جوزيف فوتيل يكتب: تأملات في حرب العراق

الجنرال فوتيل خلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ في 2016 (غيتي)
الجنرال فوتيل خلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ في 2016 (غيتي)
TT

جوزيف فوتيل يكتب: تأملات في حرب العراق

الجنرال فوتيل خلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ في 2016 (غيتي)
الجنرال فوتيل خلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ في 2016 (غيتي)

تولى الجنرال جوزيف فوتيل منصب قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) بين مارس (آذار) 2016 ومارس 2019، قبل أن يتقاعد في ختام 40 سنة من الخدمة العسكرية. ولكن قبل تقاعده، تولى فوتيل قيادة الفوج 75، الذي نُشر في أفغانستان عام 2001 وفي العراق 2003. في هذه المقالة التي خص بها «الشرق الأوسط»، يتذكر فوتيل حرب العراق ودوره فيها وتداعيات ما بعد الغزو...
في مثل هذا الشهر قبل 20 عاماً، عام 2003، كنت أتولى قيادة كتيبة الكوماندوز الأميركية المشاركة في حرب العراق. كنت عقيداً في الجيش الأميركي في ذلك الوقت، وكنا جزءاً من مجموعة كبيرة من قوات العمليات الخاصة المنتشرة في جميع أنحاء المنطقة. كانت مهمتنا هي القيام بعمليات خلف القوات العراقية لتأمين مواقع البنية التحتية الحيوية ومنع عرقلة القوات الأميركية وقوات التحالف المتجهة إلى بغداد والتجمعات السكانية المهمة الأخرى. نجحنا في مسعانا حيث تمكنا في أول 45 يوماً من استعادة جندي أميركي كان قد تم أسره، واستولينا على «سد حديثة» المنيع واحتفظنا به، وأمّنّا كثيراً من المطارات، ونفذنا كثيراً من الغارات، ودعمنا العمليات التقليدية.
لم تكن عملياتنا الأولى دون ثمن. فبعد أيام قليلة من الاستيلاء على «سد حديثة»، أوقف 3 حراس أميركيون عند نقطة تفتيش نائية سيارة كانت تقترب منهم، خرجت منها امرأة حبلى، وأشارت إلى أنها بحاجة ماسة إلى المساعدة. ومع اقتراب الكوماندوز، فجّرت المرأة الانتحارية قنبلة كانت تخفيها، ما أسفر عن مقتل الحراس الثلاثة على الفور، ليصبح هؤلاء الجنود في طليعة كتيبة طويلة ضمت مئات الجنود الذين لقوا حتفهم جراء العبوات الناسفة. ربما كان على هؤلاء الجنود التيقن من حقيقة تلك المرأة قبل الاقتراب منها، لكن رغبة الأميركيين في مساعدة محتاج في محنة كانت دافعاً قوياً لما حدث، ودفع هؤلاء الجنود حياتهم ثمناً لذلك. لم نكن نقدّر تبعات ذلك في حينها، لكن هذا الهجوم كان مؤشراً مبكراً على مدى وحشية هذه المعركة على مدى السنوات الثماني التالية.
أوضح الرئيس جورج دبليو بوش السبب الرئيسي لخوض الحرب، وهو منع صدام من حيازة أسلحة الدمار الشامل، ومنحت التقارير الاستخباراتية وطرد صدام لمفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة المصداقية لهذا القلق الاستراتيجي. زعم البعض أن العراق كان يؤوي إرهابيّي تنظيم «القاعدة»، وكان صدام منبوذاً من قبل المجتمع الدولي وتحدى قرارات الأمم المتحدة التي فُرضت بعد الحملة الناجحة عام 1991 لطرده من الكويت.
كان الرئيس السابق جورج بوش الأب هدفاً لمؤامرة اغتيال مرتبطة بأجهزة الاستخبارات العراقية. وشنّ الجيش الأميركي عدة حملات قصيرة الأمد خلال عقد التسعينات لردع صدام ومعاقبته على تجاوزاته، واعتبر الأميركيون هذه العمليات امتداداً للحرب العالمية على الإرهاب التي بدأت عقب اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، غير أنه تبيّن لنا أن دوافعنا لشن هذه الحرب لم تكن دقيقة. فبعد إزاحة صدام وحكومته البعثية من السلطة وهزيمة قواته العسكرية وشبه العسكرية، تحوّلت الحرب إلى ما يشبه التمرد الدموي. وأدى ذلك إلى ظهور سلالة اتسمت بالعنف من تنظيم «القاعدة». عدت إلى العراق عدة مرات طوال تلك المعارك، مرات كضابط برتبة عميد، وأخرى برتبة لواء.
رغم الانتكاسة في سجن «أبو غريب»، فقد خدم الرجال والنساء الأميركيون بشرف وشجاعة طيلة الحرب التي دامت 8 سنوات، التي قُتل فيها 3481 أميركياً، وأصيب 31994 آخرون. إن ندبات وجراح القتال المرئية وغير المرئية لا تزال واضحة في مجتمعنا حتى اليوم. فقد ساهمت «إصابات الدماغ الرضحية» و«اضطراب ما بعد الصدمة» في تصاعد معدلات الانتحار بين جنودنا وقدامى المحاربين. كما تحملت عائلات الجنود فراق أحبائهم أثناء فترات الخدمة في العراق، وتآلفت جموع الأميركيين بالاحتشاد حول عائلات الجنود بإتاحة الموارد لهم قبل وأثناء وبعد سفرهم إلى العراق ليملأوا الفراغ الذي عجزت وكالاتنا الفيدرالية والرسمية عن ملئه. وكان السفر عبر مطاراتنا وسماع عبارات الشكر والامتنان أمراً شائعاً. ربما لم يحب الأميركيون تلك الحرب، لكنهم أحبوا من شارك فيها. وكانت لمثابرة رجالنا ونسائنا ثمارها، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2011، عندما انتقلت آخر تشكيلاتنا القتالية إلى الكويت، كان العراق بات دولة مستقرة وسلمية ومستقلة نسبياً. وجاء اختيار رئيس وزرائها المنتخب ديمقراطياً من بين السكان الشيعة المضطهدين سابقاً، وبات العراق مستعداً للعب دوره الجغرافي الاستراتيجي في المنطقة. لكن لسوء الحظ، لم تستمر هذه الحكومة سوى 3 سنوات فقط.

مجلدات كُتبت عن الأخطاء التي ارتكبناها في العراق. لم يكن تخطيطنا الأولي كافياً، ولم نفكر بجدية في الخطوات اللازمة بعد انتهاء العمليات القتالية الرئيسية. فقد أفرطنا في عسكرة سياستنا واستراتيجيتنا ولم نستغل المهارات والقدرات الممتازة لدبلوماسيّينا وحكومتنا. لقد حرمنا فئات كبيرة من القيادة السنيّة من تقلد مناصب في الجهاز الإداري للدولة، وهمشنا المثقفين، ما أوجد مكاناً للقوى والمنظمات المتطرفة. وسجنّا آلافاً من الشباب، ما أدى إلى تسريع وتيرة التطرف، وفشلنا في تأمين التجمعات السكانية، وتركنا المواطنين العراقيين عرضة للهجمات والفوضى، وفشلنا في تقدير الأسس الثقافية العميقة للبلاد.
لقد تعلمنا من بعض أخطائنا، وبعد 4 سنوات من الصراع، قمنا بـ«رفع» أعداد القوات بشكل فعال، ما أدى في النهاية إلى استقرار الوضع الأمني وإتاحة الوقت للحكومة العراقية كي تتفرغ للعمل. لقد استفدنا من تشكيل مجلس «صحوة الأنبار» وجلبنا القيادة السنية للتأثير على مشكلة الإرهاب المتزايدة، وفككنا شبكة «القاعدة»، ووظفنا بشكل أكثر فاعلية قوات عراقية مدربة ومجهزة بصورة حديثة، ما ساعدها على حماية أمنها بنفسها.
كان رحيل القوات الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) 2011 حلواً ومراً في آن واحد. فقد جادل كثيرون، بمن فيهم أنا (في ذلك الوقت جنرال في الجيش)، بأن ترك مجموعة صغيرة من القوات المقاتلة كان ضرورياً للحفاظ على مصالحنا والمساعدة في ترسيخ أسس تقدم العراق. لقد تعلمنا من تجاربنا طوال الحرب العالمية على الإرهاب التي دامت 10 سنوات أن مواصلة الضغط على المنظمات المتطرفة والحفاظ على تحالفنا مع شركائنا كان أمراً ضرورياً للنجاح. في نهاية المطاف، أبقينا على منظمة صغيرة للتعاون الأمني، وانسحبت جميع القوات الأخرى. في البداية، كان التدهور الأمني غير ظاهر، لكن بحلول عام 2014 كان الأمر مروعاً عندما وصل تنظيم «داعش» إلى السلطة واجتاح الجيش العراقي الذي كان مزهواً بنفسه ويتمتع بقدرات كبيرة يوماً ما، وسيطر التنظيم على مساحات واسعة من البلاد، وشّكل حكومة بفكره المنحرف. أصبح العراق نقطة جذب لعشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب في جميع أنحاء العالم، وكان الشعور بعدم الاستقرار الذي أعقب ذلك محسوساً، ليس في المنطقة فحسب، بل أيضاً في أوروبا وأميركا الشمالية وأجزاء أخرى من العالم. ونزح الملايين أو أصبحوا لاجئين، وباتت البنية التحتية للعراق في حالة يرثى لها.
أمر الرئيس أوباما الجيش الأميركي بالرد. وبالفعل شكلنا تحالفاً كبيراً من حوالي 80 دولة ومنظمة، وعدنا إلى العراق وسوريا لهزيمة دولة خلافة «داعش». خلال تلك الفترة، كنت محظوظاً لكوني أتقلد منصباً قيادياً رفيعاً، وأشرفت على تنسيق جهودنا وكنت مسؤولاً بشكل مباشر عن ضمان امتلاك قوات التحالف للموارد والقوة التي تضمن النجاح. وعندما كنت أؤدي واجباتي، كنت أفكر ملياً في تجربتنا السابقة في العراق وكنت عازماً على عدم تكرار الأخطاء ذاتها. ومن بين أهم الدروس كان عدم التركيز على الانتصار في المعارك اليومية. فقد كانت مهمتنا هي تمكين ودعم شركائنا في العراق وسوريا، وتطبيق القدرات الأميركية الفريدة عند الحاجة، والحفاظ على وحدة التحالف لتنفيذ مهمتنا الأساسية، وهي إلحاق الهزيمة بـ«داعش». بالفعل نجحنا عسكرياً في تحطيم دولة الخلافة، لكن النصر السياسي بتحقيق الشعور بالسلام والاستقرار الدائمين كان أقل نجاحاً.
لطالما اعتقدت أن العراق بلد ذو أهمية جغرافية استراتيجية. فهو بلد غني ثقافياً وتاريخياً. يقع العراق بين الخليج والشام، ويبدو أشبه بحاجز بين هاتين المنطقتين المختلفتين بدرجة كبيرة وبين قضاياهما الجوهرية. يتمتع العراق بموارد طبيعية كبيرة، وبنية تحتية حديثة، وإمكانات تؤهله ليصبح قوة اقتصادية. أهله متعلمون ومجتهدون، وهو موطن السنة، والشيعة، والمسيحيين، والأكراد، بكل سماتهم وتوتراتهم البينية التي تسببها تبايناتهم الواضحة.
يتساءل كثير من الخبراء عما إذا كانت حرب 2003 - 2011 تستحق كل هذا العناء، وعما إذا كانت جهودنا قد ذهبت سدى. هناك حجج منطقية لكلا الجانبين. لكني ما زلت فخوراً بخدمتي بعد ما يقرب من 4 سنوات من تقاعدي. وغالباً ما أذكر مجموعات قدامى المحاربين التي أتحدث معها وأجدها فخورة بخدمتها خلال تلك الفترة. ومن الأهمية بمكان النظر إلى الخدمة والتضحية في السياق الذي قدمت فيه. فعدم ظهور العراق (وأفغانستان في هذا الصدد) بالصورة التي تمنيناها لا يقلل من قيمة الجهود التي بذلها كثيرون.
كل جندي أو ضابط بحري أو طيار يريد أن يرى ثمار جهوده. وأعتقد أن هذا ما حدث. فقد منحنا الشعب العراقي فرصة، وكون الأمر قد استغرق وقتاً أطول لتحقيق هذا الغرض لا يعني فشلي وفشل آخرين ممن خدموا في ذلك البلد. ولا يزال يحدوني الأمل في أن نستمر كشركاء متعاونين في العراق. وحتماً سننجح في نهاية المطاف. وفيما نحيي الذكرى العشرين لحرب العراق، لا يزال يحدوني الأمل في أن يقدّر آخرون خدماتنا ويروا أن تضحياتنا لم تذهب سدى.


مقالات ذات صلة

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

المشرق العربي انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

راجت أنباء عن وقوع محاولة لقتل مسؤول كردي سوري بارز في السليمانية بشمال العراق مساء اليوم الجمعة. فقد أورد موقع «صابرين نيوز» القريب من الحرس الثوري الإيراني، نقلاً عن «مصادر كردية»، أن قصفاً استهدف قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي «في محاولة اغتيال فاشلة بواسطة طائرة مسيّرة». من جهتها، أعلنت مديرية قوات الأمن (آسايش) في مطار السليمانية أنها تحقق في انفجار وقع قرب سياج مطار السليمانية دون أن يسفر عن خسائر بشرية أو مادية، مشيرة إلى أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحريق الناجم عنه سريعاً، بحسب موقع «رووداو» الكردي.

المشرق العربي مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

في إحدى الكنائس في الأردن، تخيط العشرينية سارة نائل قميصاً ضمن مشروع أتاح لعشرات النساء اللواتي فررن من العنف في العراق المجاور، مهارات لكسب لقمة العيش. نجت نساء عديدات بصعوبة من العنف المفرط الذي مارسته «دولة الخلافة» التي أعلنها تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من العراق وسوريا، قبل أن ينتهي بهن المطاف في الأردن يعانين للحصول على عمل. تنكب سارة نائل (25 عاماً)، وهي لاجئة مسيحية عراقية من بلدة قرقوش تعلمت مهنة الخياطة في الطابق الثالث في كنيسة مار يوسف في عمان، على ماكينة الخياطة في طرف المكان لتخيط قطعة قماش مشرقة زرقاء اللون تمهيداً لصنع قميص. وتقول سارة التي وصلت إلى الأردن عام 2019 وبدأت تعم

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي «الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

«الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة، أمس (الاثنين)، لصالح الدفع قدماً بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة تأكيد دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال. وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتاً، أي تجاوز الستين صوتاً اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو، مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة أمس (الاثنين) لصالح الدفع قدما بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة التأكيد على دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال، وفقاً لوكالة «رويترز». وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتا أي تجاوز الستين صوتا اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع. وجميع الأصوات الرافضة كانت لأعضاء في الحزب الجمهوري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي 20 عاماً على الزلزال العراقي

20 عاماً على الزلزال العراقي

تحلُّ اليومَ، الأحد، الذكرى العشرون للغزو الأميركي للعراق، وهو حدثٌ كان بمثابة زلزال ما زالت المنطقة تعيش تداعياتِه حتى اليوم. لم يستمع الرئيسُ الأميركي آنذاك، جورج دبليو بوش، لتحذيراتٍ كثيرة، غربيةٍ وعربية، سبقت إطلاقَه حرب إطاحة نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003، وحذرته من أنَّ خطوتَه ستفتح «باب جهنم» بإدخال العراق في فوضى واقتتال داخلي وستسمح بانتشار التطرفِ والإرهاب. أطلق بوش حملةَ إطاحة صدام التي أطلق عليها «الصدمة والترويع» ليلة 19 مارس (آذار) بقصفٍ عنيف استهدف بغداد، في محاولة لقتل الرئيس العراقي، قبل إطلاق الغزو البري.


الخروج المفاجئ للأمير «حسن الأطرش» من السويداء قد يقلب الموازين

الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)
الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)
TT

الخروج المفاجئ للأمير «حسن الأطرش» من السويداء قد يقلب الموازين

الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)
الأمير حسن الأطرش يصافح محافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)

بعد الخروج المفاجئ، لحسن الأطرش أمير «دار عرى» في محافظة السويداء، باتجاه محافظة درعا، ليلة الاثنين - الثلاثاء، توقع مصدر سوري رسمي أن هذا الخروج ستتبعه حالات أخرى هرباً من مناطق سيطرة شيخ العقل، حكمت الهجري، في جبل العرب.

وقال مدير العلاقات الإعلامية في السويداء، قتيبة عزام، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمير حسن الأطرش «أصبح في دمشق»، ويمكنه أن «يوضح الكثير من الحقائق ويقلب الموازين في جبل العرب، كونه شخصية عامة».

ولم يذكر عزام الجهة التي أمنت عملية الخروج للأمير حسن، لكنه ذكر أن السويداء تشهد حالة تململ واسعة جراء السياسة المتبعة في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة السورية. وأضاف: «هناك «سياسة ترهيب وابتزاز وتكتيم للأصوات الوطنية بالسلاح والاغتيال والاختطاف».

حسن الأطرش أمير «دار عرى» في محافظة السويداء (متداولة)

من جهة أخرى، بينت مصادر درزية مقيمة في مدينة السويداء لـ«الشرق الأوسط»، أن «أقارب للأمير حسن ذكروا خلال تواصل معهم، أنه غادر منزله، الاثنين، رفقة زوار كانوا عنده ولم يعد لمنزله بعدها».

وبحسب المعلومات، فإن شخصاً من ريف درعا استضافه وأمن وصوله إلى دمشق».

وذكرت المصادر الدرزية، نقلاً عن شخص لم تسمه وهو على تواصل مع الحكومة السورية، أن «خروج الأمير حسن يأتي ضمن خطة جديدة لحل الأزمة في السويداء».

وتداولت مواقع إلكترونية تعنى بنقل أخبار محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية والواقعة جنوب سوريا، خبر «تأمين خروج» الأمير الأطرش، «الشخصية الاجتماعية والتقليدية البارزة في محافظة السويداء، من ريف المحافظة الجنوبي الغربي، ووصوله إلى محافظة درعا».

صورة أرشيفية لحسن الأطرش أمير «دار عرى» في محافظة السويداء مع شيخ العقل حكمت الهجري

ولم تأت هذه المواقع على ذكر الجهة التي أمنت عملية الخروج. وفي الوقت نفسه، وصفت ما جرى بأنه «سابقة نوعية تتعلق بشخصية اجتماعية وازنة بهذا الحجم من السويداء، حيث يُعد الأمير حسن من الزعماء التقليديين لآل الأطرش، وله دور بارز في المشهد الاجتماعي والسياسي المحلي».

ويأتي خروج الأمير الأطرش من السويداء، في وقت يسيطر فيه الهجري وما يعرف بـ«الحرس الوطني» التابع له، على أجزاء واسعة من السويداء من ضمنها قرية عرى التي توجد فيها «دار عرى»، وذلك ضِمن السعي لما يسمى «دولة باشان» في المحافظة، بدعم من إسرائيل، وبعد رفضه «خريطة الطريق» التي جرى الإعلان عنها من دمشق بدعم أميركي وأردني، سبتمبر (أيلول) الماضي، لحل أزمة السويداء، وكذلك رفض مبادرات للحل أطلقها لاحقاً محافظ السويداء مصطفى البكور.

حديث بين الأمير حسن الأطرش ومحافظ السويداء مصطفى بكور فبراير 2025 (متداولة)

المصادر الدرزية المقيمة في مدينة السويداء عدّت خلال حديثها، أن خروج الأمير حسن «يمكن أن يؤثر على الوضع القائم في مناطق سيطرة الهجري بحكم أن (دار عرى) شكلت عبر التاريخ مركز القرار في جبل العرب، كما أنها مثلت تاريخياً الزعامة السياسية في السويداء، بينما مشيخة العقل مثلت زعامة دينية، وهي أقل مرتبة من الزعامة السياسية».

تضيف المصادر: «(دار عرى) تحظى برمزية كبيرة، والأمير حسن له دور في المشهد الاجتماعي والسياسي المحلي، وقد خرج من السويداء وإذا أطلق التصريحات فقد يوضح الكثير من الحقائق ويقلب الموازين كونه شخصية عامة».

ويتمتع الأمير حسن بمكانة اجتماعية كبيرة في السويداء، وله دور بارز في المشهد الاجتماعي السياسي المحلي في المحافظة، كونه من أحفاد قائد الثورة السورية الكبرى، سلطان باشا الأطرش، التي اندلعت ضد الاستعمار الفرنسي، في عشرينات القرن الماضي.

وأبدى الأمير حسن تأييداً واضحاً للقيادة والحكومة السورية عقب إسقاط نظام حكم بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024.

صورة ذاتية التقطها الأمير حسن الأطرش قرب لوحة لجده سلطان الأطرش أبرز الشخصيات السياسية الدرزية (مواقع)

ومع انفجار أزمة السويداء منتصف يوليو (تموز) الماضي، دعا إلى إنهاء الاقتتال وعدم الانجرار وراء الفتن، مؤكداً ضرورة التواصل مع الدولة ومشايخ العقل ووجهاء المنطقة، للتوصل إلى حل يرضي الجميع.

ومنذ ظهور الهجري بوصفه زعيماً معارضاً للحكم الجديد في سوريا وسيطرته على مناطق في السويداء، عمل على الاستئثار بالقرار في مناطق نفوذه، وهمش باقي المرجعيات الدينية الدرزية (شيخَي العقل يوسف جربوع، وحمود الحناوي) والنخب الثقافية والفكرية.

وأوضحت المصادر الدرزية أن «دار عرى» رمزياً وتاريخياً أعلى سلطة ومكانة من «دار قنوات»، التي يقيم فيها الهجري وتعد مقر الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية.

من جهة أخرى، يقلل اتباع الهجري من أهمية خروج الأطرش ولجوئه إلى دمشق، على مشروعهم، وبحسب متابعين للأوضاع، فإن «الهجمة التي شنت عليه تعبر عن مدى خطورة هذا الأمر على هذا المشروع».

هذا، وتزامن خروج الأمير حسن من جبل العرب مع إعلان مدير الأمن الداخلي لمدينة السويداء، سليمان عبد الباقي، عبر حسابه في «فيسبوك»، أن دخول قوى الأمن الداخلي الحكومية إلى مدينة السويداء سيتم «قريباً»، وأن الهدف من العملية هو «إعادة هيبة القانون وحماية المدينة لا كسرها».


مقتل فتى فلسطيني بانفجار لغم في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية غرب جنين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية غرب جنين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
TT

مقتل فتى فلسطيني بانفجار لغم في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية غرب جنين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية غرب جنين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

قُتل فتى فلسطيني بانفجار لغم قرب معسكر إسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، الثلاثاء، وفق ما أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. وأكد مصدر في وزارة الدفاع الإسرائيلية هذه الواقعة.

وجاء في بيان للهلال الأحمر: «طواقمنا تسلمت جثمان طفل يبلغ من العمر 13 عاماً بعد انفجار لغم في أحد المعسكرات القديمة في الجفتلك بالأغوار الشمالية».

وأكد مصدر في وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (كوغات) مقتل الفتى، مشيرة إلى أنه من قرية الجفتلك.

وكان الجيش الإسرائيلي أعلن، في بيان، «إصابة ثلاثة فلسطينيين نتيجة العبث بمخلّفات ذخيرة» لقواته، موضحاً أن الواقعة سُجّلت في «منطقة معسكر ترتسا ضمن لواء الأغوار والوديان»، قرب قرية الجفتلك والحدود الأردنية.

ولفت الجيش إلى أن المنطقة «تُعدّ منطقة إطلاق نار، والدخول إليها ممنوع وخطير للغاية».

وتقع قرية الجفتلك ومعسكر ترتسا في المنطقة المصنفة (ج) وفقاً لاتفاقات أوسلو بين إسرائيل والفلسطينيين. وتخضع هذه الأراضي للسيطرة الإسرائيلية الكاملة وتنتشر فيها المستوطنات.

وفي حين أن القسم الأكبر من المنطقة القريبة من الحدود مع الأردن مزروع بالألغام، أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية، الشهر الماضي، أنها باشرت نزع الألغام في المنطقة الحدودية في إطار أعمال بناء حاجز جديد، قالت إنه يرمي إلى الحد من تهريب الأسلحة.


السفيرة والدبلوماسية الفرنسية آن كلير لوجاندر الرئيسة الجديدة لمعهد العالم العربي

الرئيسة الجديدة لمعهد العالم العربي آن كلير لوجاندر بمعية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى زيارة مقر الهلال الأحمر المصري في العريش في 8 أبريل 2025 (أ.ف.ب)
الرئيسة الجديدة لمعهد العالم العربي آن كلير لوجاندر بمعية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى زيارة مقر الهلال الأحمر المصري في العريش في 8 أبريل 2025 (أ.ف.ب)
TT

السفيرة والدبلوماسية الفرنسية آن كلير لوجاندر الرئيسة الجديدة لمعهد العالم العربي

الرئيسة الجديدة لمعهد العالم العربي آن كلير لوجاندر بمعية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى زيارة مقر الهلال الأحمر المصري في العريش في 8 أبريل 2025 (أ.ف.ب)
الرئيسة الجديدة لمعهد العالم العربي آن كلير لوجاندر بمعية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى زيارة مقر الهلال الأحمر المصري في العريش في 8 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

عجّلت فرنسا في مسار اختيار بديل عن جاك لانغ، رئيس المعهد العربي، الذي أطاحت به شظايا فضائح الأميركي جيفري إبستين، ودفعته إلى الاستقالة يوم 13 من الشهر الحالي. ففي اجتماع عُقد الخميس في مقر معهد العالم العربي في باريس، صوّت أعضاء مجلس الإدارة الـ14 (نصفهم من السفراء العرب المعتمدين لدى فرنسا والنصف الآخر شخصيات فرنسية) بالإجماع على اختيار آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة والمستشارة الدبلوماسية للرئيس إيمانويل ماكرون للشرق الأوسط، رئيسة جديدة للمعهد الذي يحتفل قريباً بولادته الأربعين.

منذ انتمائها إلى وزارة الخارجية، تنقلت لوجاندر التي تتقن العربية وتتحدثها بطلاقة، في العديد من المناصب، بدءاً من مهمتها ناطقةً باسم سفارة فرنسا لدى اليمن وحتى قصر الإليزيه الذي انضمت إليه مستشارة دبلوماسية للرئيس ماكرون لشؤون المنطقة العربية والشرق الأوسط. وقبل ذلك كانت وجه الخارجية الفرنسية لكنها الناطقة باسم دبلوماسية بلادها، وقد تسلمت هذا المنصب بعد فترة قصيرة من تعيينها سفيرة في الكويت. ومن المناصب الأخرى المهمة أنها شغلت منصب قنصل فرنسا في نيويورك وأيضاً لاحقاً لدى البعثة الفرنسية لدى الأمم المتحدة. وباختصار، فإن الرئيسة الجديدة لمعهد العالم العربي تتمتع بتجربة واسعة في مسائل الدبلوماسية والعلاقات الدولية، إضافة لكونها تعرف العالم العربي عن كثب. ومنذ أن استدعيت إلى قصر الإليزيه، قامت بمهمات عديدة في العواصم العربية مبعوثة من الرئيس ماكرون، أكان في بيروت ودمشق، أو في عواصم الخليج، أو في الجزائر وغيرها... وهي، بالتوازي، وجه مألوف في عالم الإعلام لكونها ناطقة سابقة باسم الخارجية، وبفضل العمل الإعلامي المكثف الذي قامت به منذ وصولها إلى قصر الإليزيه. وتتمتع لوجاندر بالسلاسة في حديثها للصحافة وبتمكنها من الملفات التي تتولى مسؤوليتها.

رئيسة معهد العالم العربي الجديدة تتحدث إلى الصحافة في باحة المعهد بعد اختيارها (أ.ف.ب)

ليس من السهل على آن كلير لوجاندر أن تخلف جاك لانغ على رأس المعهد الذي شغل رئاسته طيلة 13 عاماً، حيث جُدد له ثلاث مرات. وولايته الأخيرة كانت ستنتهي أواخر العام الحالي. فالرجل، رغم المآخذ العديدة التي سيقت بحقه وعلاقته بإبستين التي يقول إنه بريء من كل ما يقال بحقه، أو الانتقادات التي تعرض لها لجهة كيفية إدارته للمعهد، نجح في توفير دينامية كان يفتقر إليها المعهد من خلال الإكثار من المعارض والمؤتمرات والندوات والتركيز على تعليم اللغة العربية. فالرئيس المستقيل البالغ من العمر 86 عاماً يجر وراءه تاريخاً سياسياً وثقافياً كبيراً منذ أن تولى وزارة الثقافة في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران. وأبرز إنجازاته «عيد الموسيقى»، الذي تحول إلى حدث عالمي و«يوم التراث» ومساهمات أخرى مثل توحيد سعر الكتاب وإنشاء العديد من المتاحف في المدن الفرنسية.

وتصل لوجاندر إلى المعهد حاملة مجموعة من المهمات التي كلفها بها وزير الخارجية جان لنويل بارو في رسالة موجهة إلى مجلس إدارة المعهد الذي التأم بجلسة استثنائية صباح الثلاثاء. فحسب بارو، فإن لوجاندر تتمتع بـ«الرؤية الاستراتيجية التي تمكنها من تحمل المسؤوليات الجسام» الملقاة على عاتقها، فضلاً عن تجربتها في العمل العام.

ومن بين مهماتها تحقيق إصلاحات بنيوية رئيسية وإدارة حديثة وإعادة تنظيم واضحة للمعهد وتعزيز موقعه الثقافي. وتريد باريس أن يخرج المعهد إلى العالم الواسع لا أن يبقى معهداً باريسياً، وأن يكون في «خدمة الدبلوماسية الثقافية» لفرنسا.

وفي رسالته، يكشف بار عن طلبه القيام بتشكيل هيئة تتولى دراسة أوضاع المعهد من الناحية المالية وأحوال الموظفين. ولا ينسى باور الإشارة إلى أنه سيطلب سريعاً من مجلس الإدارة أمرين: الأول، تحديد عدد الدورات الرئاسية للمعهد، وثانياً جعل الحد الأقصى للرئاسة لا يتجاوز الـ64 ما من شأنه أن يحميه تكرار حالة جاك لانغ.

وعقب اختيارها قالت لوجاندر للصحافة إنها ستعمل على تريد «إعادة الهدوء والسكينة» إلى المعهد، واستعادة ثقة الجمهور، مشددةً على أهمية ترميم سمعة المؤسسة وطريقة عملها بعد أسابيع مضطربة. وعبرت الرئيسة الجديدة عن «سعادتها الكبيرة» لاختيارها معتبرة أنه يشكل «تحدياً هائلاً» لها، وعبّرت عن عزمها الدفاع عن «الروابط الأساسية للغاية بين فرنسا والعالم العربي».

كذلك وعدت بأنها ستعمل على «مراجعة شاملة» لآلية عمل المعهد، لا سيما على الصعيدين المالي والموارد البشرية، من أجل مزيد من الوضوح والشفافية.

مع خروجها من قصر الإليزيه، يخسر الرئيس ماكرون دبلوماسية تمتلك تجربة واسعة في القضايا العربية وملفات الشرق الأوسط. ويدور البحث الآن عن دبلوماسي يمكن أن يحل محلها، وأن يعمل مع السفير إيمانويل بون، مستشار الرئيس للشؤون الدبلوماسية ومبعوثه في ما يخص مجموعة السبع والقمم الدولية الأخرى.