هدنة «الذكاء الصناعي»... مخاوف جدية أم منافسات تجارية؟

5 خبراء وعلماء يتحدثون لـ«الشرق الأوسط»

ستيوارت راسل أستاذ علوم الكومبيوتر بجامعة كاليفورنيا (جامعة كاليفورنيا)  -  يوشوا بنجيو عالم حاسوب كندي من أصل مغربي (فيسبوك)  -  دومينيكو تاليا أستاذ هندسة الكومبيوتر بجامعة «كالابريا» الإيطالية (جامعة كالابريا)  -  العالم المصري. الكندي حاتم زغلول مخترع تقنية الواي فاي (الشرق الأوسط)
ستيوارت راسل أستاذ علوم الكومبيوتر بجامعة كاليفورنيا (جامعة كاليفورنيا) - يوشوا بنجيو عالم حاسوب كندي من أصل مغربي (فيسبوك) - دومينيكو تاليا أستاذ هندسة الكومبيوتر بجامعة «كالابريا» الإيطالية (جامعة كالابريا) - العالم المصري. الكندي حاتم زغلول مخترع تقنية الواي فاي (الشرق الأوسط)
TT

هدنة «الذكاء الصناعي»... مخاوف جدية أم منافسات تجارية؟

ستيوارت راسل أستاذ علوم الكومبيوتر بجامعة كاليفورنيا (جامعة كاليفورنيا)  -  يوشوا بنجيو عالم حاسوب كندي من أصل مغربي (فيسبوك)  -  دومينيكو تاليا أستاذ هندسة الكومبيوتر بجامعة «كالابريا» الإيطالية (جامعة كالابريا)  -  العالم المصري. الكندي حاتم زغلول مخترع تقنية الواي فاي (الشرق الأوسط)
ستيوارت راسل أستاذ علوم الكومبيوتر بجامعة كاليفورنيا (جامعة كاليفورنيا) - يوشوا بنجيو عالم حاسوب كندي من أصل مغربي (فيسبوك) - دومينيكو تاليا أستاذ هندسة الكومبيوتر بجامعة «كالابريا» الإيطالية (جامعة كالابريا) - العالم المصري. الكندي حاتم زغلول مخترع تقنية الواي فاي (الشرق الأوسط)

لم يكد العالم يستوعب القدرات الفائقة التي يتيحها روبوت الدردشة «تشات جي بي تي 3.5»، حتى فاجأت شركة «أوبن إيه آي» المنتجة له المتابعين بنسخة أكثر تقدما منتصف الشهر الحالي، وهي «جي بي تي 4»، الأمر الذي أثار مخاوف عدة، لكن اللافت أن القلق جاء هذه المرة من متخصصين في التكنولوجيا، ما حدا بهم إلى إصدار عريضة طالبوا فيها بـ«هدنة صيفية» تتوقف خلالها أنظمة الذكاء الصناعي عن التطور لمدة 6 أشهر.

توني بريسكوت أستاذ الروبوتات المعرفية بجامعة «شيفيلد» البريطانية (جامعة شيفيلد)

ومشروع الهدنة المطروح يستهدف، وفق الموقعين على البيان، «الانتظار إلى حين الاستقرار على قواعد (الحوكمة الرقمية)، التي تضمن استخدام الذكاء الصناعي في الاتجاه الصحيح الذي يحقق صالح البشرية».
ووقع على العريضة 1377 من علماء الكومبيوتر البارزين، وغيرهم من كبار صناع التكنولوجيا، ومن بينهم مالك شركة تيسلا للسيارات الكهربائية، إيلون ماسك، الذي كان قد سعى إلى تمكين التكنولوجيا من أداء وظائف المخ البشري عبر شريحة المخ التي ابتكرتها شركته «نيورالينك». كما وقع على العريضة أيضا المؤسس المشارك لشركة «آبل» ستيف وزنياك.
وتحذر العريضة التي تم إعدادها من قبل معهد «فيوتشر أوف لايف» غير الربحي من أن أنظمة الذكاء الصناعي التي تتمتع «بذكاء تنافسي بشري يمكن أن تشكل مخاطر عميقة على المجتمع والإنسانية، من إغراق الإنترنت بالمعلومات المضللة، وأتمتة الوظائف، إلى مزيد من المخاطر المستقبلية الكارثية خارج عوالم الخيال العلمي».
وتواصلت «الشرق الأوسط» مع 5 خبراء وعلماء في مجال الذكاء الصناعي، من بينهم 4 من الشخصيات الموقعة على البيان، بالإضافة إلى مخترع «الواي فاي»، لاستطلاع أسبابهم وتقديراتهم بشأن مدى جدية تلك المخاوف، وما إذا كانت متصلة بتنافس تجاري.
وتقول العريضة: «لقد شهدت الأشهر الأخيرة خوض مختبرات الذكاء الصناعي سباقا خارج نطاق السيطرة لتطوير ونشر عقول رقمية أكثر قوة لا يمكن لأي شخص، ولا حتى لمنشئها، فهمها أو التنبؤ بها أو التحكم فيها بشكل موثوق».
وتضيف «ندعو جميع مختبرات الذكاء الصناعي إلى التوقف فورا لمدة 6 أشهر على الأقل عن تدريب أنظمة الذكاء الصناعي الأكثر قوة من (جي بي تي - 4)، ويجب أن يكون هذا التوقف علنيا ويمكن التحقق منه، وأن يشمل جميع الجهات الفاعلة الرئيسية، وإذا لم يتم تفعيل مثل هذا الوقف بسرعة، فيجب على الحكومات التدخل وفرض حظر».
- «هيستريا» الذكاء الصناعي
وأحدثت العريضة بدورها تباينا كبيرا بين من يراها معبرة عن مخاوف منطقية، ومن يراها مخاوف مبالغ فيها أشبه بـ«الهيستريا»، وهو المصطلح الذي استخدمه جاري ماركوس، الأستاذ الفخري بجامعة نيويورك في تصريحات نقلها الأربعاء موقع الإذاعة الوطنية العامة الأميركية (npr).
ويقول ماركوس: «بينما تبدي العريضة تخوفاً من شبح الذكاء الصناعي الأكثر ذكاء، مما هو موجود بالفعل، فإن أداة (جي بي تي - 4)، التي أثارت المخاوف ليست ذكاء صناعيا (خارقاً)، فعلى الرغم من كونها مثيرة للإعجاب، فإنها مجرد أداة توليد نصوص تقوم بعمل تنبؤات حول الكلمات التي ستجيب على الطلب الذي تم تقديمه بناء على ما تعلمته من استيعاب مجموعات ضخمة من الأعمال المكتوبة».
ويضيف «أختلف مع الآخرين القلقين بشأن الاحتمال القريب المدى للآلات الذكية، بحيث يمكنها تحسين نفسها بنفسها خارج سيطرة البشرية، ولكن أكثر ما يقلقني هو (الذكاء الصناعي المتوسط) الذي يتم نشره على نطاق واسع، والذي يمكن أن يكون أداة يستخدمها المجرمون أو الإرهابيون لخداع الناس أو لنشر معلومات مضللة خطيرة».
ويتفق حاتم زغلول، عالم الاتصالات المصري الكندي، الذي ارتبط اسمه باختراع «الواي فاي» مع ما ذهب إليه ماركوس، من استشعار الخوف المبالغ فيه على البشرية من الذكاء الصناعي.
وتساءل زغلول مستنكراً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هل أغلقنا كل منافذ الخطر على البشرية، بما فيها القنبلة النووية، ونبحث الآن عن خطر الذكاء الصناعي على البشر؟».
ولم يخف زغلول تخوفاته مما وصفه بـ«الأغراض الاقتصادية النابعة من المنافسة بين الكيانات التكنولوجية»، متوقعاً أن تكون تلك الأغراض «وراء توقيع البعض على هذه العريضة، لكن بلا شك سيكون هناك آخرون كانت دوافعهم نبيلة عند التوقيع، وهو الخوف من تأثير الذكاء الصناعي على فرص العمل المتاحة للبشر، وهو التخوف الرئيسي الذي تعكسه العريضة».
وشدد زغلول على أن «الذكاء الصناعي سيجعل حياتنا أسهل، ويساعدنا على أداء مهامنا، ويجب أن نسعى نحو مزيد من التطوير، وليس وقف التطوير لمدة ستة شهور».
وتابع ساخراً «نصيحتي للمتخوفين أن يسألوا (تشات جي بي تي) عن العلاج، فأنا أفعل ذلك باستمرار مع كل مشكلة تواجهني».
- الحوكمة الرقمية
نصيحة زغلول، تمثل الشكل المقبول لاستخدام الذكاء الصناعي، في رأي دومينيكو تاليا، أستاذ هندسة الكومبيوتر بجامعة «كالابريا» الإيطالية، وهو أحد الموقعين على العريضة، لكنه يرى في الوقت نفسه أن «لديهم مخاوف منطقية من إساءة الاستخدام».
ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «يمكننا الاستفادة من حلول الذكاء الصناعي في كثير من المجالات والقطاعات الاجتماعية، على سبيل المثال في الرعاية الصحية والتمويل والاكتشاف العلمي، لكن يمكن أن يكون استخدامها محفوفا بالمخاطر، فهي أنظمة غير شفافة وغير موثقة جيدا، علاوة على ذلك في بعض الحالات يقدمون إجابات خاطئة قد تخلق مشاكل للمستخدمين».
ويرى تاليا أن «فترة التوقف التي طالبوا بها قد تكون مفيدة في مناقشة السياسات الجديدة لنشر تقنيات الذكاء الصناعي وقوانينها ولوائحها التي تحمي المواطنين من الاستخدامات الخاطئة».
أما توني بريسكوت، وهو أستاذ الروبوتات المعرفية بجامعة «شيفيلد» البريطانية، فركز على مجموعة من المخاوف دفعته للتوقيع على العريضة، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «مخاوفي الرئيسية تتعلق بالتأثير على الوظائف البشرية واحتمال زيادة المعلومات المضللة، والقضية الأوسع هي أن تقنيات الجيل التالي القوية من الذكاء الصناعي يتم تطويرها من قبل المنظمات التجارية التي يمكن أن تكون لها تأثيرات مجتمعية ضخمة سواء كانت جيدة وسيئة، وهذا يحدث مع القليل من الحوكمة والرقابة الوطنية أو الدولية».
ويشدد على أن ما نحتاجه هو «الحوكمة الرقمية»، التي تضمن أن تكون شركات الذكاء الصناعي أكثر شفافية بشأن التقنيات التي تطورها وأهدافها، ويمكن للتنظيم أن يعزز الفوائد ويقلل الأضرار بطريقة مماثلة لما نفعله الآن مع تطوير الأدوية.
ويشير بريسكوت إلى أن «فترة التوقف (المقترحة) يمكن استغلالها لتحديد آثار الذكاء الصناعي على سبل عيش الناس، وانتشار المعلومات المضللة، وتحديد وسائل الحماية، ويمكن أن تشمل هذه الحماية تسمية النص الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الصناعي بعلامات مائية رقمية، أو الحد من استخدام هذه التقنيات في بعض المجالات».
- معاهدة دولية
ويتفق يوشوا بنجيو، وهو عالم حاسوب كندي من أصل مغربي، ووقع هو الآخر على العريضة، مع ما ذهب إليه بريسكوت، من أهمية استثمار فترة التوقف، لوضع آليات تضمن التأكد من أن «المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الصناعي يتم تمييزه بطريقة تجعل من السهل معرفة أنه لا يأتي من البشر، لحمايتنا من المعلومات المضللة على سبيل المثال».
ويقول بنجيو، وهو من أبرز علماء الحاسوب المعاصرين، والحاصل على جائزة «تورنغ» 2018، وهي مقابل جائزة «نوبل» في تخصص الحوسبة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحتاج أيضا إلى استثمار فترة التوقف في وضع قواعد تحظر استخدام الذكاء الصناعي للتأثير على الأشخاص (على سبيل المثال في الإعلانات السياسية، والإعلانات المستهدفة)».
ويضيف أنه «ستكون هناك حاجة مستقبلا إلى إنشاء تنظيم أقوى بكثير، وأنا على دراية بمشروع قانون قيد الإعداد في الاتحاد الأوروبي، سيتم إقراره قريبا في كندا، كما نحتاج أيضا إلى معاهدات دولية مماثلة لما فعلناه للمخاطر النووية، والاستنساخ البشري وما إلى ذلك، كما نحتاج أيضا إلى الاستثمار في العلوم الاجتماعية والبحوث الإنسانية أيضا من أجل التفكير في طريقة تكيف المجتمع مع القوة التي يتم إطلاقها مع الذكاء الصناعي، والاستعداد لتغيير الطريقة التي يتم بها تنظيم كوكبنا بشكل جذري على المستويين السياسي والاقتصادي».
ومن أميركا قال ستيوارت راسل، وهو أستاذ علوم الكومبيوتر بجامعة كاليفورنيا في بيركلي وأحد الموقعين على العريضة، لـ«الشرق الأوسط» إن «أنظمة الذكاء الصناعي التي تطابق أو تتجاوز القدرات البشرية، من شأنها أن تشكل مخاطر غير محدودة على البشرية».
ولفت راسل إلى أن «البيانات الصادرة عن شركات التكنولوجيا تشير إلى أنها لن تتوقف عن السباق للوصول لهذا الهدف، بغض النظر عن المخاطر، لذلك لا بد من وقفة تنظيمية».
ويقول راسل: «يمكن استثمار تلك الوقفة لتطوير منهجية تحليل واختبار صالحة لأنظمة الذكاء الصناعي، بحيث يمكننا التأكد من سلامتها وعدم تهديدها للبشر، وتطوير حلول لسوء الاستخدام الحتمي الذي سيحدث، متمثلا في التزييف العميق والمعلومات المضللة».


مقالات ذات صلة

هل انتهى عصر «الذكاء الاصطناعي الطبي المتخصص»؟

علوم من يستحق الثقة؟

هل انتهى عصر «الذكاء الاصطناعي الطبي المتخصص»؟

ماذا لو لم يكتفِ الذكاء الاصطناعي بإعطاء التوصية الطبية، بل بدأ بتنظيم المواعيد، وطلب الفحوصات، ومتابعة المرضى، واتخاذ خطوات تنفيذية بنفسه؟

د. عميد خالد عبد الحميد (الرياض)
تكنولوجيا يمكن دمج التقنية مستقبلاً في حقائب الظهر والخيام ومعدات الطوارئ والعمل الميداني (الجامعة)

سترة تجمع رطوبة الهواء وتحوّلها إلى مياه للشرب

طوّر باحثون سترة تجريبية تستخدم أليافاً مسامية لجمع رطوبة الهواء وإنتاج مياه للشرب مع تطبيقات محتملة للرحلات والطوارئ والمناطق النائية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يجمع النظام بين 16 مستشعراً للغازات ونموذج للتعلم الآلي (الجامعة)

«أنف إلكتروني» يكتشف فساد الطعام والحساسيات بالذكاء الاصطناعي

طوّر باحثون أنفاً إلكترونياً يستخدم مستشعرات وتعلماً آلياً لتمييز الأطعمة ورصد فسادها ومسببات الحساسية تمهيداً لتطبيقات منزلية مستقبلية أكثر أماناً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا رُصدت 99.9 في المائة من المقاطع المخالفة استباقياً قبل بلاغات المستخدمين (رويترز)

«تيك توك» تحذف 2.9 مليون فيديو مخالف في السعودية خلال ثلاثة أشهر

حذفت «تيك توك» 2.9 مليون فيديو مخالف في السعودية مع توسع الرصد الآلي والاستئناف وتشديد إجراءات الحسابات والبث المباشر عالمياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يقدّم «آندرويد 17» أدوات أوسع لتعدد المهام تشمل تحويل أي تطبيق إلى فقاعة عائمة والتنقل السريع بين النوافذ (غوغل)

«غوغل» تطلق «آندرويد 17» بفقاعات للتطبيقات وحماية أقوى للبيانات

يقدم «آندرويد 17» تعدد مهام أوسع وحماية أقوى وتكاملاً أعمق مع «جيميناي» لتمكين التطبيقات من تنفيذ مهام ذكية بين الأجهزة.

نسيم رمضان (لندن)

كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
TT

كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)

عندما انهار الاتحاد السوفياتي عام 1991 ساد اقتناع بأن العالم يدخل مرحلة جديدة من الاستقرار، وأن حقبة المواجهة -سواء «الباردة» أو العسكرية- بين القوى الكبرى انتهت. وتحدث السياسيون والباحثون آنذاك عن «عائد السلام» الذي سيتيح للدول توجيه الموارد المالية نحو التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، ومكافحة الفقر، والجهل، والأمراض، بدلاً من الإنفاق العسكري. غير أن هذه الآمال لم تعمّر طويلاً، إذ سرعان ما ظهرت تحديات جيوسياسية جديدة، وصراعات إقليمية متزايدة، ليعود التنافس العسكري إلى الواجهة على نحو أشد تعقيداً مما كان عليه خلال الحرب الباردة.

اليوم لا يشهد العالم مجرد عودة إلى منطق الردع النووي، بل يواجه سباق تسلح يمتد إلى مجالات متعددة تشمل -إضافة إلى الأسلحة النووية- الصواريخ فرط الصوتية، والذكاء الاصطناعي العسكري، والحروب السيبرانية، والفضاء الخارجي. ويصف بعض الباحثين هذا التحول بأنه بداية «حرب الخوارزميات» التي تصبح فيها البرمجيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من موازين القوة الدولية.

الذكاء الاصطناعي يطوّر القدرات العسكرية (رويترز)

وتؤكد الأرقام حجم هذا التحول، فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.887 تريليون دولار عام 2025، بزيادة 2.9 في المائة عن العام 2024، وفق بيانات معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري). واستحوذت الولايات المتحدة والصين وروسيا وحدها على أكثر من نصف الإنفاق العسكري العالمي، الأمر الذي يعكس استمرار تركّز القوة العسكرية في أيدي القوى الكبرى.

*سباقات تسلّح

ورغم تراجع الإنفاق العسكري الأميركي إلى 954 مليار دولار عام 2025 نتيجة توقف إدارة الرئيس دونالد ترمب عن ضخ المساعدات العسكرية الجديدة لأوكرانيا، فإن هذا الانخفاض يبدو مؤقتاً. فقد واصلت واشنطن استثماراتها الضخمة في تحديث قواتها التقليدية، والنووية، بهدف الحفاظ على تفوقها العسكري، ومواجهة النفوذ الصيني المتصاعد في منطقة المحيطين الهندي، والهادئ. وتشير التوقعات إلى ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأميركي مجدداً خلال السنوات المقبلة ليتجاوز 1.5 تريليون دولار سنوياً.

في المقابل، شهدت أوروبا أكبر زيادة في إنفاقها العسكري منذ انتهاء الحرب الباردة، مدفوعة بالحرب المستمرة في أوكرانيا، ومخاوف الدول الأوروبية من التهديدات الأمنية الروسية. وارتفع الإنفاق العسكري الأوروبي بنسبة 14 في المائة ليصل إلى 864 مليار دولار في 2026، فيما رفعت روسيا إنفاقها إلى 203 مليارات دولار في 2026 وفق «سيبري»، بينما خصصت أوكرانيا نحو 40 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، أي نحو 85 مليار دولار، في مؤشر واضح لحجم الاستنزاف الذي تفرضه الحرب.

مركز عسكري أميركي للرقابة السيبرانية في كولورادو (رويترز)

أما الصين، فقد واصلت برنامجها العسكري الطموح للعام الحادي والثلاثين على التوالي، لترفع إنفاقها الدفاعي إلى 336 مليار دولار. ويعكس هذا المسار استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز القدرات العسكرية الصينية، وتحديثها، بما يمكن بكين من فرض حضورها كقوة عالمية منافسة للولايات المتحدة.

ومن أبرز مظاهر سباق التسلح الجديد «التهافت» على تطوير الصواريخ فرط الصوتية. وتمثل هذه الأسلحة نقلة نوعية في موازين القوى العسكرية، إذ تستطيع التحليق بسرعات تفوق خمسة أضعاف سرعة الصوت، مع القدرة على المناورة أثناء الطيران، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة مقارنة بالصواريخ التقليدية. وتتصدر روسيا والصين والولايات المتحدة هذا السباق. فروسيا نشرت أنظمة مثل «أفانغارد»، و«كينجال» (الخنجر)، بينما طورت الصين منظومات مثل «دي إف-17» المصممة لاستهداف القطع البحرية والقواعد العسكرية بسرعة ودقة كبيرتين. أما الولايات المتحدة فتسعى إلى سد الفجوة التقنية مع غريميها من خلال برامج متقدمة لتطوير أسلحة فرط صوتية، وقدرات دفاعية جديدة قادرة على اكتشاف هذه التهديدات، والتعامل معها.

*الخوارزميات والذكاء الاصطناعي

لكن التحدي الأكبر قد لا يكون في سرعة الصواريخ، بل في سرعة الخوارزميات. فقد صار الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من التطور العسكري، مع دخول أنظمة قتالية قادرة على تحديد الأهداف، ومهاجمتها بدرجات متفاوتة من الاستقلال عن القرار البشري. وتشمل هذه الأنظمة أسراب الطائرات المسيّرة، والذخائر الجوالة (أسلحة تجول في الجو إلى أن تعثر على هدفها، وتنقضّ عليه)، وأنظمة المراقبة والقتال الذاتية. ويثير هذا التطور أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة تتعلق بالمسؤولية عن القرارات القاتلة، واحتمالات وقوع أخطاء تؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة تبلغ أحياناً حد الفاجعة.

جندي أوكراني يحمل مسيّرة (رويترز)

ويحذر خبراء من أن انتشار الأسلحة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قد يجعل اللجوء إلى الحرب أكثر سهولة من الناحية السياسية. فكلما تراجع الاعتماد على الجنود في ساحات القتال، انخفضت الكلفة البشرية المباشرة للحروب، وبالتالي الضغط الشعبي على المنظومات الحاكمة، وهذا ما قد يضعف أحد أهم عوامل الردع التقليدية. كما أن تحويل أبحاث الذكاء الاصطناعي المدنية إلى مشاريع عسكرية قد يؤدي إلى تقييد التعاون العلمي الدولي، وفرض قيود على الباحثين، والمؤسسات الأكاديمية، على غرار ما حدث في مجالات الفيزياء النووية والصواريخ خلال الحرب الباردة.

*الميدان السيبراني

إلى جانب ذلك، أصبحت الحروب السيبرانية ساحة مواجهة رئيسة بين الدول. فبدلاً من استخدام الدبابات والطائرات فقط، باتت الدول تعتمد على البرمجيات الخبيثة، والهجمات الإلكترونية لتعطيل البنى التحتية الحيوية، وشبكات الاتصالات، وأنظمة الطاقة. وأظهر هجوم «ستاكسنت» Stuxnet (استهدفت البرمجية أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم داخل منشأة نطنز النووية الإيرانية) في العام 2009 أن الشيفرات البرمجية يمكن أن تتسبب في أضرار مادية مباشرة في المنشآت الصناعية. كما أصبحت سرقة البيانات والمعلومات الاستراتيجية من المؤسسات الحكومية والعسكرية والشركات الكبرى جزءاً أساسياً من الصراع الدولي الحديث.

وفي الوقت نفسه، تحوّل الفضاء الخارجي إلى مجال تنافس عسكري متزايد الأهمية. فالجيوش الحديثة تعتمد بشكل كبير على الأقمار الاصطناعية في الملاحة، والاتصالات، والاستطلاع، والإنذار المبكر من الهجمات الصاروخية. ومن دون هذه الأنظمة ستتأثر بشكل كبير قدرة القوات المسلحة على تنفيذ العمليات الدقيقة، وإدارة المعارك. ولهذا السبب تعمل عدة دول على تطوير قدرات هجومية ودفاعية في الفضاء، تشمل أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية، وهجمات إلكترونية، وأنظمة تشويش متقدمة. كما أنشأت بعض القوى الكبرى فروعاً عسكرية متخصصة لإدارة العمليات الفضائية، وحماية الأصول الاستراتيجية الموجودة في المدار.

«ميغ 31» روسية تحمل صاروخ «كينجال» (رويترز)

*لماذا قرقعة السلاح؟

تعود أسباب سباق التسلح الحالي إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، والحرب الروسية-الأوكرانية، والتوترات المتزايدة في منطقة المحيطين الهندي، والهادئ، ومنطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى تراجع فعالية اتفاقات الحد من التسلح التي أدت دوراً مهماً في ضبط التنافس العسكري خلال العقود الماضية.

ويرى كثير من الخبراء أن الوضع الراهن قد يكون أكثر خطورة من مرحلة الحرب الباردة نفسها. ففي تلك الحقبة كان التنافس يدور بشكل أساسي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ما جعل قواعد الردع أكثر وضوحاً وقابلية للتوقع. أما اليوم، فإن العالم يشهد تنافساً متعدد الأقطاب بين الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، إلى جانب أدوار متنامية لقوى إقليمية، وجهات غير حكومية تمتلك قدرات تكنولوجية متقدمة.

كما أن انهيار عدد من اتفاقات الحد من الأسلحة، وتآكل منظومة الرقابة الدولية يزيدان أخطار سوء التقدير. ويضاف إلى ذلك دخول تقنيات جديدة -مثل الذكاء الاصطناعي، والأسلحة السيبرانية، والصواريخ فرط الصوتية- إلى المعادلة العسكرية، ما يقلص الوقت المتاح لاتخاذ القرارات في الأزمات، ويزيد احتمالات التصعيد المتسرّع.

في ظل هذا المشهد، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«الحرب الخوارزمية»، حيث لن يكون الردع قائماً على التوازن النووي التقليدي فحسب، بل أيضاً على السيطرة المعلوماتية، والقدرة على إدارة الأخطار الناتجة عن الأنظمة الذكية، والشبكات الرقمية. فالصراع المستقبلي لن يُحسم بعدد الرؤوس النووية، أو الدبابات، والطائرات وحدها، بل بقدرة الدول على التحكم بالخوارزميات، والبيانات، والفضاء الإلكتروني، والفضاء الخارجي القريب. وهكذا يعود سباق التسلح إلى الواجهة، لكن بأدوات أكثر تعقيداً، وأسرع تطوراً مقابل قدرة أضعف على الضبط، والاحتواء.

 

 


استخدام المُسيرات خارج ساحات المعارك يعزز سوق تكنولوجيا التصدي لها

رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
TT

استخدام المُسيرات خارج ساحات المعارك يعزز سوق تكنولوجيا التصدي لها

رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)

تسببت وقائع اختراق من طائرات مسيرة بتعطيل مطارات في أوروبا ونفذت مسيّرات أخرى هجمات على حقول نفط في الشرق الأوسط، مما حفز نمواً سريعاً لسوق أجهزة الرادار والتشويش والمركبات الدفاعية لحماية المطارات والبنية التحتية من أي تهديدات جوية جديدة.

وصارت تكنولوجيا الطائرات المسيرة مصدراً للاضطراب في المطارات منذ سنوات. واضطر ​مطار غاتويك في لندن إلى تعليق الرحلات بسبب تحذيرات من الطائرات المسيرة قبل عام 2020. لكن موجة جديدة من وقائع الاختراق المرتبطة بالحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط زادت حدة هذه المخاوف بشكل كبير.

ومن ضمن التطورات التكنولوجية التي برزت في الآونة الأخيرة أداة على شكل مسدس من شركة «ديدرون» الأميركية قادرة على التشويش على هذه المُسيرات، وطائرة «وينغمان» ذاتية القيادة من شركة «بوينغ» تحلق برفقة طائرات مقاتلة وهي تحمل أجهزة تشويش مضادة للطائرات المسيرة وأسلحة في مقدمة قابلة للتبديل.

ويجذب هذا المجال استثمارات بمليارات الدولارات، ويتجاوز الاستخدام العسكري إلى قطاعات مثل الطاقة والشحن ومراكز البيانات والفنادق والمطارات.

مسيّرات عسكرية في معرض دفاعي قرب باريس (رويترز)

وتعد شركة «أفينور»، التي تمتلك وتدير 43 مطاراً في النرويج، إحدى الشركات التي ركبت نظاماً للكشف عن ‌الطائرات المسيرة في عملياتها ‌لمعالجة «الاضطرابات والتأخيرات» التي تسببها توغلات الطائرات المسيرة لحركة الطيران. وتحدثت «رويترز» إلى ستة ​مديرين ‌تنفيذيين ⁠لشركات في ​مجال ⁠التصدي للطائرات المسيرة، وقالوا إن هناك زيادة حادة في الطلب من الحكومات والمطارات وشركات تشغيل البنية التحتية المدنية.

وقال سيتي هامينغا، الرئيس التنفيذي لشركة «روبن رادار» للتصدي للطائرات المسيرة، ومقرها هولندا: «هناك تأثير مباشر؛ إذ يتصل بنا الكثيرون». وطورت الشركة هذه التكنولوجيا مستفيدة من أبحاث حول تعرض الطائرات للاصطدام بالطيور.

سوق تنمو 20 في المائة سنوياً

وسلّطت أساليب الحرب الهجينة في أوروبا والشرق الأوسط الضوء على الحاجة إلى حماية المنشآت الاقتصادية والمدنية، مثل الموانئ وحقول النفط والمطارات. وعلى مدار عام حتى الآن حدثت اضطرابات بسبب هجمات بطائرات مسيرة على مطار دبي وتوغلات في دول البلطيق، وحرائق ناجمة عن حطام مسيرات تم اعتراضها ⁠في منطقة الفجيرة للصناعة البترولية (فوز) وإنذارات للاشتباه في وجود طائرات مسيرة بمطاري ميونيخ ‌وكوبنهاغن. وصرحت سلطات بعض المطارات الأوروبية لـ«رويترز» بأنها تتطلع إلى زيادة استخدام التقنيات ‌المضادة للطائرات المسيرة.

مسيّرة للبحرية الكورية الجنوبية (رويترز)

وقال آش ألكسندر كوبر، الذي كان يشغل منصباً تنفيذياً ​في شركة «ديدرون» حتى يونيو (حزيران) الحالي وتحدث إلى ‌«رويترز» قبل ترك المنصب، إن الاتصالات لطلب حلول يمكن تركيبها «في أسرع وقت ممكن» بدأت فور اندلاع الحرب على إيران ‌في 28 فبراير (شباط). وأضاف: «أعتقد أننا واحدة من شركات كثيرة تتلقى هذه الطلبات، بعد أن أدرك الآن عدد أكبر كثيراً من الدول ليس فقط في الشرق الأوسط، مدى الخطر الذي يواجهها مع تطور نطاق وطبيعة التهديد الفوري للطائرات المسيرة».

وتشير تقديرات المحللين إلى أن حجم سوق التصدي للطائرات المسيرة عالمياً يتراوح بين ثلاثة وسبعة مليارات دولار، وتنمو السوق بنسبة 20 في المائة تقريباً كل عام. ‌وذكرت شركة «ماركتس آند ماركتس» في تقرير أن هذه القيمة ستصل إلى 14.5 مليار دولار بحلول عام 2030 من 4.5 مليار دولار حالياً.

وقال إيبين فرانكنبرغ، الرئيس التنفيذي ⁠لشركة «إيكوداين» المصنعة لأجهزة رادار تكتشف ⁠الطائرات المسيرة، إن الاستثمار في مصنع جديد ستفتتحه الشركة هذا العام سيضاعف طاقتها الإنتاجية السنوية إلى ما يزيد على 30 ألف وحدة.

وأضاف: «من حيث الطلب على أجهزة الرادار التي ننتجها، شهدنا نمواً تجاوز 100 في المائة بكثير على مدار عام حتى الآن، وهذا النمو لا يتباطأ».

لكن على الرغم من الاهتمام الكبير بهذه التقنيات، لا تزال التحديات التنظيمية والتساؤلات حول السلامة تحد من نشر تكنولوجيا التصدي للطائرات المسيرة خارج المجال العسكري.

وتطبق المطارات المدنية قواعد صارمة بشأن اختيار التكنولوجيا التي يمكن أن تستخدمها ضد الطائرات المسيرة، ولا تزال تركز بشكل كبير على أدوات الكشف.

فقد تؤدي مشكلات، مثل التشويش والتداخل مع نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس»، إلى تعطيل الاتصالات والملاحة مما يجعل هذه الأنظمة غير مناسبة في مناطق المطارات. ولا يمكن أيضاً استخدام الأسلحة لإسقاط طائرات مسيرة في بيئة مدنية.

وقال متحدث باسم شركة «هينسولدت» الألمانية المصنعة لأجهزة الرادار: «لا يمكنك ببساطة استخدام ما يسمى الوسائل الحركية الفعالة، مثل المدافع الرشاشة أو ما شابه، بالقرب من بنية تحتية مدنية».

ويعود ​الكثير من الأمور إلى السلطات الوطنية فيما ​يتعلق بتحديد سبل استخدام الأنظمة التي تعمل في ساحات المعركة بشكل قانوني وآمن في السيناريوهات المدنية.

وقالت ستيفاني لينجيمان، رئيسة القسم الجوي في شركة «هيلسينغ» الألمانية للطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي: «المسموح به هو مسألة تنظيمية بأيدي الحكومات... لا يمكننا اتخاذ القرار».


لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
TT

لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)

مع تراجع الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن، تتطلع الجماعة عبر البحر الأحمر إلى الجماعة الإرهابية الأوسع شهرة في الصومال «حركة الشباب»، وذلك وفقاً للمحللة السياسية إميلي ميليكين، نائبة مدير مؤسسة «إن7» الفكرية والكاتبة المختصة في شؤون الخليج العربي واليمن وليبيا.

وقالت ميليكين، في تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه على مدى سنوات كانت العلاقة المتنامية بين الحوثيين في اليمن و«حركة الشباب» الصومالية تعدّ أمراً ثانوياً، حيث طغت عليها الحروب في قطاع غزة ولبنان والبحر الأحمر. ولكن مع ازدياد الضغوط على إيران وشبكتها الإقليمية، يبرز هذا التحالف بوصفه علامة تحذيرية من أمر أكبر؛ هو أن الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي قد تتكيف إذا لم تعد طهران قادرة على دعم وكلائها كما كانت تفعل سابقاً.

مقاتلون من «حركة الشباب» (أرشيفية - أ.ب)

وأشارت إلى أن الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن «يعملون على تعميق علاقاتهم بـ(حركة الشباب)؛ فرع تنظيم (القاعدة) في الصومال، بطرق قد تزعزع استقرار منطقة القرن الأفريقي بشكل دائم، وتعرض للخطر أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وربما الأمر الأهم من ذلك، هو أن هذه الشراكة المتنامية قد تعكس تحولاً أوسع نطاقاً داخل ما يسمى (محور المقاومة الإيراني)».

ورسمت التقارير الأخيرة صورة مثيرة للقلق، فقد قالت مصادر للجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن إن «عشرات من مقاتلي (حركة الشباب)، بينهم قادة بارزون، سافروا إلى اليمن، وتحديداً إلى محافظتي شبوة ومأرب، ويسهّلون عمل شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات إلى الصومال. وربما تكون هناك عناصر من الحوثيين داخل الصومال، حيث يدربون مقاتلي (حركة الشباب) على حرب الطائرات المسيّرة والمتفجرات، وغيرها من أساليب القتال التي أتقنوها على مدى سنوات من التدرّب على أيدي مستشارين من إيران و(حزب الله)» اللبناني.

عناصر من «حركة الشباب» الإرهابية الصومالية (أ.ب)

تدريبات

وترى ميليكين أن هذا التطور يأتي في لحظة حاسمة بالنسبة إلى الحوثيين؛ «حيث تعرضت شبكة حلفاء إيران ووكلائها إلى نكسات متتالية منذ عام 2024، وتراجعت قوة (حزب الله) بشكل كبير، وأطيح نظام بشار الأسد في سوريا، وتواجه الميليشيات العراقية قيوداً داخلية وسياسية متصاعدة، وأصبحت حركة (حماس) شبه مدمرة. وفي الوقت نفسه، تواجه طهران ضغوطاً عسكرية واقتصادية متنامية من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين».

ومع ذلك، فقد خرج الحوثيون من هذه الفترة أجرأ. ورغم الضربات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية المتواصلة، فإن الجماعة واصلت إظهار قدرتها على تعطيل الملاحة الدولية، وضرب إسرائيل، وترسيخ مكانتها لاعباً رئيسياً في انعدام الأمن بالبحر الأحمر. علاوة على ذلك، وعلى عكس كثير من حلفائهم، لا تزال القيادة العليا للحوثيين سليمة.

بالنسبة إلى الحوثيين، «توفر العلاقات بشبكات التهريب والمسلحين الصومالية الفرصةَ والنفوذ في خليج عدن. ويتيح التعاون مع (حركة الشباب) والجهات الإجرامية المرتبطة بها الوصولَ إلى طرق الملاحة البحرية غير المشروعة وشبكات الاستخبارات، وممرات تهريب الأسلحة، والبنية التحتية اللوجستية، على الجانب الأفريقي من مضيق باب المندب». وفي الوقت الذي يتعرض فيه داعموهم الرئيسيون لضغط دولي مكثف، فإن تنويع الشراكات يسمح للحوثيين بتقليل اعتمادهم على طهران مع توسيع نطاق عملياتهم في عمق المحيط الهندي الغربي.

أنظمة صاروخية حديثة لدى الحوثيين (وسائل إعلام)

وبالنسبة إلى «حركة الشباب»، تعني الشراكة مع الحوثيين الوصولَ إلى أنظمة أسلحة أعلى تطوراً، وخبرات في مجال الطائرات المسيرة، وقدرات بحرية، وأهمية إقليمية أكبر. ويُعتقد أن الحوثيين قد نقلوا بالفعل طائرات مسيّرة مسلحة، كما يتردد أن «حركة الشباب» طلبت في يوم ما إضافة صواريخ موجهة. ويمكن أن يكون عدم الاستقرار البحري المرتبط بهذا التحالف مربحاً لها من حيث ممارسة القرصنة والتهريب، فضلاً عن فرض الضرائب على الموانئ وابتزاز التجار وشركات الشحن.

وقالت ميليكين إن عواقب هذه العلاقة تتجاوز حدود اليمن والصومال. وأشارت إلى أن «هذا التعاون المتنامي بين الحوثيين و(حركة الشباب) يهدد بازدياد هشاشة الاقتصاد العالمي الهش بالفعل»... فقد أجبرت هجمات الحوثيين، التي بدأت أواخر عام 2023، كثيراً من شركات الشحن الكبرى على تغيير مسارها إلى «رأس الرجاء الصالح» لتجنب عبور البحر الأحمر. ويعني هذا القرار حدوث تأخيرات طويلة في سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع تكاليف الوقود، وتضخم أقساط التأمين... والنتيجة هي ارتفاع الأسعار على المستهلكين في كل مكان، إلا إن أسواق الطاقة تظل الأكبر اضطراباً. لكن هذه العلاقة تشير أيضاً إلى تحول أوسع في علاقة إيران بالمتمردين.

ومع ضعف شبكة إيران الإقليمية، انتهز الحوثيون الفرصة لتأكيد أنهم كيان مستقل. كما أن تواصلهم مع جهات فاعلة، مثل روسيا والصين، إضافة إلى فروع تنظيم «القاعدة»، مثل «حركة الشباب»، و«تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، وحتى مع قراصنة الصومال، يعكس جهداً لتنويع العلاقات، وتقليل الاعتماد على طهران، وبناء نفوذ يتجاوز حدود اليمن. وقد يكون تحالفهم مع «حركة الشباب» مؤشراً مبكراً على كيفية تطور شبكة وكلاء إيران تحت الضغط.

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة للمرشد الإيراني علي خامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

ومع استمرار إيران في مواجهة ضغوط عسكرية واقتصادية وداخلية، فقد يضطر بعض شركائها - خصوصاً أولئك الذين يتعافون من فقدان القيادة ومخازن الأسلحة - إلى البحث عن مصادر تمويل وأسلحة ونفوذ إقليمي بديلة، بدلاً من الاعتماد فقط على طهران. ولهذا الغرض؛ فقد تبدأ هذه الجماعات تبني استراتيجيات أكبرَ عملية وواقعية والعمل خارج الخطوط الآيديولوجية التقليدية، مثلما يفعل الحوثيون.

واختتمت ميليكين تحليلها بالقول إن «هذه نتيجة ينبغي أن تُقلق صانعي السياسات أكثر بكثير مما كانت عليه الحال مع نموذج الوكالة التقليدي. فالضغط المطول على إيران وشبكتها الإقليمية قد يؤدي إلى أنظمة مسلحة أوسعَ تشرذماً، وأكبرَ استقلالية، ولا يمكن التنبؤ بها، في جميع أنحاء الشرق الأوسط».