«الواقع» في الدراما اللبنانية ـ السورية... حقيقي أم هشّ؟

منحاه المُستجد ينقذها من نمطيتها

ثلاثية «النار بالنار» بين لبنان وسوريا
ثلاثية «النار بالنار» بين لبنان وسوريا
TT

«الواقع» في الدراما اللبنانية ـ السورية... حقيقي أم هشّ؟

ثلاثية «النار بالنار» بين لبنان وسوريا
ثلاثية «النار بالنار» بين لبنان وسوريا

يضرب الاستهجان مسلسلاً لا يستخف بالمُشاهد ويحرّك أسئلته ومعرفته. هذا الصنف قليل، ولو غلَّف بعضٌ سذاجةَ الطرح بقضية من هنا وهناك. يبقى الغالب مكشوفاً على أمره، وإنْ لا تلمح الجماهير المُهللة لأي شيء انكشافه. في رمضان 2023، تطل مسائل الإنسان المأزوم وهموم عيشه من النافذة. الأعمّ هو ما يدخل من الأبواب المُشرّعة على هيئة لهو وإسكات لوعي العقل. ليس المطلوب من مسلسلات رمضان تقطيب الحاجب ولا التواطؤ مع الأيام ضدّ المُتلقي، فتنهكه وتسلبه وقت الاستراحة. لكن ذلك لا يعفيها من دور يتسبّب تنازلها عنه بتأكيد خوائها.
يجرّ سؤالٌ عن موضوعات المسلسلات ومدى مسّها العمق الإنساني، سؤالاً يتكرّر بين الأحيان: هل هي أزمة كتّاب أو غربة الكاتب عن واقعه؛ أم أنّ المسألة المعقّدة تكرّسها عوامل «أكبر» من إمكان تبسيطها؟ إشكالية الواقع في الأعمال ستظل تفرض نفسها، وإن وجدت مَن يرسلها إلى المقعد الخلفي. فأي واقع تتطرّق إليه المسلسلات المشتركة اللبنانية - السورية؟ هل هو حقيقي أم هشّ؟ يمكن تصديقه أم تغلبه «الفبركة» الدارجة؟
يجدر التمهّل أمام نوع المسلسل. معظم ما يُقدّم هو خليط من كل شيء. تنويع الخيوط يتوسّل إرضاء الأذواق. في «للموت 3» مثلاً، ثمة عالمان متناقضان: الحيّ الشعبي وفخامة الفيلا. لكنّ إنسانهما من الداخل تقريباً واحد. ماذا يقول المسلسل من خلال كاتبته نادين جابر ومخرجه فيليب أسمر؟ أي هموم يناقش؟
يُنقذ أحمد الزين بشخصية «عبد الله» المُصاب بالألزهايمر، حلقاته الأولى من افتقاد السياق لقضية حساسة تمسّ الوجدان الأعمق. العجز الذهني أمام الصور والأسماء، والتخبّط البشري على خريف العُمر، يعزّزان النصّ بثقل يُجنّب مركبه التلاطم. على الضفة المقابلة، يتكرر موضوعان يكادان يصبحان «طقساً» في الدراما المشتركة: الخيانة والمخدرات. كأنهما «فَرْض»، على المسلسل إنجازه وإلا عوقب وطُرد من الصف!
بالسير التدريجي نحو محو الصور واختلاط الأزمان، تتوجّه شخصية أحمد الزين من التذكّر المتقطّع في الجزء الثاني إلى التيه الأليم في ثالث أجزاء «للموت». وبينما المطاردة تتخذ مساحتها في شوارع تونس، والسلاح كاللعبة بين أيدي النساء، يعيد كراكتير الزين تأكيد الرابط مع الواقع، ممسكاً إياه مثل قشة ترفض التخلّي عن نبل إنقاذ هواة النجاة رغم الموج العالي.

نادين نجيم وقصي خولي في مشهد من «وأخيراً»   -   أحمد الزين

يُلمح مسلسل «وأخيراً» (كتابة أسامة الناصر وإخراجه) إلى التشرذم الاقتصادي اللبناني، وتتحدّث بداياته عن تقلُّب سعر صرف الدولار وتمادي الغلاء. إنما يستند إلى قضية مركزية، «تُثقل» وزنه، وهي واقع مكتومي القيد ومعاناة المجرّدين من أوراق ثبوتية. في 2016، منحت نادين نجيم بشخصية «سمرا» ضمن مسلسل يحمل الاسم، المهمّشين من الغجر صوتاً درامياً؛ ليمتدّ الصوت في رمضان 2023 نحو المعذّبين بالنكران، فلا يتقبّلهم مجتمع ولا تشملهم الكرامة البشرية بظلالها.
يحلو انتظار المسلسل عند حدّه الإنساني، رغم رهانه على «أكشن» يمتدّ من ماضي الشخصيات، وحب معرّض لدفع الثمن. من خلال علاقتها بالأم المربّية (وفاء طربيه)، تُطلق نجيم شخصية «خيال» إلى بُعد عاطفي آخر، فيحلّ دفء يصيب الأحداث بالصدق. المُنتظر في الحلقات المقبلة، إخراج لائق لترسّبات النقص البشري من القعر إلى الملأ.
يجيد قصي خولي تلبُّس شخصية ابن الحيّ الخارج من السجن، بمشاكله وانفعاله واعتياده الخناق والضرب. كلما لامست أدواره ما يجري على الأرض، شعَّ. من المبكر تقييم ثنائيته مع نجيم بعد تفوّقهما في «عشرين عشرين» (رمضان 2021)، لكنهما معاً بحّاران يفقهان سرّ اليم.
يختلف «النار بالنار» (تأليف رامي كوسا وإخراج محمد عبد العزيز) في زاوية الطرح. هو مُوجّه نحو الموضوع، مباشر في وضع الأصبع عليه. قوته جرأته التي تستجدّ في الدراما المشتركة، مُخرجة إياها من الكليشيه.
من المبكر التوقف عند المبالغة في سلطة «سوري» على سكان حي لبناني. في المسلسل ما يشبه الناس وعراكهم اليومي مع أدنى حقوق الإنسان. هنا «عمران» (عابد فهد بتلبّس لافت للشخصية) يقبض على مولدات الكهرباء ويتحكم بتشغيلها وإطفائها لزيادة التعرفة. يتبع اللبناني مسار عمل يحاكي يومياته مع الذل. ثمة مَن يدير اللعبة، والمسلسل يصوّر هذه النذالة. يُحسب له طرق أبواب تدخل منها الريح فتقلب السكينة إلى صرخة.
الحاكم بأمر الحيّ يحلّ ويربط في مسائل سكان لا نشعر أنهم غرباء. نرى الرشوة والفساد وجمع الخوات، تسير على قدمين. وفيما نشّالان على دراجة نارية يسلبان «مريم» (كاريس بشار) حقيبتها، فتُطيّب «سورية» (هدى شعراوي) خاطرها بالقول: «أهلاً بكِ في لبنان»، يجد المسلسل مساحات واقعية أكثر عمقاً بطرحه إشكالية المفقودين في السجون السورية منذ الحرب. قضية الجرح اللبناني.
يدرك «عزيز» (جورج خباز) أنّ الأمل يكاد يساوي صفراً، مع ذلك، يتقدّم المعتصمين ويرفع صورة والده المفقود للمطالبة بعودته. بين ما يجري اليوم وما عمّقه تاريخ سياسي تتجهّم بعض صفحاته، شعرة؛ من المبكر الحديث عن طولها وعرضها. الأكيد أنّ الواقعية في «النار بالنار» واثقة من نفسها، «تطحش» بعض الشيء عوض الاكتفاء بالتلصّص من وراء الستارة.


مقالات ذات صلة

باسم مغنية: الحرب سرقت فرح نجاحي في «بالحرام»

يوميات الشرق الحرب التي يشهدها لبنان أفقدته متعة الاستمتاع بالنجاح (إنستغرام مغنية)

باسم مغنية: الحرب سرقت فرح نجاحي في «بالحرام»

نجاح «فريد» جماهيرياً لم يخفِّف وقع الحرب على باسم مغنية، الذي يقدِّم شخصية صادمة تحمل رسالة تحذيرية للأهل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق يُجري صادق الصبّاح بعد كل موسم رمضاني جردة حساب (شركة الصبّاح)

صادق الصبّاح يكشف سبب خروج «ممكن» من السباق الرمضاني

يؤكد صادق الصبّاح أن مسلسل «ممكن» لم يكن ملائماً للعرض في الموسم الرمضاني، ما دفع إلى تأجيله.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)

آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

أثار آدم بكري تعاطفاً كبيراً مع شخصية «مجد» التي جسَّدها في المسلسل المصري «صحاب الأرض»...

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الفنان المصري ميشيل ميلاد (حسابه على فيسبوك)

ميشيل ميلاد لـ«الشرق الأوسط»: حريص على عدم تكرار نفسي فنياً

قال الممثل المصري، ميشيل ميلاد، إن ردود الفعل التي تلقاها عن مشاركته في الدراما الرمضانية، من خلال مسلسلَيْ «هِيَّ كِيمْيا» و«النُّص التاني»، أسعدته كثيراً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الفنانة المصرية يارا السكري تطمح لتقديم شخصية «كليوباترا» (حسابها على موقع فيسبوك)

يارا السكري: أحمد العوضي وراء اكتشافي وتقديمي للفن

قالت الفنانة المصرية يارا السكري التي شاركت بدور رئيسي في المسلسل الرمضاني «علي كلاي» إنها ممتنة كثيراً للفنان أحمد العوضي الذي اكتشفها وقدمها للفن.

داليا ماهر (القاهرة)

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
TT

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)

قال المخرج الهندي أنكور هودا إن فيلمه الأول «العجل البديل» لم يولد من فكرة سينمائية جاهزة بقدر ما تشكَّل من تجربة شخصية حميمة، بدأت بصورة عابرة؛ لكنها ظلت تطارده سنوات، موضحاً أن الشرارة الأولى جاءت من جدِّه الذي قضى عمره مُدرساً، قبل أن يجد نفسه بعد التقاعد في حالة من الفراغ القاسي، كأن حياته فقدت معناها فجأة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن جده، رغم مكانته الكبيرة واحترام الجميع له؛ إذ كان مدرّساً للغة الإنجليزية ومدير مدرسة لسنوات طويلة، لم يكن يرى نفسه إلا مزارعاً مرتبطاً بالأرض والمواشي، وهو ما جعله يعيش صدمة حقيقية حين اضطر للتخلي عن هذا العالم تدريجياً، تحت ضغط التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

زحف المدن

ووصف تلك اللحظة بأنها كانت بمنزلة «لحظة انفصال عن الهوية»، وكانت مدخله الأساسي لصناعة الفيلم؛ حيث بدأ يتساءل: ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد الشيء الذي عرفه طوال حياته؟ مشيراً إلى أن فيلمه لا يروي حكاية تقليدية؛ بل يستند إلى إعادة تمثيل لوقائع حقيقية عاشها مع عائلته في الريف، في منطقة هاريانا؛ حيث تتآكل أنماط الحياة القديمة أمام زحف المدن.

تدور أحداث فيلم «العِجل البديل» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» حول أستاذ متقاعد يعيش في قرية ريفية تختنق تدريجياً تحت وطأة التمدد الحضري؛ حيث يواجه لحظة قاسية عندما تلد بقرته عجلاً ميتاً، فيجد نفسه أمام أزمة تتجاوز الخسارة المادية إلى صدمة إنسانية تمس علاقته بالمكان والهوية، مع غياب مَن يساعده، وتفكك نمط الحياة الذي اعتاده.

وأشار إلى أن من الحوادث المفصلية التي أثَّرت فيه، حادثة موت عِجل حديث الولادة داخل المزرعة، وقد أعادت طرح طقوس قديمة كانت تمارس في القرى، من بينها صنع «دمية العِجل» كبديل رمزي للحفاظ على سلوك أُم العجل، وهي طقوس تحمل أبعاداً إنسانية وفلسفية تتجاوز ظاهرها.

المخرج الهندي أنكور هودا (الشركة المنتجة)

وأكد أن الفيلم يسير على هذا الخط الفاصل بين الوثائقي والروائي؛ حيث شارك أفراد عائلته الحقيقيون في العمل، عبر حضورهم أشخاصاً حقيقيين يعيدون تمثيل ذواتهم، وهو ما أضفى على الفيلم طابعاً شديد الخصوصية والصدق، لافتاً إلى أن هذا المزج بين الحقيقة والخيال كان ضرورياً للتعبير عن طبيعة القصة نفسها التي تتداخل فيها الذاكرة مع الحاضر، والواقع مع التأويل؛ لأن هدفه لم يكن تقديم حكاية عن عائلة بعينها؛ بل التقاط حالة إنسانية أوسع تعيشها المجتمعات الريفية التي تواجه التحولات الحديثة.

تحولات عميقة

وأوضح أن الفيلم يعكس أيضاً التحولات الاجتماعية العميقة التي تشهدها القرى؛ حيث يهاجر الشباب إلى المدن بحثاً عن فرص أفضل، تاركين خلفهم كبار السن يواجهون مصيراً غامضاً، وهو ما يخلق فجوة بين الأجيال، ويضع من تبقوا في حالة من التيه، بين ماضٍ يتلاشى وحاضر لا ينتمون إليه كاملاً.

وعن التحديات الإنتاجية، قال هودا إن فيلم «العِجل البديل» تم تنفيذه بإمكانات محدودة للغاية؛ حيث لم يتمكن من الحصول على تمويل تقليدي؛ مشيراً إلى أن العمل خرج إلى النور بفضل دعم الأصدقاء والعائلة الذين آمنوا بالفكرة وساعدوه في تنفيذها.

وأضاف أنه اشترى كاميرا بسيطة، وصوَّر الفيلم في مواقع حقيقية داخل القرية، مؤكداً أن التكلفة الإجمالية لم تتجاوز 500 دولار، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي واجهه، ولكنه في الوقت نفسه منح الفيلم صدقاً بصرياً وحرية إبداعية كبيرة. وتابع بأن غياب التمويل لم يكن عائقاً بقدر ما كان دافعاً للبحث عن حلول بديلة؛ مشيراً إلى أن العمل بروح جماعية صغيرة جعله أكثر قرباً من موضوعه.

قدَّم المخرج جانباً من حياة جدِّه (الشركة المنتجة)

وأشار هودا إلى أن عرض فيلم «العِجل البديل» في قريته كان تجربة مختلفة تماماً؛ حيث لم تكن هناك إمكانات تقنية أو تجهيزات احترافية، ولكن الحضور الإنساني كان طاغياً، مؤكداً أن مشاهدة أهل القرية أنفسهم على الشاشة كانت لحظة مؤثرة، أعادت ربطهم بقصتهم وبالتحولات التي يعيشونها، معتبراً أن هذا التفاعل المباشر مع الجمهور كان من أهم مكاسب الفيلم؛ لأنه جعله يدرك أن السينما يمكن أن تكون وسيلة لفهم الذات، قبل أن تكون وسيلة للعرض أو الترفيه.

مشروع طويل

وأكد المخرج الهندي أن فيلمه ليس مجرد فيلم مستقل؛ بل بداية مشروع سينمائي أطول يسعى من خلاله إلى توثيق التحولات التي تشهدها المجتمعات الريفية في الهند؛ مشيراً إلى أنه مهتم باستكشاف العلاقة بين الإنسان والمكان، وكيف تؤثر التغيرات الاقتصادية والاجتماعية على هذه العلاقة، وما يهمه في النهاية ليس فقط الحكايات نفسها؛ بل تلك المساحات الصامتة التي تتشكل فيها الهوية، أو التي يشعر فيها الإنسان بأنه يفقد جزءاً من نفسه، دون أن يدرك تماماً كيف أو لماذا.


إطالة أمد الحرب في إيران تعيد توزيع الأدوار داخل إدارة ترمب

الرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في افتتاح «مجلس السلام» بواشنطن يوم 19 فبراير (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في افتتاح «مجلس السلام» بواشنطن يوم 19 فبراير (أ.ف.ب)
TT

إطالة أمد الحرب في إيران تعيد توزيع الأدوار داخل إدارة ترمب

الرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في افتتاح «مجلس السلام» بواشنطن يوم 19 فبراير (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في افتتاح «مجلس السلام» بواشنطن يوم 19 فبراير (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تتحدّث فيه الإدارة الأميركية عن استمرار حرب إيران بضعة أسابيع أخرى، برز اسم نائب الرئيس جي دي فانس أحد اللاعبين الأساسيين في المسار الدبلوماسي التي تقول واشنطن إنها بدأت فيه ولقي استجابة من طهران.

ورسمت التصريحات الأميركية خلال الأيام الماضية مشهداً متبايناً، يوحي بتقسيم واضح في الأدوار والرسائل. فالرئيس دونالد ترمب تحدث عن هزيمة إيران وكرر تهديداته، بينما أكّد وزير خارجيته ماركو روبيو استمرار الحملة العسكرية أسابيع إضافية. أما المبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف، فتحدّث عن مفاوضات متوقّعة هذا الأسبوع، فيما برز فانس بوصفه اسماً أكثر قبولاً لدى بعض الدوائر باعتباره أقل اندفاعاً نحو الحروب المفتوحة.

اللافت أن البيت الأبيض أبلغ حلفاءه سراً بأن أي اتفاق مع طهران سيستغرق وقتاً، حسب «سي بي إس نيوز»، وهو ما يعني عملياً أن واشنطن لا تتحرك على قاعدة وقف نار وشيك، بل على أساس مواصلة الحرب مع إبقاء باب التفاوض موارباً.

دور فانس

صعود جي دي فانس، الذي عُرف بتحفظه على الانخراط الأميركي في نزاعات الشرق الأوسط، لا يعني بالضرورة أن كفة «الحمائم» رجحت داخل الإدارة، بقدر ما يعكس محاولة من ترمب لإعادة توزيع الأدوار بعد تعثر قنواته السابقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس متحدثاً في البيت الأبيض يوم 27 مارس (أ.ب)

فانس يبدو بالنسبة إلى بعض المسؤولين الأميركيين أكثر قابلية للتسويق لدى الإيرانيين من المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، اللذين ارتبط اسماهما بجولات مفاوضات باءت بالفشل. لهذا، لم يكن مفاجئاً أن يقدمه ترمب خلال اجتماع الحكومة يوم الخميس الماضي بوصفه منخرطاً في المسار التفاوضي، أو أن تتحدث تسريبات أميركية عن أنه قد يكون كبير المفاوضين في أي لقاء محتمل بوساطة باكستانية.

غير أن أهمية فانس لا تكمن فقط في شخصه، بل في الرسالة التي يحملها. فالإدارة، على ما يبدو، تريد أن تقول للإيرانيين إن لديها محاوراً جدياً، لكنها في الوقت نفسه لا تقدم بديلاً حقيقياً عن الشروط الصعبة التي طرحتها على إيران. بمعنى آخر، يجري تبديل «الواجهة» من دون تعديل جوهري في مضمون العرض الأميركي. وهذا ما يفسر المفارقة الحالية: فانس قد يكون محاوراً أكثر قبولاً بالنسبة للإيرانيين، لكن فرص نجاحه تبقى محدودة إذا كان سيدخل إلى التفاوض وهو يحمل عملياً الرزمة ذاتها من الشروط التي سبق لطهران أن رفضتها. لذا، فإن الرهان على فانس قد يكون في جوهره رهاناً على تحسين أسلوب التفاوض لا على تغيير هدفه النهائي.

تعدّد مهام روبيو

إذا كان فانس يمثل في هذه اللحظة وجه «الفرصة الأخيرة» للتفاوض، فإن ماركو روبيو يجسد معسكراً آخر داخل الإدارة. صحيفة «بوليتيكو» أشارت إلى أنه من جهة يُعدّ من أكثر الشخصيات تشدّداً تجاه إيران، ومن جهة أخرى نجا نسبياً من موجة الغضب الموجهة إلى بعض أركان إدارة ترمب، لأن كثيرين في واشنطن ما زالوا يرونه «الأكثر عقلانية» مقارنة بغيره.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً للصحافيين عقب مشاركته في اجتماع مجموعة السبعة في فرنسا يوم 27 مارس (رويترز)

لكن هذه الصورة لا تلغي أن موقعه المزدوج، كوزير للخارجية ومستشار للأمن القومي في آن واحد، كشف مشكلة أكبر تتعلق بآلية صنع القرار نفسها. وبدلاً من أن يقود عملية تنسيق واسعة بين مؤسسات الدولة، بدا أن القرارات الكبرى تُطبخ داخل دائرة ضيقة في البيت الأبيض، بينما تُترك الأجهزة والوزارات لتلحق بها لاحقاً.

هذه النقطة ليست تفصيلاً إدارياً، وفق تقارير إعلامية أميركية تحدثت عن نقص في التخطيط المسبق، وضعف في التنسيق بين الرسائل السياسية والاستعدادات العملية، وحتى عن محدودية إشراك الخبراء الفنيين في الملفات النووية الحساسة. وهذا ما يجعل التباين بين روبيو وفانس وويتكوف وكوشنر ليس مجرد تنافس شخصي، بل عرض لخلل أوسع: إدارة تريد أن تفاوض وتقصف وتردع وتنتزع «نصراً» في الوقت نفسه، من دون أن تحسم أولوياتها أو تحدد خط النهاية بدقة.

تسوية ليست وشيكة

حتى الآن، الأرجح أن الحديث عن التفاوض لا يعني أن التسوية باتت وشيكة، بل إن واشنطن تحاول تحضير مسار سياسي موازٍ لحملة عسكرية مستمرة، وربما متصاعدة. فالتقديرات التي تتحدث عن أسابيع إضافية من القتال، والحديث عن خيارات «الضربة النهائية»، واستمرار النقاش حول استهداف بنى استراتيجية أو جزر ومواقع مرتبطة بمضيق هرمز، كلها مؤشرات إلى أن الإدارة لا تتصرف بوصفها على أبواب اختراق دبلوماسي، بل بوصفها تريد تحسين شروط التفاوض بالقوة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مشاركته في قمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي بولاية فلوريدا يوم 27 مارس (أ.ف.ب)

لهذا، فإن السؤال الأدق ليس ما إذا كانت المفاوضات «ممكنة»، بل ما إذا كان الطرفان يعتقدان أن الوقت مناسب لها. من جهة ترمب، ما دام يعتقد أن مزيداً من الضغط قد ينتج اتفاقاً أفضل أو يتيح له إعلان نصر أوضح، فلن يتعجل تقديم المقترحات اللازمة لتثبيت وقف النار. ومن جهة إيران، ما دامت ترى أن القبول بالشروط الأميركية الحالية سيُفسر داخلياً كهزيمة مذلة، فإنها ستفضل على الأرجح كسب الوقت والتمسك بشروط مضادة - وإن كان في العلن فقط، حتى لو أبقت نافذة الوساطات مفتوحة.

بهذا المعنى، قد يكون فانس بالفعل الشخصية الأنسب داخل إدارة ترمب لقيادة أي تفاوض محتمل، لأنه يجمع بين قربه من الرئيس وحساسيته تجاه أخطار الحروب الطويلة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


قرارات «الإغلاق المبكّر» بمصر تُدخل عُمال المساء في «دائرة الخطر»

الحكومة المصرية قررت إغلاق المقاهي والكافيهات مبكراً ابتداء من السبت (وزارة التنمية المحلية)
الحكومة المصرية قررت إغلاق المقاهي والكافيهات مبكراً ابتداء من السبت (وزارة التنمية المحلية)
TT

قرارات «الإغلاق المبكّر» بمصر تُدخل عُمال المساء في «دائرة الخطر»

الحكومة المصرية قررت إغلاق المقاهي والكافيهات مبكراً ابتداء من السبت (وزارة التنمية المحلية)
الحكومة المصرية قررت إغلاق المقاهي والكافيهات مبكراً ابتداء من السبت (وزارة التنمية المحلية)

يخشى طارق صدقة، العامل بأحد مقاهي ضاحية الدقي في محافظة الجيزة المصرية، من خسارة غالبية «البقشيش» (دخله الإضافي) الذي يحصل عليه بشكل يومي من عمله، بعد دخول قرار الحكومة بـ«الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي ودور العرض السينمائي حيز التنفيذ مساء السبت.

ويقول صدقة لـ«الشرق الأوسط» إن المقهى الشعبي الذي يعمل فيه لا يشهد ازدحاماً إلا في المساء، وتحديداً من بعد الساعة الثامنة مساءً، وهو ما يعني أن أمامه أقل من ساعة قبل مواعيد الإغلاق الرسمية. ويلفت إلى أن «سلطات حي الدقي تشدد الإجراءات على المقاهي بضرورة الإغلاق في الموعد المحدد».

ولا يخفي الشاب العشريني، الذي يسعى للزواج العام المقبل، مخاوفه من إطالة أمد القرارات الحكومية وتأثيرها على دخله بعدما سيكون مضطراً للعودة مبكراً لمنزله، في حين ستتقلص ساعات عمله في المقهى التي تبدأ من الخامسة مساءً وتنتهي في الواحدة من صباح اليوم التالي، وبذلك يكون مهدداً في عمله ويدخل «دائرة الخطر، وقد يترك عمله». لكنه يشير إلى أن صاحب المقهى لم يحدثه حتى الآن حول تخفيض راتبه الذي لا يتجاوز 4 آلاف جنيه (الدولار يساوي 52.3 جنيه في البنوك).

وجددت «إجراءات ترشيد الطاقة» التي تستمر لمدة شهر واحد، وتتضمن غلق المحال العامة وقاعات الأفراح والمولات التجارية والأنشطة كافة باستثناء القطاعات السياحية، المخاوف بشأن مصير «عمالة الدوام المسائي» في مصر، مع اعتماد عديد من المحال على العمل حتى الساعات الأولى من الصباح، لا سيما في القاهرة الكبرى.

استثناء المحال والمدن السياحية من قرار «الإغلاق المبكر» في مصر (محافظة جنوب سيناء)

ولا يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للثلاثيني محمد كامل، الذي يعمل في إحدى دور العرض السينمائي بمنطقة 6 أكتوبر بالجيزة، والتي ستغلق أبوابها مبكراً بسبب القرار، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار سيؤثر على (دخله الإضافي) الذي يحصل عليه باعتبار أن زبائن الحفلات المسائية أكثر سخاءً من زبائن الحفلات الصباحية التي تعتمد على الطلبة». وتحدث عن مخاوف لديه ولدى زملائه بشأن إمكانية الاستغناء عنهم بسبب «الإغلاق المبكر»، وإمكانية اعتماد «الصالة» على وردية عمل واحدة وليس اثنتين كما هو الحال الآن.

أما الخمسيني سيد طه، صاحب أحد محال الحلويات في الدقي، فقرر تعديل مواعيد العمل لتبدأ من العاشرة صباحاً بدلاً من الثانية عشرة ظهراً، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «بعض العمال لديه سيتقاضون رواتب أقل بسبب صعوبة توفيق مواعيد عملهم الجديدة مع أعمالهم الأخرى؛ لأن كلاً منهم لديه عمل آخر، وتم إخبارهم بذلك».

وتطبق الحكومة المصرية القرارات بسبب تداعيات الحرب الإيرانية التي دفعت لاتخاذ إجراءات عدة، منها زيادة أسعار المحروقات بنسب تجاوزت 30 في المائة منتصف الشهر الحالي، بالإضافة إلى رفع أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة».

لكن عضو مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، أحمد علاء فايد، عدّ قرار الحكومة بالإغلاق المبكر «متسرعاً» حتى مع تفهم الحاجة لترشيد الطاقة في الوقت الحالي، ويشير إلى أن الدولة المصرية لديها مخزون واحتياطي استراتيجي آمن لعدة شهور، و«قرارات الترشيد» التي اتخذتها الحكومة «استباقية»، وبها قدر كبير من التحوط الذي لا يتناسب مع تطورات الأحداث بسبب الحرب الإيرانية.

ويضيف فايد لـ«الشرق الأوسط» أن «المقاهي والكافيهات ودور العرض السينمائي تعد الأكثر تأثراً؛ لأن غالبية عملها تتم ليلاً، الأمر الذي سيكون له تأثير على العمالة لديهم، والتي إما سيتم تخفيض أجورها لتقليل عدد ساعات العمل، أو الاستغناء عنها بشكل كامل لحين العودة للمواعيد الطبيعية، وهو ما يعرض هؤلاء العمالة للخطر الاقتصادي من دون البحث عن بدائل لهم». ويشكك في قدرة الحكومة على الإلزام بالتطبيق الكامل لقرارات «الإغلاق المبكر» في ربوع البلاد.

المقاهي والكافيهات ودور العرض السينمائي الأكثر تضرراً من القرار الحكومي (وزارة التموين)

في المقابل، يعتبر أستاذ التمويل والاستثمار بكلية التجارة في جامعة القاهرة، كريم يحيى، قرار «الإغلاق المبكر» ضرورياً، وليس مجرد «تنظيم إداري لحركة الأسواق». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن القرار يرتبط بشكل مباشر بملف ترشيد استهلاك الطاقة، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على موارد الوقود وتكلفتها الدولارية.

وبحسب يحيى، فإن قرارات «الترشيد» الحكومية «تسهم بصورة غير مباشرة في احتواء الضغوط التضخمية».

ويفسر أن «تكلفة الطاقة تُعد عنصراً رئيسياً في هيكل تكاليف التشغيل والإنتاج، وأي خفض فيها يحد من انتقال الضغوط إلى أسعار السلع والخدمات. ومن ثم، فإن هذه الإجراءات يمكن اعتبارها أداة استباقية لتجنب موجات تضخم جديدة، في وقت تسعى فيه الدولة إلى استعادة الاستقرار السعري».

لكن يحيى يشدد على «ضرورة عدم إغفال التأثيرات السلبية على بعض الأنشطة، خاصة المقاهي التي تعتمد بشكل كبير على الذروة الليلية، فضلاً عن العمالة المرتبطة بنظام الورديات المسائية».

في غضون ذلك، قرر رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، السبت، تفعيل منظومة العمل عن بُعد يوم الأحد أسبوعياً اعتباراً من الأسبوع المقبل لأجهزة الدولة باستثناء القطاعات الخدمية والإنتاجية، ويؤكد أن «هذه الخطوة تأتي ضمن خطة الحكومة لتقليل استهلاك الطاقة وتعزيز مرونة العمل».