هل تستطيع الروبوتات الاعتناء بكبار السن في إيطاليا؟

الاستعانة بيد عون «بلاستيكية» توفر حلولاً لأزمة الرعاية في الغرب

يد عون روبوتية لمساعدة كبار السن (أ.ف.ب)
يد عون روبوتية لمساعدة كبار السن (أ.ف.ب)
TT

هل تستطيع الروبوتات الاعتناء بكبار السن في إيطاليا؟

يد عون روبوتية لمساعدة كبار السن (أ.ف.ب)
يد عون روبوتية لمساعدة كبار السن (أ.ف.ب)

طلبت السيدة المُسنة الاستماع إلى قصة، ليجيبها روبوت صغير: «اختيار ممتاز». قالها مثل أستاذ غير مُبال يتكئ على طاولته داخل الفصل، ثم وجّهها بأن تنصت عن قرب. وبالفعل، انحنت السيدة نحوه حتى كاد جبينها يلامس رأسه البلاستيكي الأملس.
وشرع الروبوت في سرد حكايته القصيرة: «في يوم من الأيام»، وعندما انتهى من حكايته، سأل السيدة عن طبيعة عمل بطل القصة. وأجابت لونا بولي، 85 عاماً، بلطف: «راعٍ»، لكن الروبوت لم يسمعها جيداً، لذا نهضت عن مقعدها ورفعت صوتها وصاحت: «را ـ عي».
حينئذ، أجابها الروبوت: «رائع، أنت تملكين ذاكرة فولاذية».
ربما بدا هذا المشهد بائساً للبعض ويعكس ما يعدّونه الجانب السلبي للخيال العلمي، في وقت تتركز الأنظار بدرجة أكبر على إمكانات وأخطار الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك فإنه، من وجهة نظر العاملين بمجال رعاية كبار السن في مدينة كابري الإيطالية، والذين أصابهم الإنهاك، يشير إلى مستقبل ليس ببعيد ومرحَّب به يمكن للروبوتات فيه أن تقدم العون إلى الأسر في تحمل أعباء رعاية أكبر سكان العالم الغربي سناً، وإبقائهم في حالة تحفيز ونشاط وبصحة جيدة. جدير بالذكر هنا أن كابري تمتاز بأكثر منظومات رعاية كبار السن في إيطاليا ابتكاراً.
«اجلس القرفصاء ومدّ جسمك»، قالها روبوت فرنسي الصنع يُدعى «ناو»، بينما كان يؤدي حركات تدريبات رياضية. وأضاف: «دعنا نحرك ذراعيك ونرفعهما للأعلى».
داخل الغرفة، أنصت الحضور، الذين كان معظمهم من النساء باهتمام، بينما بدا بعضهم سعيداً، وبدا آخرون حذِرين، لكنهم جميعاً كانوا حريصين على معرفة كيف يمكن للتكنولوجيا الجديدة معاونتهم في رعاية أقاربهم من كبار السن.
واستمعوا جميعاً إلى صوت الروبوت الأوتوماتيكي الهادئ، وهو يقدم معلومات من أرض الواقع إلى مجموعة نظمتها جماعة ضغط غير هادفة للربح تمثل العاملين بمجال رعاية الأسرة. وتَمثّل الهدف في مساعدة مبرمجي الروبوت على تصميم آلة أكثر تعاوناً ونفعاً يمكن أن تخفف العبء عن كاهل الأسر الإيطالية التي تتفاقم أعباؤها بمجال الرعاية يوماً بعد آخر.
في هذا السياق، قالت لوريدانا ليغابو، رئيسة مؤسسة «ليس كبار السن فحسب (نوت إلديرلي أونلي)»؛ وهي جماعة ضغط معنية برعاية الأسر، موجِّهة حديثها للمشاركين: «ينبغي لنا جميعاً البحث عن جميع الحلول الممكنة، وفي هذه الحالة التكنولوجية منها». وأضافت: «لقد عانينا الخوف الكبير من أن يُترك المرء وحيداً». تتفاعل الروبوتات بالفعل مع كبار السن في اليابان، وجَرَت الاستعانة بها داخل دُور الرعاية بالولايات المتحدة. إلا أنه داخل إيطاليا، يعكس النموذج الأوليّ للروبوت سالف الذكر أحدث المحاولات لإعادة خلق الجو العام للهيكل التقليدي للأسرة الذي يُبقي على الإيطاليين كبار السن داخل منازلهم.
اليوم، تواجه صورة إيطاليا السائدة في الخيال الشعبي؛ حيث يجتمع أبناء عدة أجيال حول طاولة الطعام أيام الآحاد، ويعيشون بسعادة تحت سقف واحد، هجمات قوية متكررة من قِبل رياح ديموغرافية عاتية.
وكان من شأن انخفاض معدلات المواليد، وسفر الكثير من الشباب للخارج بحثاً عن فرص اقتصادية أفضل، استنزاف العناصر التي من المحتمل الاعتماد عليها بمجال الرعاية. ووقع العبء الأكبر للرعاية على عاتق النساء، الأمر الذي أجبرهن على الخروج من قوة العمل، مما تسبب في تباطؤ الاقتصاد، ومزيد من الانكماش في معدلات المواليد.
ومع ذلك تبقى فكرة الرعاية داخل المنزل محورية في بلد توجد به دُور رعاية للمسنين، لكن الغالبية العظمى من الإيطاليين تفضل البحث عن سبل لإبقاء أقاربهم من كبار السن برفقتهم.
ولعقود، تفادت إيطاليا إجراء إصلاحات جادة لقطاع الرعاية على المدى الطويل، من خلال سد الفجوة بعمالة رخيصة قادرة على البقاء داخل منازل كبار السن لرعايتهم، والتي تأتي في الجزء الأكبر منها من الدول السوفياتية السابقة بشرق أوروبا، خصوصاً أوكرانيا.
عن ذلك يقول جيوفاني لامورا، مدير أحد المراكز الإيطالية الرائدة المعنية بالأبحاث الاجتماعية والاقتصادية حول التقدم في العمر: «هذا عماد لجهود الرعاية طويلة الأمد داخل هذا البلد. ومن دونه ستنهار المنظومة بأكملها».
في يناير (كانون الثاني)، فازت النقابات الممثلة للعاملين بشكل قانوني بمجال الرعاية، ويطلق عليهم «بادانتي»، بزيادة في الأجور قُدّرت بما يصل إلى 145 يورو، أو أكثر عن 150 دولاراً، مقابل العمل لشهر بمجال الرعاية داخل المنازل. واشتكى كثير من الإيطاليين من أن رواتبهم ومعاشاتهم لا يمكنها مجاراة هذه الزيادة، الأمر الذي أجبر الكثيرين على الاضطلاع بواجبات الرعاية بأنفسهم.
وفيما يتعلق بمقدمي الرعاية من داخل الأسرة، ظلّت إيطاليا توفر، منذ عقود، إعانة حكومية لفرد واحد داخل الأسرة التي يوجد بها شخص مريض على نحو بالغ. وفي وقت لاحق من هذا العام، من المقرر توفير إجازات من العمل مدفوعة الأجر وإجراءات معاونة أخرى يمكن التشارك فيها بين أفراد الأسرة الواحدة، مما يعني عملياً أن مزيداً من الرجال سيكون بمقدورهم المساعدة في أعمال الرعاية.
داخل إقليم إيميليا ـ روماغنا، الذي يضم كابري، هناك خطط لخلق قوة عمل من مقدمي الرعاية ذوي الخبرة ممن يتولّون رعاية أحد أفراد أسرتهم، بحيث يمكن، في نهاية الأمر، لدى وفاة هذا القريب، الاستعانة بهم وتوظيفهم في رعاية آخرين. وعن هذا قالت ليغابو: «ثمة حاجة هائلة لهذا الأمر».
وكشف الاجتماع، الذي عُقد في كابري، أن كثيراً من الإيطاليين لا يعيشون بالضرورة مع الآباء والأمهات أو الأجداد والجدّات الذين يتولون رعايتهم. واليوم، بدأ بعض هؤلاء النساء البحث فيما وراء الحكومة طلباً للمساعدة من الآلات.
وبينما اضطلع الروبوت «ناو» بحركات تخص تدريبات رياضية، شرح ليوناردو سابونارو، طالب علم النفس الذي يتولى إدارة المجموعة، والذي عانى جده من الخرف خارج روما، أن الروبوت «ليس بديلاً للتفاعل مع الأشخاص الآخرين». وأكد أنه «لا يمكن للروبوت أن يصبح هو الرفيق».
ومع ذلك ظل مقدمو الرعاية مترددين؛ أولاً كانوا يودّون التأكد مما إذا كان الروبوت الذي يبدو ودوداً وتضيء عينه بالألوان البرتقالية والصفراء عندما يتلقى إجابات صحيحة، لن يفعل ما يؤذي أحباءهم.
من جانبها، سألت فيفيانا كاسيلا، 58 عاماً، أرملة تتولى رعاية والدها المصاب بالخرف، عما إذا كانت هناك روبوتات قادرة على تحريك شخص عن الأريكة إلى السرير، وهو سؤال أثار في الأذهان بعض السيناريوهات الأقرب إلى كوابيس. وسأل أحد مقدمي الرعاية عما إذا كان الروبوت قادراً على الإنصات؛ لأن كبار السن يميلون إلى سرد القصص. وسألت كاسيلا عما إذا كان باستطاعة الروبوت توفير استراحة لمقدم الرعاية، «ربما للذهاب لشراء الطعام».
من ناحيتهم، أكد القائمون على تشغيل الروبوت أمام مقدمي الرعاية أن الروبوت بمقدوره بالفعل المعاونة، مع تركز النفع الأكبر له بمجال التحفيز الذهني. وبالفعل، تولى «ناو» تشغيل أغنية وطلب من كاسيلا تحديد المغني.
في نهاية اللقاء، بدا واضحاً أن الروبوت تمكّن من كسب تأييد بعض مقدمي الرعاية.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

أصبح برنامج «تشات جي بي تي» الشهير الذي طورته شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» متاحا مجددا في إيطاليا بعد علاج المخاوف الخاصة بالخصوصية. وقالت هيئة حماية البيانات المعروفة باسم «جارانتي»، في بيان، إن شركة «أوبن إيه آي» أعادت تشغيل خدمتها في إيطاليا «بتحسين الشفافية وحقوق المستخدمين الأوروبيين». وأضافت: «(أوبن إيه آي) تمتثل الآن لعدد من الشروط التي طالبت بها الهيئة من أجل رفع الحظر الذي فرضته عليها في أواخر مارس (آذار) الماضي».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام تحتفل إيطاليا بـ«عيد التحرير» من النازية والفاشية عام 1945، أي عيد النصر الذي أحرزه الحلفاء على الجيش النازي المحتلّ، وانتصار المقاومة الوطنية على الحركة الفاشية، لتستحضر مسيرة استعادة النظام الديمقراطي والمؤسسات التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم. يقوم الدستور الإيطالي على المبادئ التي نشأت من الحاجة لمنع العودة إلى الأوضاع السياسية التي ساهمت في ظهور الحركة الفاشية، لكن هذا العيد الوطني لم يكن أبداً من مزاج اليمين الإيطالي، حتى أن سيلفيو برلوسكوني كان دائماً يتغيّب عن الاحتفالات الرسمية بمناسبته، ويتحاشى المشاركة فيها عندما كان رئيساً للحكومة.

شوقي الريّس (روما)
شمال افريقيا تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها تعزيز التعاون مع إيطاليا في مجال الاستثمار الزراعي؛ ما يساهم في «سد فجوة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي»، بحسب إفادة رسمية اليوم (الأربعاء). وقال السفير نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إن السفير الإيطالي في القاهرة ميكيلي كواروني أشار خلال لقائه والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) إلى أن «إحدى أكبر الشركات الإيطالية العاملة في المجال الزراعي لديها خطة للاستثمار في مصر؛ تتضمن المرحلة الأولى منها زراعة نحو 10 آلاف فدان من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إليها مصر، بما يسهم في سد فجوة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي». وأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إخلاء منازل واعتقالات قرب قاعدة عسكرية أميركية في بريطانيا

شرطي يغلق طريقًا بالقرب من قاعدة فيرفورد (رويترز)
شرطي يغلق طريقًا بالقرب من قاعدة فيرفورد (رويترز)
TT

إخلاء منازل واعتقالات قرب قاعدة عسكرية أميركية في بريطانيا

شرطي يغلق طريقًا بالقرب من قاعدة فيرفورد (رويترز)
شرطي يغلق طريقًا بالقرب من قاعدة فيرفورد (رويترز)

أخلت الشرطة منازل بالقرب من قاعدة جوية أميركية في إنجلترا وألقت القبض على عدة رجال للاشتباه في ارتكابهم مخالفات تتعلق بالمتفجرات.

وبحسب وكالة «أسوشيتد برس» للأنباء، فقد ذكرت شرطة مقاطعة غلوسترشير أنه يجري إخلاء «عدد من العقارات» في منطقة ويلفورد غربي إنجلترا، وهي منطقة تقع بالقرب من قاعدة «فيرفورد» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، والتي استخدمتها القوات الأميركية خلال الحرب مع إيران.

وأفادت الشرطة بأنه تم توقيف عدة رجال «للاشتباه في ارتكابهم مخالفات بموجب قانون المتفجرات»، في حين يقوم خبراء الجيش المتخصص في العامل مع الذخائر والمتفجرات بفحص عدد من المركبات في المنطقة.


السينما الفلسطينية توسّع رواية غزة أمام العالم

الملصق الترويجي للفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي للفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (الشركة المنتجة)
TT

السينما الفلسطينية توسّع رواية غزة أمام العالم

الملصق الترويجي للفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي للفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (الشركة المنتجة)

يراهن سينمائيون فلسطينيون وعرب على الأفلام الواقعية والإنسانية لإنصاف القضية الفلسطينية في المهرجانات السينمائية الغربية، وسط استقبال لافت لعدد من التجارب التي تناولت معاناة «أصحاب الأرض» في مهرجانات عدّة، كان أحدثها «غزة 13»، الذي يُعرض ضمن النسخة الحالية من «مهرجان تورنتو» في كندا.

وجاء العرض العالمي الأول لفيلم «غزة 13»، للمخرج الفلسطيني حسام أبو دان، الذي يقدّم زاوية مختلفة في تناول الحرب، عبر تتبُّع آثارها الخفية على الحياة اليومية من خلال «رغد» البالغة 13 عاماً، التي تجد نفسها داخل مخيّم للنازحين بعد فقدان عدد من أفراد عائلتها.

وصُوّر الفيلم بالكامل في قطاع غزة، بمشاركة ممثلين وفنّيين فلسطينيين، ويُعدّ أول فيلم روائي طويل يُصوَّر داخل القطاع منذ 12 عاماً. كما عُرض الفيلم الوثائقي «المواطن أسامة» خارج المسابقة في «مهرجان فينيسيا»، ويتابع الصحافي والمصور الفلسطيني أسامة العشي على مدى عام خلال الحرب.

ويُعدّ الفيلم الوثائقي «نازا»، للمخرجَيْن الإسرائيليين يوفال أبراهام وراحيل شور، الذي حصل على جائزة «لجنة التحكيم الخاصة» في النسخة الماضية من مهرجان «فينيسيا السينمائي» في إيطاليا، من أحدث الأعمال التي تتناول اتهامات بارتكاب «إبادة جماعية في غزة». والفيلم إنتاج بريطاني-أميركي مشترك، وسبق لمخرجَيْه الفوز بجائزة «الأوسكار» العام الماضي عن فيلم «لا أرض أخرى»، الذي تشاركا في إخراجه مع مخرجين فلسطينيين.

وتضمّن الفيلم الجديد شهادات سرّية لـ24 جندياً وعنصراً مخابراتياً حول استخدام أنظمة ذكاء اصطناعي في عمليات قصف استهدفت، وفق هذه الشهادات، مدنيين في قطاع غزة. ونال جائزة لجنة التحكيم الخاصة وسط تفاعل جماهيري كبير وعاصفة غضب سياسية داخل إسرائيل.

ملصق مشاركة الفيلم الفلسطيني «غزة 13» في «تورنتو» (حساب المخرج في «فيسبوك»)

وشهد العام الماضي فوز فيلم «صوت هند رجب»، للمخرجة كوثر بن هنية، بجائزة «الأسد الفضي» في «فينيسيا». وتناول واقعة استهداف الطفلة الفلسطينية هند رجب، بعد إرسالها رسائل استغاثة خلال حصارها في غزة. ووصل العمل إلى التصفيات النهائية لـ«الأوسكار»، وعُدّ من أسباب تسليط الضوء بشكل أكبر على الحادث، فيما أعلنت إسرائيل فتح تحقيقات فيه، ثم أعلنت لاحقاً مسؤوليتها عن قتل الطفلة.

كما شهدت النسخة الماضية من المهرجان عرض الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة»، الذي وثّق جانباً من حرب الإبادة في غزة وانعكاساتها على الحياة اليومية للمواطنين.

وترى المنتجة والمخرجة الفلسطينية مي عودة أن الأفلام التي تتناول فلسطين تؤدّي دوراً مهماً في تغيير الصورة التي تصل إلى الجمهور العالمي، بفضل قدرة السينما على تحويل الوقائع السياسية والإنسانية إلى تجارب يراها المشاهد ويتفاعل معها، مشيرةً إلى أنّ «الفيلم قد يصل إلى الإنسان بطريقة لا تحققها الأخبار أو الخطابات السياسية، لأنه يخلق مساحة للتعاطف، ويمنح المتلقّي فرصة لرؤية حياة الآخر من الداخل، ما يجعل السينما أداة للمقاومة والتأثير».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنّ «السنوات الأخيرة شهدت حضوراً أوضح لفلسطين داخل الأوساط الثقافية العالمية، مع مواقف لمخرجين وفنانين ومثقفين»، مؤكدةً أنّ «تغيير الوعي لا يكفي وحده لوقف الحرب أو إنهاء الاحتلال، وإنما يحتاج إلى قرارات وضغوط سياسية واقتصادية».

وتستشهد بفيلم «لا أرض أخرى»، الذي نقل قضية «مسافر يطا» إلى جمهور دولي واسع وحاز «الأوسكار»، لكن ذلك لم يوقف ما يواجهه سكان المنطقة. وترى أنّ قوة السينما تكمن في كشف الواقع وصناعة الوعي والتعاطف، فيما يبقى التحدّي في تحويل هذا الوعي إلى فعل يترك أثراً في الواقع.

وفي هذا السياق، يقول الناقد الجزائري فيصل شيباني لـ«الشرق الأوسط» إن الأفلام التي تتناول الحرب في غزة والقضية الفلسطينية تملك قدرة كبيرة على التأثير في الرأي العام، بفضل قوة الصورة في الوصول إلى المتلقّي وتغيير نظرته إلى القضايا التي تطرحها، خصوصاً لدى النخب الثقافية والسياسية. ويشير إلى أنّ أفلاماً، مثل «صوت هند رجب» و«نازا»، أحدثت صدى واسعاً، لكن الأخير اكتسب خصوصية من تناوله الأحداث من منظور إسرائيلي، ممّا وسّع النقاش حوله إلى الأوساط السياسية والثقافية داخل إسرائيل.

فوق سطوح تل أبيب... جنود إسرائيليون يتحدثون عن آليات الحرب (مهرجان «فينيسيا»)

ويضيف شيباني أنّ قوة هذه الأعمال لا تكمن فقط في عرض صور الدمار والضحايا، وإنما في قدرتها على مساءلة الروايات السائدة حول الحرب وفتح زوايا جديدة أمام الجمهور لفهم التجربة الفلسطينية، مؤكداً أن «وصول هذه الأفلام إلى المهرجانات العالمية يوسّع دائرة النقاش، لأنّ السينما تمنح المتلقّي مساحة للتأمّل والتفاعل الإنساني تتجاوز أحياناً طبيعة التغطية الإخبارية. كما يرتبط تأثيرها بقدرتها على الوصول إلى جمهور متنوّع وتقديم صور متعدّدة عن الفلسطينيين وحياتهم وتجاربهم».

ويؤكد الناقد المصري محمد طارق أنّ تأثير الأفلام التي تتناول القضية الفلسطينية يظلّ مرتبطاً بطبيعة كلّ فيلم وسياقه والجمهور الذي يصل إليه والمهرجانات أو المنصات التي تعرضه، لكن ذلك لا ينفي انعكاساتها السياسية والثقافية، خصوصاً مع التحوّلات التي طرأت خلال السنوات الأخيرة على طريقة النظر إلى القضية الفلسطينية لدى قطاعات من الرأي العام الأوروبي.

ويشير لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «الأفلام من العناصر التي أسهمت في هذا التحوّل، إلى جانب عوامل سياسية وإعلامية ومجتمعية أخرى، وبالتالي يصعب فصل أثر السينما عن السياق الأوسع الذي تتحرّك داخله»، مؤكداً أنّ «للأفلام دوراً في بناء التعاطف مع القضية الفلسطينية، وربما يكون تأثيرها العاطفي أعمق، في بعض الحالات، من التغطية الصحافية، خصوصاً عندما تنجح في الوصول إلى جمهور واسع خارج الدوائر المعتادة المهتمة بالقضية».

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» الذي استعاد مأساة الطفلة الفلسطينية (الشركة المنتجة)

ويشير المخرج الفلسطيني إسماعيل الهباش لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ الأفلام الآتية من غزة، بحكم الظروف التي أُنتجت فيها وما تحمله من شهادات وصور مرتبطة بالحرب، تُعزّز بصورة مباشرة تصوّر الإبادة لدى الجمهور الذي تصل إليه، فيما تختلف الصورة بالنسبة إلى مجمل الأفلام الفلسطينية التي تُنتج في أماكن أخرى وتنطلق من تجارب مختلفة.

ويوضح أنّ «بعض هذه الأعمال يُسهم أيضاً في ترسيخ هذا التصوّر من خلال تناوله الحرب وتداعياتها، في حين تذهب أفلام أخرى إلى موضوعات وقضايا مختلفة لا ترتبط بصورة مباشرة بما يحدث في غزة، وبالتالي لا يمكن وضع جميع الأفلام الفلسطينية في السياق عينه».


سرطان الرئة لا يرتبط بالتدخين فقط... طفرة جينية نادرة ترفع احتمالات الإصابة بالمرض

أشعة الرئة الخاصة بأحد المصابين بالسرطان (رويترز)
أشعة الرئة الخاصة بأحد المصابين بالسرطان (رويترز)
TT

سرطان الرئة لا يرتبط بالتدخين فقط... طفرة جينية نادرة ترفع احتمالات الإصابة بالمرض

أشعة الرئة الخاصة بأحد المصابين بالسرطان (رويترز)
أشعة الرئة الخاصة بأحد المصابين بالسرطان (رويترز)

كشفت دراسة علمية حديثة عن طفرة جينية نادرة قد تزيد خطر الإصابة بسرطان الرئة بشكل كبير، حتى لدى الأشخاص الذين لم يدخنوا السجائر مطلقاً.

وبحسب شبكة «فوكس نيوز» الأميركية، فقد أظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من معهد دانا - فاربر للسرطان ومعهد أبحاث «23andMe» بالولايات المتحدة، أن الأشخاص الذين يحملون طفرة وراثية نادرة، في جين يدعى «EGFR T790M» معرضون لخطر الإصابة بسرطان الرئة يزيد بنحو 25 مرة مقارنة بغير الحاملين لهذه الطفرة.

وبين غير المدخنين تحديداً، بلغت احتمالات الإصابة لدى حاملي الطفرة نحو 62 ضعفاً مقارنة بغير المدخنين الذين لا يحملونها.

وشملت الدراسة بيانات أكثر من 3.3 مليون شخص، ولم يجد الباحثون زيادة في خطر الإصابة بأي من 17 نوعاً آخر من السرطان جرى تحليلها.

وقالت جاكلين لوبيكولو، الطبيبة والباحثة في سرطان الرئة بمعهد دانا - فاربر، إن الفحص المبكر لسرطان الرئة يعتمد حالياً بشكل شبه كامل على تاريخ التدخين، مضيفة: «نتائجنا تثير إمكانية أن يعتمد الفحص مستقبلاً أيضاً على الخطر الجيني الموروث».

وأوضحت أن تأكيد نتائج الدراسة في أبحاث لاحقة قد يتيح تحديد الأشخاص الحاملين للطفرة من خلال الفحوص الجينية، ثم تقديم فحوص مقطعية مخصصة لهم للكشف عن سرطان الرئة في مرحلة يكون فيها أكثر قابلية للعلاج.

من جهته، قال ألكسندر غوسيف، عالم الوراثة الكمية في معهد دانا-فاربر: «أكثر شيء لافت للنظر في هذه الدراسة فكرة أن طفرة واحدة يمكن أن يكون لها تأثير قوي بهذا الحجم».

وأضاف: «على حد علمي، فإنها واحدة من أقوى الطفرات التي تزيد خطر الإصابة بالسرطان، إن لم تكن أقواها على الإطلاق».

وتابع قائلاً: «التدخين سيئ لسرطان الرئة. وهذه الطفرة سيئة لسرطان الرئة. وعندما يجتمع الاثنان، فإن خطرهما يتراكم».

ومع ذلك، حذر الباحثون من بعض القيود المهمة للدراسة. فالطفرة نادرة للغاية، ولذلك كان عدد حامليها محدوداً حتى مع تحليل بيانات ملايين الأشخاص، ما يعني أن الحجم الدقيق للزيادة في الخطر لا يزال غير مؤكد.

كما اعتمد التحليل بدرجة كبيرة على مشاركين في أبحاث تابعة لمعهد أبحاث«23andMe» وهو ما قد يجعل النتائج غير ممثلة لجميع السكان.

كما أن الدراسة أثبتت وجود ارتباط قوي بين الطفرة وسرطان الرئة، لكنها لم تثبت أن إجراء الفحوص الجينية يؤدي إلى تحسين معدلات الوفاة أو غيرها من النتائج الصحية.