غوردو مونتاني لـ «الشرق الأوسط»: الأميركيون اتهمونا بالكذب بشأن أسلحة الدمار العراقية

مستشار شيراك يتحدث عن كواليس خلافات باريس وواشنطن بشأن الحرب... ويعتبر أن إدارة بوش فشلت في مشروع «الشرق الأوسط الجديد»

السفير السابق موريس غوردو مونتاني (يسار) مع الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك (غيتي)
السفير السابق موريس غوردو مونتاني (يسار) مع الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك (غيتي)
TT

غوردو مونتاني لـ «الشرق الأوسط»: الأميركيون اتهمونا بالكذب بشأن أسلحة الدمار العراقية

السفير السابق موريس غوردو مونتاني (يسار) مع الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك (غيتي)
السفير السابق موريس غوردو مونتاني (يسار) مع الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك (غيتي)

السفير السابق موريس غوردو مونتاني الذي أصدر مؤخراً كتاباً استثنائياً بعنوان «الآخرون لا يفكرون مثلنا»، عاش الغزو الأميركي للعراق ربيع عام 2003 «من الداخل»، حيث كان يشغل منصب المستشار الدبلوماسي للرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك وممثله في مجموعتي السبع والعشرين بدءاً من صيف عام 2002 وحتى نهاية ولاية الرئيس الثانية. وبهذه الصفة، شارك غوردو مونتاني في كافة الاتصالات والاجتماعات الرئاسية التي سبقت انطلاق العملية العسكرية الأميركية، وانتدبه شيراك طيلة شهور للقيام بزيارات إلى واشنطن وموسكو وبكين وبرلين، وإلى كافة عواصم القرار. وكانت باريس، في تلك الفترة، اللولب الذي سعى لثني واشنطن عن «مغامرتها» العسكرية، عارضة عليها خيارات كثيرة، ومصرّة على أن يحظى أي تدخل عسكري بغطاء من مجلس الأمن الدولي ليكون شرعياً. وفي الحديث المطول الذي خص به «الشرق الأوسط»، بمناسبة مرور 20 عاماً على حرب العراق، يكشف غوردو مونتاني كثيراً مما عاشه، ويدخلنا بمعيته إلى اللقاءات العديدة التي حضرها والاجتماعات التي تواجهت فيها، في واشنطن وفي العديد من العواصم، رؤيتان متناقضتان؛ الأولى تريد الحرب بأي ثمن وتحملها الإدارة الأميركية في ظل الرئيس جورج بوش الابن، والثانية محورها فرنسا التي لوّحت للمرة الأولى باللجوء إلى حق النقض (الفيتو) لإجهاض أي مشروع قرار أميركي يقدم إلى مجلس الأمن للحصول على ضوء أخضر منه ولا يكون مبرراً. كذلك يروي غودرو مونتاني تفاصيل العديد من القمم التي حضرها إلى جانب شيراك، ولعل أبرزها قمة الحلف الأطلسي التي جرت في براغ خريف عام 2002، والتي يرى فيها المؤشر الأقوى على رغبة بوش بإسقاط نظام الرئيس صدام حسين بحجة امتلاكه أسلحة دمار شاملة. وفيما يلي نص الحوار:
> في كتابك الأخير تفرد فصلاً كاملاً للملف العراقي، وتتوقف طويلاً عند المواجهة التي حصلت بين الرئيس شيراك والرئيس بوش بمناسبة قمة براغ. هلّا توسعت في سرد ما حصل.
ـــ نعم بالطبع. هذه القمة حصلت يوم 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2002، في زمن كان التوتر فيه على أشده، وكانت منطقة الشرق (الأوسط) على أهبة حرب بدا بقوة أنها آتية. وفي لقاء ثنائي مع الرئيس بوش، سعى الرئيس شيراك إلى زحزحة نظيره الأميركي، وثنيه عن خوض مغامرة غير محسوبة النتائج، وتوسع في طرح حججه. وما لفتني وأنا حضرت الاجتماع، أن بوش لم يكن ينظر إلى شيراك وهو يتحدث. وما قاله شيراك يمكن تلخيصه كالتالي: «إن حرباً ضد العراق سيكون من نتائجها ضرب الاستقرار في المنطقة، وإيصال الشيعة الموالين لإيران إلى السلطة في بغداد، وتعزيز تأثير طهران في سوريا، وأيضاً في لبنان عبر حزب الله».

جندي أميركي يطلب من عراقيين إثبات عدم حملهم أحزمة ناسفة على طريق الدورة ببغداد في 10 أبريل 2003 (أ.ف.ب)

وأضاف شيراك: «حربكم ستكون فاقدة للشرعية وسوف تحدث انقساماً داخل الأسرة الدولية، وستفقد الغرب التقدير الذي يتمتع به لدى الآخرين، فضلاً عن أنها ستكون مصدر فوضى التي بدورها ستستولد الإرهاب». لكن حججنا اصطدمت بحائط من انعدام التقدير والإنكار ولم تؤخذ بعين الاعتبار. وقبل براغ، كانت لدينا قناعة أن واشنطن ذاهبة إلى الحرب بأي ثمن، وتوقفنا ملياً عند ما قاله الرئيس بوش في خطابه الشهير في قاعدة «ويست بوينت» العسكرية، في يونيو (حزيران) من عام 2022، حيث وضع العراق فيما سماه «محور الشر». وكان شيراك بالغ القلق، وقد اعتبر أن ضم العراق إلى «محور الشر» حمّال مخاطر بالنسبة لمنطقة بالغة الهشاشة التي هي الشرق الأوسط، حيث هشاشتها سياسية ودينية وطائفية. وكان شيراك قلقاً من نسف التوازنات الهشة التي تعيشها المنطقة. ولذا، كان على تواصل مع كافة قادتها لاستشارتهم والتعرف على مخاوفهم وتحليلاتهم وقد كان يعرفهم جميعاً.
> فهمت منك سابقاً أن الغزو الأميركي لم يكن عملاً معزولاً، بل جاء في سياق محدد. هل لك أن تتوسع في شرح رؤيتك؟
ــ حرب العراق جاءت في لحظة تيقنت فيها الولايات المتحدة، ومعها العالم الغربي، أنها ربحت السباق في مواجهة الاتحاد السوفياتي الذي انهار من غير أن تقوم بينه وبين الغرب مواجهة عسكرية. وذهب بعضهم إلى أن اعتبر أن ذلك كان بمثابة «نهاية التاريخ». بيد أن عدداً من المنظرين والآيديولوجيين رأى أن الانتصار لم يكن كاملاً، وحتى يكتمل يتعيّن التخلص من الديكتاتوريات وعلى رأسها الديكتاتورية العراقية التي كان صدام حسين على رأسها.
وكانت الولايات المتحدة، مع غطرستها، ترى وقتها أن الشرق الأوسط ضروري للتوازن العالمي، ولذا يتعين العمل من أجل فرض «شرق أوسط جديد» في إطار إعادة تنظيم وتركيب العالم وفق الرؤية الأميركية، وهذا كان مشروع من يسمون بـ«المحافظين الجدد». وطرحهم هذا كان قبل الحرب وبعدها. إلا أن الأمور لم تسر وفق رؤيتهم. وإذا كان صحيحاً أنهم نجحوا في تشكيل تحالف يضم 49 دولة للتدخل في العراق، فإن دولاً رئيسية رفضت خططهم وعلى رأسها فرنسا وروسيا والصين، وهي ثلاث دول دائمة العضوية في مجلس الأمن. ويتعين التركيز على حالة ألمانيا التي رفضت السير في الركب الأميركي، وكانت هذه المرة الأولى التي تفترق فيها عن السياسة الأميركية. نحن التزمنا بموقف واضح، وفحواه أن لا شرعية لعمل عسكري في العراق من غير قرار من مجلس الأمن. وبتفصيل أكبر، قلنا إننا متمسكون بمضمون القرار 1441 الذي نص على إرسال مفتشين دوليين إلى العراق للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل التي ادّعى الأميركيون أن العراق يملكها. وقلنا أيضاً إن وضع عوائق بوجه عمليات التفتيش ستدفع مجلس الأمن للاجتماع والنظر في الحاجة لعملية عسكرية. والحال، أنهم لم يواجهوا أي عوائق. من هنا كان رفضنا للسياسة الأميركية. وأود أن أضيف أن شيراك كان يرى أن قبول صدام التفتيش من غير اعتراضات يعني أن لبنة أساسية من سلطته قد تدحرجت، وأن سلطته سوف تنهار بسبب تركيبة نظامه، وبالتالي لا ضرورة للتسرع في العملية العسكرية التي هي، بنظرنا، فاقدة للشرعية ما دام مجلس الأمن لم يجزها. ثم علينا ألا ننسى الرفض الشعبي للحرب كما برز ذلك مع المظاهرات الضخمة التي حصلت في الكثير من العواصم ومنها الغربية.

الرئيس السابق جورج بوش يعلن على متن حاملة طائرات أميركية أن «المهمة أُنجزت» بإطاحة النظام العراقي في 1 مايو 2003 (أ.ب)

> في فنون الدبلوماسية كل كلمة أو إشارة لها مدلولاتها. ما الذي فهمتموه من رفض بوش حتى الالتفات إلى شيراك وهو يعرض حججه؟ هل هو تعبير عن الغطرسة والفوقية؟
ــ ما فهمناه أنه موقف رافض للاستماع لحجج الآخرين، أي عملياً هو يرفض الحوار. وأكثر من ذلك، لقد خرجنا من ذلك الاجتماع بقناعة مفادها أن الجانب الأميركي ماض في خطته وليس مستعداً للتراجع أو التمهل، ولا حتى الاستماع لما يقوله الآخرون. وأريد أن أضيف أن الأميركيين اتهمونا بالكذب، وسمعت من نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفوفيتز يقول لي: «نحن نعرف أنكم تعرفون أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل لكنكم تريدون التستر وحماية النظام». وبحسب المسؤول الأميركي، فإن مخابراتنا أبلغتنا بحيازة صدام هذه الأسلحة، والحال أنه لم تكن لدينا معلومات خاصة بهذا الشأن. وأود أن أخبرك أن الأميركيين مارسوا أقصى الضغوط علينا لنقف إلى جانبهم، ومن أجل إضفاء الشرعية على تدخلهم العسكري، ولكننا قاومنا ورفضنا، وأدى ذاك إلى تباعد بيننا وبينهم، وقامت حملات أميركية استهدفتنا. وأريد أن أقول إن الولايات المتحدة هاجمت روسيا؛ لأنها غزت أراضي أوكرانية من غير مبرر شرعي، وأنها هشمت القانون الدولي... والحال أن واشنطن هي أول من نسف القانون الدولي بغزوها العراق من غير مبرر جدي ومن غير غطاء دولي، الأمر الذي أدى إلى إحداث انقسام عميق للأسرة الدولية. من هنا، جاءت مساعي شيراك لاحقاً لإعادة اللحمة للأسرة الدولية، بل معاودة التعاون مع واشنطن.
> رغم الجفاء بينكم وبين واشنطن، هل أبلغتم بموعد العملية العسكرية؟
ــ بداية عام 2013، طلب مني شيراك السفر إلى واشنطن لجلاء الموقف بشكل نهائي، ومعرفة آخر تطورات الموقف الأميركي. وهناك التقيت مستشارة الرئيس بوش للأمن القومي كوندوليزا رايس التي سألتها: ما الذي تطلبونه للتخلي عن خطة غزو العراق؟ وكان جوابها: أن يرحل صدام، وأن يتم التخلص من الإدارة العراقية الحالية، وجلاء ملف أسلحة الدمار الشامل. عندها تشكل يقيننا بأن ما تريده واشنطن هو تغيير النظام؛ ما يشكل أولى أولوياتها، فيما أسلحة الدمار الشامل تبدو وكأنها حجة. وردي المباشر على السؤال الأخير أن الإدارة الأميركية لم تخطرنا بموعد انطلاق العملية العسكرية التي كان التحضير لها قائماً على قدم وساق، لا بيوم انطلاقها ولا بساعته. لكن المعلومات التي كانت تصلنا من أجهزتنا كانت كلها تشير إلى أن الحرب لن تتأخر. وفي بداية شهر مارس (آذار)، قبل أيام من بدء الغزو، عقد شيراك مؤتمراً صحافياً قال فيه إن الحرب مقبلة، وأننا حاولنا بكافة الوسائل المتاحة لنا أن نحول دون اندلاعها ولكننا لم ننجح.
> ثمة العديد من الدول الأوروبية مثل إسبانيا وإيطاليا وبولندا وخصوصاً بريطانيا وقفت إلى جانب الولايات المتحدة في حربها. أريد منك أن تلقي الضوء على موقف لندن ورئيس الوزراء وقتها توني بلير.
ــ أعتقد أنه التحالف الأنجلوــ ساكسوني التقليدي. لكن السياسة التي سارت عليها حكومة بلير تشكل بالنسبة لي سرّاً ولغزاً. فإذا ولجت أميركا الحرب دون النظر في النتائج العميقة المترتبة على تدخلها العسكري، فيمكن رد ذلك لعدم فهمها العميق لشؤون المنطقة. أما أن تسير بريطانيا وراءها فهذا أمر غير مفهوم؛ نظراً لكونها موجودة فيها لعقود طويلة، وتعرف تفاصيلها ومشاكلها والتبعات المترتبة على الحرب.
> هل ملف أسلحة الدمار كان مجرد حجة أم أن الأميركيين كانوا واثقين مما يزعمونه وأنه كانت لهم قرائنهم وأدلتهم؟ وما رأيك بموقف وأداء وزير الخارجية الأميركي وقتها كولن باول؟ هل غرر به وأعطي معلومات خاطئة كالتي شرحها في اجتماع شهير لمجلس الأمن؟
ــ نحن لم نحصل من الأميركيين على أي بينات تؤكد مزاعمهم. أعتقد أن باول رجل محترم، وأنه كان صادقاً في خطابه أمام مجلس الأمن، وأنه كان يعتبر أن المعلومات التي وصلته من أجهزة المخابرات موثوقة ودقيقة. لكنه لاحقاً وفي عام 2008 تحديداً، عبّر عن خيبته وعن خجله مما قاله أمام مجلس الأمن؛ ما يعني أنه كان يصدق ما وصله من الأجهزة حول أسلحة الدمار الشامل. ورأيي أن الأميركيين خلصوا إلى تصديق المزاعم التي روجوا لها بأنفسهم. وعلى أي حال، صدام لم يكن قديساً، وسبق له أن استخدم السلاح الكيماوي في حربه على إيران ولاحقاً ضد الأكراد. لكن الأميركيين عجزوا عن تقديم أدلة جادة عن امتلاكه أسلحة دمار شامل أخرى.
> بعد 20 عاماً على هذه الحرب، ما نظرتك الإجمالية لتداعياتها على المستوى الدولي؟
ــ العبرة الأولى التي أتوقف عندها أن فرنسا فعلت حسناً في الوقوف بوجهها ومحاولة منع حصولها. ورغم أننا لم ننجح في منعها، إلا أننا نجحنا في تجنب إلصاق تهمة الإخلال بالقوانين والمواثيق الدولية عن الغرب بكليته من زاوية السير بحرب غبر مبررة ولا تحظى بالشرعية الدولية. كذلك تتعين الإشارة إلى أن التهديد باللجوء إلى سلاح الفيتو في مجلس الأمن ووجود ثلاث دول معارضة تتمتع بهذا الحق في المجلس دَفَعا واشنطن ولندن إلى الامتناع عن طرح مشروع قرار يجيز لهما الحرب في المجلس المذكور؛ لأن مصيره الفشل. وأريد أن أضيف أن هذه الحرب كانت بمثابة نقطة فاصلة بين عصر قديم وعصر جديد. كذلك، أذكر بقول شهير اعتبر أن حرب العراق «شكلت نقطة النهاية للهيمنة الغربية على العالم التي دامت 400 عام». ولقد بينت هذه الحرب بروز مراكز قوة جديدة لعالم متعدد الأقطاب وبروز دور ما يسمى البلدان «الناشئة»، كما أحدثت اختلالات في الأحلاف الموجودة، حيث رفضت دول أعضاء في الحلف الأطلسي، مثل فرنسا وألمانيا، الوقوف إلى جانب أميركا. وحالة ألمانيا جديرة بالانتباه؛ لأنها كانت المرة الأولى التي تبعد فيها برلين عن واشنطن. وقال وزير الخارجية الألماني الأسبق يوشكا فيشر إن الحرب الأميركية على العراق كانت الحافز لتشكل «وعي أوروبي» في قارة قديمة تعبت من الحروب، وهو ما أشار إليه دومينيك دو فيلبان، وزير الخارجية الفرنسي وقتها، في خطابه أمام مجلس الأمن.
> ثمة قناعة مترسخة أن الأميركيين ارتكبوا بعد احتلال العراق الكثير من الأخطاء وأولها ربما حل الجيش العراقي على يدي المبعوث الأميركي وحاكم العراق بول بريمر. ما تحليلك؟
ــ نظام صدام كان ديكتاتورياً، وقد حكم العراق بيد من حديد. والعراق بلد متنوع وفي بيئة إقليمية صعبة تتأرجح بين العالم التركي والإيراني والكردي والعربي... وهو مفترق حضارات وديانات، وبالتالي هو في حالة بحث دائم عن التوازنات. وديكتاتورية صدام أوجدت ضوابط وسيطرت على الوضع. ولكن مع انهياره ودخول الأميركيين الذين ربحوا الحرب بسهولة بفضل ما حشدوه من إمكانيات عسكرية هائلة، أصبحت إدارة البلاد بيدهم، وقرار بريمر الذي لم يكن يملك الخبرات المطلوبة، بحل الجيش العراقي، كانت له نتائج سيئة؛ إذ إن العسكريين رجعوا إلى بيئاتهم وحملوا أسلحتهم معهم. والجميع يعلم أن توافر السلاح بالتلازم مع وجود مشاكل معقدة يفتح الباب لحروب أهلية، وهو ما حصل في العراق. والحال أن الدول التي تمتلك إدارة وأجهزة قوية تحصر السلاح بقواتها الأمنية وبجيشها. وأريد أن أضيف أن الحرب الأميركية أسقطت التوازنات التي أقرها القرار الدولي للعام 1988 الذي وضع حداً للحرب العراقية ــ الإيرانية؛ بمعنى أنها أسقطت ما يمكن تسميته «العقدة العراقية» بوجه إيران. وأذكر أن شيراك كان دائماً يشدد على المحافظة على التوازنات في الشرقين الأدنى والأوسط، وهو ما أطاح به العمل العسكري الأميركي.
> لنختتم هذا الحديث بالعودة إلى عالم اليوم. ما الذي يتعين توقعه، إلى جانب مصير الحرب الروسية على أوكرانيا من نزاعات رئيسية في العامين المقبلين أو الأعوام القليلة المقبلة؟
ــ سأقف عند العامين المقبلين اللذين اعتبر أنهما سيكونان بالغي الصعوبة، حيث ستسيطر المنافسة الأميركية - الصينية على المسرح الدولي. فمن جهة هناك الانتخابات الرئاسية في تايوان بداية عام 2024. ثم هناك الانتخابات الأميركية في نوفمبر من عام 2024. ولا أستبعد أن تتكاثر الاستفزازات والتوترات. وأعتقد أن واشنطن سوف تسعى لجر الأوروبيين والحلف الأطلسي وإدخالهما في مواجهتها مع الصين. وبالمقابل، فإن بكين سوف تسعى لتعبئة الدول التي تقيم معها علاقات تجارية واقتصادية ورصها إلى جانبها. والحل أن نصف بلدان العالم هم شركاء للصين.
> ما دور الحلف الأطلسي في المنافسة الأميركية - الصينية؟ هل الصين تدخل في الإطار الجغرافي للحلف؟
ــ في قمة الحلف في يونيو من العام الماضي، ورد في البيان النهائي الذي تبنته المنظمة الأطلسية أن الصين «تشكل تحدياً للمنطقة الأورو - أطلسية»، وبالتالي نرى في ذلك خطوة البداية لجر الحلف. كذلك تتعين الإشارة إلى أن رؤساء حكومات أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية حضروا القمة الأطلسية في مدريد.
> ثمة من يعارض من الأوروبيين هذا التوجه، ومنهم فرنسا وألمانيا.
ــ هذا صحيح. لذا أعتبر أن الزيارة التي قام بها المستشار الألماني أولاف شولتس إلى بكين، وتلك التي سيقوم بها الرئيس الفرنسي الشهر المقبل، بالغتا الأهمية؛ لأنها تُسمع الصينيين أصواتاً مختلفة عن تلك التي يسمعونها من الأميركيين. وعلى أي حال، فإن الخطة الأميركية تقوم على تأطير الأمن العالمي حول الحلف الأطلسي.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟

اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)
اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)
TT

هل ينعقد «مجلس الشعب» في الموعد الذي حدده الرئيس الشرع؟

اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)
اجتماع الرئيس أحمد الشرع بأعضاء اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب يوليو 2025 (صفحة الرئاسة)

يحتاج عقد أولى جلسات البرلمان السوري (مجلس الشعب) في الموعد الذي حدده الرئيس السوري أحمد الشرع في أنطاليا قبل أيام، إلى تكثيف الجهود والتعجيل في اختيار الأعضاء الممثلين عن محافظة الحسكة، حيث تستعد «اللجنة العليا للانتخابات» لمعالجة الملفات الشائكة المرتبطة بانطلاق أعمال المجلس.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد ذكر خلال مشاركته في مؤتمر أنطاليا الدبلوماسي، الجمعة الماضي، أن أولى جلسات البرلمان السوري ستعقد في نهاية شهر أبريل (نيسان) الحالي، وأن مجلس الشعب المقبل يتضمن جدول أعمال يُشكّل من خلاله مسار مرحلة ما بعد السنوات الخمس الانتقالية، ومن أبرزها صياغة الدستور الذي سيضع أساساً للقوانين ومهام مؤسسات الدولة وتحديد صلاحيات ومهام رئيس الجمهورية وشكل الحكم في سوريا الجديدة، وكلها سيُجري التصويت عليها.

ومن المتوقع أن يعلن مكتب الرئيس الشرع عن أسماء ممثليه الذين يشغلون ثلث مقاعد المجلس، بعد المصادقة على أسماء الناجحين في انتخابات الحسكة شمال شرقي سوريا، ليكتمل بذلك نصابه ويكون جاهزاً لأولى الجلسات البرلمانية.

الحسكة وحساسية التنوع

تصريحات الرئيس الشرع تشير إلى وجود تقدم كبير في الملفات التي كانت تعيق انطلاق جلسات البرلمان واكتمال نصابه، وفي مقدمتها محافظة الحسكة، إلا أن الإعلان أثار أيضاً حالة من القلق إزاء المدة المفترضة لإنهاء انتخابات المحافظة لتتناسب مع الموعد المحدد.

ويرى أصحاب هذا الرأي، ومنهم الباحث المتعاون مع معهد الشرق الأوسط، سامر الأحمد، أن طبيعة المحافظة والتنوع العرقي والطائفي والمجتمعي فيها يفرضان على الحكومة السورية التعامل بتأن وخطوات مدروسة مع العملية الانتخابية التي تحمل أيضاً تبعات ورسائل سياسية، خصوصاً أن هذه الأمور يجب مراعاتها في آلية اختيار الممثلين وقبلها اللجان الفرعية والهيئات الناخبة.

ويشير الأحمد إلى الحضور الثقافي والسياسي في المحافظة وتعدد الأحزاب السياسية الناشطة، وفي مقدمتها الأحزاب الكردية والسريانية، إضافة إلى القبائل ومجالسها التي تأخذ طابعاً سياسياً، وأيضاً المجتمع الثائر، وأخيراً كيان الإدارة الذاتية.

هذا التنوع، كما يقول الأحمد، يضفي على انتخابات الحسكة حساسية خاصة، تحتم على دمشق العمل على إرضاء جميع الأطراف ومنع فتح أبواب التدخل الخارجي. وأضاف: «هذه الانتخابات تخضع لتفاهمات 29 يناير (كانون الثاني) بين (قسد) والحكومة السورية، وقد تطالب (قسد) بحصة خاصة على غرار حصة الرئيس السوري، أو قد يحدث تعطيل، كما جرى قبل أيام برفض تسليم المكاتب والقصر العدلي في القامشلي، وهي أمور يجب أخذها في الاعتبار، وتحتاج إلى الوقت الكافي».

محافظ الحسكة نورالدين أحمد استقبل السبت وفد «اللجنة العليا للانتخابات» التي تستعد لانتخابات الحسكة استكمالاً لمقاعد مجلس الشعب (محافظة الحسكة)

من جهته، يتوقع عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، محمد ولي، أن تأخذ العملية الانتخابية في محافظة الحسكة فترة تتراوح بين 15 و21 يوماً.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «اللجنة باشرت التحضير لاستئناف العملية وفق المقاعد المخصصة لمحافظة الحسكة، من خلال تشكيل الهيئة الناخبة التي بدأت بالتواصل مع الفعاليات الرسمية والمجتمعية، حرصاً على تمثيل جميع المكونات السورية في أول برلمان سوري بعد التحرير».

ويلفت ولي إلى أن «تأجيل الانتخابات في محافظة الحسكة (سابقاً) وتأخر انطلاق مجلس الشعب الجديد، كان بدافع الحرص على توفير بيئة ملائمة للانتخابات هناك، في ظل سيادة الدولة السورية وحرصها على وجود ممثلين من المحافظة التي تمثل جزءاً أصيلاً من سوريا».

الرئيس السوري أحمد الشرع خلال جلسة حوارية في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا الجمعة (إعلام تركي)

وأكد أن العملية الانتخابية أطلقت استحقاقها مع زيارة اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب للحسكة قبل أيام، ولقاء المحافظ والمبعوث الرئاسي، لتطبيق اتفاقية 29 ديسمبر (كانون الأول) والبدء بالترتيبات اللوجستية والتنظيمية، والتشاور لإعلان القوائم الأولية للجان الفرعية للانتخابات التي بدورها ستقوم بتشكيل الهيئات الناخبة.

نهاية الأسبوع الأول من مايو؟

تتفق مصادر حكومية سورية مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» مع الرأي القائل بصعوبة عقد أولى جلسات البرلمان خلال الفترة التي حددها الرئيس الشرع، «سنشهد صدامات واعتراضات على غرار ما حصل في انتخابات الرقة الأخيرة».

واستبعدت المصادر أن «تكون السلطة السورية متمسكة بالموعد المعلن عنه، ورأت أنها ستتوافق مع مطالب شعبية في الحصول على مهلة أطول، مرجحة أن يكون موعد انطلاق مجلس الشعب نهاية الأسبوع الأول من شهر مايو (أيار) المقبل». وتعتقد أن «التصريحات الرئاسية الأخيرة تعكس رغبة السلطة التنفيذية في بدء السلطة التشريعية ممارسة مهامها، خصوصاً مع وجود العديد من الملفات العالقة التي تحتاج موافقتها، وفي مقدمتها القوانين الداخلية وملف الدستور والعدالة الانتقالية، والاتفاقيات الخارجية».

انتخابات مجلس الشعب لدائرتي تل أبيض ورأس العين بمحافظة الرقة أكتوبر الماضي (اللجنة العليا للانتخابات)

وشددت المصادر الحكومية على أن الإدارة السياسية أولت أهمية لوجود ممثلين عن عموم المنطقة الشرقية ووصولهم إلى قبة البرلمان عبر انتخابات مماثلة لما حدث في المحافظات السورية الأخرى، لضمان شرعية المجلس وتمثيله عموم السوريين.

وسبق أن شهدت محافظة الرقة التي كانت تخضع لسيطرة «قسد»، انتخابات محلية أسفرت عن اختيار أربعة أعضاء، ثلاثة منهم عن دائرة الرقة، والأخير عن مدينة الطبقة، ليكتمل نصاب ممثلي المحافظة بوجود عضوين عن دائرة تل أبيض في الانتخابات التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني).

السويداء وثلث الرئيسد

الحديث عن الحسكة يفتح ملف انتخابات السويداء، إلى جانب حصة الرئيس السوري في المجلس، المحددة بالثلث، والتي يعتقد أنها ستكون الإطار المحافظ على توازن التمثيل السياسي والاجتماعي بما يراعي أوضاع البلاد المعقدة والشائكة.

ويرى مدير «مركز الحوار السوري للدراسات»، أحمد قربي، أن الحل في السويداء لا يزال بعيداً مع استمرار جماعة «الهجري» برفع مطالب الانفصال، وبالتالي عجز الحكومة عن إقامة انتخابات برلمانية في المحافظة، ما يدفعها إلى خيارات أكثر واقعية لتفادي هذه المعضلة.

يتوقع قربي أن يكون هناك استثناء لحصة محافظة السويداء من الأعضاء المنتخبين المحددة بثلاثة مقاعد من أصل 140، ليتم تعويضها من حصة الرئيس المؤلفة من 70 مقعداً، وفق المادة 24 من الإعلان الدستوري الفقرة الثالثة التي تشير إلى أن هذا الثلث يهدف إلى ضمان التمثيل العادل، والذي يمكن قراءته بضمان التمثيل الإثني والطائفي والجندري، ما يرجح ضمان وجود ممثلين عن الطائفة الدرزية تحت قبة البرلمان.

عضو لجنة الانتخابات في الرقة تؤدي اليمين أمام رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد (سانا)

يوضح قربي أن هذا الحل لن يكون وفق قاعدة «الكوتا» أو المحاصصة، بقدر ما هو ضمان لوجود ممثلين عن عموم المجتمع السوري، وتغطية الفراغات التي تكون قد ظهرت خلال الانتخابات، ومراعاة الكفاءة، وترميم غياب بعض التخصصات، وفق المعايير الانتخابية التي تقوم على التمثيل العادل والكفاءات.

ويقول: «لا يمكن تعطيل برلمان دولة بحضور 207 أعضاء من أصل 210، وتستطيع الحكومة تغطية غياب الطائفة الدرزية من خلال اختيار شخصيات من مناطق تضم المكون الدرزي، مثل جرمانا وأشرفية صحنايا، إضافة إلى شخصيات تحمل ثقلاً وازناً داخل السويداء رافضة لمطالب الانفصال».

ضرورة إطلاق البرلمان

إلى جانب الدور التشريعي الذي يمثل عماد عمل مجلس الشعب وسن الأنظمة وتعديل القوانين المخالفة للإعلان الدستوري، التي لا تزال سارية حتى اليوم بسبب غياب المؤسسة التشريعية، تبرز حاجة سياسية إلى وجود المجلس بحد ذاته، وهو أمر يؤكده عضو مجلس الشعب الجديد المنتخب، عبد العزيز مغربي، الذي يعتبر أن انعقاد مجلس الشعب السوري يحمل أهمية كبيرة على المستويين الداخلي والسياسات الخارجية.

مبنى مجلس الشعب في دمشق ينتظر عقد جلسته الأولى (أ.ف.ب)

ويقول: «لأول مرة، وبعد عقود من تعطيل دور مجلس الشعب فترة حكم آل الأسد، ينتظر الشعب انعقاد مجلسه ليأخذ دوره الرقابي الذي يعني تفعيل السلطة التشريعية لدورها في سوريا، وتحسين عمل المؤسسات عبر اقتراح القوانين وإقرارها وتعديل القوانين السابقة التي قد تتضمن ثغرات تتسبب في البيروقراطية والتعطيل، إضافة إلى إقرار الموازنة العامة للبلاد، وهي من أبرز مهام المجلس».

ومن المتوقع أن يعلن مكتب الرئيس الشرع عن أسماء ممثليه الذين يشغلون ثلث مقاعد المجلس، بعد المصادقة على أسماء الناجحين في انتخابات الحسكة شرق سوريا، ليكتمل معها نصابه استعداداً لانعقاد أولى الجلسات البرلمانية.

تجدر الإشارة إلى أن عملية انتخابات البرلمان السوري انطلقت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في العديد من المحافظات السورية، وفق نظام انتخابي استثنائي يقوم على فكرة المجمعات الانتخابية، حيث تم اختيار الهيئات الناخبة لكل مدينة ومنطقة بحيث تمثل مكونات وفئات المجتمع، لتقوم هذه المجمعات بانتخاب ثلثي أعضاء المجلس الذين يبلغ عددهم 210 أعضاء.


وزير الخارجية اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: الدولة صاحبة قرار التفاوض مع إسرائيل

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)
وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)
TT

وزير الخارجية اللبناني لـ«الشرق الأوسط»: الدولة صاحبة قرار التفاوض مع إسرائيل

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)
وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي (أرشيفية)

أكد وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، أن لبنان «بدأ يستعيد تدريجياً حقه الطبيعي في تقرير مصيره بمعزل عن حسابات الآخرين»، مشدداً على أن الدولة اللبنانية «وحدها هي صاحبة القرار في التفاوض»، وأن لبنان «ليس تابعاً لأحد ولا ورقة في يد أي محور»، آسفاً لأن مساعي الدولة لتأمين الدعم المالي والسياسي لإعادة البناء، «تواجه طرفاً داخلياً، هو (حزب الله)، الذي لا يزال يقامر بمصير هذه القرى وسكانها خدمة لأهداف وأجندات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية ولا بمعاناة أبناء الجنوب».

وقال رجي في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إن «الأولوية الوطنية اليوم هي استعادة السيادة كاملة غير منقوصة»، مؤكداً أنه «لا خجل في أن تفاوض الدولة اللبنانية إسرائيل إذا كان الهدف إنهاء الحرب، واستعادة الأرض». واستنكر «ما كُشف من شبكات تخريب متنقلة مرتبطة بـ(حزب الله) في عدد من الدول العربية»، مُديناً في الوقت نفسه استهداف الدول العربية الشقيقة واستهداف أمنها واستقرارها.

حصرية التفاوض بيد الدولة

عقدت السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة معوض، مع نظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، لقاءً مباشراً ثانياً في مقر وزارة الخارجية الأميركية، بهدف التباحث في تمديد الهدنة، وتحديد موعد وموقع المفاوضات بين الوفدين المفاوضين، ضمن مسار هو الأول في المحادثات المباشرة منذ عام 1993.

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وزير الخارجية يوسف رجي فبراير الماضي (رئاسة الجمهورية)

وقال رجي: «لقد أدخلت إيران لبنان في حربٍ لم تكن خيار الدولة اللبنانية ولا خيار غالبية اللبنانيين، بل فرضت عليه ضمن مقاربة تَعدّ لبنان ورقة ضغط تُستخدم على طاولة المفاوضات الإقليمية والدولية». وتابع: «من هنا جاءت الخطوة المتقدمة التي قام بها فخامة رئيس الجمهورية جوزيف عون، حين اختار الذهاب إلى مسار التفاوض المباشر، معلناً بوضوح أن الدولة اللبنانية وحدها هي صاحبة القرار في التفاوض، وأن لبنان ليس تابعاً لأحد ولا ورقة في يد أي محور». وشدد رجي على أن «هذه الخطوة لا تقتصر على بعدها التفاوضي، بل تؤسس لاستعادة القرار الوطني المستقل، ولإعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة في الحرب والسلم والسياسة الخارجية».

وجدد رجي التأكيد «أن المسار اللبناني بات منفصلاً عن المسار الإيراني»، وأن «مصلحة لبنان لم تعد رهينة تعثر المفاوضات الإيرانية أو تقدمها»، بدليل أن «الاجتماع التمهيدي الثاني يُعقد فيما المفاوضات المتعلقة بإيران تشهد جموداً وتعقيدات، مما يثبت أن لبنان بدأ يستعيد تدريجياً حقه الطبيعي في تقرير مصيره بمعزل عن حسابات الآخرين». وقال: «هذه نقطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، لأنها تُنهي مرحلة طويلة جرى فيها ربط الاستحقاقات الوطنية بالأجندات الخارجية».

نهاية الساحات

وأكد رجي «أننا لن نقبل بعد اليوم أن يكون لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو منصة للمغامرات العسكرية والسياسية التي يدفع ثمنها اللبنانيون من أمنهم واقتصادهم ووحدتهم الوطنية»، شارحاً: «لقد أثبتت التجارب المتراكمة أن تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراعات لم يجلب له إلا الدمار والعزلة والانهيار، فيما المطلوب اليوم إعادة تثبيت موقعه كدولة ذات سيادة، لا كساحة نفوذ أو خط تماسٍّ دائم».

أهداف التفاوض

وحول أهداف التفاوض، قال رجي إن «ذهاب لبنان إلى التفاوض يهدف إلى معالجة النقاط العالقة بين البلدين، وفي مقدمتها القضايا الحدودية والأمنية والإنسانية»، مشدداً على أن «التفاوض ليس استسلاماً كما يحاول البعض تصويره، بل هو أداة من أدوات الدفاع عن المصالح الوطنية حين يُدار من موقع الدولة وبحسابات دقيقة». وقال إن «ميزان القوى لا يُقاس فقط بالسلاح، بل أيضاً بشرعية الدولة، ووحدة الموقف الوطني، والدعم الدولي، والقدرة على استخدام القانون والدبلوماسية لحماية الحقوق»، مشيراً إلى أنه «من الخطأ الجسيم تصوير لبنان كأنه في موقع ضعف مطلق، كما من الخطأ المقابل تصويره في موقع استسلامي. الحقيقة أن لبنان يستطيع، إذا توحدت مؤسساته، أن يفاوض من موقع المصلحة الوطنية الواضحة».

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي خلال لقائه وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لإدارة عمليات السلام جان بيار لاكروا (أرشيفية - إ.ب.أ)

وأوضح رجي: «الأولوية الوطنية اليوم هي لاستعادة السيادة كاملة غير منقوصة. ولا خجل في أن تفاوض الدولة اللبنانية إسرائيل إذا كان الهدف إنهاء الحرب، واستعادة الأرض، وتأمين سلام مستدام يحفظ كرامة اللبنانيين ويمنع تكرار المآسي، ولا سيما لأهلنا في الجنوب الذين دفعوا أثماناً باهظة من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم». وتابع: «لقد أثبتت المغامرات العبثية التي جرى خوضها عبر ما تسمى (الأذرع) أن نتائجها لم تكن تحريراً ولا نصراً، بل مزيداً من تفكيك الدولة اللبنانية وإضعافها واستنزاف مجتمعها واقتصادها».

حصرية السلاح

ورأى رجي أن لبنان «تأخر كثيراً في تنفيذ القرارات الحكومية والدستورية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، لا سيما سلاح (حزب الله)، في وقت تطالب فيه غالبية اللبنانيين بقيام دولة فعلية تحتكر وحدها حق استخدام القوة». وقال: «حصر السلاح ليس مطلباً سياسياً لفريق ضد آخر، بل هو المدخل الوحيد لبناء الدولة الحديثة، لأن مفهوم الدولة يتناقض جذرياً مع وجود مجموعات مسلحة خارجة عن سلطتها. فلا يمكن أن تقوم دولة بسلاحين، ولا بسيادتين، ولا بقرارين في الحرب والسلم».

وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي (أ.ف.ب)

ولفت رجي إلى أن الوقائع «أثبتت أن السلاح الموازي لم يحرر الأراضي المحتلة، ولم يحمِ المواطن اللبناني، ولم يمنع الدمار، بل أسهم في تعميق الخسائر الوطنية»، موضحاً: «قبل حرب (إسناد غزة) وربط لبنان بالمواجهة الإيرانية، كانت النقاط الخلافية الحدودية محدودة ومحصورة بمسائل معروفة، منها النقاط الثلاث عشرة، ومزارع شبعا، وتلال كفرشوبا. أما بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فقد توسع الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في خمس نقاط، وبعد الثاني من مارس (آذار) الماضي، أصبحت المساحات المحتلة أوسع، فيما دُمّرت عشرات القرى وتعرضت مناطق واسعة للخراب والتهجير». وأضاف: «هذه الحصيلة الكارثية تؤكد أن منطق السلاح المنفلت لم ينتج حماية، بل إن معادلات (حزب الله) القاتلة هي ما فرض في نهاية المطاف مسار التفاوض المباشر بوصفه المخرج الوحيد لاستعادة ما خسره لبنان».

استهداف الدول العربية

وأعلن رجي استنكار الدولة اللبنانية بأشد العبارات «ما كُشف من شبكات تخريب متنقلة مرتبطة بـ(حزب الله) في عدد من الدول العربية». وقال: «هذا السلوك يشكل نموذجاً إضافياً لطبيعة المشروع الإيراني العابر للحدود، وخطورته ليست فقط على سيادة لبنان، بل أيضاً على أمن الدول الشقيقة والصديقة التي لطالما وقفت إلى جانب لبنان في أصعب الظروف». وتابع: «أبلغنا الأصدقاء في الدول المعنية استعداد لبنان الكامل للتعاون القضائي والأمني، ولملاحقة المسؤولين عن هذه الشبكات وتقديم كل مساعدة لازمة. كما نجدد رفضنا المطلق استخدام الأراضي اللبنانية أو أي جهة لبنانية للإضرار بأمن أي دولة عربية أو صديقة».

«حزب الله» يقامر بالجنوبيين

في هذا الوقت، تواصل إسرائيل التفجيرات داخل القرى الحدودية في الجنوب. وقال رجي: «نتابع بقلق بالغ التطورات الميدانية في الجنوب، لا سيما الحزام الأمني الذي فرضته إسرائيل، وتعمل وزارة الخارجية عبر مختلف القنوات الدبلوماسية المتاحة للوصول إلى انسحاب إسرائيلي كامل، وتأمين عودة الأهالي إلى قراهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار». وتابع: «لكن المؤسف أن الدولة، بينما تسعى لتأمين الدعم المالي والسياسي لإعادة البناء، تواجه في المقابل طرفاً داخلياً هو (حزب الله)، لا يزال يقامر بمصير هذه القرى وسكانها خدمةً لأهداف وأجندات لا علاقة لها بالمصلحة اللبنانية ولا بمعاناة أبناء الجنوب».

وقال رجي: «إن المشهد المحزن للقرى المدمرة في الجنوب، وللأهالي الذين خسروا بيوتهم ومواسمهم وأمانهم، يجب أن يشكل لحظة مراجعة وطنية شجاعة»، مضيفاً: «على من تسبب بهذه الحرب وأدخل لبنان فيها رغماً عن إرادة شعبه أن يتحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية والتاريخية، وأن يراجع حساباته قبل فوات الأوان»، مشدداً على أن «لبنان لم يعد يحتمل حروب الآخرين، ولا مشاريعهم، ولا أوهام الانتصارات التي لا تخلّف إلا الخراب». وقال: «المستقبل يجب أن يكون للدولة، للسيادة، وللسلام العادل الذي يحمي جميع اللبنانيين».


فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)
صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)

أجرى رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، جولة «مختصرة» إلى لوكسمبورغ وفرنسا، حيث وفرت له محطته الأولى فرصة للتواصل مع الاتحاد الأوروبي الذي كان وزراء خارجيته يعقدون اجتماعاً دورياً. وعرض سلام وضع لبنان الواقع بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله»، وما يطمح إليه من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وجاءت كلمته أمام الوزراء الأوروبيين واضحة لجهة عرض موقف لبنان ومطالبه، وأهمها اعتبار أن وضع حد للحرب الأخيرة يعد «ضرورة» بالنسبة إليه كونه يعاني من «وضع داخلي أضعف الدولة»، لافتاً إلى أن الدولة التي «لا تمسك بقرار السلم والحرب تبقى دائماً في خطر».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام على مدخل قصر الإليزيه بعد ظهر الثلاثاء (أ.ب)

وأوضح سلام: «لا يمكن أن تقوم دولة مستقلة من غير أسس السيادة ولا سيادة من غير سلطة رسمية واحدة تمسك بناصية القرارات الوطنية». وشرح سلام ما يتوقعه لبنان من المفاوضات، إذ إن هدف الدولة «الاستفادة من الفرصة المتوافرة من أجل التوصل إلى حل نهائي» مع إسرائيل.

ورغم أن سلام لم يعد بقرارات أوروبية جديدة تتناول لبنان، فإنه حصل على دعم سياسي ودبلوماسي لمساعدته على استعادة استقرار لبنان من جهة وتعزيز خياراته وأساسها التوجه إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

وحسب وزير خارجية لبناني سابق، من المهم للبنان أن تلجأ الحكومة إلى تفعيل ما يسمى «الدبلوماسية العامة» لما لها من أثر مباشر على الرأي العام الخارجي، بدل الاكتفاء بالحوار الداخلي بين الأطراف وانتظار زوار الخارج، سيما أن لبنان يعد «الحلقة الأضعف في النزاع الحالي»، وهو بحاجة إلى كل أنواع الدعم.

محطة باريس

بين لوكسمبورغ وباريس، تعد المحطة الثانية الأكثر أهمية بالنسبة للبنان وللعلاقة مع فرنسا. وليس سراً أن باريس لم تستسغ امتناع لبنان عن الرد على يحيئيل ليتر، سفير إسرائيل في واشنطن، عقب لقائه السفيرة اللبنانية ندى معوض حماده، والذي دعا فرنسا إلى «البقاء بعيداً» عن أي مفاوضات مع لبنان.

وكانت فرنسا تفضل أن يصدر رد على ليتر يتضمن تمسكاً بمواكبة لا بل بحضور فرنسي في المفاوضات على غرار ما حصل في خريف 2024 في سياق الاتصالات التي أفضت إلى اتفاق وقف إطلاق النار وتشكيل «آلية الرقابة» أي «الميكانيزم» وضمت آنذاك الولايات المتحدة وفرنسا معاً. وأفادت مصادر الإليزيه أن «فرنسا جزء من البلدان التي لها دور ملموس جداً ومباشر في تعزيز موقع الحكومة اللبنانية» و«دعم عملها بشكل ملموس للغاية» لجهة مساعدتها على نزع سلاح «حزب الله»، مضيفة أن الأميركيين والإسرائيليين «يعون ذلك تماماً».

الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء سلام خلال المؤتمر الصحافي عقب انتهاء محادثاتهما (أ.ف.ب)

فرنسياً، استفاد ماكرون من المؤتمر الصحافي المشترك مع سلام للرد، إذ قال: «الوجود حول طاولة المفاوضات أو عدم الوجود مسألة ثانوية... وفرنسا ليست بحاجة إلى هذه الطاولة حتى تكون إلى جانب لبنان. صداقتنا لهذا البلد لا تحتاج إلى طاولة». وأفادت مصادر فرنسية بأن باريس شعرت بنوع من «الإجحاف» عندما «نسي» الرئيس اللبناني جوزيف عون توجيه الشكر لها لجهودها في دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفرض وقف إطلاق النار لعشرة أيام بين إسرائيل و«حزب الله»، مكتفياً بشكر «الصديق» ترمب والمملكة العربية السعودية. لذا، فإن مصادر الإليزيه وفي حوار عن بُعد مع مجموعة صحافية، شددت على أهمية الدور الذي لعبه ماكرون ومعه الدبلوماسية الفرنسية. بيد أن قراءة واقع الحال تبين أن إصرار لبنان على المشاركة في المفاوضات ما كان ليغير شيئاً، لأن القرار النهائي لدى الولايات المتحدة مكسوبة الولاء لإسرائيل التي «تناهض» كل ما تقوم به باريس.

خيارات ماكرون

ما أكده ماكرون في المؤتمر الصحافي هو أن فرنسا «تدعم لبنان دون تحفظ» في خيار اللجوء إلى المفاوضات المباشرة. وفرنسا، كما لبنان، تدعو إلى «تمديد الهدنة» وإعادة إحياء «آلية الرقابة» كونها تدفع باتجاه «ديمومة الاستقرار الذي لا يمكن أن يكون دائماً إلا بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية»، بالإضافة إلى «تخليها عن أي أطماع» بالأراضي اللبنانية. ودعا تل أبيب إلى أن تعي أن ضمان أمنها «لا يأتي إلا عبر دولة لبنانية قوية وليس عن طريق سياسة زرع الفوضى».

صورة لما تبقى من منزل في بيت ليف قصفته القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

كذلك تبنى ماكرون مقاربة الدولة اللبنانية باعتبار ما قام به «حزب الله» في الثاني من مارس (آذار) بتوجيه عدة صواريخ إلى الأراضي الإسرائيلية بمثابة «خطأ استراتيجي كبير» وربط استقرار لبنان بنزع سلاحه، منوّهاً أن هدفاً مثل هذا «لا يمكن أن يتحقق إلا على أيدي اللبنانيين أنفسهم وبدعم من الأسرة الدولية». ولفت الرئيس الفرنسي إلى أن حصرية السلاح «لا يمكن أن تتوافر بعصى سحرية» بل يجب أن «تندرج في إطار استراتيجية سياسة شاملة».

كذلك أكد ماكرون أن فرنسا مستعدة للوقوف إلى جانب لبنان بعد رحيل قوة «اليونيفيل» نهاية العام الحالي، وتسعى إلى أن تقوم بهذا العمل مع شركائها «الأكثر تعبئة» ووفق ما تريده وتقرره الدولة اللبنانية. وفي سياق تعداد ما تقوم به باريس لدعم الجيش وتقديم المساعدات الإنسانية والتربوية، وبالطبع الدعم السياسي، أضاف إليها استعداد باريس للمساهمة في إعادة إعمار المناطق التي تضررت بسبب الهجمات الإسرائيلية. ووجه ماكرون رسالة تحذيرية لإسرائيل تقول إنه «طالما أن هناك قوة تحتل أراضي لبنانية وتقصف لبنان، فإنها بذلك تضعف إمكانية نزع سلاح (حزب الله)».

ما سبق يؤكد أن باريس، وبغض النظر عن المطبات السياسية والدبلوماسية، عاقدة العزم على مواصلة مساعدة لبنان في هذه المحنة الجديدة رغم أن مواقفها تثير حفيظة إسرائيل وتفاقم توتر العلاقات الثنائية، المتوترة أصلاً. ووفر اللقاء لسلام فرصة لتوجيه عدة رسائل للداخل اللبناني وأولها أن المفاوضات المباشرة «ليست علامة ضعف لكنها عمل مسؤول لاكتشاف كل السبل التي تساهم في استعادة سيادة بلدنا وحماية شعبه».

وإزاء من يتهمه بالخيانة في لبنان ويكيل له التهم والشتائم حرص على تأكيد أنه «لا يسعى للمواجهة مع (حزب الله)، بل إنه يفضل تجنبها». ولمن يتهمونه بالضعف استدرك قائلاً بلهجة حازمة: «صدقوني، لن نسمح لـ(حزب الله) بترهيبنا».