه إلا عبر إجراءات طويلة ومعقدة. كما أنه في كثير من الأحيان يكون موجودا في دولة أخرى. والأمر لا يتعلق بمصر فقط، كما يقول مسؤول أمني في القاهرة، ولكن هناك الكثير من الحكومات الأخرى، من الصين إلى أوروبا، تشكو من ظاهرة «الأخبار المكذوبة»، وبدأت كثير من الدول في البحث عن إجراءات لمواجهة هذه المشكلة، مشيرا إلى أن الحكومة المصرية تعتزم اعتماد سياسة تواجه بها «هذه الحرب الإعلامية».
وفي المقابل اعترض إعلاميون ونشطاء على مثل هذه التدابير الحكومية المزمعة. ويبدو أن العشرات من الأحزاب والمنظمات الحقوقية والشخصيات العامة رأت أنه يمكن الوصول لحل وسط، خاصة فيما يتعلق بالشائعات التي تهدد الأمن القومي وتشجع المتطرفين، فقامت بإصدار بيان يحمل عنوانا مزدوجا لإرضاء الطرفين، وهو «ضد الإرهاب.. وضد تقييد الحريات». وقع على البيان سبعة أحزاب و23 منظمة حقوقية و26 شخصية عامة.
لا يوجد تعمد لعرقلة العمل الإعلامي من جانب الحكومة كما يزعم البعض وسط الجدل الدائر هنا. الموضوع، في النهاية، يتعلق بمدى الالتزام بالمعايير المهنية. يقول حسنين: «مسألة تحري الحقيقة لا يقف ضدها أحد، لكن لا بد من مراعاة تحقيق المصالح العليا للدولة، خاصة ونحن في معركة مع الإرهاب». ويضيف أن «التواصل مع المصادر الرئيسية للخبر يؤدي إلى أمرين.. أولا تقوية الخبر نفسه بنسبته إلى مصادره، وثانيا الحصول على تفاصيل إضافية تخدم القارئ».



«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
TT

«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)

ما عاد ثمة ريب في أن الذكاء الاصطناعي أصبح إحدى أكثر التقنيات تأثيراً في تشكيل الاقتصاد العالمي. وعلى مدى العقد الماضي، هيمنت حفنة من شركات التكنولوجيا والحكومات، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، على العديد من الإنجازات في مجال التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التوليدي. ومن الأبحاث الرائدة إلى المناقشات التنظيمية المحورية، جرت صياغة أجندة الذكاء الاصطناعي العالمية داخل «وادي السيليكون»، وواشنطن، وبروكسل ولندن.

مع ذلك، أثناء انعقاد «قمة الذكاء الاصطناعي العالمية» التاريخية عام 2026 في نيودلهي، شرعت الهند في مسعى أكثر طموحاً وهو إعادة تموضعها، ليس فقط كمشارك في ثورة الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً كـ«مهندس رئيس» لمستقبلها.

صورة من «القمة» (أ.ف.ب)

منصة عالمية فريدة

لقد شارك في هذه «القمة»، التي استغرقت ستة أيام، نخبة من صنّاع السياسات والباحثين والمستثمرين والمديرين التنفيذيين من شركات التكنولوجيا الرائدة، بينهم ممثلون عن شركات عملاقة. وضمّت قائمة الرؤساء التنفيذيين في القمة أسماءً لامعة، على صعيد صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية، مثل سوندار بيتشاي («غوغل» و«ألفابيت»)، وسام ألتمان («أوبن إيه آي»)، وداريو أمودي («أنثروبيك»)، وديميس هاسابيس («غوغل ديب مايند»)، إضافة إلى الملياردير موكيش أمباني، رئيس شركة «ريلاينس إندستريز»، الذي تتخذ مجموعته خطواتٍ حثيثة بمجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأيضاً وفّرت «القمة» منصة عالمية فريدة، باستضافتها نخبةً من قادة العالم، منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بجانب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

وبينما أثنى ماكرون على الإطار الرقمي المتميز للهند، داعياً إلى إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية، حذّر غوتيريش من أن «مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُقرره عدد قليل من الدول، أو يُسيطر عليه عدد قليل من المليارديرات»، داعياً إلى نهج أكثر شمولاً وإنصافاً في تطور هذه التكنولوجيا.

تكنولوجيا أساسية

في أي حال، سلطت القمة الضوء على اتجاه عالمي أوسع نطاقاً. إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على عدد قليل من مراكز الأبحاث النخبوية، بل غدا تكنولوجيا أساسية تُؤثر على مختلف الصناعات في جميع أنحاء العالم. وبالفعل، سلطت «قمة» نيودلهي الضوء بشكل واضح على الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية الفورية للذكاء الاصطناعي. وبالنسبة الهند والعديد من دول «الجنوب العالمي»، جرى التركيز على كيفية نشره على نطاق واسع لتسريع وتيرة جهود التنمية.

وهكذا خرجت رسالة «القمة» مؤكدة ألاّ يبقى الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا حصرية تسيطر عليها قلة من الاقتصادات الغنية، بل وجوب تطويره إلى أداة متاحة للجميع، تستطيع معالجة التحدّيات العالمية كالرعاية الصحية، ورصد المناخ، والإنتاجية الزراعية.

في هذا الصدد، وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، الذكاء الاصطناعي بأنه «نقلة نوعية في المنصات»، وحث على السعي إليه «بجرأة» و«بمسؤولية» لتجنب اتساع «الفجوة بمجال الذكاء الاصطناعي». وشدد على الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، مُعلناً أنه أكثر أهمية من اكتشاف النار أو الكهرباء.

غوتيريش يلقي كلمته (UNIC)

استثمارات تكنولوجية ضخمة

من ناحية ثانية، شهدت «القمة» كذلك مواقف مهمة بشأن الاستثمارات في منظومة الذكاء الاصطناعي المزدهرة في الهند. إذ كشف ألتمان، عن أن الهند من أهم أسواق «أوبن إيه آي»، وأنها تضم أكثر من 100 مليون مستخدم نشط أسبوعياً لخدمة «تشات جي بي تي»؛ لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة. أما «غوغل» فأعلنت مجموعة من الالتزامات، بينها مسارات جديدة للألياف الضوئية، ضمن مبادرة «أميركا ـ الهند كونكت» لتعزيز الاتصال الرقمي بين البلدين ومواقع أخرى في نصف الكرة الجنوبي. وعلاوة على ذلك، أعلنت Google.org عن مبادرة منفصلة بعنوان «تحدي الذكاء الاصطناعي من أجل الابتكار الحكومي»، كدعوة عالمية للمنظمات التي تُطوّر حلولاً مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على إحداث نقلة نوعية في الخدمات العامة.

من جهتها، أعلنت مجموعة «أداني»، من القطاع الخاص، عن تخصيص استثنائي بقيمة 100 مليار دولار أميركي، لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الهند، باستخدام الطاقة المتجددة بحلول عام 2035. وأوضحت المجموعة أن هذا الاستثمار سيحفز استثمارات إضافية بقيمة 150 مليار دولار في قطاعات مجاورة، تتضمن تصنيع الخوادم، ومنصات الحوسبة السحابية السيادية، والبنية التحتية الكهربائية المتقدمة. كما خصصت الهند 1.1 مليار دولار أميركي لصندوق رأسمال استثماري مدعوم من الدولة، مخصص للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.

وبالتوازي، برزت مبادرة شركة «كوالكوم»، التي كشفت عن برنامج استثماري بقيمة 150 مليون دولار، مصمّم خصيصاً لدعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، يركز على البرمجيات المتقدمة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. ومن المقرر أن يتعاون هذا البرنامج مع شركتي «تاتا للإلكترونيات» و«سارفام للأبحاث» الناشئة.

وبشكل عام، تجاوزت التزامات الاستثمار المرتبطة بـ«القمة» 250 مليار دولار أميركي، لتشمل مزيجاً متنوعاً من مبادرات القطاع الخاص والحكومة. ويؤكد محللون على أهمية هذه الاستثمارات، بفضل تزايد اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على القدرات الحاسوبية؛ ما يستلزم بنية تحتية ضخمة للبيانات.

الأثر الملموس للذكاء الاصطناعي

أيضاً، كان من أبرز المواضيع التي برزت في «القمة» التوسع في نطاق التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي. عرضت الشركات الناشئة والمؤسسات البحثية بفخر تكنولوجيات رائدة تهدف إلى إحداث ثورة في تشخيص الرعاية الصحية، وتعزيز الإنتاجية الزراعية، وتحسين فرص الحصول على التعليم. ومن بين العروض التوضيحية البارزة، أداة تشخيصية تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحديد اعتلال العين السكري من خلال تحليل متطور للصور؛ ما يتيح إمكانية الكشف المبكّر في العيادات التي تتسم بمستوى محدود من الرعاية المتخصصة.

وقدمت شركات أخرى أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة مصمّمة لتحليل حالة المحاصيل باستخدام صور الأقمار الاصطناعية؛ الأمر الذي يمدّ المزارعين بمعلومات قيّمة لتحسين المحاصيل وتقليل الأثر البيئي. وتُظهر هذه التطبيقات بوضوح كيف يتجاوز الذكاء الاصطناعي البحث التجريبي، ويتغلغل في قطاعات ذات آثار اجتماعية واقتصادية مباشرة وعميقة.

سباق البنية التحتية

في سياق متصل، تمحوَرت إحدى الركائز الأساسية للمناقشات على الطلب المتزايد بسرعة على البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويتطلب تدريب نماذج اللغة الضخمة المعاصرة كميات هائلة من القدرة الحاسوبية وأجهزة متخصصة. وعليه، غدت شركات مثل «إنفيديا» ركيزة أساسية في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، مع اعتماد وحدات معالجة الرسوم الخاصة بها الكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً في العالم. ومن المقرر أن تدمج هذه المبادرة آلاف وحدات معالجة الرسوم العالية الأداء، والمخصصة تحديداً لدعم الجامعات ومختبرات الأبحاث والشركات الناشئة الواعدة.

سد الفجوات اللغوية

التحدّي المعقّد المتمثل في التنوّع اللغوي ناقشته «القمة» بعناية. وتاريخياً، جرى تدريب معظم نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الرائدة، بشكل أساسي، على بيانات اللغة الإنجليزية. ولكن، يتواصل مليارات الأشخاص حول العالم بلغات أخرى. وبالتالي، قدّم المطوّرون أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة مصممة بدقة لمواجهة هذا التحدي. وهنا يبرز BharatGen Param2، كنموذج لغوي ضخم مصمم خصيصاً لدعم جميع اللغات الهندية الـ22 المعترف بها دستورياً. كذلك، عرضت شركة «سارفام إبه آي» نموذجاً متعدد اللغات ضخماً مبنياً على بنية «مزيج من الخبراء»؛ بهدف تحسين الكفاءة وقابلية التوسع بشكل كبير.

التحديات

أخيراً، لا تزال التحديات قائمة، وبخاصة الحاجة إلى تعزيز صناعة أشباه الموصلات، ودعم مؤسسات البحث المتقدمة، وتعميق التعاون الدولي. ولكن مع هذا، أشارت المناقشات والالتزامات المقنعة، التي شهدتها «القمة» بقوة إلى أن مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي يشهد بالفعل تطوراً كبيراً. وفي حين يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي قد بدأ عصره الحديث في عدد محدود من مختبرات التكنولوجيا، فإن الخبراء يؤكدون أن مستقبله سيتشكل من خلال نظام بيئي عالمي مترابط أوسع نطاقاً.


منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
TT

منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)

عزّز التفاعل مع حفل توزيع جوائز الأوسكار على منصّات التواصل الاجتماعي المنافسة مع التلفزيون. فوفق بيانات لشركة «نيلسن» المتخصّصة في قياسات وأبحاث سوق الإعلام، نشرتها شبكة «إيه بي سي» الأميركية أخيراً، اجتذب البث التلفزيوني لحفل الأوسكار هذا العام 17.9 مليون مشاهد في الولايات المتحدة، بانخفاض بنسبة 9 في المائة عن العام الماضي، وهذه أدنى نسبة مشاهدة منذ عام 2022.

وتبعاً للشبكة نفسها، وتزامناً مع تراجع مشاهدة البث التلفزيوني للحفل السنوي السينمائي الكبير، ازداد التفاعل مع الحفل على منصات التواصل الاجتماعي بنسبة 42 في المائة هذا العام بالمقارنة مع عام 2025 ليصل إلى ‌أكثر من 184 مليون مشاركة.

خبراء التقدم بـ«الشرق الأوسط» رأوا أن «منصّات التواصل تفرض الآن واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار»، وذكروا أن المنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظة بلحظة. والبيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الآن الطروحات التي ترى أن العالم دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي.

الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي بليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقةً إن ما يحدث «جزء من التحوّل في أنماط استهلاك المحتوى حول العالم، في ظل الاعتماد على الهواتف الجوالة ومنصات التواصل الاجتماعي».

وأردفت أن «البيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الطروحات التي تقول إن العالم قد دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي... وحتى الرياضة التي كانت الحصن الأخير للتلفزيون التقليدي شهدت انتقالاً لحقوق البث نحو المنصات الرقمية». ولفتت في هذا الصدد إلى صفقة «نتفليكس» مع «WWE بقيمة 5 مليارات دولار، واستحواذ شركة «Prime Video» على حق تغطية مباريات دوري الكرة الأميركية (NFL)، مضيفةً أن «هذه مؤشرات لا يمكن تجاهلها وستسهم في سحب جزء كبير من جمهور التلفزيون نحو منصات المشاهدة الرقمية».

إلا أن أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي ترى أن «التلفزيون يستطيع مع هذا تبني بعض الاستراتيجيات التي تضمن بقاءه ضمن هذه البيئة التنافسية»، وأن من بين هذه الاستراتيجيات «استراتيجية محرك الاكتشاف» عبر تصميم المحتوى القصير ليعمل «محرك اكتشاف» يحوّل المشاهدين الرقميين إلى جمهور مخلص للتلفزيون. ثم هناك استراتيجية ثانية تعتمد على «تفعيل نموذج التلفزيون الاجتماعي»، موضحةً أن هذه الأخيرة «تعتمد على تبني نموذج التسويق عبر البث المباشر من خلال دمج التفاعلية في الوقت الفعلي».

وأوضحت د. مي عبد الغني أن «التلفزيون يظل المصدر الأكثر ثقة للأخبار في الأوقات العصيبة مقارنةً بمنصات التواصل المزدحمة... ولكنّ تعزيز هذه المكانة يتطلب الالتزام الصارم بالتدقيق المهني وتطوير مهارات الكوادر البشرية للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي».

وبالمناسبة، في ضوء التنافس بين المنصات والتلفزيون، من المقرر أن ينتقل بث حفل الأوسكار عام 2029 من شبكة «إيه بي سي» إلى موقع «يوتيوب» التابع لشركة «غوغل».

من جهة أخرى، أوضح محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن «منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار». وأشار إلى أن «قواعد اللعبة التنافسية بين التلفزيون والمنصات الرقمية تغيّرت، فتحولت من صراع بقاء إلى تكامل استراتيجي». ثم تابع أن «المعلنين ما عادوا الآن يكتفون بالإعلان التلفزيوني، إذ تثبت البيانات أن العلامات التجارية التي تدمج حملاتُها بين التلفزيون والمنصات تحقق عائداً أعلى بنسبة تصل إلى 800 في المائة». وأضاف أن «المنافسة ليست على جذب المشاهد لترك التلفزيون، بل على الاستحواذ على انتباهه في أثناء المشاهدة؛ فالمنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظةً بلحظة».

ولفت فتحي إلى أن «التلفزيون فقد القدرة على الاحتكار، ولم يعد البوابة الوحيدة للأحداث، بل أصبح جزءاً من منظومة كبرى... نتيجة تغيير سلوك المشاهدة. فالمشاهد اليوم لا يشاهد 3 ساعات متواصلة، ويفضل اللحظات المفضلة والمقاطع القصيرة والقصص».

واستطرد أن «تراجع التلفزيون سيكون مفزعاً... نعم... إذا استمر التلفزيون بنفس الشكل القديم». لكنه استدرك ليشير إلى قدرته على الاستمرار بسبب بثّه الأحداث الرياضية والحفلات، وقدرته على الوصول إلى شريحة جمهور غير قادرة على امتلاك شاشات ذكية أو الوصول إلى الإنترنت، وهي شريحة تتقلص بمرور الوقت».

واختتم بالقول إن «المنافسة بين التلفزيون والمنصات الرقمية لم تعُد تهدف لإقصاء الآخر، بل أدّت إلى خلق نظام تكاملي، فالتلفزيون يتراجع بوصفه وسيلة وحيدة للبث، فيما تعمل المنصّات الرقمية مسوّقاً للأحداث وداعماً أكبر للانتشار».


حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».