القوى التقليدية في العراق تحكم سيطرتها عبر «سانت ليغو»

جانب من الاحتجاجات في فبراير الماضي ضد تعديل قانون الانتخابات (إ.ب.أ)
جانب من الاحتجاجات في فبراير الماضي ضد تعديل قانون الانتخابات (إ.ب.أ)
TT

القوى التقليدية في العراق تحكم سيطرتها عبر «سانت ليغو»

جانب من الاحتجاجات في فبراير الماضي ضد تعديل قانون الانتخابات (إ.ب.أ)
جانب من الاحتجاجات في فبراير الماضي ضد تعديل قانون الانتخابات (إ.ب.أ)

أواخر عام 2021، أُجريت الانتخابات المبكرة في العراق طبقاً لقانون جديد يعتمد الدوائر المتعددة والفوز بأعلى الأصوات. كان ذلك أحد أبرز مطالب «انتفاضة تشرين» عام 2019 التي انتهت عام 2020 من الناحية العملية مع بقاء تداعياتها، لا سيما في محافظات الوسط والجنوب العراقي. وكانت تلك الانتفاضة، التي كان ضحاياها أكثر من 600 قتيل ونحو 24 ألف جريح ومعاق، قد طالبت بتغيير قانون الانتخابات الساري المفعول في العراق منذ أول انتخابات برلمانية عام 2005 حتى انتخابات عام 2018. والقانون الذي كان معتمداً هو أولاً الدائرة المغلقة والقائمة المغلقة الذي تمت بموجبه الانتخابات الأولى في 2006 والثانية في 2010، والذي كرس هيمنة مطلقة للقوى الثلاث - الشيعية والسنية والكردية - التي كان قوامها ائتلافات وتحالفات ذات طابع مذهبي قومي واضح.
ومع بدء الاحتجاجات الجماهيرية في عام 2011، شعرت الطبقة السياسية أن هناك أصواتاً معارضة لم تعد تقبل بمعادلة الحكم المبنية على أساس الطائفة والقومية والمذهب، في وقت بات واضحاً أن هناك إقصاءً ممنهجاً للقوى المدنية التي تريد بناء دولة تنسجم مع الدستور العراقي، بل حتى ما تريده المرجعية الدينية الشيعية العليا في النجف. وتستند القوى السياسية، الممثلة في الأحزاب التقليدية، على مرجعيات معينة، لا سيما الإسلامية لجهة الشيعة، والقومية لجهة الأكراد، فيما القوى السنية متشرذمة، خصوصاً بعد إخفاق «القائمة العراقية» بعدم تشكيل الحكومة عام 2010 رغم فوزها بزعامة إياد علاوي بأعلى الأصوات، إذ حصلت على 91 مقعداً مقابل 89 مقعداً لقائمة «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي.

نظام المحاصصة
واستمرت معادلة الحكم بأسلوب المحاصصة والتوافقية حتى انتخابات 2014، وبدأ تفكك الكتل والتيارات والتحالفات التي كادت تطيح بالدولة التي شكلتها تلك القوى خلال مظاهرات عامي 2015 و2016، بما في ذلك دخول المنطقة الخضراء والوصول إلى مكاتب رئيس البرلمان سليم الجبوري ورئيس الوزراء حيدر العبادي. وفي الوقت الذي استعادت السلطة، ممثلة في هيمنة القوى التقليدية، سيطرتها على الأوضاع مع قيام العبادي ببعض الإصلاحات السياسية والإدارية، لكن تزامنت مع ذلك لأول مرة الدعوة إلى تشكيل حكومة أغلبية وطنية وسياسية وبناء تحالفات طولية، بدلاً من التحالفات العرقية الطائفية العمودية المعمول بها منذ عام 2003، وبالفعل تم خلال انتخابات 2018 استحداث تحالفين عابرين للمذهبية والقومية، وهما «الإصلاح» ويضم شيعة وسنة وكرداً، و«البناء» ويضم أيضاً شيعة وسنة وكرداً. غير أنه في ضوء نتيجة الانتخابات وفوز التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر بالمرتبة الأولى، و«الفتح» بزعامة هادي العامري بالمرتبة الثانية، وبسبب عدم الاتفاق على آليات تشكيل حكومة أغلبية والفشل في الاتفاق على الكتلة الأكبر، تشكلت حكومة عادل عبد المهدي، التي بدا أنها لا تملك منذ البدء مقومات استمرارها، فسقطت بعد سنة ونصف السنة بالمظاهرات الكبرى في «انتفاضة تشرين»، التي غيرت المعادلة السياسية في العراق نحو اعتماد نهج جديد بما في ذلك قانون انتخابي جديد يعتمد الدوائر المتعددة، لا الدائرة الواحدة.

الثلث المعطل
اضطرت القوى التقليدية إلى الانحاء أمام ما بدا أنه عاصفة كبيرة؛ تلك التي حصلت خلال عامي 2019 و2020، والتي كادت تطيح بالنظام السياسي برمته لولا الاستخدام المفرط للقوة الأمنية، الذي أدى إلى مقتل وجرح عشرات الآلاف، غالبيتهم من الشباب. ولأن القوى التقليدية وجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه في ظل ارتباك وضعيها السياسي والجماهيري، فقبلت بمعادلات جديدة خارجة عن إرادتها، بما في ذلك قبولها بتشكيل حكومة برئاسة مصطفى الكاظمي، على أن تكون مهمتها إجراء انتخابات مبكرة في غضون فترة لا تزيد عن سنة.
ومع أن الكاظمي أجرى تلك الانتخابات في موعدها مثلما طالبت تلك القوى، إلا أن الخلافات تفجرت مرة أخرى فيما بينها بعد إعلان نتائج الانتخابات مباشرة. وتعطلت الدولة والحياة السياسية لمدة سنة، تخللتها لعدة شهور مظاهرات واعتصامات واختراقات للمنطقة الخضراء وعلى الجسور، وصولاً إلى المنازلة العسكرية بين أكبر قوتين شيعيتين وهما «التيار الصدري» و«الإطار التنسيقي»، فيما بقي الكرد والسنة على الحياد تقريباً بانتظار أن يحصل إما تفاهم أو افتراق بين الطرفين.
في هذه الأثناء شكل زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، تحالفاً ثلاثياً ضم أطرافاً كردية وسنية بهدف العودة إلى صيغة حكومة الأغلبية، بديلاً عن الحكومات التوافقية. لكن القوى المناوئة للصدر، لا سيما «الإطار التنسيقي»، عطلت مشروع الصدر لتشكيل حكومته، عبر ما تملكه من أصوات داخل البرلمان، وهو ما عُرف بـ«الثلث المعطل». وبعد مرور نحو سنة من التعطيل انسحب الصدر فجأة من البرلمان رغم أنه الفائز الأول وصاحب الكتلة البرلمانية الأكبر، تاركاً لخصومه «الجمل بما حمل». وعليه، تمكن خصومه من تشكيل الحكومة الحالية التي يترأسها محمد شياع السوداني، عبر تحالف مع أطراف كردية وسنية لتكوين «ائتلاف إدارة الدولة».

استثمار الصمت
أدى انسحاب الصدر إلى تفرد القوى التقليدية نفسها، التي تمثل الشيعة والكرد والسنة، بالسلطة تماماً عبر امتلاكها أغلبية برلمانية مريحة لتمرير ما تشاء من قوانين، كان آخرها قانون الانتخابات الحالي الذي هو عودة إلى نظام «سانت ليغو» الذي اضطرت هذه القوى نفسها، تحت تأثير مظاهرات 2019، لإلغائه واعتماد نظام الدوائر المتعددة الذي أتاح لأول مرة وصول عدد كبير من المستقلين إلى البرلمان.
استثمرت القوى التقليدية بشكل أمثل صمت زعيم التيار الصدري حول مواقف واضحة ومحددة منذ انسحابه من البرلمان ومن المشهد السياسي، وهو ما جعل القوى التقليدية تمرر قانون «سانت ليغو»، رغم اعتراضات المستقلين والقوى المدنية الذين حاولوا استنهاض الصدر وتياره العريض للنزول معها إلى الشارع لإجهاض تمرير القانون، لكن هذا لم يحصل حتى الآن. ومع أن كل شيء لا يزال مفتوحاً على كل الاحتمالات، ففي حال بقاء الصدر صامتاً، فإن القوى التقليدية سوف تستعيد ما خسرته من أحجام انتخابية في أي انتخابات قادمة، على صعيد مجالس المحافظات أواخر العام الحالي والبرلمانية لاحقاً. أما إذا تدخل الصدر فسوف يكون العراق أمام معادلة جديدة يصعب التكهن بنتائجها.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

الجيش الإسرائيلي: مقتل ضابط وإصابة 3 جنود في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية تعبر شارعاً في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)
آليات عسكرية إسرائيلية تعبر شارعاً في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)
TT

الجيش الإسرائيلي: مقتل ضابط وإصابة 3 جنود في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية تعبر شارعاً في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)
آليات عسكرية إسرائيلية تعبر شارعاً في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)

أعلن الجيش الإسرائيلي، الخميس، مقتل ضابط وإصابة 3 جنود آخرين في جنوب لبنان.

وأوضح الجيش الإسرائيلي، في بيان، أن حادثاً أدى لمقتل النقيب إلياف حاييم تسابالاموس (21 عاماً) من الكتيبة 603 التابعة للواء السابع، في جنوب لبنان.

وأضاف البيان أن ثلاثة جنود أصيبوا بجروح طفيفة في الحادث نفسه، ونقلوا لتلقي العلاج الطبي في أحد المستشفيات.


حصر القبول في بعض الاختصاصات بالذكور يثير انتقادات في سوريا

مارة قرب مدخل جامعة حلب والعلم السوري يوم 14 مايو 2025 (رويترز)
مارة قرب مدخل جامعة حلب والعلم السوري يوم 14 مايو 2025 (رويترز)
TT

حصر القبول في بعض الاختصاصات بالذكور يثير انتقادات في سوريا

مارة قرب مدخل جامعة حلب والعلم السوري يوم 14 مايو 2025 (رويترز)
مارة قرب مدخل جامعة حلب والعلم السوري يوم 14 مايو 2025 (رويترز)

أثارت شروط القبول الجامعي التي أعلنتها وزارة التعليم العالي في سوريا لجهة حصر عدد من الاختصاصات بالذكور، انتقادات ومخاوف من تضييق فرص النساء في التعليم والعمل في ظل السلطات الجديدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت الوزارة في 30 سبتمبر (أيلول) شروط القبول للعام الدراسي الحالي ضمن آلية تعرف بـ«المفاضلة»، لتوزيع الطلاب على الجامعات والمعاهد وفق درجاتهم في الثانوية العامة ورغباتهم.

وتشمل القيود برامج في جامعتين متخصصتين بالعلوم العسكرية والأمنية أحدثتهما السلطات في يوليو (تموز)، منها برنامج العلوم القانونية في الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية.

لكن الجامعتين تقبلان الطالبات في برامج أخرى. ولا تحول الشروط دون دراسة النساء القانون والهندسة والإعلام، التي تبقى متاحة لهن في مؤسسات، بينها جامعة دمشق.

وتشمل القيود أيضاً مؤسسات مدنية، بينها اختصاص الإخراج الإذاعي والتلفزيوني في معهد الإعلام في إدلب. وخصصت الوزارة بعض معاهد النفط والغاز للذكور هذا العام، وبقيت الاختصاصات متاحة للطالبات في جامعة دمشق، الكبرى في البلاد.

ولم ترد الوزارة على أسئلة أرسلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» بشأن أسباب حصر القبول في هذه الاختصاصات بالذكور.

لكن مسؤولاً سابقاً في الوزارة، أفاد «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن هذه القيود ليست جميعها جديدة.

إلا أن القيود تثير حفيظة كثيرين. واعتبرتها المربية أحلام عثمان «عثرة إضافية في وجه النساء في سوريا».

وقالت لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «هذا تمييز إضافي ضد المرأة السورية التي تعاني أصلاً التمييز والاضطهاد، ويجب عدم السكوت عنه».

وقالت الطالبة إسراء سلوم، التي تستعد للتقدم للمفاضلة: «لا يحق لأحد أن يجبرني على اختيار اختصاص معين أو يستبعدني من اختصاص معين».

في المقابل، دافع مستخدمون لمنصات التواصل الاجتماعي عن الشروط، لافتين إلى وجود خيارات أخرى متاحة للإناث.

ويأتي الجدل بعد قرار مدرسة «معهد الحرية» العريقة في دمشق فصل الطلاب والطالبات في المرحلتين الإعدادية والثانوية الشهر الماضي. ونفت إدارتها وجود توجيه رسمي خلفه.

ومنذ إطاحة بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أثارت إجراءات اتخذتها السلطات الجديدة، بينها ضوابط اللباس على الشواطئ، مخاوف بشأن الحريات الشخصية.

وقالت أربع منظمات نسوية ومدنية سورية في أغسطس (آب) إن بعض قرارات السلطات «قيّدت الحريات الشخصية والعامة، وفرضت أنماطاً من الوصاية الاجتماعية، وانعكست بشكل خاص على النساء».


الجيش الإسرائيلي يشيّد تحصينات في جنوب سوريا تثير مخاوف السكان

قوات إسرائيلية تتوغل في قرية عين زيوان بريف القنيطرة (رويترز)
قوات إسرائيلية تتوغل في قرية عين زيوان بريف القنيطرة (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يشيّد تحصينات في جنوب سوريا تثير مخاوف السكان

قوات إسرائيلية تتوغل في قرية عين زيوان بريف القنيطرة (رويترز)
قوات إسرائيلية تتوغل في قرية عين زيوان بريف القنيطرة (رويترز)

من حقله في جنوب سوريا، يراقب حسن أحمد أعمال تحصين جديدة ينفذها الجيش الإسرائيلي، وتقترب يوماً بعد يوم من قريته جباتا الخشب الواقعة في محافظة القنيطرة والمحاذية للجولان المحتل.

يشير أحمد (46 عاماً) الذي سبق أن اعتقل الجيش الإسرائيلي ابنه وابن شقيقه خلال توغلاته المتكررة في المنطقة، بيده قائلاً: «يبعد هذا الساتر الترابي قرابة 300 متر، إنه موجود هناك خلف الأشجار».

ويضيف: «بدأت جرافات إسرائيلية حفر هذا الخط... على امتداد هضبة الجولان... توقف العمل لفترة ولكنه تجدد» مؤخراً.

بوابة حديدية نصبها الإسرائيليون على طريق الحميدية - الصمدانية الغربية في القنيطرة (أرشيفية - الشرق الأوسط)

يتابع أحمد الذي يصرّ على مواصلة غرس أشجار زيتون رغم أن الوصول إلى أرضه بات محفوفاً بالمخاطر: «يعيقون عملي كوني مزارعاً أحياناً، لا سيما هذا الأسبوع الذي جرى فيه كثير من عمليات التوغل».

نصب الجيش الإسرائيلي بوابة حديدية صفراء عند أطراف القرية لمنع السكان من العبور باتجاه قواته، وفق مراسلي «وكالة الصحافة الفرنسية». وعلى المرتفعات المحاذية، تظهر بوضوح توربينات الرياح العملاقة التي أقامتها إسرائيل في الجزء الذي تحتله من هضبة الجولان الاستراتيجية.

ومنذ إطاحة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، توغّلت القوات الإسرائيلية خارج المنطقة العازلة المحاذية لهضبة الجولان التي تحتل معظمها منذ عام 1967، وصولاً إلى جبل الشيخ الفاصل بين لبنان وسوريا، وأعلنت عزمهاعلى إقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا.

يقول مسؤول الإعلام في محافظة القنيطرة محمد السعيد إن الجيش الإسرائيلي «عمد في الفترة الأخيرة إلى تصعيد العمليات الإنشائية والعسكرية» داخل المنطقة المنزوعة السلاح. وأضاف أن الجيش «استخدم الجرافات لحفر الخنادق وحفر السواتر الترابية وإقامة نقاط مراقبة».

ويشير إلى أن الخط الجديد الذي يشيّده الجيش الإسرائيلي يبعد «عن خط وقف إطلاق النار الذي حدد في اتفاقية 1974، من 200 متر إلى كيلومتر واحد».وندّدت سوريا الأحد بعمليات الإنشاء الإسرائيلية الجديدة، معتبرة أنها تشكّل «خرقاً فاضحاً» لاتفاقية فصل القوات لعام 1974.

41 سورياً معتقلاً

في محافظة القنيطرة التي تبعد نحو أربعين كيلومتراً إلى الجنوب من دمشق، تتوغل الدوريات الإسرائيلية داخل القرى مراراً. ومنذ أواخر عام 2024، احتجزت القوات الإسرائيلية 56 شخصاً، «ما زال 41 معتقلاً منهم قيد الاعتقال في ظروف مجهولة»، بحسب السعيد.

توغل إسرائيلي داخل بلدة جباتا الخشب في ريف القنيطرة خلال ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

وتوغّلت الأربعاء خمس آليات وسيارة إسعاف تابعة للجيش الإسرائيلي في قرية جباتا الخشب. وروى شهود عيان لصحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن الجنود أطلقوا النار على شاب حاول الفرار عندما شاهدهم. ويقول المزارع محمد سامية (65 عاماً): «أصابوه في قدمه وأخذوه معهم».

وأفرج الجيش الإسرائيلي عن الرجل بعد ساعات، على غرار اثنين آخرين كان أعلن الاثنين اعتقالهما بعد اقترابهما من قواته. ويضيف محمد سامية بحسرة: «أمورنا هنا تعيسة ولا يوجد عمل، نخاف لأنهم يطلقون النار على الناس عشوائياً».

في بلدة خان أرنبة المجاورة، تمر آليات قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف) بهدوء أمام الأطفال العائدين من مدارسهم.

وينظم عناصر الشرطة حركة السير، فيما ينتشر أفراد من قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية عند مفارق الطرق في المنطقة، من دون أن يظهر أي وجود للجيش السوري.

سامحيني يا أمي

تطالب إسرائيل التي شنّت مئات الغارات على سوريا منذ وصول السلطات الجديدة إلى الحكم بعد إطاحة الأسد، بنزع السلاح من جنوب البلاد، مؤكدة أن قواتها ستبقى في المنطقة.

وتندد السلطات السورية بـ«الاعتداءات» الإسرائيلية، لكنها في المقابل تخوض مفاوضات مباشرة مع إسرائيل هدفها التوصل إلى اتفاق أمني.

والاثنين، قال الجيش الإسرائيلي إنه قتل رجلاً حاول التسلل إلى أحد مواقعه العسكرية داخل «المنطقة الأمنية» التي يحتلها في جنوب سوريا. وفي قرية جبا، تحدّق خديجة شحادة في صورة ابنها محمد دبور وهي تنتحب، بعد تسلّم جثمانه.

وتقول الأرملة محاطة بنساء يرتدين السواد: «كان عمره 22 عاماً، وكان ابني الوحيد»، مضيفة: «كان يعمل في دمشق بما تيسر» لإعالة عائلته.

تشييع الشاب محمد دبور إلى مثواه الأخير في بلدة جبا بريف القنيطرة الذي قضى باستهداف إسرائيلي 5 أكتوبر (مركز القنيطرة الإعلامي)

وسلّم الصليب الأحمر جثمانه إلى عائلته الاثنين. ويقول خاله محمد شحادة بينما وقف أمام قبره: «شاهدت جثة الشهيد محمد دبور. شاهدت أربع رصاصات في جسمه، في كتفه وصدره وفخذه وقدمه».

ولا تزال ملابسات مقتل دبور، المولود لأب فلسطيني وأم سورية، غير واضحة. وتؤكد والدته أنه لم يكن مرتبطاً بأي جهة سياسية، وأنها كانت تسعى إلى تزويجه. لكنه قبل أن يختفي الأحد، ترك لها رسالة كتب فيها: «سامحيني يا أمي، لن تريني أو تسمعي صوتي بعد الآن».

وقفة لأهالي المعتقلين في سجون إسرائيل أمام مقر «الأندوف» بالقنيطرة يطالبونها بالتدخل للإفراج عن أبنائهم (تجمع أحرار حوران)

في شأن متصل، نشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، الخميس، توثيقاً للعمليات العسكرية الإسرائيلية والانتهاكات المصاحبة لها داخل الأراضي السورية، منذ ما بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024 حتى 6 أكتوبر 2026.

وسجلت الشبكة ما لا يقل عن 453 عملية توغل بري، تركزت في محافظتي القنيطرة ودرعا، وبدرجة أقل في ريف دمشق، إضافة إلى مقتل ما لا يقل عن 69 شخصاً، وما لا يقل عن 162 حالة احتجاز تعسفي.

وتمثل هذه الأرقام، التي جرى التحقق منها وفق منهجية الشبكة بالاستناد إلى قاعدة بياناتها الخاصة بالانتهاكات، والرصد الميداني، وشهادات الشهود، والمصادر المفتوحة والرسمية، حداً أدنى موثقاً.