ماكرون يبحث في بكين عن خيوط حل سياسي لأزمة أوكرانيا

زيارة الرئيس الفرنسي تعكس الحرص على التحاور مع الصين مقابل المقاربة الأميركية «الصدامية»

الرئيس الفرنسي خلال زيارته لمتحف الطوب الأحمر في بكين (رويترز)
الرئيس الفرنسي خلال زيارته لمتحف الطوب الأحمر في بكين (رويترز)
TT

ماكرون يبحث في بكين عن خيوط حل سياسي لأزمة أوكرانيا

الرئيس الفرنسي خلال زيارته لمتحف الطوب الأحمر في بكين (رويترز)
الرئيس الفرنسي خلال زيارته لمتحف الطوب الأحمر في بكين (رويترز)

استبق الرئيس إيمانويل ركوبه الطائرة متجهاً إلى بكين في زيارة دولة من ثلاثة أيام، الأولى من نوعها منذ العام 2019، مصطحباً رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، باتصال هاتفي بالرئيس الأميركي جو بايدن للتشاور معه بشأن الحرب الروسية على أوكرانيا؛ لأنها على رأس جدول مباحثاته مع نظيره شي جينبينغ. وجاء في بيان مقتضب وزّعه قصر الإليزيه، أن ماكرون وبايدن «تناولا رغبتهما المشتركة في دفع الصين للانخراط من أجل تسريع وضع حد للحرب في أوكرانيا وبناء سلام دائم في المنطقة».
وجاء الاتصال مع الرئيس الأميركي لتتويج سلسلة من المشاورات قام بها ماكرون وشملت، بالطبع، الرئيس الأوكراني ومسؤولين أوروبيين بحيث لا يكون متحدثاً فقط باسم فرنسا، بل باسم الاتحاد الأوروبي والغرب بشكل عام. فضلاً عن ذلك، فإن هذه المشاورات تبيّن أن الملف الأوكراني والدور الذي يمكن أن تلعبه الصين سيكون محورياً في اللقاءات الثلاثة التي سيعقدها ماكرون مع شي جينبينغ اليوم (الخميس) وغداً (الجمعة) وستشارك فون دير لاين بواحد منها مساء اليوم.
ومنذ وصوله إلى بكين، كشف ماكرون عن طبيعة مهمته بخصوص الحرب الأوكرانية في إطار رده على أسئلة صحافية من جهة وفي الكلمة التي ألقاها أمام أعضاء من الجالية الفرنسية في الصين، أنه يعول على دور لبكين القادرة على أن «تلعب دوراً رئيسياً» في البحث عن سبيل ّيؤدي إلى السلام. وسبق لمصادر رئاسية فرنسية أن قالت سابقاً، في معرض تقديمها للزيارة، إن الصين هي «الجهة الوحيدة القادرة على التأثير على الرئيس الروسي»، كما أنها قادرة على «دفع الحرب بهذا الاتجاه أو ذاك». والتخوف الكبير للغربيين أن تعمد الصين إلى تقديم الدعم العسكري للقوات الروسية، وهو ما نبّه منه ماكرون بتأكيده أن الصين إن فعلت فإنها «توفر دعماً للمعتدي»، كما أنها تتحول إلى «شريك في انتهاك القانون الدولي». إلا أن التحذير ترافق مع إرسال إشارات إيجابية للقيادة الصينية بقوله إنها «اقترحت خطة سلام... وأنه بذلك تظهر إرادة لتحمل مسؤولياتها ومحاولة شق طريق تؤدي إلى السلام».
وفي كلمته أمام الجالية الفرنسية، توقف ماكرون مطولاً عند هذه النقطة التي وضعها في إطار «الحوار الاستراتيجي» مع الصين، مشدداً على أن باريس وبكين؛ نظراً لكونهما عضوين دائمي العضوية في مجلس الأمن الدولي «ملزمتان بالدفاع عن شرعة الأمم المتحدة» التي انتهكتها روسيا. وأضاف ماكرون ما حرفيته «لقد تمسكت الصين بشرعة الأمم المتحدة التي تنص على (احترام) سيادة الدول وسلامة أراضيها، وأعتقد أن الدفاع عنها يعني البحث معاً عن الطريق المفضية إلى السلام»؛ وإذ أشار الرئيس الفرنسي إلى «خطة السلام» من 12 بنداً، التي طرحتها بكين في شهر فبراير (شباط) الماضي، فقد سارع إلى القول: إن بلاده «لا تتبناها بكليتها، إلا أنها تكتسي، رغم ذلك، أهمية وتبيّن رغبة (صينية) في الانخراط من أجل إيجاد حل للنزاع».
ترى باريس في العرض الصيني عناصر إيجابية أخرى مثل رفض اللجوء إلى السلاح النووي، معتبراً أن ذلك يعني أن بكين «تتحمل مسؤولياتها» على هذا الصعيد نظراً للتطورات الجارية، ومنها خطة روسيا لنشر أسلحة نووية على أراضي بيلاروسيا. بيد أن المأخذ الفرنسي والغربي الأول، أن الخطة الصينية لا تدعو إلى انسحاب القوات الروسية من الأراضي التي احتلتها في أوكرانيا. وفي أي حال، تؤكد مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس، أن الحديث عن السلام اليوم يبدو «مبكراً نظراً؛ لأن كل الأطراف تنتظر التغيرات الميدانية التي ستطرأ في الأسابيع المقبلة، والتي ستكون لها انعكاساتها المباشرة على أي جهود لإعادة فح باب المفاوضات والسعي إلى السلام. وفي أي حال، فإن ماكرون، كما بقية الغربيين، يرى أن علاقات الصين القوية مع روسيا التي شهدت مزيداً من التعزيز بمناسبة زيارة شين جينبينغ الأخيرة إلى موسكو، «تبين أن الصين يمكن أن تلعب دوراً رئيسياً»، لا، بل حاسماً. وما لا يريده ماكرون أن تخلى الساحة الأوروبية لروسيا وحدها في تعاطيها مع الصين وهو ما لا يقبل به. وخلاصة ماكرون، أنه يتعين الحديث مباشرة مع الصين عن الحرب في أوكرانيا وعن العدوان الروسي وعن نتائجه وتبعاته على أوروبا والشرق الأوسط والقارة الأفريقية... وما لا يريده ماكرون هو التهديد بفرض عقوبات على بكين «لأن التهديد ليس الطريقة المناسبة»، بل المناسب «السعي لبناء شيء ما معها في إطار المسؤولية المشتركة من أجل السلام والاستقرار الدولي أيضاً بخصوص إيران وكوريا الشمالية وليس فقط بالنسبة لأوكرانيا. هذه هي مسؤوليتنا».
سيطرح الملف الأوكراني في الاجتماع الثلاثي بحضور فون دير لاين، التي يرى مراقبون في باريس أن خطابها يقترب كثيراً من اللغة المستخدمة أميركياً. وسبق لها أن نبّهت الأسبوع الماضي من أن «الطريقة التي ستتصرف بها الصين بشأن الحرب في أوكرانيا ستشكل العامل الحاسم لمستقبل العلاقات بينها وبين الاتحاد الأوروبي». وفي الأسبوع الماضي، دعت فون دير لاين خلال خطاب رئيسي حول العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والصين إلى إعادة التوازن في العلاقات مع أكثر الدول اكتظاظاً بالسكان في العالم. كما شددت فون دير لاين، على أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يصبح أكثر استقلالية ويقلل من المخاطر الاقتصادية، مؤكدة في الوقت نفسه أنه ليس هناك مصلحة في الابتعاد عن الصين. ودعت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك إلى تقليل المخاطر في العلاقات مع الصين. وقالت الوزيرة على هامش اجتماع لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل أمس (الأربعاء): إن هذا لا يعني قطع العلاقات مع الصين، مؤكدة في المقابل ضرورة تقليل التبعيات لطرف واحد؛ وذلك لصالح أمن الدول. واستشهدت بيربوك بموقف الصين من الاجتياح الروسي لأوكرانيا كسبب لموقفها، موضحة أن الصين بصفتها عضواً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لديها بالفعل مسؤولية خاصة، مضيفاً أن الانسحاب إلى «ما يسمى بالحياد» لا يليق بالصين، موضحة أن الشركاء الأوروبيين أوضحوا لذلك أن تقليل المخاطر أمر ضروري. وفي حلف «الناتو» تضغط الولايات المتحدة على وجه الخصوص من أجل معالجة المخاطر المحتملة فيما يتعلق بالعلاقات مع الصين.
وفي أي حال، فإن زيارة ماكرون تعني أن باريس حريصة على إبقاء باب التحاور مع بكين مفتوحاً بحيث إنها تبتعد عن المقاربة الأميركية «الصدامية» مع الصين. وقال الرئيس الفرنسي «نسمع أكثر فأكثر أصواتاً ترتفع للتعبير عن قلق شديد حول مستقبل العلاقات بين الغرب والصين مع التوصل نوعاً ما إلى خلاصة مفادها أن ثمة دوامة توتر متنامٍ لا مفر منها». لكنه أضاف «لا أريد هذا السيناريو».
ومن جانبه، قال مصدر فرنسي «نحن حلفاء الولايات المتحدة ولسنا على مسافة واحدة من بكين وواشنطن، لكن لدينا مصالح (مع الصين) ولدينا مقاربتنا (معها)» المختلفة عن المقاربة الأميركية. وفي الملفات السياسية، قالت مصادر الإليزيه: إن الرئيسين سيبحثان أوضاع الشرق الأوسط بشكل عام بما فيها الملف النووي الإيراني. وتجدر الإشارة إلى الدور الذي لعبته بكين في التقريب بين المملكة السعودية وإيران والتوصل إلى الاتفاق الذي وقع بين الطرفين برعاية بكين التي ستستضيف اليوم اجتماع وزيري خارجية البلدين. كذلك، سيكون الملف الكوري الشمالي موضع تباحث؛ نظراً للتوتر المتواصل في المنطقة والذي تتسبب كوريا الشمالية من خلال إطلاق الصواريخ وتطوير قدراتها النووية في جزء كبير منه. ووعد الوفد الفرنسي بالتطرق إلى مسألة حقوق الإنسان، ولا سيما في منطقة شينجيانغ التي يرى مراقبون كثر أنها تشهد قمعاً كبيراً للمسلمين الأويغور.
ثمة ملفات أخرى رئيسية، اقتصادية، تجارية، ثقافية وفنية وعلمية وبيئية ستكون موضع مناقشات مع الجانب الصيني. وتبين تشكيلة الوفد الكبير الرسمي والاقتصادي والثقافي والمدني الطموحات الفرنسية «والأوروبية» من هذه الزيارة. ووفق ماكرون، فإن فرنسا والاتحاد الأوروبي يجب «ألا ينفصلا» عن الصين على الصعيد الاقتصادي، بل المحافظة على «طريق واقعية وطموح» معها، مضيفاً أنه «يتعين ألا ننفصل عن الصين، بل الانخراط في علاقة تجارية متواصلة مع الصين».
وستشهد الزيارة، وفق ماكرون، توقيع «عقود كبيرة» اليوم، بعد اجتماعه الأول مع نظيره الصيني، حيث رافقه أكثر من 50 رئيس شركة فرنسية رئيسية، منها «إيرباص» و«كهرباء فرنسا» و«فيوليا»... وتشكو باريس من انعدام التوازن في المبادلات التجارية بين الطرفين ومن «الحمائية» التي تواجهها الشركات الفرنسية لجهة الدخول إلى السوق الصينية. ويعمل الأوروبيون على تخفيف الاعتماد على الصين لتوفير المكونات ذات الأهمية الاستراتيجية مثل الرقائق الإلكترونية.
وفي سياق آخر، ستتخلل الزيارة جوانب ثقافية وفنية في مدينة كانتون (جنوب الصين) التي ينتقل إليها الوفد الفرنسي، حيث سيدعوه شي جينبينغ وعقيلته إلى عشاء خاص؛ تعبيراً عن العلاقة الخاصة التي يريد بناءها مع ماكرون. وتريد باريس «إحياء التواصل» على كل المستويات والمبادلات الإنسانية، ولا سيما بين طلاب البلدين بالتوازي مع تعزيز العلاقات الثقافية. وفي هذا الإطار، يفتتح ماكرون مهرجان «كروازمان» (تقاطعات) الصيني - الفرنسي الذي يقدم على أنه أكبر مهرجان أجنبي في الصين.


مقالات ذات صلة

أوروبا تواجه مشكلة المسيّرات الأوكرانية مع استهداف كييف للأراضي الروسية

أوروبا حطام طائرة أوكرانية مسيّرة حلّقت في المجال الجوي اللاتفي وتحطمت في منطقة كراسلافاس لاتفيا 25 مارس 2026 (رويترز) p-circle

أوروبا تواجه مشكلة المسيّرات الأوكرانية مع استهداف كييف للأراضي الروسية

تزايدت اختراقات طائرات أوكرانية مسيّرة لأجواء دول أوروبية بسبب التشويش الروسي أثناء استهداف موانئ النفط الروسية، ما أثار مخاوف أمنية وسياسية داخل الناتو.

«الشرق الأوسط» (فيلنيوس)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث للصحافيين لدى وصوله للمشاركة بقمة «المجموعة السياسية الأوروبية» في يريفان الاثنين (إ.ب.أ) p-circle

الكرملين يرحب بـ«نقاشات أوروبية» لاختيار مفاوض مقبول لإحياء الاتصالات

حرب إيران وتساؤلات «اليوم التالي» في أوكرانيا عززتا فرص الحوار الروسي الأوروبي... والكرملين يرحب بمناقشتها الأسبوع المقبل.

رائد جبر (موسكو)
العالم بوتين وبجانبه شي جينبينغ خلال حفل استقبال بـ«قاعة الشعب الكبرى» في بكين (أ.ب) p-circle

خلف مراسم الاستقبال... كيف ميّزت الصين بين ترمب وبوتين؟

بدا أنَّ ترتيب استقبال كل من ترمب وبوتين في بكين متطابق عمداً؛ بهدف إبراز قدرة الصين على استضافة قادة واشنطن وموسكو بالقدر نفسه من الفخامة.

«الشرق الأوسط» (بكين)
أوروبا لقاء الرئيسين الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم الأربعاء (أ.ب) p-circle

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة»

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة» وعارضتا استئناف الحرب بالشرق الأوسط وحذرتا من خطر العودة إلى «قانون الغاب»

رائد جبر (موسكو)
العالم جنود صينيون يسيرون خلال عرض عسكري في بكين (رويترز - أرشيفية)

صحيفة ألمانية: الجيش الصيني درّب سرّاً جنوداً في الجيش الروسي

درّب الجيش الصيني سرّاً على أراضيه المئات من الجنود الروس، نُشر بعضهم في أوكرانيا، حسبما ذكرت صحيفة «دي فيلت» الألمانية.

«الشرق الأوسط» (برلين)

إدانة «إيرباص» و«إير فرانس» في قضية تحطم طائرة عام 2009

حطام طائرة «الخطوط الجوية الفرنسية» رقم «447» الذي انتُشل من المحيط الأطلسي يصل إلى ميناء «ريسيفي» في البرازيل يوم 14 يونيو 2009 (رويترز)
حطام طائرة «الخطوط الجوية الفرنسية» رقم «447» الذي انتُشل من المحيط الأطلسي يصل إلى ميناء «ريسيفي» في البرازيل يوم 14 يونيو 2009 (رويترز)
TT

إدانة «إيرباص» و«إير فرانس» في قضية تحطم طائرة عام 2009

حطام طائرة «الخطوط الجوية الفرنسية» رقم «447» الذي انتُشل من المحيط الأطلسي يصل إلى ميناء «ريسيفي» في البرازيل يوم 14 يونيو 2009 (رويترز)
حطام طائرة «الخطوط الجوية الفرنسية» رقم «447» الذي انتُشل من المحيط الأطلسي يصل إلى ميناء «ريسيفي» في البرازيل يوم 14 يونيو 2009 (رويترز)

أدانت محكمة استئناف في باريس، الخميس، شركتَي «إير فرانس» و«إيرباص» بتهمة القتل غير العمد في حادث تحطم رحلة بين ريو دي جانيرو وباريس عام 2009، معلنة أنهما «المسؤولتان الوحيدتان بالكامل» عن الحادث الأعلى حصداً للأرواح في تاريخ الطيران الفرنسي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي تحول قضائي لافت، حُكم على الشركتين؛ اللتين كانتا قد بُرِّئتا في المحكمة الابتدائية ودافعتا عن نفسيهما أمام أي خطأ جنائي، بالعقوبة القصوى المتمثلة في غرامة قدرها 225 ألف يورو في الكارثة التي أودت بحياة 228 شخصاً، وهي إدانة ذات طابع رمزي، لكنها تلطّخ صورتيهما.

وأعلنت شركة «إيرباص» الأوروبية لصناعة الطائرات على الفور أنها ستستأنف الحكم أمام محكمة النقض، بينما رحّبت الأطراف المدنية بالإدانات وأعربت عن ارتياحها لطي صفحة الماضي.

وأدينت «إير فرانس» بعدم تنفيذها تدريباً ملائماً للطيارين على التعامل مع حالات تجمّد «حسّاسات السرعة الجوية (بيتو)» التي تقيس سرعة الطائرة من الخارج، وعدم توفيرها معلومات كافية للطاقم، وهو ما دأبت الشركة على نفيه دائماً.

أما شركة «إيرباص»، فرأت المحكمة أنها قلّلت من خطورة أعطال أجهزة قياس سرعة الرياح، ولم تتخذ كل التدابير الضرورية لإبلاغ شركات الطيران المزوَّدة بها على الفور، وهو ما ينفيه الصانع كذلك.

وبعدما طالبت النيابة العامة بتبرئة شركة الطيران والصانع وحصلت على ذلك خلال المحاكمة الابتدائية، تراجعت عن موقفها في ختام الشهرين اللذين استغرقتْهما محاكمة الاستئناف في الخريف، وطالبت بإدانتهما في هذه الكارثة.

وفي المحاكمة الابتدائية والاستئناف، أنكرت كل من «إيرباص» و«إير فرانس» بشدة أي مسؤولية جنائية. وأشار ممثل «إيرباص» في المحكمة إلى قرارات خاطئة اتخذها الطيارون في حالة الطوارئ، مؤكداً أن «العوامل البشرية كانت حاسمة» في الحادث.

وتحطمت الطائرة التابعة لشركة «إير فرانس» في المحيط الأطلسي يوم 1 يونيو (حزيران) 2009 خلال رحلتها رقم «إيه إف447»، وقُتل ركابها وأفراد طاقمها البالغ عددهم 228 شخصاً من 33 جنسية؛ بينهم 72 فرنسياً و58 برازيلياً.


خلف مراسم الاستقبال... كيف ميّزت الصين بين ترمب وبوتين؟

بوتين وبجانبه شي جينبينغ خلال حفل استقبال بـ«قاعة الشعب الكبرى» في بكين (أ.ب)
بوتين وبجانبه شي جينبينغ خلال حفل استقبال بـ«قاعة الشعب الكبرى» في بكين (أ.ب)
TT

خلف مراسم الاستقبال... كيف ميّزت الصين بين ترمب وبوتين؟

بوتين وبجانبه شي جينبينغ خلال حفل استقبال بـ«قاعة الشعب الكبرى» في بكين (أ.ب)
بوتين وبجانبه شي جينبينغ خلال حفل استقبال بـ«قاعة الشعب الكبرى» في بكين (أ.ب)

بعد أيام من استقبال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في بكين بفرقة موسيقية عسكرية وحرس شرف وعشرات الأطفال الذين لوَّحوا بالأعلام الأميركية والصينية، وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين وسط مشهد مماثل تقريباً.

وبحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، فقد بدا أنَّ ترتيب الاستقبالين متطابق عمداً؛ بهدف إبراز قدرة بكين على استضافة قادة واشنطن وموسكو بالقدر نفسه من الفخامة.

لكن الصين حرصت أيضاً على إبراز الاختلافات. فقد استُقبل ترمب في المطار من قِبل نائب الرئيس الصيني، وهو دور شرفي إلى حد كبير خارج نطاق السلطة الفعلية للحزب الشيوعي، بينما استُقبل بوتين من قِبل عضو حالي في المكتب السياسي للحزب، وهو أعلى هيئة لصنع القرار في الحزب، في إشارة ضمنية إلى أنَّ الصين تنظر إلى موسكو بصفتها شريكاً موثوقاً به في نظام عالمي جديد تقوده الصين بعيداً عن الهيمنة الغربية.

شي وترمب في بكين خلال الأسبوع الماضي (رويترز)

رد الفعل الروسي

وحاول الكرملين التقليل من المقارنات بين الزيارتين، إذ رفض المتحدث باسمه، ديمتري بيسكوف، التلميحات بأنَّ الزيارتين تُقارنان ببعضهما، مُصرَّاً على عدم النظر إليهما من منظور المنافسة، في حين أكد مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، أنَّ زيارة بوتين «جرى التخطيط لها قبل وقت طويل من زيارة ترمب».

ورغم ذلك، فإنَّ الرسائل بدت في الإعلام الروسي مختلفة، حيث كتبت صحيفة «أرغومينتي إي فاكتي» أن بوتين استُقبل في بكين «حليفاً وشريكاً موثوقاً»، بينما عومل ترمب بوصفه «منافساً وخصماً يمكن توقع أي شيء منه».

النتائج العملية للقمتين

ورغم الضجة المصاحبة للقمتين، فإنَّ نتائجهما العملية بدت محدودة. فلقاء ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ لم يُحقِّق تقدماً ملموساً في ملفات شائكة مثل؛ الرسوم الجمركية، وقيود تصدير الرقائق الإلكترونية، بينما كان بوتين يأمل في تحقيق اختراق اقتصادي مهم مع الصين في ظلِّ الضغوط التي تواجهها روسيا؛ بسبب الحرب والعقوبات الغربية.

وتُعمِّق المشكلات الاقتصادية المتفاقمة لروسيا اعتمادها على الصين، مُحوّلةً ما يُصوّرها الكرملين «شراكةً متكافئةً» إلى «علاقة غير متكافئة» بشكل متزايد. لكن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران منحت روسيا فرصةً جديدةً، حيث إنها تحاول استغلال التوترات الناتجة عن حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز؛ لتقديم نفسها للصين مُورِّداً أكثر موثوقيةً على المدى الطويل للنفط والغاز.

وكانت موسكو تأمل في تحقيق تقدُّم بشأن مشروع خط أنابيب الغاز «قوة سيبيريا 2»، الذي يهدف إلى تحويل صادرات الغاز الروسية من أوروبا إلى الصين، لكن القمة انتهت دون إعلان واضح بشأن المشروع. واكتفى الرئيسان الصيني والروسي بالتعهد، بعبارات مبهمة، بتعميق التعاون في قطاعات واسعة.

كما أقرَّ بيسكوف لاحقاً بأنَّ موعد تنفيذ المشروع «لم يُحسم بعد».

المستفيد الأكبر من القمتين

ويرى مراقبون أنَّ المستفيد الأكبر من القمتين كان الرئيس الصيني نفسه، الذي سعى إلى ترسيخ صورته زعيماً عالمياً قادراً على التعامل مع القوتين المتنافستين، الولايات المتحدة وروسيا، في وقت واحد.

ولم يسبق لأي زعيم صيني أن استضاف زيارتين رسميَّتين متتاليتين في الشهر نفسه لرئيس أميركي ورئيس روسي.

وخلال استقبال ترمب داخل مجمع «تشونغنانهاي»، وهو المقر المغلق عادة أمام الضيوف الأجانب، حرص شي على إبراز خصوصية المكان، وعندما سُئل إن كان قادة أجانب يزورونه كثيراً، هزَّ رأسه قائلاً: «نادراً جداً»، ثم أضاف ضاحكاً: «على سبيل المثال، بوتين كان هنا».

وفي لقائه مع بوتين، وصف شي العلاقات الصينية - الروسية بأنها «نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى».

تأثير القمتين على حربَي أوكرانيا وإيران

ورغم هيمنة الحربين في أوكرانيا والشرق الأوسط على المشهد الدولي، فإنَّ أي من القمتين لم تشهد اختراقاً حقيقياً في جهود التسوية.

وقال ترمب إنه رفض اقتراحاً من شي بأن تساعد الصين في الوساطة لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وهي الحرب التي تسببت في استمرار إغلاق مضيق هرمز.

كما نفت الصين وترمب تقريراً نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» تحدث عن أن شي أبلغ الرئيس الأميركي سراً بأن بوتين قد «يندم في النهاية على الحرب في أوكرانيا».

وفي بيان مشترك، كرَّرت الصين وروسيا دعوتهما إلى «إزالة الأسباب الجذرية» للحرب الأوكرانية، وهي العبارة التي تتطابق إلى حد كبير مع الرواية الروسية التي تحمِّل الغرب مسؤولية الصراع.

وقال ويليام يانغ، كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، إن شي جينبينغ ربما يسعى إلى فهم أوضح لوجهة نظر بوتين بشأن الحرب في أوكرانيا، التي زادت من تعقيد علاقات بكين مع الدول الغربية، في وقت تحاول فيه الصين استقرار علاقاتها التجارية مع أوروبا والولايات المتحدة.

ولم تلعب الصين، التي تتمتع بنفوذ هائل على الاقتصاد الروسي، دوراً يُذكر في محاولة إنهاء الحرب في أوكرانيا، مكتفيةً بالتسامح مع الصراع ما دامت تستطيع الحفاظ على علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع موسكو، بينما تنتزع شروطاً أكثر ملاءمة من شريكها المُنهك.


«الفاو»: إغلاق مضيق هرمز يُنذر بحدوث «صدمة زراعية غذائية»

سفن قبالة سواحل عُمان... 20 مايو 2026 (رويترز)
سفن قبالة سواحل عُمان... 20 مايو 2026 (رويترز)
TT

«الفاو»: إغلاق مضيق هرمز يُنذر بحدوث «صدمة زراعية غذائية»

سفن قبالة سواحل عُمان... 20 مايو 2026 (رويترز)
سفن قبالة سواحل عُمان... 20 مايو 2026 (رويترز)

حذّرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، الأربعاء، من أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة يُنذر بصدمة هيكلية في قطاع الأغذية الزراعية، قد تُفضي إلى أزمة حادة في الأسعار العالمية للأغذية خلال 6 إلى 12 شهراً، وفقاً لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولتجنب هذه النتيجة، أوصت «الفاو» بـ«إنشاء طرق تجارية بديلة، وضبط القيود على الصادرات، وحماية تدفقات المساعدات الإنسانية، وتكوين احتياطيات لاحتواء ارتفاع تكاليف النقل».

وقال ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في «الفاو»، في مدونة صوتية جديدة الأربعاء: «حان الوقت للبدء بالتفكير جدّياً في كيفية زيادة قدرة الدول على التكيّف مع التداعيات، وكيفية تعزيز قدرتها على الصمود في وجه هذا العائق، وذلك بهدف الحد من الآثار المحتملة».

وذكرت «الفاو» أنّ الوقت المتاح لاتخاذ إجراءات استباقية يتقلّص بسرعة، مشيرة إلى أن القرارات التي يتخذها المزارعون والحكومات حالياً بشأن استخدام الأسمدة والواردات والتمويل وعوامل أخرى ستحدد ما إذا كان العالم سيشهد أزمة حادة في أسعار الأغذية العالمية خلال ستة إلى اثني عشر شهراً.

وفي أبريل (نيسان)، ارتفع مؤشر أسعار الأغذية الصادر عن «الفاو»، والذي يتابع التغيرات الشهرية في الأسعار العالمية لسلة من المنتجات الغذائية المتداولة عالمياً، للشهر الثالث على التوالي، مدفوعاً بارتفاع تكاليف الطاقة والاضطرابات المرتبطة بالنزاع في الشرق الأوسط.

وتمتد آثار الصدمة على مراحل متتالية: الطاقة، والأسمدة، والبذور، وانخفاض المحاصيل، وارتفاع أسعار السلع، ثم التضخم الغذائي، حسب «الفاو».

وقد يتفاقم الوضع مع وصول ظاهرة «إل نينيو» التي يُتوقع أن تُسبب جفافاً وتُخلّ بتوازن أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق عدة، وفق «الفاو».

وللحد من هذا الخطر، أوصت «الفاو» بأكثر من عشرين إجراء قصيراً ومتوسطاً وطويل الأمد، تشمل مسارات بديلة حول مضيق هرمز، وتوفير قروض ميسرة للمزارعين، وإنشاء احتياطيات إقليمية.