عائشة السيفي: حاولت أن أجد صكّاً للقبول بي شاعرة داخل القبيلة

«أميرة الشعراء» تقول لمن هاجمها: الناس مقامات في التلقي

عائشة السيفي أول امرأة تحرز لقب «أميرة الشعراء»
عائشة السيفي أول امرأة تحرز لقب «أميرة الشعراء»
TT

عائشة السيفي: حاولت أن أجد صكّاً للقبول بي شاعرة داخل القبيلة

عائشة السيفي أول امرأة تحرز لقب «أميرة الشعراء»
عائشة السيفي أول امرأة تحرز لقب «أميرة الشعراء»

منذ اللحظة التي أعلن فيها فوز الشاعرة العُمانية عائشة السيفي بلقب «أميرة الشعراء» في الموسم العاشر، كأول امرأة شاعرة تحقق هذا اللقب، انهالت الانتقادات والاتهامات والتعليقات المتنمرة على الشاعرة وعلى برنامج «أمير الشعراء» ولجنة الجائزة، ومثلما بدا بعض المعلقين كأنهم ينساقون بخفّة خلف مقاطع مبتسرة من قصيدة الشاعرة في المسابقة، أظهر بعض الهجوم أيضاً «البنية الفولاذية لفريق يعتبر نفسه حارساً على بنية القصيدة التقليدية ومدافعاً شرساً أمام أشكال التحديث ومظاهر الحداثة».
أصدرت عائشة السيفي 4 مجموعات شعرية هي: «البحر يبدّل قمصانه» 2014، و«أحلام البنت العاشرة» 2016، و«لا أحبّ أبي» 2017، و«في الثلاثين من نخلها» 2022، وبالإضافة إلى الشعر، تنشر عائشة السيفي مقالات عبر مدونتها الإلكترونية «حريّة بثمن الخبز».
عن مسيرتها الشعرية، وكيف تقرأ تجربتها في برنامج «أمير الشعراء» حتى حصولها على لقب «أميرة الشعراء» ورؤيتها للقصيدة الحديثة... كان هذا الحوار معها:
> متى اكتشفتِ موهبتكِ كشاعرة، خصوصاً أننا نعلم أن دراستك وتخصصك في الهندسة المدنية والتنمية الدولية؟
- موهبتي بدأت عندما كنت في عمر العاشرة تقريباً، كنتُ أحبّ إلقاء الشعر منذ الصف الأول الابتدائي، وبدأت محاولاتي الشعرية واضحة في المراحل الأولى من دراستي، ولكني في بدايتها حاولت أن أجد صكّاً للقبول داخل العائلة بأن أكتب الشعر، فكتبتُ أول قصيدة وكان اسمها «الوردة البيضاء» وحاولتُ بعدها أن أكتب قصائد في القبيلة من أجل أن أحرز صكّ القبول العائلي.
قضيتُ حياتي وأنا أكتب الشعر وكنتُ أحرز الدرجات العالية في اللغة العربية تماماً مثلما أحرز الدرجات العالية في المواد العلمية مثل الرياضيات والفيزياء، وكانت ميولي علمية مثلما كانت ميولي أدبية أيضاً فدخلت المسار العلمي وتخصصت في المواد العلمية، وتخرجت بنسبة عالية، 99.7 بالمائة في الثانوية العامة، وكانت الخيارات أمامي مفتوحة، فاتخذتُ قرار الانخراط في كلية الهندسة، وكان خياراً - نوعاً ما - غير مقبولٍ على مستوى القبيلة وعلى مستوى المدينة، فالهندسة لم تكن اتجاهاً تتجه إليه النساء، ولكني رغبتُ في تجربته لرغبتي في استكشافه بعيداً عن التفكير النمطي.
> ما الذي يجمع بين الهندسة والشعر؟
- اكتشفتُ أن الهندسة تجتمع مع الشعر في جوانب كثيرة؛ فهي من الإنسان وإلى الإنسان، والهندسة نابعة من حاجات الإنسان في العيش، وهي تشهد محاولات الإنسان دائماً في تشكيل الأفكار الجديدة.
> لكنك ذهبتِ بعيداً في هذا المجال...
- نعم، بعد تخرجي من الجامعة التحقت بشركة هولندية متخصصة في الموانئ، ومنها تخصصت في هندسة الموانئ، تحديداً في تصميمها، وذرعتُ العالم بدءاً من هولندا ثم بريطانيا ثم في دول أخرى بأفريقيا وآسيا، وعدتُ إلى عُمان في 2019 لأتجه إلى القطاع اللوجيستي، ومؤخراً صرتُ أعملُ في جهاز البرنامج الوطني للاستثمار نائبة للرئيس.
> لكنك بدأتِ كشاعرة متأخرة نسبياً، بعد التخرج من الجامعة 2005...
- لم أبدأ متأخرة، ولكني احتجتُ لكثير من المراحل من أجل أن أخرج علانية، لأنني جئت من عائلة محافظة لا تخرج فيها النساء علناً ولا يفصحن في المنابر العامة عن الشعر. فبدأت بالتدريج لأنني أردت أن أحصل على صكّ القبول من العائلة، ثم من الدوائر الأوسع في مدينتي، وعمان تحديداً. فأخذت وقتي، وكانت هنالك مراحل استقلاليتي المادية وزواجي الذي قيضّ لي مساحة حرية أكبر في أن أتخذ قرارات الخروج بالمنابر العلنية، بالإضافة إلى أن عملي في الهندسة وسفري الكثير في السنوات الماضية أثّر على حضوري في المشاركات الشعرية العامة وفي حضور المؤتمرات والملتقيات الثقافية وكذلك في الأمسيات الشعرية.
> نشأتِ في نزوى، ماذا منحكِ المكان والبيئة والتراث... خصوصاً أننا نلحظ في نصوصكِ روحاً حديثة تنهل من التراث؟
- أنا متشبعة كثيراً بمدينتي نزوى، ببساطة شديدة قضيتُ أول 18 سنة من حياتي في نزوى، لم أغادرها سوى بضع مرات، وأجد في نزوى مساحة كثيرة تثير فضولي للكتابة عنها ككاتبة؛ ففي نزوى المكان، والقرية، والشجر، وفي نزوى الإنسان العميق، والتاريخ، وأجدُ فيها تفاصيل شعرية كثيرة لقصائدي، وأحسب أن نزوى كانت مادة خصبة لنصوصي، وهي أيضاً نابعة من بحثي عن النصّ وعن أصالة النصّ، وحديثي عن نزوى نابع من أن أكون مخلصة لجذوري التي سقت ينابيعي الشعرية الأولى، والتي من خلالها خرجت للعالم. أنا زرتُ العالم وعايشت حضارات مختلفة، ولم تزدني تلك الحضارات يقيناً إلا باعتزازي الكبير بجذوري التي خرجتُ منها إلى العالم.
«أميرة الشعراء»
> ماذا يعني لكِ الفوز بلقب أول شاعرة «امرأة» تفوز بلقب أمير الشعراء؟
- أنا دخلت المسابقة وعيني على الفوز... فمن اللحظة الأولى التي كان الجميع يسألني فيها، كنتُ أقول لهم: أنا دخلت البرنامج لأفوز! أردتُ أن أجعل من الفوز أمراً عادياً، أنا أتمنى أن أعيش حياة أجد فيها أن الفوز لامرأة أمر عادي بين الناس، أردتُ أن أعبّد الطريق لنساء أخريات، وأن أكون امتداداً لنساء أخريات سبقنني ولم يحظين بالفوز، لأنهنّ لم يجدن الإيمان الكافي بتجرتهنّ مثلما وجدتُ الإيمان الكافي بتجربتي، وأردتُ أن أصعد على المنبر لترى النساء وجوههن فيّ... بأن يجدن امرأة قادمة من قبيلة وقادمة من مجتمع محافظ ومتدين، وامرأة قادمة من دولة تعدادها السكاني قليل، وامرأة قادمة من دولة لا تسوّق كثيراً لتجاربها، وأتت من ظروف فيها كثير من التحديات، لكنها وقفت هناك لأنها تشعر بالجدارة. ما يعني لي أن هناك إرثاً أحمله أريد أن يستمر ويواصل بعد فوزي.
> صِفي لنا اللحظات الأولى لإعلان فوزكِ... كيف تلقيتِ الإعلان؟
- قبل اللحظات الأولى للفوز، كنتُ أشعر بأن السباق انتهى، وكنتُ أشعر تلك اللحظة بالسعادة الغامرة التي تدفعني (ربما) لأذرف الدموع لو لا أن قوتي كانت أكبر من أن أبكي علانية! وكنتُ أريد أن أستمتع باللحظة، وأكون مغمورة بها، فلم تكن الرحلة سهلة، فالرحلة كانت متعبة وصعبة. بالإضافة إلى صعوبة صناعة النصوص وتجويدها، كان عليّ أن أستثير الكثيرين لكي أجتذبهم للتصويت، ففي عُمان عموماً لا يتفاعل الناس كثيراً مع البرامج الجماهيرية، وتكون الصعوبة أكبر عندما يتعلق الأمر بالشعر، وتتضاعف الصعوبة عندما يتعلق الأمر بالتصويت لامرأة، فوضعتُ كل ثقلي التسويقي والجماهيري من أجل إقناع الناس بالتصويت ومن أجل حثهم على أهمية هذه المشاركة، وعلى طول التمثيل، وضرورة الإيمان بأن الفوز لا يتعلق فقط بهذه المرأة الشاعرة، ولكن بأجيال عليها أن تؤمن بأنها جديرة بالفوز، وأن هذا الفوز يفتح أبواباً كثيرة أبعد من مسألة حمل اللقب.
> كانت أمامك منافسة من شاعرة أخرى من الإمارات، هل تُغّير المرأة طعم المنافسة؟
- نعم تُغيّر المرأة طعم المنافسة، بطريقة ما، كنتُ ونجاة الظاهري من الإمارات، قريبتين طوال الرحلة، ولم تتسم المنافسة بطعم الغيرة، على العكس، كنا نحب لبعضنا ما نحبّ لأنفسنا، وعندما خرجت نجاة لمرحلة التصويت صوّتُ لها، وهكذا فعلت هي عندما خرجت لمرحلة التصويت صوتت لي، كنا ندعم بعضنا، ونفتخر بتجارب بعض، وكنا نمنح بعضنا ملاحظاتنا. لم أجد من نجاة إلا المساندة، والفرحة الكبيرة بفوزي، وحتى هذه اللحظة أنا على تواصل مستمر معها، وأجد أن أحد مكاسب المسابقة هذه؛ فوزي بصحبتها ورفقتها في هذه الرحلة.
> هناك من قال إن المزاج العام كان يتجه لفوز امرأة بهذا اللقب هذا العام، هل هذا صحيح؟
- عندما شاركتُ لم أكن أفكر إطلاقاً في المزاج العام، أعرف أن المزاج العام كان في يفكر في فوز امرأة منذ المواسم السابقة، وهنالك كثير من الآراء يشير إلى أنه آن الأوان لأن تفوز امرأة. بالنسبة لي، اشتغلتُ على نصوصي كثيراً واجتهدت، وواجهت تحديات، فقد خرجتُ لمرحلة التصويت في البرنامج، وكان هنالك احتمال كبير أن أغادر، كنتُ أقف مقابل التصويت لمنافسي الموريتاني، وأخرجتني لجنة التصويت، وبالتالي لو كان هنالك مزاج عام للفوز لكنتُ حصلت على بطاقة اللجنة خلال كل المراحل، في بعض المراحل كنت أقول إنني على وشك أن أخرج من السباق، وكانت الدرجات التي تفصلني عن الشاعر الموريتاني قليلة جداً، فنحنُ وضعنا في الاختبارات في كل مراحل البرنامج وكنت أجتهد من البداية إلى النهاية، وأحسب أن المزاج العام لفوز امرأة لن يقنع الناس بالتصويت، بل على العكس الناس سوف تصوت للنصّ الجدير، وهذا ما حدث، وأنا أعتبر أن هذا التبرير الذي يقوله الكثيرون انتقاص من جدارة التجربة الشعرية التي قدمناها نحنُ باستخدام أعذار من أجل التقليل من أهمية فوز امرأة بلقب هذا الموسم.
> يعتمد اختيار الفائز على التصويت، ونعلم أن حملة تصويت هائلة صُبّتْ لصالحك خصوصاً من سلطنة عُمان... كيف تقيمين هذا الإقبال الواسع للتصويت لك من الجمهور العماني؟
- نعم أردتُ منذ بداية اشتراكي في هذا البرنامج أن أدخل بكل الأدوات، وهذا هو الجانب الإداري داخلي، فأنا بمقدار ما أنا شاعرة، فأنا إدارية، اشتغلت بشكل مكثف على الأصوات كأنها حملة انتخابية، لأنني أردتُ أن أرفع الوعي داخل المجتمع العماني بأهمية المشاركة، وأردت أن أجعل من حملتي في هذا البرنامج مثل مرجع لحملات مقبلة في المستقبل. ومن النصائح التي أوصلتني والتي أثمنها كثيراً نصيحة من (الشاعر السعودي) الأستاذ جاسم الصحيح، عندما طلبتُ نصحه وأنا على وشك المشاركة في البرنامج، فقال لي: «عائشة النصّ الجميل ثم التصويت فالتصويت فالتصويت»، وبالتالي بقدر ما نؤمن بنصّ جميل يحوز على رضا لجنة التحكيم، وهذا ما اشتغلتُ عليه طوال فترة البرنامج، فأنا أيضاً مؤمنة بأن الجمهور عليه أن يقول كلمته.
> هل يفقد اللقب، أو تفقد الجائزة، مضمونها الأدبي بسبب اعتمادها على تصويت الجمهور؟
- أنا مؤمنة بأنه لو لم يكن هنالك جانب تصويت لبرنامج أمير الشعراء، لانتهى البرنامج وماتت جماهيريته، التصويت هو جزء أساسي من جماهيرية البرنامج، إذا أردنا أن نشرك الناس في اختيار الشاعر الذي يريدونه؛ فعليهم أن يكونوا جزءاً من عملية الاختيار هذه، وبالتالي فأن يوضع 60 في المائة من النقاط لاختيار لجنة التحكيم، و40 في المائة للجمهور، فإن ذلك يحث الناس على التفاعل مع الشعراء ويحثهم على أن يكونوا جزءاً أساسياً من عملية انتخاب الشاعر الذي تجمع الغالبية عليه.
> مثلما رحب عشرات الأدباء بفوزك باللقب، حظي هذا الفوز باعتراضات من نقاد ومثقفين... رغم أن بعضهم سحب رأيه بدعوى أنهم لم يقرأوا النصّ كاملاً... بالنسبة إليك، أين تضعين آراء المؤيدين والمعترضين على فوزك؟
- أنا أستشهد هنا بمثل يقول «bad publicity is good publicity»، ويعني أن «الجماهيرية السيئة هي جماهيرية جيدة»، فلم يحظَ نصّ شعري حديث بالتحليل والتفكيك مثلما حظي نص «أسئلة سقف الليل» (الذي ألقته الشاعرة في المسابقة) بسبب ما حظي به بداية بكثير من الذم، ثم لاحقاً تلقفه جمهور النقاد، وللأمانة لم أجد أي مقال نقدي وصل إلي إلا ما جعلني أبتسم كثيراً، لأن ما يعنيني هو رأي النقاد، أما الجمهور فلهم أن يقولوا ما يشاءون. أنا أتفق أنه ليس كل أحد يستمع بشكل جيد، ويتلقى النصوص الشعرية بحداثيتها كما كتبتها، وأؤمن بما قاله ابن خلدون: «الناس مقامات في التلقي»، والناس مقامات في تلقيهم لهذه النصوص، وربما كانت هذه المعضلة الكبرى التي كنا نواجهها عند تقديم النصوص: هل هي موجهة للجنة التحكيم أم هي للجمهور؟ وفي كثير من الأحيان عندما كنت أستشير زملائي الشعراء الذين شاركوا في مواسم سابقة بالبرنامج، كانوا يقولون لي هذا نصّ نخبوي جداً قد تفوزين فيه بأصوات لجنة التحكيم ولكنك ستخسرين الجمهور، وبالتالي كانت المعضلة كيف أقدّم نصاً غير مغرق في الجماهيرية، ولكن أيضاً غير مغرق في الرمزية وغير نخبوي... كيف أقدّم نصاً يمسك العصا من المنتصف؟
> بعض المعترضين، يرون أن شعركِ «حداثي» وهم لا يرون الشعر الحديث شعراً، وقالوا إن شعركِ «حداثي حتى لو صبّ في قوالب عمودية»، ما رأيك؟
- أنا ابنة عصري، ولدتُ في ثمانينات القرن الماضي، وأنا امرأة في الثلاثينات أعيش يومي، وأبني على ما قاله أجدادي، ثم أخرج منه ما يشبهني. فإذا كانت الحداثة أن أحدث ما ورثناه ونَبْنِي عليه فإنني أعتز بهذه الحداثة. أريد أن أقول إن العالم يتحرك بشكل كبير جداً، وعلى الشعر أن يواكب هذه الحركة الثقافية الكبيرة، وإلا لاتسعت الثغرة بيننا وبين العصر الحديث.
أنا ابنة عصري، وأكتب شعراً يشبه عصري، وأكتب شعراً يشبهني قبل كل شيء، وإن صُبَّ في قوالب عمودية، فإنه لا يهم القالب بقدر ما تهم الفكرة، وما يهم هو العمق الذي يتخذه النصّ، أما الأشكال فهي زائلة، فما تبقى في النهاية هو الفكرة والمجازات والصور الشعرية المتضمنة في النصّ.
> الناقد السعودي محمد العباس وصف المعترضين بأنهم «أنصار الشعر التقليدي» الذين عادوا إلى المشهد، «واستنهضوا قواهم التقليدية، ليعلنوا موت أي مظهر من مظاهر الحداثة الشعرية»، «فالشعراء التقليديون يعتبرون تقليديتهم سلطة بمعناها القمعي (...) ولذلك يمكن النظر إلى شراسة هجومهم»، ما رأيك؟
- أنا شاعرة تكتب الشعر فقط، أنا لستُ ناقدة، ولا أدعي ذلك، وأكتب الشعر بكل قوانينه، وعلى العكس لديّ نصوص يعدّها الحداثيون تقليدية جداً، كما أنّ لديّ نصوصاً أخرى يعدّها التقليديون حداثية جداً، ما أريد أن أقوله أن الجمال لا يتخذ شكلاً ولا لوناً، فالجمال يخاطب كل شرائح المجتمع وكل شرائح المتلقين، وأرى أنّ النصّ الذي كتبته كان نصاً لا يفكر في لقب أو اسم معين، سواء كان حداثياً أو تقليدياً، كان نصّاً كتبته في لحظته الشعرية، ولا أريد أن أحمله أي نوع من الألقاب، هو نصٌّ كتبتهُ وألقيته وأترك لجمهور النقاد أن يسموه كيفما شاءوا.
> كيف ترين أهمية الشعر الحديث في التجربتين الشعرية والإنسانية؟
- علينا أن نُلبس حياتنا ما يشبه محيطنا، على النصوص الشعرية اليوم ألا تتحدث عن البيد والقوافل والجِمال وبيوت الشعر وغيره، بل على النصوص الشعرية اليوم أن تلمس اليومي من حياة الناس، أن تشبه القهوة المختصة، أن تشبه الموسيقى، أن تشبه المعمار الحديث، وأن تشبه الإنسان الجديد بتحولاته... وإلا لكتبنا ونحن نقبع في قصور مشيّدة، لا يفهم المتلقي ما نريد أن نقوله، على الشعر أن يكون مطحوناً طحناً في تفاصيل الحياة اليومية للإنسان، وعلينا ألا ننفكّ من الكتابة عن كل قسوة الحياة وجمالها، وعن الحياة الإنسانية المعاصرة بكل تفاصيلها. وعلينا أن نقاتل لكي يكون الشعر حاضراً حضوراً عميقاً في حياة الناس، لأن الشعر اليوم لا تنافسه قوالبه التقليدية أو الحداثية، الشعر تنافسه بقية الفنون الإبداعية الأخرى السمعية والبصرية والأدوات الجديدة في وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي علينا أن نغرس الشعر الحديث غرساً فيها، وأن نكيّف قصائدنا لتكون حاضرة في كل هذه المشاهد وتكون حاضرة في كل الأدوات التي توصل الشعر إلى كل إنسان يقف وراء الشاشات.

من نصوصها الشعرية

حفنةٌ من ترابِ دمي
خُذوا حفنَةً من تُرابِ دَمِي
وارحَلوا كالغُبارِ الخَفيفِ الذي يُحرِجُ الأرضَ في ليلَةِ العاصِفَةْ
واتْرُكوا لي الكمَنجَاتِ
كيْ أستَعينَ بها في ليَالي البُكاءِ التيْ تتفجَّرُ فيهَا القصَائدُ بالعاطِفَة ْ
لهذي البلادِ
سأترك قلبيْ يغنّي وحيداً...
كذئبٍ حزينٍ
لمَوتىً يُصيخُونَ خلفَ الأعَاليْ
لأصوَاتنَا... وضجِيجِ شِجَاراتنَا
واللّهاثِ السّريعِ
ولهفَتنَا للحيَاةِ
وأقدامنا الضّارباتِ على الأرصِفةْ

لهذي البلاد التماثيلُ
والجثث المستفزَّة بالموتِ
صوتُ النساءِ المصاباتِ بالليلِ
والشّرفاتُ التي لا تطلُ على البحرِ
والأغنياتُ التي لا تحبّ الموسِيقا
ولا صَوت فيروزَ
هذيْ البلادُ
لهَا حُزنُ أمطار سبتمبرَ الصائفَةْ

تريد البلادُ لقلبِي خَريفَاً عجُوزاً بلا حلمٍ
وَأمَّا أنَا فَأريدُ لقلبِي شتاءً يحِبُّ الشّتاءَ
ومدخَنةً
وهَواءً خفيفاً يجيءُ من البَحرِ نحوِي
يُداعبُ حُزنِي
ويُؤنسُ
وَحشَةَ أحلامي الخَائفَة ْ

تحبُّ البلادُ لهُ أن يعيشَ كبُندقةٍ
وأما أنا فأحبّ له أن يعيشَ كعصفورةٍ
سَارحاً في السمّاء البعيدةِ
منتشياً بالسّحابِ
تقول البلادُ وقد فردتْ لي يَديهَا: أحبَّ لقلبكَ ما لا تحبّ لعينيكَ أما أنَا فأقولُ أحبَّ لقلبكَ ما تشتهِي لصغيرٍ يربّي أغانيهِ في داخلكْ
أحبّ لهُ
جوعَكَ الشتويَّ/
البكاءَ الذيْ يتبعُ النشوةَ الأنثويّة/
حضناً بدفءِ ثمانين أمٍ/
حنينَاً يواسيْ أبوَّةَ قلبكَ/
جوقَة أوجاعِكَ النازفَةْ

[للبلادِ القصائدُ لي حُزنُها
للبلاد المواويلُ لي لحنُها
لبلاديْ النّخيلُ ولي طينُها
لبلادِي العيُون التي لا تنامُ
ولي رمشُ أعينها الواجفَةْ]

لبلادِي الحنينُ الطفُوليُّ
ليْ الدّمعَة الخائفَةْ

خذوا حفنةً من تُرَابِ دَمِيْ
وانثروهُ على أرضِ هذيْ البلادْ
وشطآنهَا
والتلالِ
وسكّانهَا
والرّمال التي لا تجفّ
ومرجانهَا
وحوَاري القرى النائياتِ
وغلمَانها
وحكايَات جدّاتنا الطّيباتِ
وقهوَة أيامنا المترفةْ

خُذوا حفنةً من ترابِ دميْ
لأقُولَ لهَا
اعبُرِي يا كَمنجَاتُ نَحوِي
لأبكِي عَليكِ
اعبُريْ نَحوَ قلبِي... وواسِيهِ
ضُمّيه بينَ فراغاتكِ الخشبيّة
ميليْ عليهِ بأوتاركِ الذهبيّة
ضمّيه كالطفلِ
يرقدُ مستسلماً
فيْ ذرَاعِ البلادِ
التيْ تركتْ حُلمهُ
مشرعاً
ليلَة العاصفَةْ

سيَبكِيْ قليلاً ولكِنْ سيَنسَى
إذا أبصرَ الله في روحهِ
وهيَ تطعَنُ
عتمَةَ ليلِ البلادِ
بوردَةِ أحلامِهِ الوارفَةْ


مقالات ذات صلة

مباحثات عمانية ـ إيرانية بشأن المستجدات الإقليمية

الخليج مباحثات عمانية ـ إيرانية بشأن المستجدات الإقليمية

مباحثات عمانية ـ إيرانية بشأن المستجدات الإقليمية

أجرى وزير الخارجية الإيراني حسين أميرعبداللهيان مشاورات مع نظيره العماني بدر البوسعيدي في مسقط، قبل أن يتوجه إلى بيروت لعقد محادثات سياسية. ووصل عبد اللهيان أمس إلى السلطنة في زيارة رسمية بدعوة من نظيره العماني لمتابعة المشاورات الإقليمية والمحادثات الثنائية، حسبما ذكرت وزارة الخارجية الإيرانية. وذكرت الخارجية الإيرانية أن عبداللهيان وصل إلى مسقط في زيارة رسمية بدعوة من نظيره العماني.

«الشرق الأوسط» (مسقط)
سلطان عُمان هيثم بن طارق مستقبلاً الأسد في مسقط أمس (رويترز)

زيارة خاطفة للرئيس السوري إلى مسقط

اختتم الرئيس السوري بشار الأسد، مساء أمس، زيارة قصيرة إلى مسقط، بحث خلالها مع السلطان هيثم بن طارق، سلطان عمان، العلاقات الثنائية والتعاون المشترك. وقالت وزارة الخارجية العمانية إن السلطان هيثم عقد مع الرئيس السوري جلسة مباحثات رسمية بقصر البركة جدد خلالها تعازيه في ضحايا الزلزال المدمِّر الذي ضرب بلاده وتركيا.

ميرزا الخويلدي (مسقط)
الخليج سلطان عُمان هيثم بن طارق التقى الرئيس السوري بشار الأسد في مسقط أمس (رويترز)

اختتام زيارة قصيرة للرئيس السوري إلى مسقط

اختتم الرئيس السوري بشار الأسد، مساء أمس، زيارة قصيرة إلى مسقط، بعد أن عقد لقاءات مع السلطان هيثم بن طارق؛ سلطان عُمان، في إطار زيارة العمل التي قام بها الرئيس السوري إلى السلطنة. وقالت وزارة الخارجية العمانية إن السلطان هيثم عقد مع الرئيس السوري جلسة مباحثات رسمية في «قصر البركة»؛ «جدد خلالها جلالته تعازيه ومواساته الصادقة لفخامة الرئيس الضيف وللشعب السوري الشقيق في ضحايا الزلزال المدمر الذي ضرب بلاده وجمهورية تركيا».

ميرزا الخويلدي (مسقط)
الخليج وزيرا خارجية السعودية وعمان لدى اجتماعهما في مسقط أمس (وكالة الأنباء العمانية)

السعودية وعُمان لاستمرار تنسيق المواقف في القضايا الإقليمية ومعالجة تحديات المنطقة

أكدت السعودية وسلطنة عُمان‬ عزمهما عقد الاجتماع الأول لمجلس التنسيق العُماني السعودي خلال العام الجاري، وأكد وزيرا خارجية البلدين خلال اجتماع تشاوريّ عُقد في مسقط‬ أمس استمرار تنسيق المواقف بشأن القضايا الإقليمية والتعاون البنّاء في معالجة التحديات التي تواجه المنطقة بجميع السبل والوسائل السلمية. وأجرى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله في مسقط، أمس مباحثات مع وزير الخارجية العماني بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي. وفي تصريح له، نقلته وكالة الأنباء العمانية أكدّ وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود أن «تفعيل مجلس التنسيق السعودي العُماني يمثل آلية مهمّة لتعزيز ال

ميرزا الخويلدي (الدمام)
الخليج «كبار العلماء» السعودية تُدين بشدة إقدام أحد المتطرفين في هولندا على تمزيق نسخة من المصحف

«كبار العلماء» السعودية تُدين تمزيق نسخة من المصحف في هولندا

أدانت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء بالسعودية، بشدة إقدام أحد المتطرفين في هولندا على تمزيق نسخة من المصحف الشريف في مدينة لاهاي الهولندية. وقالت الأمانة إن هذا التصرف الهمجي مدان، وهو إساءة إلى المسلمين كافة، داعيةً العالم أجمع إلى إدانة هذه التصرفات المتكررة، وسن الأنظمة والتشريعات التي تجرّمها، خدمةً للسلم والتسامح والتعايش. كما أدانت سلطنة عمان إقدام أحد المتطرفين في هولندا على تمزيق نسخة من المصحف الشريف في مدينة لاهاي الهولندية. وأعربت وزارة الخارجية العُمانية في بيان، اليوم، عن استنكارها وإدانتها لإقدام أحد المتطرفين في مدينة لاهاي على تمزيق نسخة من المصحف الشريف، وما يمثله ذلك من ا

«الشرق الأوسط» (مسقط)

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».