الإعلام المصري في افتتاح قناة السويس.. بين الإشادة والاتهام بالمبالغة

خبراء أعربوا عن رضاهم وآخرون تحدثوا عن «شحوب إعلامي»

الإعلام المصري في افتتاح قناة السويس.. بين الإشادة والاتهام بالمبالغة
TT

الإعلام المصري في افتتاح قناة السويس.. بين الإشادة والاتهام بالمبالغة

الإعلام المصري في افتتاح قناة السويس.. بين الإشادة والاتهام بالمبالغة

في مرآة الأحداث الكبرى تنجرف وسائل الإعلام المرئية والمطبوعة لتدخل دائرة الضوء ضمن مشهد أكبر، وتوضع تحت مجهر الفحص، وقد بدا أن الإعلام المصري على موعد للتقييم خلال حفل افتتاح قناة السويس الجديدة نهاية الأسبوع الماضي. وبينما أشاد خبراء في مجال الإعلام بتغطية الإعلام المصري للحدث، قال آخرون إن «شحوبًا إعلاميًا» رافق الحدث الأهم في البلاد.
وتنوعت طرق احتفاء الصحف اليومية الحكومية والخاصة بتدشين القناة الجديدة، غير أنها أجمعت تقريبًا على عكس حجم الإنجاز بمانشيتات مثل «مصر تصنع التاريخ»، و«اليوم ساعة الصفر على شط القناة»، لكن صحيفة «الأخبار» الحكومية فاجأت الجميع تقريبًا بوضع صورة للرئيس عبد الفتاح السيسي ساجدًا مع مانشيت «الحمد لله» كما لو كان ساجدًا شكرًا لله على إتمام حفر القناة التي تعول عليها الحكومة المصرية كثيرًا لإنعاش الاقتصاد.
صحيفة «الأهرام» العريقة وضعت عنوان «شمس 30 يونيو (حزيران)»، كما وزعت مع العدد ملحقًا باللغة الإنجليزية بعنوان «عالمنا.. مصر» من إعداد موقع «وورلد فوليو» العالمي والمعني بالاقتصادات وفرص ارتفاع النمو والاستثمار، تناول الملحق المنجزات الاقتصادية في السنة الأولى من حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، والمتمثلة في المؤتمر الاقتصادي الذي أقيم بمدينة شرم الشيخ في مارس (آذار) الماضي، وتم خلاله توقيع عقود استثمار مع شركات عالمية بقيمة 130 مليار دولار، بالإضافة لمشروع إقامة عاصمة جديدة للبلاد شرق القاهرة، علاوة على الجدوى الاقتصادية المتوقعة من مشروع قناة السويس التي تصل إلى مائة مليار دولار، وتوفير مليون فرصة عمل للشباب المصري.
ويقول الدكتور سامي عبد العزيز، أستاذ الإعلام وعضو اللجنة المنظمة لحفل افتتاح قناة السويس الجديدة، إن «التغطية الإعلامية سواء من الإعلام المطبوع أو المسموع والمرئي كانت بحجم الحدث»، مشيرًا إلى أن «كل وسائل الإعلام لم تتقاضَ مليمًا واحدًا مقابل تغطيتهم التي قدمت كل التفاصيل وعرضت أكبر قدر ممكن منها»، مشيرًا إلى أنها «عكست أجواء الفرحة والبهجة التي خيمت على الاحتفال في كل ربوع مصر».
وآثر التلفزيون المصري واللجنة المنظمة للحفل القيام ببث مشترك لمراسم افتتاح من الصباح وحتى منتصف ليل الخميس، وشارك فيه مقدمون من معظم القنوات الفضائية المصرية الخاصة، كما تم منح حقوق البث دون أي مقابل مادي تحصل عليه الدولة.
وأوضح عبد العزيز لـ«الشرق الأوسط»، أن «مبادرة البث المشترك جاءت من غرفة صناعة الإعلام المسموع والمرئي»، مضيفًا أن «القنوات الفضائية المشاركة هي التي تحملت تكاليف البث كاملة». كما أشاد بالمجهود المبذول من جانب وسائل الإعلام على مدار يومي الأربعاء والخميس، وانتظارهم الحصول على التصاريح الأمنية لتغطية الافتتاح. وأثنى على الإعلاميين الذين قدموا التغطية دون صراع أو غيرة.
وقامت شركة فرنسية بإخراج حفل الافتتاح، بعدما وصل وفد منها يضم 14 شخصًا من كبار الفنيين في الأعمال الفنية والإعلامية قبل يومين من الحفل، بينما كانت كاميرات التلفزيون المصري حاضرة أيضًا للمعاونة في أعمال البث وجاهزة لنقل فعاليات الافتتاح في حالة الطوارئ.
لكن صحيفة «المصري اليوم» الخاصة قالت إن «البث المشترك للقنوات الفضائية شابته عوائق نتيجة تأخر إصدار التصاريح الأمنية من جانب منظمي الحفل. وتسبب الارتباك التنظيمي الذي شاب الحدث الكبير غياب عدد من نجوم الإعلام المصري، منهم وائل الإبراشي، وعمرو الليثي، وخيري رمضان، وأسامة كمال، ولبنى عسل، وعمرو الكحكي، وإبراهيم عيسى»، بحسب الصحيفة.
في المقابل، انتقد الإعلامي المصري إبراهيم حمودة التناول الإعلامي سواء الحكومي أو الخاص للحدث المهم، وقال إن «أحدًا من الناس قد شعر بأهمية الحدث على اختلاف موقفهم منه، كما تباينت درجة حماس الناس سواء لوجود مذيعين أو بث مشترك أو غيره، رغم المجهود الهائل الذي بذل لإنجاز هذا العمل».
وتساءل حمودة، الذي ترأس عددًا من القنوات التلفزيونية، عن السبب وراء «فقدان الآلة الإعلامية القديمة بريقها كاملاً، رغم كونه يوم نجاح مجاني، وفي ظل سعادة الناس الكبيرة واستعدادهم لتلقي الكثير من القنوات الناقلة للحدث»، مشيرًا إلى أنه كان هناك «شحوب طاغ بشكل مفاجئ»، وهو ما فسره بأن «الصورة على الأرض كانت أقوى من صوت الإعلاميين»، أو بمعنى أوضح «الناس شاهدت واطمأنت أن هناك مشروعًا وفرحت به، فما الحاجة للإعلام، هل ليس هناك ما يقال؟».
لكن الدكتور عبد العزيز، العميد السابق لكلية إعلام جامعة القاهرة، يرى أن المصريين كانوا في «اشتياق للفرحة»، وأن الإعلام «عكس الفرحة التي لم تكن وهمية بل متوهجة وبريئة وصادقة بعد أربع سنين عجاف مليئة بالكآبة»، لافتًا إلى أن مشروع قناة السويس الجديدة يضع مزيدًا من المسؤولية على كاهل الدولة، وأن الشعب لن يقبل في المستقبل بإنجازات أقل حجمًا وأهمية.
وعلقت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) على تناول الإعلام المصري للاحتفال بافتتاح قناة السويس الجديدة. وقالت في تقرير لها إن «وسائل الإعلام الموالية للحكومة المصرية وصفت توسعة القناة بأنها نصر قومي ونقطة تحول بعد سنوات من انعدام الاستقرار».
وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء رصدت هي الأخرى احتفاء الإعلام في مصر بالافتتاح الذي تم اعتباره «إنجازًا تاريخيًا»، مشيرة إلى «إعادة إحياء الولع بالشخصية القومية حول الرئيس السيسي البالغ 60 عامًا». كما ذكرت الوكالة أن الإعلام الموالي للحكومة المصرية اعتبر إنجاز المشروع في سنة واحدة ً من ثلاث سنوات بأمر من السيسي، كدليل على حسم وجدية الرئيس. ولفتت الوكالة أيضًا إلى مقارنة الإعلام المصري للرئيس السيسي بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي أمم قناة السويس في يوليو (تموز) 1956.
ويقول الخبير الإعلامي الدكتور فاروق أبو زيد لـ«الشرق الأوسط»، إن التغطية الإعلامية من خلال البث المشترك كانت «شاملة وطبيعية لحدث كبير، التي استعانت بها ليس القنوات المصرية فحسب، وإنما الكثير من القنوات العربية والعالمية، بغض النظر عن توجهاتها».
وأشاد أبو زيد بالتغطية الهادئة للحفل أيضًا، لافتًا إلى أن المطلوب ليس الإبهار. وقال: «مصر سخرت كل إمكاناتها ليخرج الحفل بهذه الصورة، كما استعانت بشركة أجنبية لإخراجه»، وتابع: «الحفل كان في المستوى المناسب للحدث، فلم يكن مبالغًا فيه أو لا يليق بحجم افتتاح قناة السويس الجديدة». واختتم بقوله إن الحفل جاء بلا أخطاء تقريبًا ومتوازنًا في فترة الاحتفال النهاري التي لم تتجاوز الثلاث ساعات أو الحفل الساهر في المساء الذي استمر لنحو ساعتين فقط، مشيدًا بكل من قاموا على إنجاز هذا العمل.
وبينما سادت حالة من البهجة والاحتفاء بافتتاح قناة السويس الجديدة بين كثيرين من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، كان هناك شعور من جانب البعض بالمبالغة في الاحتفال وطريقة تناول أغلب وسائل الإعلام المصرية له، رغم تقدير هؤلاء لحجم الإنجاز ومردوده الاقتصادي.
كما انتقد البعض طول فترة الاحتفال التي بدأت قبل نحو أسبوعين من يوم الافتتاح، سواء في وسائل الإعلام المقروءة أو المسموعة أو المرئية، مما خلق حالة من الملل لدى البعض، الذي عبّروا عنه على «تويتر» و«فيسبوك»، وهو أيضًا ما جعل يوم الافتتاح وكأنه يوم عادي وليس استثنائيًا في تاريخ مصر والمصريين.



«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.