بنك «يو بي إس» السويسري يجري مفاوضات للاستحواذ على «كريدي سويس»

بنك «يو بي إس» السويسري يجري مفاوضات للاستحواذ على «كريدي سويس»
TT

بنك «يو بي إس» السويسري يجري مفاوضات للاستحواذ على «كريدي سويس»

بنك «يو بي إس» السويسري يجري مفاوضات للاستحواذ على «كريدي سويس»

يجري بنك «يو بي إس» أكبر المصارف السويسرية محادثات للاستحواذ على كريدي سويس بالكامل أو بشكل جزئي، بحسب تقرير نشر في صحيفة «فايننشال تايمز».
وواجه «كريدي سويس» ثاني أكبر البنوك السويسرية، ضغوطا هذا الأسبوع بعدما تسبب انهيار مصرفين أميركيين مقرضين بأزمة في القطاع. ومع إغلاق الأسواق المالية الجمعة، كانت أسهم البنك قد انخفضت بنسبة 8 في المائة.
وأبلغ البنك المركزي السويسري وهيئة الرقابة على الأسواق المالية نظراءهما في الولايات المتحدة وبريطانيا بأن خطتهما «الأولى» لوضع حد لأزمة الثقة التي تواجه كريدي سويس هي بدمجه مع يو بي إس، حسبما نقلت فايننشال تايمز عن مصادر لم تسمها.
وقال المصدر إن البنك المركزي السويسري: «يريد من المقرضين الاتفاق على حل بسيط ومباشر قبل فتح الأسواق المالية الاثنين».
كما أقرّ بأنه «لا ضمان» للتوصل إلى اتفاق.
ويريد «يو بي إس» تخمين مخاطر الاستحواذ الكلي أو الجزئي على منافسه، والتي قد تمثلها على أعماله، حسبما قال مصدر آخر للصحيفة.
واعتُبر «كريدي سويس» الذي يشهد صعوبات منذ عامين، حلقة ضعيفة في القطاع المصرفي بسبب عدد من الفضائح وبرنامج كبير لإعادة الهيكلة أُطلق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وتعرّضت قيمته السوقية لضربة كبيرة هذا الأسبوع وسط مخاوف من انتقال عدوى انهيار مصرفين أميركيين، هما «سيليكون فالي بنك» و«سيغنيتشر بنك». ويضاف ذلك إلى نشر تقريره السنوي الذي أشار إلى «نقاط ضعف جوهرية» في ضوابطه الداخلية.
غير أن أسهمه انخفضت بشكل حاد الأربعاء بعد رفض «البنك الأهلي السعودي» المساهم الرئيسي فيه، تقديم مزيد من المساعدات المالية للمصرف المتعثر بسبب ضوابط تنظيمية.
وبحلول مساء الأربعاء، تعهد البنك المركزي السويسري إقراض «كريدي سويس» 53.9 مليار دولار في مواجهة الضغوط.
وكان محللون من «جي بي مورغان» قد طرحوا فكرة استحواذ «يو بي إس» على «كريدي سويس»، معتبرين أنها السيناريو «الأكثر ترجيحا».
وكثيرا ما تبرز فكرة اندماج أكبر البنوك السويسرية لكنها تُرفض عموما على خلفية المنافسة ومخاطر ذلك على استقرار النظام المالي السويسري، بالنظر إلى حجم البنك الذي سينجم عن ذلك الاندماج.


مقالات ذات صلة

القطاع المصرفي لم يعد الأكثر أهمية للاقتصاد السويسري

الاقتصاد القطاع المصرفي لم يعد الأكثر أهمية للاقتصاد السويسري

القطاع المصرفي لم يعد الأكثر أهمية للاقتصاد السويسري

لم تعد سويسرا دولة مصرفية، حيث إن صناعات أخرى أسهمت أكثر في الاقتصاد، وفق صحيفة سويسرية بارزة. وقالت صحيفة «بليك»، أمس (السبت)، إن استحواذ مجموعة «يو بي إس» على مجموعة «كريدي سويس» سوف يقلل أكثر أهمية القطاع المصرفي الاقتصادية للبلاد، التي تراجعت بالفعل إلى أقل من 5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي من نحو 8 في المائة قبل الأزمة المالية العالمية، بحسب وكالة «بلومبرغ» للأنباء. وتفوقت صناعة العقاقير والكيماويات التي تشكل نحو 3.‏6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، على الأهمية الكلية التي كان يشكلها القطاع المصرفي للاقتصاد السويسري. ونقلت «بلومبرغ» عن الخبير الاقتصادي أليكسندر راتك من معهد «كيه أ

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم سويسرا تفرض عقوبات على مجموعة «فاغنر» الروسية

سويسرا تفرض عقوبات على مجموعة «فاغنر» الروسية

أدرجت سويسرا اليوم (الخميس)، مجموعة المرتزقة الروسية «فاغنر» على قائمتها للعقوبات، بعد خطوة مشابهة قام بها الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي. وأفادت وزارة الاقتصاد السويسرية، بأنّ «مجموعة (فاغنر) منظمة عسكرية مقرّها روسيا استُخدمت، في ظلّ قيادة يفغيني بريغوجين، أداة في الحروب الهجينة الروسية». وأضافت، في بيان نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية: «بينما تعدّ طبيعتها القانونية غير واضحة، تشكّل مجموعة (فاغنر) جزءاً من شبكة معقّدة من الشركات العالمية (العاملة ضمن مجموعة قطاعات تشمل الطيران والأمن والتكنولوجيا وتجارة السلع الأساسية والخدمات المالية وأنشطة التأثير) المرتبطة بهياكل ملكية متطابقة وشبكات لوج

«الشرق الأوسط» (جنيف)
كيف يُقاس إجهاد العمل بالنقر على الكومبيوتر؟

كيف يُقاس إجهاد العمل بالنقر على الكومبيوتر؟

قد تشكّل الطريقة التي ينقر بها الأشخاص لوحة مفاتيح الكومبيوتر ويستخدمون فأرته مؤشرات إلى مدى الإجهاد، أفضل من الاعتماد على معدل ضربات القلب، على ما أفاد باحثون سويسريون أمس (الثلاثاء)، مضيفين أن نموذجهم يمكن أن يساعد في تفادي الإجهاد المزمن، وفق وكالة الصحافة الفرنسية. وأوضح باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ، أنهم استخدموا بيانات جديدة وتعلماً آلياً لوضع نموذج جديد لاكتشاف مستويات الإجهاد في العمل، بناءً على طريقة كتابة الأشخاص أو استخدامهم الفأرة. وأوضحت عالمة الرياضيات ومعدة الدراسة مارا ناغلين، أن «طريقة الكتابة على لوحة المفاتيح وتحريك فأرة الكومبيوتر يبدو أنهما مؤش

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الاقتصاد صادرات الأدوية السويسرية إلى روسيا لمستوى قياسي

صادرات الأدوية السويسرية إلى روسيا لمستوى قياسي

تراجع إجمالي الصادرات السويسرية إلى روسيا بشكل طفيف فقط رغم العقوبات التي فرضتها برن، فيما ارتفعت صادرات الأدوية إلى مستويات قياسية، وفق ما أوضح تقرير نشر أمس الأحد. فرضت سويسرا عقوبات على روسيا في إطار الحزم العشر المشددة التي فرضها عليها الاتحاد الأوروبي منذ بدء غزوها أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. وقالت صحيفة «نيو زيورخ تسايتونغ أم تسونتاغ» بعد تحليل الأرقام الصادرة عن المكتب الفيدرالي للجمارك وأمن الحدود، إنه رغم توقف التجارة السويسرية مع روسيا في العديد من القطاعات الرئيسية، لا سيما الآلات والساعات، فإن صادرات الأدوية سجلت ارتفاعاً قياسياً. تعتبر الأدوية سلعاً إنسانية وهي معفاة من العقوب

«الشرق الأوسط» (جنيف)
يوميات الشرق تحذير من خطر تفشي حمى الضنك وفيروس «زيكا» في أوروبا

تحذير من خطر تفشي حمى الضنك وفيروس «زيكا» في أوروبا

أعلنت منظمة الصحة العالمية أن الدول الواقعة شمالي الكرة الأرضية معرضة لخطر تفشي حمى الضنك وفيروسي «زيكا» و«شيكونجونيا»، في حين يعزز التغير المناخي المدى الذي يمكن أن ينقل فيه البعوض هذه الأمراض، حسبما ذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء، أمس (الأربعاء). وفي ظل حدوث الكوارث المناخية بصورة أكبر من ذي قبل، يتخوف الخبراء من أن تصبح الأمراض التي تنقلها الحشرات أكثر شيوعاً، بما في ذلك في مناطق العالم التي لا تمثل فيها تهديداً حالياً. وهذا هو ما حدث العام الجاري في دول نصف الكرة الجنوبي التي عاد فيها الصيف لتوه؛ حيث يشهد الفصل عادة زيادة أعداد البعوض.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

تقرير: الفضاء والذكاء الاصطناعي بدلاً من الترسانات النووية

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

تقرير: الفضاء والذكاء الاصطناعي بدلاً من الترسانات النووية

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

لم تعد الترسانات النووية، كما في حقبة الحرب الباردة، هي محور التوازنات العسكرية الدولية. فالعالم اليوم يشهد تحوّلاً جذرياً نحو سباقٍ جديد تقوده تقنيات ناشئة، مثل الصواريخ فرط الصوتية، والذكاء الاصطناعي، وأسلحة الفضاء، والطائرات المسيّرة، في مشهدٍ يضخ فيه كبار اللاعبين تريليونات الدولارات؛ أملاً في انتزاع تفوقٍ استراتيجي يصعب كسره. وفقاً لشبكة «بلومبرغ».

وحسب التقرير، فإن هذا التحوّل يتجسّد بوضوح في التجربة اليومية لعائلة دوڤهانيك الأوكرانية، التي تعيش واقعاً قاسياً يعكس ملامح الحرب الجديدة. ففي منزلهم القريب من موقع مصنع سوفياتي سابق ومعهد كييف للطيران في غرب العاصمة، تتداخل تفاصيل حياتهم اليومية مع أصوات الانفجارات الناتجة من صواريخ فرط صوتية، من بينها صواريخ «زركون» التي استهدفت حيّهم، والذي يضم أيضاً مستشفى أوخماتديت للأطفال، حيث يعمل زوج أندريانا دوڤهانيك.

وتقول أندريانا: «عندما سقط الصاروخ على أوخماتديت، قذف عصف الانفجار زوجي في الهواء... وهو ما خلّف شعوراً دائماً بالقلق وأثراً نفسياً من أي انفجار محتمل».

هذه الشهادة الإنسانية تختصر جانباً من سباق تسلّح جديد باتت فيه التقنيات المتقدمة في صميم الاستراتيجيات العسكرية العالمية، مع استثمارات ضخمة تُوجَّه نحو الطائرات المسيّرة، والصواريخ فرط الصوتية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وغيرها من أدوات الحرب الحديثة التي يُنظر إليها بصفتها محددات الحروب المقبلة.

سباقٌ يتجاوز تريليونَي دولار

تقديرات الإنفاق العسكري العالمي على هذه التقنيات تتجاوز تريليونَي دولار عبر ثلاث قارات، في مشهد يعيد إلى الأذهان سباق التسلح النووي خلال الحرب الباردة، حين تنافست الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على بناء ترسانات هائلة من الأسلحة النووية.

لكن هذه المرة، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، مع تعدد اللاعبين وتداخل التقنيات، في ظل يقين واحد فقط: أن التخلف عن هذا السباق قد يكون مكلفاً إلى حدٍ كارثي.

وتحتفظ روسيا بما تعدّه أفضلية ميدانية في مجال الصواريخ فرط الصوتية، بينما ترتبط الصين بشكل وثيق بمختبرات الذكاء الاصطناعي والتطوير التقني العسكري، في حين راكمت الولايات المتحدة خبرة تشغيلية أولى لهذه التقنيات في ساحات القتال. أما أوروبا، فرغم امتلاكها موارد كبيرة، فإنها لا تزال تعاني ضعف التنسيق بين دولها.

وفي ظل هذا التنافس، تتآكل تدريجياً منظومة اتفاقات الحد من التسلح التقليدية، بما في ذلك معاهدات الأسلحة الاستراتيجية، في وقت تتسارع فيه جهود الدول الكبرى لتطوير ما يُنظر إليه على أنه تفوقٌ قاتل غير قابل للاحتواء.

وتقول مسؤولة الدفاع الأميركية السابقة سيليست والندر: «هناك بالفعل سباق تسلح يحدث، حتى لو لم نسمّه كذلك، وهو سباق متعدد الأبعاد... وعلى القوى الكبرى أن تحدّد أين تضع أولوياتها».

الولايات المتحدة والصين في قلب المنافسة

تتصدر الولايات المتحدة والصين مشهد هذا السباق التكنولوجي العسكري. إذ تخطط إدارة الرئيس دونالد ترمب لإنفاق نحو 1.5 تريليون دولار على الدفاع في ميزانيتها المقبلة، في حين تُقدّر النفقات العسكرية الصينية بنحو 500 مليار دولار، مع وجود استثمارات إضافية عبر تداخل القطاعين العام والخاص.

قفزة في إنفاق الدفاع العالمي

منذ غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، شهدت أسهم شركات الدفاع العالمية ارتفاعاً ملحوظاً، في انعكاس مباشر لتسارع الطلب على الأنظمة العسكرية المتقدمة.

وفي أوروبا، ورغم محدودية القدرة على مجاراة الإنفاق الأميركي والصيني، فقد ارتفع إجمالي ميزانيات الدفاع إلى نحو 600 مليار دولار في 2025، مع تسجيل نمو ملحوظ في مجالات الدفاع الجوي والمدفعية والطائرات المسيّرة.

أما روسيا، فقد ضاعفت إنفاقها العسكري ثلاث مرات بين 2022 و2025 ليصل إلى نحو 176 مليار دولار، في ظل ضغوط الحرب في أوكرانيا. ودعا الرئيس فلاديمير بوتين إلى تسريع تطوير أنظمة تسليم نووية وتقليدية جديدة، مع تركيز متزايد على الفضاء والذكاء الاصطناعي.

روسيا: رهانات على الردع المتقدم

تسعى موسكو إلى تعزيز مكانتها عبر تطوير منظومات هجومية متقدمة، من بينها صاروخ «كينجال» الذي تقول إنه يصل إلى 10 أضعاف سرعة الصوت، إضافة إلى أنظمة مثل «بوريڤيستنيك» النووي وطوربيد «بوسيدون».

كما تُعدّ صواريخ «كينجال» و«زركون» من بين الأنظمة فرط الصوتية القليلة التي تم استخدامها عملياً في القتال.

نظم الذكاء الاصطناعي تُزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني

الصين: دمج مدني وعسكري واسع

في المقابل، تواصل الصين توسيع استثماراتها في الصواريخ فرط الصوتية، عبر أنظمة مثل «DF-17 وDF-27 وYJ-21»، إلى جانب تطوير قدرات مضادة للأقمار الاصطناعية قادرة على الوصول إلى ارتفاعات شديدة التعقيد.

ويُتوقع أن يرتفع الإنفاق الدفاعي الصيني بنحو 7 في المائة هذا العام ليصل إلى قرابة 400 مليار دولار، مع استمرار غياب الشفافية حول الأرقام الحقيقية.

وتعتمد بكين على نموذج الدمج «العسكري المدني»، الذي يسمح بتوظيف شركات مدنية في تطوير تقنيات ذات استخدامات عسكرية، خصوصاً في مجالات الحساسات والمواد المتقدمة.

الولايات المتحدة: الذكاء الاصطناعي في قلب المعركة

في المقابل، تركز واشنطن على توظيف الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، بما في ذلك دعم التخطيط الجوي وتنسيق الضربات.

كما تعمل على دمج أنظمة الاستشعار الفضائية مع أنظمة اعتراض الصواريخ الأرضية؛ بهدف تسريع اتخاذ القرار في مواجهة التهديدات فرط الصوتية.

ورغم ذلك، لا تزال الولايات المتحدة في مراحل تطوير مبكرة لأسلحتها فرط الصوتية، حيث لا تزال مشاريع مثل «Dark Eagle» قيد الاختبار، إلى جانب مشروع «القبة الذهبية» للدفاع الصاروخي، الذي قد تتجاوز تكلفته تريليون دولار.

أوروبا: قدرات كبيرة وتحديات تنسيقية

تملك أوروبا قاعدة صناعية وعلمية قوية، إلا أن غياب التنسيق السياسي يحدّ من قدرتها على المنافسة المباشرة.

ومع ذلك، يتزايد التركيز الأوروبي على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة كبدائل أكثر مرونة من الأسلحة التقليدية.

مستقبل الحرب: الذكاء الاصطناعي حاسماً

يرى خبراء أن الذكاء الاصطناعي قد يشكّل العامل الحاسم في هذا السباق، ليس لقدرته التدميرية المباشرة، بل لما يتيحه من سرعة في اتخاذ القرار وتفوق في التنبؤ بساحة المعركة.

لكن في المقابل، يحذّر آخرون من أن سهولة تطوير هذه التقنيات مقارنة بالأسلحة النووية قد تجعل بيئة الصراع أكثر هشاشة وأقل قابلية للسيطرة.


قمة «ناتو»... أوروبا أمام اختبار الإنفاق الدفاعي وضغوط ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نهاية قمة «الناتو» في حين يستمع إليه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يميناً) ووزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث في لاهاي بهولندا يوم 25 يونيو 2025 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نهاية قمة «الناتو» في حين يستمع إليه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يميناً) ووزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث في لاهاي بهولندا يوم 25 يونيو 2025 (أ.ب)
TT

قمة «ناتو»... أوروبا أمام اختبار الإنفاق الدفاعي وضغوط ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نهاية قمة «الناتو» في حين يستمع إليه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يميناً) ووزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث في لاهاي بهولندا يوم 25 يونيو 2025 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نهاية قمة «الناتو» في حين يستمع إليه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يميناً) ووزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث في لاهاي بهولندا يوم 25 يونيو 2025 (أ.ب)

تُعقد قمة «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) في أنقرة يومَي الثلاثاء والأربعاء 7 و8 يوليو (تموز)، في وقت يمر فيه الحلف بواحدة من أكثر مراحله تعقيداً منذ نهاية الحرب الباردة. وإلى جانب استمرار الحرب في أوكرانيا، يجد الأوروبيون أنفسهم أمام ضغوط متزايدة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي جعل تقاسم الأعباء داخل الحلف محوراً رئيسياً في سياسته الخارجية، ملوّحاً أكثر من مرة بإعادة النظر في مستوى الالتزام الأميركي بالدفاع عن الحلفاء الذين لا يلتزمون بأهداف الإنفاق الدفاعي التي اتفق عليها أعضاء الحلف.

وبذلك، لا تقتصر رهانات القمة على تعزيز قدرات الحلف العسكرية، بل تمتد إلى مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، في ظل سعي العواصم الأوروبية إلى إثبات قدرتها على الاضطلاع بدور أكبر في الدفاع عن القارة.

ويرى «تشاتام هاوس»، وهو مركز أبحاث بريطاني متخصص في السياسة الدولية، أن النقاش الدائر داخل الحلف لا يقتصر على مواجهة روسيا، بل يشمل إعادة توزيع المسؤوليات بين ضفتَي الأطلسي، في ظل إدراك أوروبي متزايد أن البيئة الأمنية الحالية قد لا تسمح بالاعتماد على المظلة الأميركية بالصيغة التي سادت طوال العقود الماضية.

العَلَم التركي ولافتات «حلف شمال الأطلسي» تغطي المباني قبل انعقاد قمة الحلف في أنقرة بتركيا يوم 6 يوليو 2026 (أ.ب)

حساسية الإنفاق الدفاعي

يتصدر الإنفاق الدفاعي جدول أعمال قمة «ناتو»، ليس بسبب الأرقام وحدها، وإنما لأنه أصبح معياراً لقياس مدى التزام الدول الأعضاء بمبدأ الدفاع الجماعي، لا سيّما مع الضغوطات المتزايدة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب على حلفائه.

وخلال السنوات الأخيرة رفعت غالبية الدول الأوروبية ميزانياتها العسكرية بصورة ملحوظة، مدفوعة بالحرب في أوكرانيا وتنامي المخاوف من روسيا، إلا أن النقاش انتقل اليوم إلى مرحلة جديدة تتعلق بسرعة تنفيذ خطط التسلح، وتطوير الصناعات الدفاعية الأوروبية، وتقليص الفجوات في القدرات العسكرية بين أعضاء الحلف.

ويبقى التحدي أمام الدول الأوروبية في ترجمة الزيادات في الإنفاق الدفاعي إلى التزام عملي يبدد الشكوك الأميركية بشأن تقاسم أعباء الدفاع داخل الحلف، وهو ما سيكون أحد أبرز ملفات القمة.

أوكرانيا واستراتيجية الردع

لا تزال الحرب في أوكرانيا الملف الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى قادة الحلف، لكن النقاش تجاوز مسألة تزويد كييف بالأسلحة ليشمل مستقبل الردع الأوروبي بأكمله. فإذا نجحت روسيا في فرض وقائع جديدة على الأرض، فإن تداعيات ذلك ستتجاوز أوكرانيا؛ إذ ستعزز مخاوف دول الجناح الشرقي للحلف من تصاعد التهديد الروسي خلال السنوات المقبلة. وينظر الحلف إلى استمرار دعمه لأوكرانيا بوصفه رسالة سياسية وعسكرية، مفادها أن استخدام القوة لتغيير الحدود لن يمر من دون تكلفة.

ويشير «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS)، وهو مؤسسة بحثية أميركية تُعنى بقضايا الأمن والدفاع، إلى أن القمة ستناقش آليات تضمن استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا، بالتوازي مع تعزيز جاهزية قوات الحلف، وتطوير قدراتها على مواجهة أي تصعيد مستقبلي في الجبهة الشرقية.

رئيس «وكالة الصناعات الدفاعية» التركية هالوك غورغون يستقبل الأمين العام لـ«شمال الأطلسي» (ناتو) مارك روته لدى وصوله إلى مطار أنقرة قبل انعقاد القمة السادسة والثلاثين لرؤساء دول وحكومات الحلف في أنقرة بتركيا يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)

التحدّي الصيني

وفي حين أن روسيا تبقى التهديد العسكري المباشر للحلف، فإن الصين بدورها أصبحت حاضرة بقوة في النقاشات الاستراتيجية، انطلاقاً من اتساع المنافسة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وسلاسل الإمداد.

ولا يُتوقع أن يتبنى الحلف مقاربة عسكرية تجاه بكين، لكنه يسعى إلى تنسيق مواقف أعضائه إزاء التحديات التي تفرضها المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية، خصوصاً في القطاعات الحيوية المرتبطة بالأمن القومي.

الشرق الأوسط حاضر

وتحضر تداعيات حرب إيران في خلفية القمة، من زاوية الملاحة في مضيق هرمز، وأمن الملاحة في البحر الأحمر، وحماية إمدادات الطاقة، ومكافحة الإرهاب، وأيضاً من زاوية التوتر الذي خلّفته الحرب بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية. فقد أثار غياب دور عسكري أوروبي في فتح مضيق هرمز، ورفض بعض الدول تسهيل استخدام القوات الأميركية أراضيها خلال النزاع، استياءً أميركياً من شأنه أن يعزز ضغوط ترمب على الحلفاء لإظهار استعداد عملي أكبر لتقاسم الأعباء في الأزمات خارج القارة الأوروبية.

تباين الأولويات

ورغم اتفاق الدول الأعضاء على طبيعة التحديات التي تواجه الحلف، فإن تباين الأولويات لا يزال قائماً. فبينما تركز معظم الدول الأوروبية، ولا سيما دول أوروبا الشرقية، على الخطر الروسي، تدفع الولايات المتحدة باتجاه توسيع الاهتمام بالتحدي الصيني. كما تستمر الخلافات بشأن وتيرة زيادة الإنفاق الدفاعي، وسط توقعات بأن يجدد الرئيس الأميركي ضغوطه على الحلفاء للإسراع في رفع إنفاقهم العسكري إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق الهدف الذي تعهدت الدول الأعضاء بتحقيقه بحلول عام 2035.

قد لا تفضي القمة إلى قرارات تُحدث تحولاً فورياً في سياسات الحلف، لكنها ستكشف مدى استجابة الدول الأوروبية للضغوط الأميركية لتحمّل مسؤولية أكبر في الدفاع عن القارة، كما ستعطي مؤشراً إلى أولويات «الناتو» في المرحلة المقبلة.


كيف يعيد ترمب تشكيل الدفاع الأوروبي وحلف شمال الأطلسي؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر مؤتمر صحافي عقب قمة لـ«الناتو» في لاهاي (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر مؤتمر صحافي عقب قمة لـ«الناتو» في لاهاي (رويترز)
TT

كيف يعيد ترمب تشكيل الدفاع الأوروبي وحلف شمال الأطلسي؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر مؤتمر صحافي عقب قمة لـ«الناتو» في لاهاي (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر مؤتمر صحافي عقب قمة لـ«الناتو» في لاهاي (رويترز)

في ظل تزايد الشكوك حول التزام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بحماية حلف شمال الأطلسي، يسود الانطباع بأن واشنطن وأوروبا تُجمعان على حاجة الأخيرة إلى تحمّل قدر أكبر من المسؤولية في الدفاع عن أراضيها.

وسيشّكل خفض الاعتماد على القوة الدفاعية للولايات المتحدة، محوراً أساسياً خلال قمة الحلف التي تستضيفها أنقرة الثلاثاء والأربعاء.

في ما يلي بعض المسائل الرئيسية التي ستكون مدار بحث خلال اجتماع الناتو الذي يضم 32 دولة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»:

كيف يتراجع الدور الأميركي؟

لم يتردد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في انتقاد «الناتو»، وهاجم في الأشهر الماضية الحلفاء الأوروبيين على خلفية إحجامهم عن المساهمة في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أو المساهمة في إعادة فتح مضيق هرمز.

قوّضت المواقف المتقلبة للرئيس الجمهوري الذي عاد إلى البيت الأبيض في مطلع عام 2025، الثقة في الولايات المتحدة، وأثارت شكوكاً في ما إذا كان سيلتزم بالبند الخامس من معاهدة الحلف، أي الدفاع المشترك. لكن الأمر لا يقتصر على المواقف.

فقد كانت إدارة ترمب شديدة الوضوح إزاء رغبتها بأن تتولى أوروبا قيادة الدفاع عن القارة، على أن تنصرف واشنطن للتركيز على مناطق أخرى في العالم. كما أربكت الولايات المتحدة الحلف بإعلانها في مايو (أيار)، أنها ستسحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا ووقف انتشار كان مقرراً في بولندا.

وبينما تراجعت الولايات المتحدة عن وقف الانتشار في بولندا، أبلغ البنتاغون الحلفاء بأنه سيقلّص الأصول العسكرية الموضوعة بتصرّف الحلف، وأعلن مراجعة مدتها ستة أشهر لانتشار قواته في القارة العجوز.

وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، في حينه، «نضاعف جهودنا لجعل (الناتو) ما كان يفترض أن يكونه دائماً، تحالفاً متوازناً تكون فيه أوروبا في موقع الريادة للدفاع عن نفسها».

كيف ردّ الأوروبيون؟

بدأت الدول الأوروبية زيادة ميزانياتها العسكرية بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، لكن الضغوط التي مارسها ترمب سرّعت هذا التوجه.

وبعد عقود من الاستثمار العسكري الأوروبي المحدود، اتفق قادة الحلف في قمة العام الماضي على رفع الإنفاق المرتبط بالدفاع إلى خمسة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.

وقال دبلوماسي أوروبي طالباً عدم كشف هويته إن «ثورة تحصل داخل الحلف»، معتبراً أن «هذا التحول في تقاسم الأعباء الذي قررناه سيغيّر الحلف جذرياً».

ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال تتصدر الإنفاق الدفاعي بين دول الأطلسي، وبفارق كبير عن الأعضاء الآخرين، إلا أن أوروبا ومعها كندا، تسعيان للحاق بها خلال سنوات. وتقود ألمانيا هذا التوجه، بينما بات إنفاق دول الحلف القريبة جغرافياً من روسيا، قريبا من الهدف الذي حدده «الناتو».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في نهاية قمة «الناتو» في لاهاي... 25 يونيو 2025 (أ.ب)

ويسود اقتناع داخل الحلف بأن تراجع الدور الأميركي بات أمراً لا مفرّ منه، وأن ذلك لن يتغير حتى بعد ترمب.

وقالت كلوديا مايور من مركز أبحاث «صندوق مارشال الألماني» إن «المسألة ليست مرتبطة بترمب. إنها تغيّر هيكلي طويل الأمد. يمكن التأثير في شكله، لكن لا يمكن تجنّبه».

وبينما يمكن لأوروبا سد بعض الفجوات في خطط الدفاع التي سيتركها انكفاء واشنطن، فإن تعويض القدرات الكبيرة مثل الصواريخ بعيدة المدى، سيستغرق وقتاً.

وقالت مايور: «من الواضح أن دور الولايات المتحدة يتغيّر على أي حال، وأبرز الآمال هو الحد من الأضرار وأن تصبح الأمور قابلة للتوقع والحصول على قدر من القدرة على التنبؤ».

ما الذي تغيّر حتى الآن؟

رغم التصريحات والمواقف، لم يسجّل تغيير ملموس على الأرض بعد. ولا تزال الولايات المتحدة تنشر نحو 80 ألف جندي في أوروبا، وتجاهر العديد من الأصوات المؤيدة لـ«الناتو» في واشنطن، بتأييد بقائهم في القارة.

كما أن المظلة النووية الأميركية لا تزال الضمانة القصوى لأمن أوروبا، ولا تتحدث إدارة ترمب عن تقليصها.

وشهدت قيادة قوات الحلف في أوروبا إعادة ترتيب، إذ بات الأوروبيون يتولّون قيادة كل المقرات الإقليمية. لكن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بأعلى منصب عسكري، كما تسيطر أيضا على قيادات الجو والبر والبحر.

وقال مصدر دبلوماسي آخر إن «الحلف يعيد تشكيل نفسه ببطء. في غضون بضع سنوات ستكون (مساهمة) أوروبا أكثر أهمية بكثير».

نهاية الحلف؟

في الوقت الراهن، لا يتطرق أحد في الحلف علناً إلى ضرورة أن يشق الأوروبيون طريقهم بمفردهم، أو عن استبدال الحلف بهيكلية أخرى بالكامل.

ويقول دبلوماسيون إن القادة يعتزمون في قمة أنقرة الدعوة إلى «أوروبا أقوى في (ناتو) أقوى»، مع السعي إلى إبقاء واشنطن منخرطة قدر الإمكان.

وفي مراحل لاحقة، قد تتطلع أوروبا بشكل إضافي إلى ربط أوكرانيا وقواتها التي اكتسبت تجربة قتالية ميدانية، بمنظومة الأمن القاري على نحو أوثق.