هدنة «الذكاء الصناعي»... مخاوف جدية أم منافسات تجارية؟

5 خبراء وعلماء يتحدثون لـ«الشرق الأوسط»

ستيوارت راسل أستاذ علوم الكومبيوتر بجامعة كاليفورنيا (جامعة كاليفورنيا)  -  يوشوا بنجيو عالم حاسوب كندي من أصل مغربي (فيسبوك)  -  دومينيكو تاليا أستاذ هندسة الكومبيوتر بجامعة «كالابريا» الإيطالية (جامعة كالابريا)  -  العالم المصري. الكندي حاتم زغلول مخترع تقنية الواي فاي (الشرق الأوسط)
ستيوارت راسل أستاذ علوم الكومبيوتر بجامعة كاليفورنيا (جامعة كاليفورنيا) - يوشوا بنجيو عالم حاسوب كندي من أصل مغربي (فيسبوك) - دومينيكو تاليا أستاذ هندسة الكومبيوتر بجامعة «كالابريا» الإيطالية (جامعة كالابريا) - العالم المصري. الكندي حاتم زغلول مخترع تقنية الواي فاي (الشرق الأوسط)
TT

هدنة «الذكاء الصناعي»... مخاوف جدية أم منافسات تجارية؟

ستيوارت راسل أستاذ علوم الكومبيوتر بجامعة كاليفورنيا (جامعة كاليفورنيا)  -  يوشوا بنجيو عالم حاسوب كندي من أصل مغربي (فيسبوك)  -  دومينيكو تاليا أستاذ هندسة الكومبيوتر بجامعة «كالابريا» الإيطالية (جامعة كالابريا)  -  العالم المصري. الكندي حاتم زغلول مخترع تقنية الواي فاي (الشرق الأوسط)
ستيوارت راسل أستاذ علوم الكومبيوتر بجامعة كاليفورنيا (جامعة كاليفورنيا) - يوشوا بنجيو عالم حاسوب كندي من أصل مغربي (فيسبوك) - دومينيكو تاليا أستاذ هندسة الكومبيوتر بجامعة «كالابريا» الإيطالية (جامعة كالابريا) - العالم المصري. الكندي حاتم زغلول مخترع تقنية الواي فاي (الشرق الأوسط)

لم يكد العالم يستوعب القدرات الفائقة التي يتيحها روبوت الدردشة «تشات جي بي تي 3.5»، حتى فاجأت شركة «أوبن إيه آي» المنتجة له المتابعين بنسخة أكثر تقدما منتصف الشهر الحالي، وهي «جي بي تي 4»، الأمر الذي أثار مخاوف عدة، لكن اللافت أن القلق جاء هذه المرة من متخصصين في التكنولوجيا، ما حدا بهم إلى إصدار عريضة طالبوا فيها بـ«هدنة صيفية» تتوقف خلالها أنظمة الذكاء الصناعي عن التطور لمدة 6 أشهر.

توني بريسكوت أستاذ الروبوتات المعرفية بجامعة «شيفيلد» البريطانية (جامعة شيفيلد)

ومشروع الهدنة المطروح يستهدف، وفق الموقعين على البيان، «الانتظار إلى حين الاستقرار على قواعد (الحوكمة الرقمية)، التي تضمن استخدام الذكاء الصناعي في الاتجاه الصحيح الذي يحقق صالح البشرية».
ووقع على العريضة 1377 من علماء الكومبيوتر البارزين، وغيرهم من كبار صناع التكنولوجيا، ومن بينهم مالك شركة تيسلا للسيارات الكهربائية، إيلون ماسك، الذي كان قد سعى إلى تمكين التكنولوجيا من أداء وظائف المخ البشري عبر شريحة المخ التي ابتكرتها شركته «نيورالينك». كما وقع على العريضة أيضا المؤسس المشارك لشركة «آبل» ستيف وزنياك.
وتحذر العريضة التي تم إعدادها من قبل معهد «فيوتشر أوف لايف» غير الربحي من أن أنظمة الذكاء الصناعي التي تتمتع «بذكاء تنافسي بشري يمكن أن تشكل مخاطر عميقة على المجتمع والإنسانية، من إغراق الإنترنت بالمعلومات المضللة، وأتمتة الوظائف، إلى مزيد من المخاطر المستقبلية الكارثية خارج عوالم الخيال العلمي».
وتواصلت «الشرق الأوسط» مع 5 خبراء وعلماء في مجال الذكاء الصناعي، من بينهم 4 من الشخصيات الموقعة على البيان، بالإضافة إلى مخترع «الواي فاي»، لاستطلاع أسبابهم وتقديراتهم بشأن مدى جدية تلك المخاوف، وما إذا كانت متصلة بتنافس تجاري.
وتقول العريضة: «لقد شهدت الأشهر الأخيرة خوض مختبرات الذكاء الصناعي سباقا خارج نطاق السيطرة لتطوير ونشر عقول رقمية أكثر قوة لا يمكن لأي شخص، ولا حتى لمنشئها، فهمها أو التنبؤ بها أو التحكم فيها بشكل موثوق».
وتضيف «ندعو جميع مختبرات الذكاء الصناعي إلى التوقف فورا لمدة 6 أشهر على الأقل عن تدريب أنظمة الذكاء الصناعي الأكثر قوة من (جي بي تي - 4)، ويجب أن يكون هذا التوقف علنيا ويمكن التحقق منه، وأن يشمل جميع الجهات الفاعلة الرئيسية، وإذا لم يتم تفعيل مثل هذا الوقف بسرعة، فيجب على الحكومات التدخل وفرض حظر».
- «هيستريا» الذكاء الصناعي
وأحدثت العريضة بدورها تباينا كبيرا بين من يراها معبرة عن مخاوف منطقية، ومن يراها مخاوف مبالغ فيها أشبه بـ«الهيستريا»، وهو المصطلح الذي استخدمه جاري ماركوس، الأستاذ الفخري بجامعة نيويورك في تصريحات نقلها الأربعاء موقع الإذاعة الوطنية العامة الأميركية (npr).
ويقول ماركوس: «بينما تبدي العريضة تخوفاً من شبح الذكاء الصناعي الأكثر ذكاء، مما هو موجود بالفعل، فإن أداة (جي بي تي - 4)، التي أثارت المخاوف ليست ذكاء صناعيا (خارقاً)، فعلى الرغم من كونها مثيرة للإعجاب، فإنها مجرد أداة توليد نصوص تقوم بعمل تنبؤات حول الكلمات التي ستجيب على الطلب الذي تم تقديمه بناء على ما تعلمته من استيعاب مجموعات ضخمة من الأعمال المكتوبة».
ويضيف «أختلف مع الآخرين القلقين بشأن الاحتمال القريب المدى للآلات الذكية، بحيث يمكنها تحسين نفسها بنفسها خارج سيطرة البشرية، ولكن أكثر ما يقلقني هو (الذكاء الصناعي المتوسط) الذي يتم نشره على نطاق واسع، والذي يمكن أن يكون أداة يستخدمها المجرمون أو الإرهابيون لخداع الناس أو لنشر معلومات مضللة خطيرة».
ويتفق حاتم زغلول، عالم الاتصالات المصري الكندي، الذي ارتبط اسمه باختراع «الواي فاي» مع ما ذهب إليه ماركوس، من استشعار الخوف المبالغ فيه على البشرية من الذكاء الصناعي.
وتساءل زغلول مستنكراً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هل أغلقنا كل منافذ الخطر على البشرية، بما فيها القنبلة النووية، ونبحث الآن عن خطر الذكاء الصناعي على البشر؟».
ولم يخف زغلول تخوفاته مما وصفه بـ«الأغراض الاقتصادية النابعة من المنافسة بين الكيانات التكنولوجية»، متوقعاً أن تكون تلك الأغراض «وراء توقيع البعض على هذه العريضة، لكن بلا شك سيكون هناك آخرون كانت دوافعهم نبيلة عند التوقيع، وهو الخوف من تأثير الذكاء الصناعي على فرص العمل المتاحة للبشر، وهو التخوف الرئيسي الذي تعكسه العريضة».
وشدد زغلول على أن «الذكاء الصناعي سيجعل حياتنا أسهل، ويساعدنا على أداء مهامنا، ويجب أن نسعى نحو مزيد من التطوير، وليس وقف التطوير لمدة ستة شهور».
وتابع ساخراً «نصيحتي للمتخوفين أن يسألوا (تشات جي بي تي) عن العلاج، فأنا أفعل ذلك باستمرار مع كل مشكلة تواجهني».
- الحوكمة الرقمية
نصيحة زغلول، تمثل الشكل المقبول لاستخدام الذكاء الصناعي، في رأي دومينيكو تاليا، أستاذ هندسة الكومبيوتر بجامعة «كالابريا» الإيطالية، وهو أحد الموقعين على العريضة، لكنه يرى في الوقت نفسه أن «لديهم مخاوف منطقية من إساءة الاستخدام».
ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «يمكننا الاستفادة من حلول الذكاء الصناعي في كثير من المجالات والقطاعات الاجتماعية، على سبيل المثال في الرعاية الصحية والتمويل والاكتشاف العلمي، لكن يمكن أن يكون استخدامها محفوفا بالمخاطر، فهي أنظمة غير شفافة وغير موثقة جيدا، علاوة على ذلك في بعض الحالات يقدمون إجابات خاطئة قد تخلق مشاكل للمستخدمين».
ويرى تاليا أن «فترة التوقف التي طالبوا بها قد تكون مفيدة في مناقشة السياسات الجديدة لنشر تقنيات الذكاء الصناعي وقوانينها ولوائحها التي تحمي المواطنين من الاستخدامات الخاطئة».
أما توني بريسكوت، وهو أستاذ الروبوتات المعرفية بجامعة «شيفيلد» البريطانية، فركز على مجموعة من المخاوف دفعته للتوقيع على العريضة، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «مخاوفي الرئيسية تتعلق بالتأثير على الوظائف البشرية واحتمال زيادة المعلومات المضللة، والقضية الأوسع هي أن تقنيات الجيل التالي القوية من الذكاء الصناعي يتم تطويرها من قبل المنظمات التجارية التي يمكن أن تكون لها تأثيرات مجتمعية ضخمة سواء كانت جيدة وسيئة، وهذا يحدث مع القليل من الحوكمة والرقابة الوطنية أو الدولية».
ويشدد على أن ما نحتاجه هو «الحوكمة الرقمية»، التي تضمن أن تكون شركات الذكاء الصناعي أكثر شفافية بشأن التقنيات التي تطورها وأهدافها، ويمكن للتنظيم أن يعزز الفوائد ويقلل الأضرار بطريقة مماثلة لما نفعله الآن مع تطوير الأدوية.
ويشير بريسكوت إلى أن «فترة التوقف (المقترحة) يمكن استغلالها لتحديد آثار الذكاء الصناعي على سبل عيش الناس، وانتشار المعلومات المضللة، وتحديد وسائل الحماية، ويمكن أن تشمل هذه الحماية تسمية النص الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الصناعي بعلامات مائية رقمية، أو الحد من استخدام هذه التقنيات في بعض المجالات».
- معاهدة دولية
ويتفق يوشوا بنجيو، وهو عالم حاسوب كندي من أصل مغربي، ووقع هو الآخر على العريضة، مع ما ذهب إليه بريسكوت، من أهمية استثمار فترة التوقف، لوضع آليات تضمن التأكد من أن «المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الصناعي يتم تمييزه بطريقة تجعل من السهل معرفة أنه لا يأتي من البشر، لحمايتنا من المعلومات المضللة على سبيل المثال».
ويقول بنجيو، وهو من أبرز علماء الحاسوب المعاصرين، والحاصل على جائزة «تورنغ» 2018، وهي مقابل جائزة «نوبل» في تخصص الحوسبة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحتاج أيضا إلى استثمار فترة التوقف في وضع قواعد تحظر استخدام الذكاء الصناعي للتأثير على الأشخاص (على سبيل المثال في الإعلانات السياسية، والإعلانات المستهدفة)».
ويضيف أنه «ستكون هناك حاجة مستقبلا إلى إنشاء تنظيم أقوى بكثير، وأنا على دراية بمشروع قانون قيد الإعداد في الاتحاد الأوروبي، سيتم إقراره قريبا في كندا، كما نحتاج أيضا إلى معاهدات دولية مماثلة لما فعلناه للمخاطر النووية، والاستنساخ البشري وما إلى ذلك، كما نحتاج أيضا إلى الاستثمار في العلوم الاجتماعية والبحوث الإنسانية أيضا من أجل التفكير في طريقة تكيف المجتمع مع القوة التي يتم إطلاقها مع الذكاء الصناعي، والاستعداد لتغيير الطريقة التي يتم بها تنظيم كوكبنا بشكل جذري على المستويين السياسي والاقتصادي».
ومن أميركا قال ستيوارت راسل، وهو أستاذ علوم الكومبيوتر بجامعة كاليفورنيا في بيركلي وأحد الموقعين على العريضة، لـ«الشرق الأوسط» إن «أنظمة الذكاء الصناعي التي تطابق أو تتجاوز القدرات البشرية، من شأنها أن تشكل مخاطر غير محدودة على البشرية».
ولفت راسل إلى أن «البيانات الصادرة عن شركات التكنولوجيا تشير إلى أنها لن تتوقف عن السباق للوصول لهذا الهدف، بغض النظر عن المخاطر، لذلك لا بد من وقفة تنظيمية».
ويقول راسل: «يمكن استثمار تلك الوقفة لتطوير منهجية تحليل واختبار صالحة لأنظمة الذكاء الصناعي، بحيث يمكننا التأكد من سلامتها وعدم تهديدها للبشر، وتطوير حلول لسوء الاستخدام الحتمي الذي سيحدث، متمثلا في التزييف العميق والمعلومات المضللة».


مقالات ذات صلة

الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

خاص تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تصاعد الأخبار الزائفة والتزييف العميق خلال الأزمات يتطلب وعياً رقمياً والتحقق من المصادر والصور والفيديوهات قبل مشاركة المعلومات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

تشهد خدمات الخرائط الرقمية تحولاً متسارعاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صلب تجربة المستخدم، في خطوة تسعى من خلالها الشركات التقنية إلى إعادة تعريف مفهوم…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)

أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

أبحاث جديدة في جامعة MIT تطور تقنيات تساعد نماذج الذكاء الاصطناعي على تفسير قراراتها لتعزيز الشفافية والثقة في الأنظمة المؤتمتة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات وليس الأمن السيبراني فقط (أدوبي)

خاص هل أصبحت مرونة البرمجيات شرطاً أساسياً لحماية الاقتصاد الرقمي في السعودية؟

توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات ومخاطر الموردين مع بروز الحساب الضامن أداةً لحماية الخدمات الرقمية الحيوية.

نسيم رمضان (لندن)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس) p-circle 01:53

خاص «عام الذكاء الاصطناعي» في السعودية... دفع قوي لاقتصاد البيانات

مع تسارع السباق نحو الاقتصاد الرقمي ودخول العالم مرحلة جديدة تقودها الخوارزميات، تتجه السعودية إلى ترسيخ موقعها لاعباً مؤثراً في مستقبل التقنيات المتقدمة.

زينب علي (الرياض)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.