أبو الراغب: عبد الله الثاني حذّر بوش من فتح أبواب جهنم... والبديل سيكون الفوضى

رئيس الوزراء الأردني الأسبق لـ«الشرق الأوسط»: حسين كامل نقل للأميركيين معلومات «مبالغاً بها» عن أسلحة صدام

أبو الراغب (الشرق الأوسط)
أبو الراغب (الشرق الأوسط)
TT

أبو الراغب: عبد الله الثاني حذّر بوش من فتح أبواب جهنم... والبديل سيكون الفوضى

أبو الراغب (الشرق الأوسط)
أبو الراغب (الشرق الأوسط)

سلّة من المعلومات يكشف عنها رئيس الوزراء الأردني الأسبق علي أبو الراغب، للمرة الأولى، في حديث صريح يتعلق بكواليس الحصار على العراق والذي انتهى بالغزو الذي قاده الأميركيون في مارس (آذار) من عام 2003، لتبدأ بعد ذلك الفوضى التي حذّر منها الأردن في أكثر من مناسبة، وأمام دول «صناعة القرار» في الغرب. تسلّم أبو الراغب منصبه لنحو 40 شهراً، في مطلع عهد الملك الأردني الجديد وقتها الملك عبد الله الثاني، بعد انتقال سلس لولاية العهد من عمّه الأمير الحسن بن طلال له. وهو حظي بصحبة الملك الجديد في العديد من زياراته. كانت فترة عمل رئيس الوزراء الأردني السابق والممتدة من مطلع عام 2000 وحتى خريف عام 2003، كافية ليكون عارفاً بكواليس ثلاث قضايا؛ واحدة أثّرت على الداخل الأردني وهي الانتفاضة الثانية، والثانية تركت أثراً على العالم مع بدء «الحرب على الإرهاب» بعد إسقاط برجي مركز التجارة في نيويورك بطائرتين مخطوفتين، والثالثة كانت غزو العراق. وتتضمن رواية أبو الراغب لهذا الحدث الأخير محاضر اجتماعات سرية ومعلنة مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وقياداته في تواريخ متفرقة. يروي أبو الراغب، عبر «الشرق الأوسط»، إرهاصات غزو العراق ومنطلقات شرره، تزامناً مع الذكرى العشرين لحرب لم تدمر العراق وحسب، بل استدعت تاريخاً بعيداً من الثأر والانتقام لنظام أحكم سيطرته، وكان سيف غضبه مسلطاً على أعناق خصومه؛ دولاً وتنظيمات، ومعارضة وأفراداً.
لا تغيب اللحظات العصيبة التي رافقت الغزو الأميركي للعراق بدءاً من ليلة 19 مارس 2003، عن ذاكرة رئيس الوزراء الأردني الأسبق علي أبو الراغب، بما حملته من مقدمات مصحوبة بالفوضى بعد سقوط نظام صدام حسين. وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يسعى أبو الراغب إلى تفكيك بعض ألغاز تلك الحرب التي أحدثت تغييرات دراماتيكية على مستوى العراق ودول الجوار والمنطقة في شكل أشمل.

قوات بريطانية تعتقل عراقيين عقب قتال عنيف في البصرة يوم 30 مارس 2003 (إ.ب.أ)

أبو الراغب الذي كان رئيساً للوزراء في تلك الفترة، شهد لقاءات سياسية حاسمة قبل وإبّان وقوع هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، التي دفعت الولايات المتحدة لاستحضار خرائطها مهددة بتغيير وجه المنطقة، وبات الحديث عن الحرب أقرب من أي حديث آخر، وصار مفهوم الحرب على الإرهاب يتصدّر الأجندة الأميركية، على أن يكون إسقاط نظام صدام حسين عنواناً رئيسياً للمرحلة، وسط اتهامات أميركية للعراق بامتلاك أسلحة دمار شامل.
تلك الاتهامات لم تستند إلى معلومات دقيقة في حينه، وفق ما يؤكد أبو الراغب لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن صوت الحرب تقدّم على صوت المنطق، ولم تنجح بلاده في تخفيف حدة الاندفاع الأميركي صوب غزو جاء بكارثة انسحبت على أكثر من جبهة، ووضعت خصوم واشنطن في مواجهة معها في شوارع العراق ومناطقه المختلفة.

جانب من لقاءات الرئيس العراقي الراحل مع رئيس الوزراء الأردني السابق (من أرشيف علي أبو الراغب)

يقول أبو الراغب إن محاولات «الأردن الرسمي ثني الإدارة الأميركية عن إشعال الحرب في المنطقة لم تنجح»، مستشهداً بالاجتماع الملكي الذي حضره هو شخصياً وجمع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بالرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الابن، حيث قال الأخير صراحة: «لن نقبل الحياد؛ من ليس معنا فهو ضدنا». ويعلّق أبو الراغب قائلاً: «عندها أدركت بأن نوايا الحرب أقوى من نوايا التهدئة، وأن غزارة التقارير ضد أسلحة العراق أشد فتكاً من أسلحة العراق نفسها».
ويضيف أبو الراغب: «لقد حاول الملك (الأردني) تحذير بوش من فتح أبواب جهنم إذا وقع غزو العراق، وأن بديل النظام سيكون الفوضى والتطرف والتناحر المذهبي». ويقول إن هذا ما حصل بالفعل، بل الأكثر من ذلك سمح الغزو بـ«مد أيادي الجوار، بثأره النائم، للانتقام من جدار العراق الفاصل في وجه مطامع إيران في المنطقة ومساعي بث القلق وعدم الاستقرار».

وعن دقة المعلومات المتوافرة لدى الإدارة الأميركية عن أسلحة الدمار الشامل التي يملكها العراق، يتذكر علي أبو الراغب اجتماعات حسين كامل، صهر صدام، الذي لجأ إلى عمّان عام 1996، مشيراً إلى أنه نقل وقتها لمسؤولين أميركيين معلومات «مبالغاً بها» عما يمتلكه الرئيس العراقي. ويضيف أن حسين كامل قبل برعاية الـ«سي آي إيه» لمشروعه الانقلابي على صدام، لكنه رفض عرضهم فتح قنوات اتصال مع «الموساد». وبعد تبدد حلمه في خلافة صدام، عاد حسين كامل لبغداد حيث قُتل برصاص أقاربه. وبالنسبة لأبي الراغب، بدأت خطة «إسقاط العراق» على امتداد عقد التسعينات من القرن الماضي، لكن اللمسات الأخيرة جاءت في مطلع ألفية مشبعة بالحروب والكوارث.
يقول أبو الراغب في هذا الإطار: «لقد كان البنتاغون مليئاً بالمعلومات المغلوطة عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، والتي كان مصدرها (السياسي العراقي الراحل) أحمد الجلبي. والأهم من ذلك، كان صدر نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني معبأ بكره صدام، وكان يبعث برسائل ضاغطة تجاه جورج بوش الابن الذي يناصب صدام الكره أيضاً، هذا علاوة عن وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد الذي شكّل مع تشيني ثنائية الموقف المتطرف من صدام (...). كذلك لم يبعث صدام برسائل جادة عبر وسطاء لتخفيف حدة الاحتقان الأميركي المشبع بالتضليل، على الرغم من مبادرات غربية فرنسية، وعربية أيضاً، على هذا الصعيد».

تعنت صدام في مواجهة جدية الحرب

لم يأبه صدام حسين بكل الرسائل التي وصلته على مدى سنوات الأزمة منذ غزو الكويت، وظل متمسكاً بمواقفه التي كان من الواجب أن تحظى بالمرونة التي تجنّبه والعراق ويلات الحرب والدمار وتداعيات الخطر والحصار، بحسب أبو الراغب. يقول: «صدام حسين ظل وكأنه قادم للتو من مدرسة البعث التي تسعى بعقيدتها إلى تحدي أميركا واجتثاث إسرائيل، وتريد للعرب كلمة ودوراً مؤثراً رغم استحالة التوافق على أكثر من ملف وقضية». ويتابع: «السياسة تغيّرت أدواتها (...). رجال صدام لم يكونوا واقعيين في طرحهم، وظلت الشعارات تتحكم بعواطفهم مغيّبةً صوت العقل والحكمة الذي جاءهم من أكثر من شقيق وصديق». ويؤكد أن «أسلحة الدمار الشامل في العراق ذريعة استخدمتها الولايات المتحدة الأميركية لإحكام الحصار على صدام. الأردن كسر هذا الحصار لصالح دعم الأشقاء العراقيين في كل شيء باستثناء السلاح». ومعلوم، في هذا الإطار، أن أبو الراغب شخصية تُعتبر أصلاً قريبة من صدام حسين، وساهم في أكثر من مناسبة خلال عقد التسعينات من القرن الماضي في تسهيل شروط التفاوض مع العراق اقتصادياً، ورفع حجم المنحة النفطية العراقية لبلاده. كما أنه خفف من حدة الخلافات السياسية بين حكومات البلدين في أكثر من مناسبة.

زيارة سرية في مرحلة انتقالية

على الرغم من أن أبو الراغب كان قريباً من صدام ورجاله، فإنه لم يُعجب بهرولتهم نحو «التصريحات الشعبوية»، وأراد في أكثر من مناسبة أن يحثهم على تقديم تنازلات معقولة «تجنب العراق الحرب التي صارت قريبة، وبذرائع كثيرة». في هذا الإطار، يكشف أبو الراغب، للمرة الأولى، أنه كان في زيارة سرية لبغداد قبل تكليفه بتشكيل الحكومة بأيام، وحمّله الملك عبد الله الثاني رسالة إلى صدام تستفسر عن أسباب بعض الخلافات في العلاقة بين البلدين، فرد عليها صدام مستعرضاً بعض التضييقات الأمنية على عراقيين رسميين، والرعاية الأمنية لبعض معارضيه، وهو أمر كان مصدر إزعاج كبير للرئيس العراقي. لكن أبو الراغب، كما يوضح، استطاع أن يخفف من غضب صدام واستعاد كسب وده، مشيراً إلى أنه كان يعرف من يقف وراء توتر العلاقات الأردنية - العراقية وقتها، مشيراً إلى مسؤول أمني تم إبعاده وحوكم لاحقاً على خلفية جرائم اقتصادية. وتلك الزيارة السرية ما زال يحتفظ أبو الراغب بمحاضرها.
في أولى زياراته الرسمية لبغداد وهو رئيس للوزراء، التقى أبو الراغب طه ياسين رمضان وتحدث له عن كلام أدلى به السفير البريطاني في عمّان الذي كان قد أبلغه بأن موافقة العراق على مشروع قرار مجلس الأمن رقم 1284 المتعلق بتفتيش المنشآت العراقية سيضمن رفع الحصار تدريجياً عنه خلال 3 - 6 شهور، لكن رد طه ياسين رمضان كان صادماً عندما أجاب: «نحن نرفض دخول جواسيس لمنازلنا وإهانتنا؛ والله لو قامت حرب عالمية ثالثة لن نقبل مثل هذا القرار». واستفاض رمضان في عرض حلوله لكسر الحصار بقوله: «افتحوا الحدود من جانبكم وسيلحق بكم كل العرب». ويقول أبو الراغب: «لما سمعت هذا الموقف غير العقلاني أجبته باختصار: نحن لسنا دولة عظمى». وعندها انتهى الحوار الذي وصفه أبو الراغب بـ«غير المجدي». لكن أبو الراغب يضيف: «في اليوم التالي للزيارة التقيت صدام حسين وتحدثت له عن مشروع القرار، فقلل من أهميته ولم يطل الحديث حوله، وكان خطئي أنني تركت طه ياسين رمضان يبلغه قبلي. كان يجب أن أفتح الموضوع أمامه، فمن الممكن التأثير عليه بمعزل عن مبالغات طه ياسين رمضان».

يتذكر أبو الراغب، هنا، سلسلة محاولات أردنية لإلغاء احتمالات حرب منتظرة، مشيراً إلى موقف طارق عزيز قبل يوم واحد من اجتماع قمة الملوك والزعماء العرب في عمّان نهاية مارس عام 2001، وهو موقف «كان فيه عزيز متشدداً بعكس مرونته الدبلوماسية التي عُرفت عنه في بدايات الأزمة... فلطالما شكّل موقفه دعماً لنا في مستويات الاعتدال».
ومن بين صفحاته وملفاته، قرأ أبو الراغب لـ«الشرق الأوسط» أن أعضاء الوفد الأردني والوفد السعودي والأمانة العامة للجامعة العربية بذلوا جهداً متميزاً بإعداد مسودة قرار يتعلق بالمصالحة بين العراق والكويت، ومن النقاط التي تمت الموافقة عليها مطالبة القمة العربية لمجلس الأمن والأمم المتحدة برفع الحصار عن العراق، كما تضمن القرار تسيير الطيران المدني بين الدول العربية والعراق. كذلك تضمن مشروع القرار بنداً يتعلق بألا يكرر العراق غزوه للكويت ويلتزم بحماية وسيادة الكويت، وهذا البند الأخير كان موضع خلاف في المؤتمر لمعارضة الوفد العراقي له.
ويضيف رئيس الوزراء الأردني أنه «في البداية بدت الأجواء السائدة في المؤتمر متفائلة لجهة تحقيق المصالحة بين الأشقاء في العراق والكويت، ويعود العراق إلى موقعه في العالم العربي والدولي». وفي هذا السياق، قدّم أبو الراغب شهادة إنصاف بحق الراحل الشيخ صباح الجابر الصباح، وزير خارجية الكويت آنذاك وأمير الكويت لاحقاً، لموافقته على مشروع القرار، لافتاً إلى أنه امتلك «سعة صدر»، وكان لديه «موقف متقدم في المصالحة» مع العراق. ويضيف: «للأسف، جاء خبر رفض الوفد العراقي للبند المتعلق بالكويت في مشروع القرار، وهذا الموقف الغريب أثار حينئذ الاستغراب الشديد، وعلمنا للأسف أن صاحب القرار كان الراحل نائب رئيس الوزراء طارق عزيز».

لم تتوقف محاولات الأردن عند ذلك الحد، كما يقول أبو الراغب. يوضح قائلاً: «أذكر جيداً في مساء ذلك اليوم أن الملك عبد الله الثاني حاول أن يستدرك الأمر ويُقنع الوفد العراقي بالقرار. وتم عقد اجتماع برئاسة الملك وحضوري وكذلك وزير الخارجية عبد الإله الخطيب، وحضر من الجانب العراقي عزت إبراهيم وطارق عزيز والصحاف. تم التداول بالأمر واحتدم النقاش بيني وبين الراحل طارق عزيز، وأبديت استغرابنا من الموقف العراقي. أبدينا لهم أن هذه الفرصة تاريخية وتشكل اختراقاً للوضع القائم بإنهاء المعاناة التي قاسى ويقاسي منها الشعب العراقي، ولكن للأسف تمسّك طارق عزيز بموقفه. وفي آخر محاولة في صباح اليوم التالي، أصر الملك على منح الوفد العراقي فرصة أخيرة للحصول على توافق حول مشروع القرار، وللأسف لم تنجح».
يقول أبو الراغب: «كنت على يقين في ذلك الوقت أن العراق فقد فرصة ذهبية لإخراجه من فك الحصار، وكذلك تفادي احتلال العراق الذي تم 2003». ويضيف: «لم أستوعب حينها موقف الراحل طارق عزيز، وحتى الآن لا أعلم ولا أستطيع أن أتفهم هذا الموقف».

هل يعتقد أن القرار العراقي كان قراراً مستعجلاً دون العودة إلى القيادة في بغداد؟ يجيب أبو الراغب: «أنا على يقين بأن قرار الوفد العراقي كان من دون الرجوع إلى القيادة في بغداد، حيث لاحظت أن العديد من أعضاء الوفد العراقي كانوا يؤيدون مشروع القرار كما قُدم في البداية». ويتابع: «للتاريخ، الجانب الأميركي كان يتابع باهتمام مخرجات مؤتمر القمة العربية في عمّان، وخاصة بما يتعلق بالعراق... لقد ضاعت الفرصة لصالح المزيد من الأوراق في يد أميركا».
ويُقر أبو الراغب بأنه لم يكن صعباً الإدراك مع نهاية عام 2002 ومطلع عام 2003، أن الحرب أصبحت «مسألة وقت»، وأن العد التنازلي للمعركة التي غيّرت وجه المنطقة بدأ فعلاً، وسيكون ما قبل الحرب ليس كما بعدها. ومع ذلك، بدأ الضغط الأميركي يزداد و«أصبح الجميع على يقين بأن الولايات المتحدة ماضية في قرار الحرب ولا رجعة عنه، ولن تنجح كل التحذيرات التي انطلقت من أكثر من اتجاه (...). بالنسبة لي، كنت منشغلاً بالوضع المحلي وسط مزاج عام مضطرب، وتتقاسمه واقعية المشهد وأمنيات السلامة للعراق»، وسط دعوات إلى أن يتبنى الأردن موقفاً مشابهاً لموقفه في عام 1990 «في رفض التدخل الأجنبي والحرب على الأشقاء العراقيين».
في تلك الأيام، كان الأردن مقتنعاً بوجود نقاط ضعف في الجيش العراقي، وعدم جاهزيته للحرب، خصوصاً أن أسلحته كانت متهالكة، ولم يملك العراق القدرة على صيانتها. ويشرح أبو الراغب أن قوى العراق العسكرية كانت منهارة، و«المزاعم عن ترسانات أسلحة تحت الأرض كانت مجرد دعايات عسكرية من جانب العراقيين، وأمنيات في قلوب كل من كان في صف العراق».
يؤكد أبو الراغب أن بلاده لم تسمح للقوات البرية الأميركية بالوجود على الأراضي الأردنية، و«لكن بعد ضغط أميركي شديد وافق الأردن على إنشاء قاعدة جوية غير ثابتة لطائرات الهليكوبتر التي يريدون استخدامها لغايات غير عسكرية في منطقة الأزرق شرق البلاد... ولقد بالغت نخب سياسية أردنية في تضخيم ذلك، واعتبروا أن الأردن شريك في الغزو، وهذا ظلم كبير للموقف الأردني الذي التزم بالواقعية وابتعد عن العاطفة غير المجدية. لكن، في المقابل، كنا نُلح على أميركا ودول شقيقة بتأمين احتياجات المملكة الأردنية من النفط من مصادر أخرى، خصوصاً أمام حقيقة قطع إمدادات النفط العراقي عن الأردن إذا بدأت الحرب التي ستدمر ما تبقى من البنى التحتية في العراق».

ساعة الصفر ولقاءات اللحظة الأخيرة

قبل الحرب بفترة قصيرة، زار عمّان نائب الرئيس العراقي عزت الدوري، حاملاً رسالة شفوية من صدام حسين إلى الملك عبد الله الثاني، في طياتها طلب من عمّان ببدء وساطة لدى واشنطن. يقول أبو الراغب: «طلبت منه يومها أن يقول ماذا لدى العراق ليقدمه لتقريب وجهات النظر مع الولايات المتحدة الأميركية». ويضيف: «في تلك اللحظات، بقي الدوري يناور ولا يريد تقديم بنود واضحة، ويقول: نحن نقبل أن يتحدث جلالة الملك باسم العراق، ونحن موافقون على ما يرضى به. لكنني رفضت هذا الكلام، واعتبرت أن هذا ليس موقفاً واضحاً يمكن الاستناد إليه لوقف حرب تكاد أن تنشب. لم يمل الدوري من تكرار هذا الكلام عليّ، وكنت مستغرباً من كلماته التي لا تحمل أي مضمون يشي بتقريب مواقف الخصمين».

أعضاء في حزب البعث بعد توزيع أسلحة عليهم للتصدي للغزو الأميركي المرتقب في بغداد يوم 2 مارس 2003 (إ.ب.أ)

ويتابع أبو الراغب متذكراً تفاصيل ما حصل: «بعد كلام طويل سألته بحزم: ماذا لديكم؟ قلت للدوري وقتها إن الملك يريد رسالة واضحة، فأجاب: نتركها للملك. فتابعت الحديث: هل تقبلون بفكرة السلام مع إسرائيل مثلاً لكبح جماح التطرف الأميركي ضدكم؟ انتفض من موقعه وقال: عجوز في شوارع العراق لو قابلتني وأنا أتحدث عن السلام مع إسرائيل لبصقت عليّ. فقلت: ماذا نفعل برسالة منكم غير موقعة بكلام محدد وواضح، عليكم أن تكونوا عمليين في ممارسة الفكرة، ونحن جاهزون لحمل الرسالة وقتها. أنا لا أريد منكم سلاماً مع إسرائيل. أنا أريد أوراقاً تفاوضية تماطل فكرة الحرب وتبعدها. في اليوم التالي، التقى الدوري الملك عبد الله الثاني وأعاد طرح موقفه من فكرة الوساطة الأردنية خلال زيارة الملك لواشنطن، لكن الملك لم يجد في كلام الدوري أي موقف يمكن الارتكاز عليه كمنطلق للبحث في فكرة وقف سباق الحرب المنتظرة».
ويقول أبو الراغب: «قبل الحرب بأيام كنا في زيارة لدول خليجية منها الإمارات وقطر. علمنا من الإماراتيين عن ساعة الصفر في انطلاق الحرب، وهو ما كان معلوماً أصلاً، فقد كانت الحشود متأهبة والترسانة العسكرية الأميركية موجّهة (لبدء الغزو). عدنا محبطين. وكنت قد بادرت، قبل أشهر، بتخزين أكبر كمية من النفط، وفعلاً خزنّا 800 ألف طن. ولما سمعت ما أكده الإماراتيون عن ساعة الحرب، تذكّرت أن باخرة لا تزال في ميناء البصرة تتزود بالنفط، فطلبت أن تتم تعبئتها بالسرعة القصوى».
ويزيد رئيس الوزراء الأردني قائلاً: «إسناداً للفضل لأصحابه، حصلنا خلال شهور الأزمة على وعود خليجية، وكانت صادقة، بتزويد المملكة الأردنية بـ50 ألف برميل نفط من المملكة العربية السعودية، و50 ألف برميل تزودنا بها الكويت والإمارات. وهذا وحده كان كفيلاً بتأمين ملف الطاقة لبضعة أشهر، وهو الملف الذي كان سيضغط علينا لولا الدعم العربي، والمساعدات الأميركية التي وصلت دعماً لاقتصاد الأردن الذي ظل متمسكاً بموقفه من دعم معاناة الأشقاء في العراق، وطبقنا برنامج (النفط مقابل الغذاء)، وساهمنا مساهمة كبيرة في تخفيف وطأة الجوع الذي تسبب به الحصار الأميركي».

المشهد المحلي واضطرابات النخب

ويتابع أبو الراغب روايته: «أتذكر مع بدء أيام الغزو الأميركي أن السفير الأميركي في عمّان إدوارد غنيم زارني، فطلبت منه من باب التخفيف من الضغط الشعبي أن يعلن في تصريحات صحافية أن الأردن حمّله رسالة لإدارته تطالب بحماية المدنيين وضمان تزويد العراقيين بحاجتهم من الغذاء والدواء، لعل الشارع يرحم الموقف الرسمي الأردني الذي كان مثل (بالع السكين)... ففي كل الاحتمالات، كلفة الحرب سندفعها نحن من استقرارنا ومن اقتصادنا».
ويوضح: «استجاب السفير الأميركي، وقد أبلغنا الصحافيين بأن هناك زيارة للسفير الأميركي وتستطيعون سؤاله عن موقف الحكومة من الحرب. وقدّم السفير تصريحاته عندها». ويتابع: «في واحد من الاجتماعات مع وفد من وزارة الدفاع الأميركية في رئاسة الوزراء في عمّان، وكان بحضور (السفير) غنيم، انتقدت التعنت الأميركي وهاجمت ذريعتهم في الحرب بسبب امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وأنها خدعة ستجر الولايات المتحدة لحرب طويلة الأمد، والتزمت بموقف الملك عبد الله الثاني عندما تحدث عن فتح أبواب جهنم أمام الاقتتال المذهبي والحرب الشاملة وميلاد حركات الإرهاب التي تعيش في مستنقعات الفوضى».
ويقول رئيس الوزراء السابق إن «الضغط الشعبي بدأ يزداد في الأردن في تلك الأيام، وضاعف ذلك ما ذهب إليه رؤساء حكومات سابقون، خلال الأيام الأولى لبدء العملية العسكرية ضد العراق، في كتابة بيان مع شخصيات وطنية من مشارب سياسية مختلفة، يتضمن رفضاً لأن تُستخدم أراضي الأردن لضرب العراق. اتهموا الحكومة بأنها سمحت لقوات برية أميركية بالوجود على الأراضي الأردنية، لإسناد الحرب المتوقعة والغزو المنتظر». ويضيف أن الأسماء الموقعة على البيان لشخصيات ذات وزن شعبي، و«كان لا بد من الحديث معها بصراحة ومن قبل الملك حتى يتم توضيح الموقف الرسمي».

من لقاءات صدام مع أبو الراغب (من أرشيف رئيس الوزراء الأردني السابق)

في اجتماع نادي رؤساء الحكومات الأردنية مع الملك عبد الله الثاني في القصر، انقسمت الآراء بين متفهم للموقف الرسمي الأردني ومَنْ عارضه بشدة، و«كنت متفهماً لجميع الآراء»، كما يقول أبو الراغب الذي يوضح أن «زيد الرفاعي وعبد الكريم الكباريتي وفايز الطراونة دعموا الموقف الرسمي، في وقت انتقد بشدة موقف الحكومة الجنرال مضر بدران والجنرال أحمد عبيدات وطاهر المصري وعبد الرؤوف الروابدة. وعندما اشتد النقاش، حاولت التدخل لتوضيح موقفنا، لكن الملك أنهى الاجتماع وهو غير مرتاح. وبعدها بثلاثة أيام، وصلت القوات الأميركية واحتلت بغداد».
ويشير أبو الراغب إلى أن ما زاد من حدة الموقف الشعبي في الأيام الأولى للغزو «ما جاء على لسان طه ياسين رمضان بأن الأردن يمنع مرور المساعدات للعراق بذريعة التفتيش الأميركي والأوامر الأميركية... عندها اتصلت بالسفير العراقي في عمّان صباح الياسين، وأبلغته بضرورة تصويب التصريحات العراقية. وبالفعل بادر هو بالخروج للإعلام الأردني ونفى ما قاله رمضان».
لا يريد أبو الراغب الخوض حالياً في تفاصيل المشهد المحلي، وتعامل الحكومة مع قضية الحدود الأردنية - العراقية التي بدأت تنشط فيها عمليات التسلل والتهريب، وبدأ «الخوف الحقيقي من تسلل عناصر إرهابية تُضمر الشر والسوء لنا». يقول إن الأرقام المتعلقة بتلك المرحلة لا تحضره اليوم، لكنها موضوعة في واحد من ملفاته.
ويوضح أبو الراغب كيف أنه اختبر الفصل بين موقفه السياسي وموقعه السياسي في الفترة الصعبة التي تولى فيها رئاسة الوزراء، قائلاً: «لو لم أكن في موقع المسؤولية لكنت انحزت للموقف الشعبي، مع التمسك بموقفي بأن العراق أخطأ عند غزو الكويت. لكنني كنت على اطلاع واسع بطبيعة الضغوط التي مورست على الملك عبد الله الثاني، وكان الخيار إما الاعتدال بحذر وإما التضحية باستقرار الأردن سياسياً واقتصادياً. فالتحالف مع الولايات المتحدة له كلفة، كما الانقلاب على التحالف له كلفة». ويضيف: «لقد كانت لحظة الغزو بمثابة ضربة لنا جميعاً وللجهود التي بذلناها من أجل منعه، لكن العراقيين أنهوا كل ذلك وأعطوا المبررات لأميركا».

العلاقة مع صدام... توافق وتنافر

ويسلّط أبو الراغب، في الحوار معه، الضوء على تاريخ علاقته بصدام حسين، قائلاً: «تعود معرفتي بصدام إلى مطلع تسعينات القرن الماضي. زرته عضواً في التجمع الديمقراطي عام 1990، وزرته نائباً ووزيراً بعدها. ولقد ذهبت إليه في زيارات متعددة لطلب المساعدة للحكومة، عندما كنت وزيراً للصناعة والتجارة والطاقة والثروة المعدنية في حكومتين مختلفتين. وفي يناير (كانون الثاني) من العام 1997، زرته وأنا وزير صناعة وتجارة، ومعي الوزير هاشم الدباس وزير الطاقة حينها، حاملين رسالة شفوية من الراحل الملك الحسين. استطعنا ترطيب الأجواء وإعادة توقيع بروتوكول المنحة النفطية بعد لقاء صدام الذي كان غاضباً وقتها من رئيس وزرائنا عبد الكريم الكباريتي. لقد كان دائماً إيجابياً في مواقفه معي». ويتابع: «لقد عرفت صدام ومن حوله، وكانت تربطني علاقات قوية بهم، ولا تزال علاقتي جيدة ببعضهم وهم أصدقاء حقيقيون. لا تتعارض مواقفي الإنسانية تجاه النظام العراقي السابق وموقفي السياسي من بعض سياساته المتعنتة والمتشددة في أزمة حرب ضربت أنحاء المنطقة وصدّرت الإرهاب في أكثر من اسم واتجاه. إن حرب الخليج الثانية شكلت منعطفاً خطيراً في منطقتنا، وهي التي أوصلت العراق لحرب استنزاف استخدمت فيها جميع الأضداد العراقية، وتسببت في حالة عدم استقرار لجواره العربي، خصوصاً بعد الانتقام الإيراني المزدوج من صدام ومن الولايات المتحدة، حيث استطاعت (إيران) أن تحظى بنفوذ على حساب ضعف العراق أمنياً واقتصادياً وسياسياً».
ويتوقف أبو الراغب في روايته عند تلك اللحظات التي وصله فيها خبر وصول القوات الأميركية إلى بغداد. فقد كان في منزله وقتها مدير المخابرات سعد خير ورئيس الديوان الملكي فيصل الفايز، و«كان النقاش حاداً في جوانب متعددة تتعلق بطبيعة الموقف الحكومي من التعامل مع الحرب الدائرة، وضرورة بناء سردية تستعرض بعقل وتوازن جهود الأردن في دعم العراق وتجنيبه الحرب. وفوراً طلبت إبلاغ الملك بهذا التطور، وكان مسار الأحداث متوقعاً، لكن ما أضر الجميع وقتها كانت خطة بول بريمر في حل الجيش العراقي لتصدق نبوءة الأردن، ويدخل العراق في حرب أهلية مذهبية طائفية عرقية لا يزال يسعى للاستشفاء منها».
ويكرر المسؤول الأردني السابق دفاعه عن نفسه في معركة التعارض بين موقفين: دعمه العراق في تسعينات القرن الماضي، واستسلامه للضغوط لاحقاً. يقول: «الظروف متنوعة ومختلفة. في عام 1990، وبعد دخول العراق الكويت، وتشكل التحالف الدولي والعربي ضد العراق، أخذنا كأردن موقفاً واضحاً فيه بُعد عروبي قومي، ودفعنا ثمن ذلك الموقف، ثمناً كبيراً. وبصراحة، لولا حكمة الراحل الملك حسين وقدراته بعد تلك المرحلة لما استطعنا مواجهة الضغوط الدولية والعربية الكبيرة. كنا محاصرين بصورة كبيرة، وكان لالتفاف الشعب الأردني حول الملك الأثر الرئيسي في مواجهة تلك الضغوط والآثار الصعبة على الأردن». ويزيد موضحاً: «أصلاً الموقف الأردني في عام 1990 لم يكن مع احتلال العراق للكويت، بل كان ضده على طول الخط. لكننا كنا ضد تدويل الأزمة والتدخل الأجنبي والحرب التي كنا نرى فيها شراً كبيراً على العراق والكويت والمنطقة، وأنها ستجر كوارث كثيرة، وهو ما حصل في الواقع بعد تدويل الأزمة واللجوء إلى الحل العسكري. لقد حاولنا شرح موقفنا الرسمي والشعبي برفض احتلال بلد عربي بلداً آخر، لكن صوت القصف الأميركي كان أقوى من صوتنا».
ويقول: «بعد ذلك، تعاملنا، كأردن، مع العراق ليس فقط مع حكم أو نظام، بل مع شعب عراقي شقيق، تربطنا به علاقات قوية وتاريخية. لا أنكر على صدام مواقفه معنا، فقد كان وزراء عراقيون يقولون لي إنه في اجتماعات الحكومة العراقية، يحمل بعض الوزراء والمسؤولين على الأردن وحكومته، ويوجهون بعض الانتقادات لنا، لكن الرئيس صدام، وبعد أن يستمع لكل ذلك، كان يسأل حكومته: ما الذي يطلبه الأردن منا؟ أعطوه ما يريد... ومشّوا كل ما يريد الأردن».
وفي حديثه عن مواقف صدام حسين «الإيجابية» تجاه الأردن، ينقل أبو الراغب عن الرئيس العراقي قوله عند لقائه به في زيارته لبغداد عام 2000: «قلتها للملك حسين الله يرحمه، وأقولها لك الآن: (لو) يرفعون الحصار عن العراق فوالله نفط الأردن سيكون مجاناً من العراق».

ويشير رئيس الوزراء الأردني السابق إلى أنه بحلول عام 2003 كانت الأمور قد انتهت، و«كان واضحاً بصورة جلية أن الحرب قادمة وصعبة. كانت الأوضاع داخل العراق، وفي جبهته الداخلية، صعبة بعد حصار 14 سنة، ولا يمكن مقارنة التفوق العسكري لأميركا مع العراق المنهك. كما كان الوضع دولياً وعربياً واضحاً في تلك المرحلة. كانت كل المؤشرات والرسائل الأميركية واضحة بالتوجه إلى الحرب. لم يستمع الأميركيون لنصائح الملك عبد الله الثاني والأردن من أن الحرب ستجر كوارث كبيرة على الشعب العراقي وعلى شعوب المنطقة، وأن الحرب والاحتلال سيفجران حرباً أهلية وعنفاً في العراق يصعب لجمه. كما أن الحرب ستقدم العراق على طبق من ذهب لإيران وتزيد نفوذها».
ويشدد أبو الراغب على أن «الإدارة الأميركية والمحافظين الجدد كانوا مصرين على الحرب والاحتلال... لم تكن لهم أجندة سوى ضرب العراق واحتلاله والاستيلاء على نفط المنطقة». لكنه يضيف: «لم نكن نستطيع هذه المرة السماح لعواطفنا بالتأثير علينا، وأن تحمّلنا موقفاً ندفع ثمنه كبيراً، كما في عام 1990. فقد كنا نأخذ مساعدات في عام 2003 من الولايات المتحدة ومن بعض الدول الشقيقة. وطبعاً كل ذلك يُضاف له أن الوضع الداخلي في العراق كان واضحاً أنه لن يصمد أمام القادم. كان واضحاً أنه ثمة تعنتاً سياسياً وعدم تقدير للمستقبل. وبالمناسبة، كنا نصارح العراقيين بأن القادم هذه المرة صعب، وأن نذر الحرب قادمة، وأنها ستختلف هذه المرة بتصعيدها أميركياً إلى احتلال العراق وإسقاط النظام».
يؤمن أبو الراغب بأن على المسؤول تحمل مسؤولياته، وعدم التهرب منها، و«الواقع يختلف أحياناً عن الرغبات والعواطف. وقد حصل ذلك معي أيضاً في موضوع تأجيل الانتخابات النيابية، فإنا مع الديمقراطية والحياة النيابية وتواصلها، ومع الانتخابات، ولكن عندما كان هناك ظرف يمنع إجراء الانتخابات لم أتهرب من مسؤولياتي وأجلتها».
وعن يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، يوم سقوط بغداد، يقول أبو الراغب، النقابي وأحد عرّابي التجمع الديمقراطي الذي نشأ على أكتاف قوى قومية ويسارية في عام 1990، إنه «لم يفاجأ» بسيطرة القوات الأميركية على العاصمة العراقية. ويزيد: «إن المؤشرات والوقائع على الأرض كانت تشير إلى هذه النتيجة. كانت لحظة قاسية على الجميع، لكنها كانت متوقعة. لم نستغربها. لقد حاولنا الوقوف إلى جانب الشعب العراقي في معاناته، فنحن نعرف حجم الفقر والجوع الذي تسببت به سنوات الحصار، وبعدها الحرب، على العراقيين، لكن جميع مواقفنا ودعواتنا كانت تتكسر أمام مؤامرة إسقاط العراق في وحل الدمار. ولقد خفف من معاناتنا في تلك السنوات الصعبة من مطلع القرن العشرين، أن مواقف الدول الخليجية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية تفهمت مخاوفنا، ودعمت مواقفنا بعد أن سعينا جاهدين لبيان حجتنا وسلامة نوايانا، فعادت العلاقات متوازنةً، والتعاون فيما بيننا وثيقاً».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
TT

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)

يتسارع التصعيد الإسرائيلي في لبنان، متجاوزاً «الخروق» إلى عمليات أوسع تطول الجنوب وتمتد إلى البقاع. فللمرة الأولى منذ سريان الهدنة يعلن الجيش الإسرائيلي استهداف «بنى تحتية لحزب الله» شرق لبنان، بالتوازي مع تشدد سياسي إسرائيلي، إذ عدّ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن وقف إطلاق النار «هش ولا يمكن التعويل عليه».

وفي تطور لافت، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارتين على البقاع للمرة الأولى منذ إعلان «وقف إطلاق النار»، مستهدفاً منطقة الشعرة والتلال المحيطة ببلدة جنتا، في خطوة تعكس اتساعاً جغرافياً جديداً في مسرح العمليات، وتطرح تساؤلات حول حدود التصعيد، وإمكان انتقاله من الجنوب إلى العمق اللبناني.

من هنا يبدو أن التصعيد يتدحرج بما يقرّب الهدنة من الانهيار، فيما يبدو وقف النار شبه معطّل، مع استثناء هش لبيروت والضاحية رغم التحليق الكثيف للطيران، ما يبقي الاستقرار معلقاً على حافة الانفجار.

تصعيد متدرّج... من دون كسر السقف

في الميدان، يتّسع نطاق العمليات الإسرائيلية شمال الليطاني، مع ارتفاع وتيرة القصف وتنوع الأهداف، من غارات بالطيران المسيّر إلى قصف مدفعي شمل قرى القطاع الغربي وأطراف بلدات عدة. وقد أدى استهداف بلدة القليلة إلى سقوط قتيل، فيما انفجرت مسيّرة عند مفرق السماعية، وتعرّضت مناطق مثل زبقين ويحمر الشقيف ووادي زبقين لغارات متكررة، بالتوازي مع غارة على مدخل بلدة كفرا أدت إلى قطع الطريق إليها.

آلية عسكرية إسرائيلية تسير بين منازل مدمّرة في جنوب لبنان قرب الحدود (أ.ف.ب)

هذا الاتساع الجغرافي، رغم دلالاته التصعيدية، لا يزال محكوماً بسقف واضح، إذ لم يمتد إلى العمق اللبناني، ولم يشمل مراكز حيوية كبرى خارج نطاق الجنوب، ما يعكس توجهاً لرفع الضغط العسكري من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة. بمعنى آخر، يجري توسيع «مساحة النار» لكن من دون كسر قواعد اللعبة الكبرى.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمع لآليات وجنود إسرائيليين في تل النحاس بصاروخ موجّه، مؤكداً تحقيق إصابة مباشرة، فيما استمرت عمليات إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل، مع ما رافقها من إجراءات احترازية في الجليل الأعلى، حيث فُرضت قيود على التجمعات في عدد من البلدات الحدودية.

وفي موازاة ذلك، أفادت الإذاعة الإسرائيلية بأن بنيامين نتنياهو أجرى مشاورات هاتفية مع وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة عسكريين، على خلفية ما وصفته بالخروق، في مؤشر إلى رفع مستوى الجهوزية والتقييم الميداني داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار بتوسيع الحرب.

نزوح وقلق... والهدنة تفقد معناها

في الداخل، بدأت انعكاسات هذا التصعيد تظهر بوضوح على الحركة السكانية وعلى المزاج العام. فقد أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن مناطق خارج «الخط الأصفر»، لا سيما في نطاق النبطية، تشهد نزوحاً كثيفاً باتجاه بيروت، في مشهد يعكس تراجع الثقة بأي استقرار قريب.

وأشارت إلى أن عائلات كانت قد عادت مؤقتاً خلال عطلة نهاية الأسبوع، وكانت تنوي العودة إلى الضاحية الجنوبية مساء الأحد وصباح الاثنين، «تريّثت في قرارها وعادت إلى أماكن نزوحها السابقة، بعدما بدت مؤشرات التصعيد غير مطمئنة». ويعكس هذا السلوك تحوّلاً لافتاً، إذ لم تعد الهدنة تُقرأ بوصفها فرصة للعودة، بل بوصفها فترة انتظار مشوبة بالخوف من الانفجار.

دخان يتصاعد إثر غارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

على خط التماس: القصف يلامس البيوت

وتعكس الشهادات الميدانية حجم التحوّل وخطورته. إذ قال أحد أبناء بلدة زوطر الجنوبية لـ«الشرق الأوسط» إنّ التصعيد الأخير «كان الأعنف منذ فترة، إذ اقترب القصف هذه المرة بشكل مباشر من المنازل والأحياء السكنية»، مشيراً إلى أنّ «القذائف وصلت إلى الحارات ولم تترك مكاناً إلا ووصلت إليه».

وأوضح أنّ «نهر الليطاني تحوّل عملياً إلى خط تماس ميداني، مع قرب جغرافي شديد بين القرى الشمالية والقرى الأمامية جنوبه»، ما يجعل بلدات مثل زوطر «عُرضة دائمة لأي تصعيد»، خصوصاً مع نزوح شبه كامل للقرى الواقعة جنوب النهر.

وأضاف أنّ «الناس خرجت تحت القصف من دون أن تتمكن من حمل أي من مقتنياتها، حتى الحاجيات الأساسية»، لافتاً إلى حالة «ضياع في صفوف العائلات بين العودة والنزوح، في ظل غياب أي وضوح في مسار الأحداث، ووسط ضغط نفسي كبير ناتج عن استمرار القصف ليلاً ونهاراً».

حرب مستمرة... و«ستاتيكو» قابل للانفجار

في قراءة أوسع، يرى العميد المتقاعد سعيد قزح أن ما يجري «ليس بداية حرب جديدة بقدر ما هو امتداد مباشر لحالة حرب قائمة لم تتوقف فعلياً»، عادّاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «ما نعيشه اليوم هو هدنة هشة قابلة للانهيار في أي لحظة، سواء بفعل قرار ميداني موضعي أو نتيجة تطورات إقليمية أوسع، لا سيما في حال تجدّد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران».

ويؤكد أنّ وتيرة الضربات اليومية «تعكس هشاشة هذا الواقع، وتؤكد أن أي احتكاك أو خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى انهيار الهدنة وعودة القتال بشكل واسع»، مشيراً إلى أنّ «المنطقة الجنوبية تبقى في حالة ترقّب دائم لاحتمال الانفجار في أي لحظة».

جنود إسرائيليون أمام آلية عسكرية عند الحدود (د.ب.أ)

وفيما يتصل بانعكاس التصعيد على الداخل اللبناني، يوضح قزح أنّ «بيروت ستبقى، في المدى المنظور، خارج دائرة الاستهداف المباشر، ما دام أنّ المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل لا يزال قائماً»، لافتاً إلى أنّ «الضوء الأخضر الأميركي الممنوح لإسرائيل يندرج ضمن إطار ما يُسمّى (حق الدفاع القريب أو الآني)، أي تنفيذ عمليات ضمن نطاق جغرافي محدد مرتبط بمصدر التهديد، وليس توسيع الحرب نحو العمق اللبناني، إلا في حال حدوث تصعيد كبير».

ويضيف أنّ «هذا الواقع يعيد إلى حدّ كبير نموذج ما قبل عام 2000، حيث تبقى العمليات العسكرية محصورة ضمن نطاق جغرافي معيّن، يُعرف بالمنطقة العازلة أو خط التماس، مع تبادل ضربات محدود لا يتجاوز هذا الإطار إلا في حالات استثنائية».

وفي تقييمه للمرحلة المقبلة، يرجّح أنّ «التصعيد لن يكون شاملاً لكل الجنوب، بل سيبقى محصوراً في المناطق المتاخمة للخط الفاصل أو تلك التي تُستخدم كأنها نقاط انطلاق للعمليات». لافتاً إلى أنّ «الإجراءات الإسرائيلية، مثل تعطيل المدارس في شمال إسرائيل، تعكس قلقاً حقيقياً من استمرار إطلاق الصواريخ من لبنان، ما يدل على أنّ الجبهة لا تزال مفتوحة عملياً، حتى في ظل الهدنة»، مؤكداً أنّ «الواقع الحالي يبقى مضبوطاً بإيقاع دقيق بين التصعيد والاحتواء، لكنه قابل للانفجار في أي لحظة».


إسرائيل تحجب أموال المقاصة عن الفلسطينيين... وأزمة السلطة تتعمق

الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)
الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تحجب أموال المقاصة عن الفلسطينيين... وأزمة السلطة تتعمق

الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)
الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)

قرر وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، عدم تحويل أي أموال من العوائد الضريبية «المقاصة» التابعة للسلطة الفلسطينية لهذا الشهر، على الرغم من وصول السلطة إلى مرحلة أصبحت فيها شبه عاجزة عن دفع رواتب موظفيها وتأمين مصاريفها التشغيلية، وهو ما يعمق أزمتها إلى حد غير مسبوق.

وقالت «القناة 7» الإسرائيلية، الاثنين، إن سموتريتش قرر عدم تحويل أي مبالغ هذا الشهر للسلطة، مواصلاً نهجه السياسي والاقتصادي المتشدد ضدها.

وحسب قرار سموتريتش، فإنه «من إجمالي مبلغ يزيد عن 740 مليون شيقل (الدولار يساوي 3 شيقلات) تم جمعها هذا الشهر، جرى تخصيص نحو 590 مليون شيقل منه لتسديد ديون مترتبة على السلطة الفلسطينية لصالح شركات الكهرباء والمياه والهيئات البيئية.

مبنى سلطة النقد الفلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (موقع سلطة النقد)

إضافةً إلى ذلك، قال الوزير الإسرائيلي إنه جرى تعويض الأموال التي خصصتها السلطة لتحويلها إلى الجماعات (الإرهابية) وعائلات (الإرهابيين) في إشارة إلى ما تدفعه السلطة رواتب لأسر «الشهداء والأسرى».

ونص القرار الإسرائيلي كذلك على «تجميد المبلغ المتبقي وعدم تحويله» كجزء من سياسة مستمرة منذ عام تقريباً، احتجاجاً على ما يقول سموتريتش إنه «نشاط السلطة الفلسطينية ضد إسرائيل في المؤسسات الدولية (مثل محكمة لاهاي) وتشجيعها للإرهاب»، وفق زعمه.

ودفعت السلطة هذا الشهر مبلغاً مقطوعاً لجميع الموظفين (2000 شيقل)، وكانت دفعت الشهر الذي سبقه (50 في المائة من الراتب) فيما كانت تدفع عادة 70 في المائة من الراتب، ما يؤكد تراجع قدرتها على تأمين الرواتب شهراً بعد شهر.

وتعتمد السلطة الفلسطينية بشكل أساسي على عائدات الضرائب في تغطية رواتب موظفيها ونفقاتها التشغيلية بالإضافة إلى الدعم الدولي.

ومنذ 2019 تقتطع إسرائيل أموالاً من العوائد الضريبية التابعة للسلطة الفلسطينية، وتحجبها منذ حوالي عام بشكل كامل.

وبموجب «اتفاق أوسلو» الموقع عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، تجمع وزارة المالية الإسرائيلية الضرائب نيابةً عن الفلسطينيين عند استيراد السلع من الخارج إلى السلطة الفلسطينية، وتقوم بتحويلات شهرية إلى السلطة الفلسطينية مقابل عمولة 3 في المائة، وتشكل هذه الأموال عادة ما نسبته 75 في المائة من إيرادات السلطة.

ما قيمة المحتجز؟

تقدر السلطة الفلسطينية أموالها التي تحتجزها إسرائيل بأكثر من 14 مليار شيقل (4.5 مليار دولار أميركي).

ومع استمرار الأزمة لوقت طويل أصبحت السلطة مديونة للقطاعين العام والخاص، إضافة إلى جهات خارجية محتملة، وقد قفزت الميدونية العامة العام الماضي إلى 15.4 مليار دولار.

وتمثل فاتورة الراتب العبء الأكبر على الخزينة، إذ تصل إلى مليار و50 مليون شيقل سنوياً (340 مليون دولار).

وفي مواجهة هذا الوضع، قررت الحكومة الفلسطينية اعتماد سياسة صفر توظيف ضمن مشروع موازنة طواريء لعام 2026، وتبني نهج تقشفي صارم لإدارة الموارد وضبط الإنفاق، ثم وجه رئيس الوزراء محمد مصطفى هذا الشهر بخصم رسوم ترخيص المركبات والرخص الشخصية للموظفين العموميين لعام 2026 من رصيد مستحقاتهم.

وتدرس الحكومة إمكانية إطلاق محفظة مالية إلكترونية، للموظفين، تمكنهم من تسديد التزاماتهم لمزودي الخدمات الأساسية إذا ما انخفضت أكثر نسبة الراتب.

والأسبوع الماضي التقى مصطفى، على هامش اجتماعات المانحين والتحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين، في بروكسل، عدداً من المسؤولين الأوروبيين والدوليين، بحضور وزير المالية والتخطيط اسطفان سلامة، وشرح خطورة الوضع الذي تمر به السلطة، وطلب مساعدات طارئة وشبكة أمان مالية.

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس خلال اجتماع للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين في بروكسل (إ.ب.أ)

وقال مصطفى، الأحد، إن «حصار الاحتلال الإسرائيلي لا يقتصر على قطاع غزة، بل يمتد إلى الضفة الغربية بما فيها القدس، عبر أدوات سياسية وأمنية واستعمارية، إضافة إلى استمرار اقتطاع أموال المقاصة الفلسطينية».

وأضاف: «هذه الاقتطاعات تصاعدت خلال الأشهر الـ12 الأخيرة، حيث لم تحول إسرائيل أياً من عائدات الضرائب والجمارك إلى خزينة دولة فلسطين»، وأضاف: «لم نتسلم قرشاً واحداً».

واعتبر مصطفى أن هذه الإجراءات تمثل «احتلالاً آخر»، مؤكداً أن الحكومة لم تكن في فترات قادرة على تأمين حتى ألف شيقل للموظفين. وحذر من أن الأشهر الستة المقبلة ستكون «صعبة جداً».


اجتماع «رئاسي» لاعتماد مقاربة موحدة للمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رويترز)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رويترز)
TT

اجتماع «رئاسي» لاعتماد مقاربة موحدة للمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رويترز)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رويترز)

تبقى الأنظار اللبنانية مشدودة للقاء يُعقد الأربعاء بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، ورئيسَي المجلس النيابي نبيه برّي والحكومة نواف سلام؛ كونه يشكل أول محطة سياسية تجمعهم منذ بدء اللقاء التحضيري الأول بين سفيرَي لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة الأميركية لانطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، لعل عامل الوقت يؤدي لانفراج في العلاقات الرئاسية، ويفتح الباب أمام توصلهم لمقاربة موحدة حيال المفاوضات المباشرة التي لا يحبذها برّي، ويقاومها «حزب الله» بشدة ويتعامل معها، كما قال أمينه العام نعيم قاسم، على أنه غير معني بها، وذلك في بيانه الذي أذاعه استباقاً لانعقاد اللقاء لتسخين الأجواء وتعميق الانقسام بينه وبين الأكثرية الساحقة المؤيدة للمفاوضات، في حين تشتعل حربه مع إسرائيل في جنوب لبنان، ما يزيد من حجم التدمير الممنهج للقرى والتهجير لسكانها.

فلقاء الرؤساء يأتي بعد طول انتظار، وهو ثمرة الجهود التي قام بها مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان في زيارته الأخيرة لبيروت، واضعاً حداً لكل ما يتردد عن انقطاع التواصل بينهم لعله يؤدي لإحداث انفراج في العلاقات الرئاسية، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها البلد مع تصاعد وتيرة المواجهة بين «حزب الله» وإسرائيل، ما يستدعي توحيد الموقف اللبناني مع ارتفاع منسوب المخاوف من استخدام الجنوب ساحة مفتوحة بالنار لتبادل الرسائل بين الحزب وإسرائيل.

مزارعان يقطفان الفول الأخضر خلال الهدنة المفترضة في بلدة راس العين بجنوب لبنان (رويترز)

لذلك يبدو، بحسب المصدر، أن تبادل الرسائل بلجوء كل طرف منهما إلى تحميل الآخر مسؤولية خرق الهدنة لن يحجب الأنظار عن دخول إيران على خط التصعيد، من خلال الحزب الذي ينوب عنها، كما يتهمه خصومه، للضغط على الولايات المتحدة لتعاود التفاوض معها، من دون أن يكف عن توجيه الشكر لها بذريعة أنها كانت وراء التوصل مع واشنطن لوقف النار الذي لا يشمل الجبهة الإيرانية فحسب، وإنما ينسحب على لبنان، وهذا ما يكمن وراء إصرار الحزب على ربط مصيره بحليفه الإيراني، من دون أن يدرك مخاطر الانزلاق لأقصى المواجهات العسكرية مع إسرائيل في ظل اختلال توازن الردع، وإن كان يدرجها بخانة الدفاع عن النفس.

وفي هذا السياق، سأل المصدر «حزب الله» عن الأسباب الكامنة وراء عدم صمود الهدنة على جبهة الجنوب، ولماذا لم تتدخل إيران لتثبيتها لئلا تتحول، كما هو حاصل الآن، إلى هدنة هشة بخلاف ثباتها على الجبهة الإيرانية رغم أنه لم يتقرر تمديدها بصورة رسمية بخلاف تجديد مفعولها لثلاثة أسابيع على الجبهة الجنوبية؟

ولفت إلى تبادل الاتهامات بين الحزب وإسرائيل حول خرق الهدنة من دون أن يمتد إلى العمق اللبناني بشموله بيروت وضاحيتها الجنوبية وربما البقاع، وذلك بضغط أميركي على إسرائيل التي تمضي في حربها على الحزب لإطباق سيطرتها بالكامل على المنطقة الصفراء وصولاً إلى البلدات الواقعة في شمال نهر الليطاني والمطلة على جنوبه.

وأكد المصدر أن إسرائيل تضغط في المقابل على لبنان للتسليم بشروطها لبدء المفاوضات لتأتي نتائجها على قياس طموحاتها الأمنية والسياسية، ولانتزاع موافقة عون، مع التحضير لبدئها، بلقاء رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو برعاية ترمب الذي يتفهم، كما يقال لبنانياً، الدوافع التي يتمسك بها عون للحؤول دون عقده، ويمتنع في نفس الوقت عن الاستعاضة عنه بإجراء اتصال هاتفي مثلث الأطراف يجمعهما بالرئيس الأميركي.

وقال إنه لا جدوى من الضغوط الإسرائيلية على لبنان لإلزام عون مكرهاً بلقاء نتنياهو؛ لأنه لا عودة عن قراره بحرق المراحل والاستجابة للقائه الذي يبقى معلقاً على ما ستتوصل إليه المفاوضات، آخذة بعين الاعتبار الثوابت الوطنية التي لا يحيد عنها، وكان رسمها كأساس لبلوغ النتائج المرجوة منها، وهي تشكل نقطة التقاء بين الرؤساء الثلاثة من موقع التباين بين عون وسلام من جهة، وبرّي برفضه المفاوضات المباشرة من جهة ثانية، مع أن الأخير كان قال كلمته في هذا الخصوص، ولم يُشهر سلاحه في وجه عون، ولن يكون منزعجاً إذا توصلت إلى ما يصبو إليه لبنان ويُجمع عليه الرؤساء، بخلاف حملات التهديد والتخوين التي يتزعمها حليفه «حزب الله»، من دون أن يقترح البديل بدعوته عون للتخلي عن الخيار الدبلوماسي لتحرير الجنوب من الاحتلال.

ورأى المصدر أن الانتكاسة الأمنية غير المسبوقة التي شهدتها بيروت على خلفية الخلاف الذي حصل بين أحد أصحاب المولّدات الكهربائية وجهاز أمن الدولة، سيحضر بامتياز على طاولة لقاء الرؤساء لمنع تكراره، وخصوصاً أنه أدى إلى إحداث فوضى عارمة من جراء لجوء أنصار صاحب المولّد إلى قطع الطرق في معظم شوارع الشطر الغربي من العاصمة، وكادت الاحتجاجات تتوسع لولا تدخل وحدات الجيش في الوقت المناسب للسيطرة على الوضع وإخلاء الشوارع من المحتجين وفتح الطرق، ولا سيما أن الإشكال استدعى تدخلات على أعلى المستويات الدينية والرسمية والسياسية لإعادة الهدوء للعاصمة، وهذا ما طرح مجموعة من الأسئلة المحفوفة بالقلق حول مصير الخطة التي أقرها مجلس الوزراء بتحويل بيروت لمنطقة آمنة خالية من السلاح، والتي قوبلت بتأييد من نوابها وفعالياتها، ولا سيما أن الخلاف الذي تخلله مواجهة بين الطرفين اتسم بطابع طائفي، وبات المطلوب توفير الحماية الأمنية للعاصمة للحفاظ على السلم الأهلي الذي اجتاز اختباراً فوضوياً لم يكن بحسبان أحد.

آلية عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (د.ب.أ)

ويبقى السؤال: هل سيتوصل الرؤساء إلى توحيد الرؤية برسم خريطة الطريق مدعومة بالثوابت الوطنية اللبنانية كأساس لبدء المفاوضات، وهم يقفون الآن أمام مهمة صعبة لاختبار مدى استعدادهم لتوفير الغطاء السياسي للوفد المفاوض في وجه التهديدات التي يطلقها «حزب الله»، وفي المقابل لا بد من التوجه إلى الراعي الأميركي بموقف قاعدته انسحاب إسرائيل، وركيزته إنهاء حال الحرب بين البلدين للتأكد من أن التطمينات التي سمعها عون من ترمب هي في محلها، ولن تخضع لتبدل في موقفه بضغط إسرائيلي، في حين أن التعويل الدولي واللبناني، بما يشبه الإجماع، على دور برّي لاستيعاب «حزب الله» ومنعه من الانزلاق نحو المزيد من الحسابات الخاطئة غير المدروسة كإسناده لغزة وإيران بذريعة الدفاع عن النفس؟