«سقف» أسعار النفط... خطر محدق على استقرار الأسواق العالمية

خبراء يؤكدون وضوح الموقف السعودي ويتوقعون تداعيات مربكة في مشهد الأسعار

«أرامكو» السعودية كبرى شركات النفط في العالم ولاعب مؤثر في مشهد إمدادات الطاقة دولياً (الشرق الأوسط)
«أرامكو» السعودية كبرى شركات النفط في العالم ولاعب مؤثر في مشهد إمدادات الطاقة دولياً (الشرق الأوسط)
TT

«سقف» أسعار النفط... خطر محدق على استقرار الأسواق العالمية

«أرامكو» السعودية كبرى شركات النفط في العالم ولاعب مؤثر في مشهد إمدادات الطاقة دولياً (الشرق الأوسط)
«أرامكو» السعودية كبرى شركات النفط في العالم ولاعب مؤثر في مشهد إمدادات الطاقة دولياً (الشرق الأوسط)

الرياض: محمد المطيري
أجمع خبراء نفطيون لـ«الشرق الأوسط» على أن فرض سقف على أسعار النفط سيؤدي إلى تفاقم أزمة الطاقة العالمية وإحداث ارتباك كبير وأزمات متتابعة في الأسواق العالمية، وارتفاع في أسعار الطاقة، قد يقودها إلى تجاوز الـ100 دولار للبرميل، في وقت قصير، متوقعين أن يتجاوز التأثير السلبي أسواق النفط إلى التأثير على نمو الاقتصاد العالمي والإضرار بالمستهلكين في الدول المستوردة للنفط.
وكان الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، قد قال إن بلاده لن تبيع النفط إلى أي دولة تفرض سقف أسعار على إمداداتها، مردفاً: «سنخفض إنتاج البترول، ولن أستغرب إذا قامت الدول الأخرى بنفس الإجراء».

موقف سعودي واضح
وقال وزير الطاقة السعودي، في لقاء مع «إنيرجي إنتلجينس»، أمس، إن «مشروع قانون (نوبك) لا يراعي أهمية امتلاك احتياطي من القدرة الإنتاجية، وتبعات عدم امتلاك هذا الاحتياطي على سوق البترول، ويضعف (مشروع قانون نوبك) الاستثمارات في القدرة الإنتاجية للبترول، كما سيتسبب في انخفاض العرض العالمي بشدة عن الطلب في المستقبل، وسيكون تأثير ذلك ملموساً في جميع أنحاء العالم، في الدول المنتجة والمستهلكة، وكذلك صناعة البترول».
وأكد أن «مثل هذه السياسات ستؤدي لا محالة إلى تفاقم عدم استقرار السوق وتقلباتها. وهذا سيؤثر سلباً في صناعة البترول. وفي المقابل، بذلت (أوبك بلس) قصارى جهدها ونجحت في تحقيق استقرار وشفافية عالية في سوق البترول، لا سيما بالمقارنة مع جميع أسواق السلع الأخرى».
وواصل: «هذا ينطبق أيضاً على سقف الأسعار، سواء فرض على دولة أم مجموعة دول، وعلى البترول أو أي سلعة أخرى، حيث سيؤدي إلى ردة فعل معاكسة فردياً أو جماعياً، مع تداعيات غير مقبولة تتمثل بالتقلبات الكبيرة وعدم الاستقرار في الأسواق»، مردفاً: «لذا، فإنه إذا تم فرض سقف للأسعار على صادرات البترول السعودية فلن نبيع البترول إلى أي دولة تفرض سقف أسعار على إمداداتنا، وسنخفض إنتاج البترول، ولن أستغرب إذا قامت الدول الأخرى بنفس الإجراء».

إحياء «نوبك»
وقال المستشار النفطي الدولي الدكتور محمد سرور الصبان إن تصريح وزير الطاقة السعودي يأتي في وقت يجري فيه إحياء مناقشة قانون «نوبك» في الكونغرس الأميركي، في محاولة لفرض سقف على أسعار النفط المستورد، وهو مشابه لمشروع مماثل جرى تمريره في الفترة الماضية، من خلال «مجموعة السبع» ويستهدف صادرات النفط الروسية، مضيفاً أن ذلك المشروع «لم ولن ينجح»، على حد تعبيره، بعد أن ردت روسيا بالامتناع عن بيع نفطها إلى الدول التي فرضت هذا السقف، كما قامت بتخفيض إنتاجها من النفط بنحو 500 ألف برميل يومياً قابلة للزيادة.
وأشار الدكتور الصبان إلى أن السعودية تعرف تماماً كيف تخدم مصالحها، وصريحة بعدم بيع صادراتها من النفط إلى الدول التي ستفرض سقفاً على أسعار النفط، وهذا بطبيعة الحال ستكون له نتائج سلبية عديدة، في وقت يعيش فيه الاقتصاد العالمي أزمة طاقة نتيجة لشح الإمدادات.

منحنى الطلب
ويرى الصبان أن التوجه لفرض سقف أسعار سيؤدي إلى تفاقم أزمة الطاقة العالمية، وارتفاع متتابع لأسعار النفط بالتحديد، مستطرداً: «قد نرى أسعار النفط تأخذ منحى يصل إلى 100 دولار وأكثر، نتيجة عدم مواجهة الزيادات المتوقعة في الطلب العالمي على النفط هذا العام، بعد انتعاش الطلب العالمي على النفط الصيني».
وقلل المستشار النفطي من تأثيرات الركود الحالي التي تعيشها الولايات المتحدة الأميركية في الطلب على النفط، مبيناً أنه حتى لو طالت فترة الركود، فإن الطلب العالمي للدول الغربية على النفط سيعود إلى مستوياته الحالية وأعلى بكثير من هذه المستويات، وبالتالي ستواجه تلك الدول نقصاً وشحاً في إمدادات النفط، ما سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل أكبر بكثير مما هو قائم الآن، وستضر تلك الخطوة باقتصادات هذه الدول.

تجربة روسيا
ويشير الصبان إلى أن خطوة تحديد سقف لأسعار النفط لم تنجح مع روسيا ولن تنجح مع بقية الدول، مضيفاً أنه في حال قطع السعودية للإمدادات النفطية لتلك الدول، سيتبعه انضمام دول أخرى من أعضاء «أوبك بلس»، ما سيتسبب في حدوث ارتباك كبير في أسواق الطاقة، وأزمات متتابعة في أسواق الطاقة والنفط والغاز وغيرها، لافتاً إلى أنه في إطار التكامل بين الدول واقتصاداتها فإنه لا يجب التدخل في تسعير أي سلعة وتحديد هذا السعر من قبل الدول المستهلكة.

موقف واضح
من جهته، قال الخبير الاقتصادي الدكتور فهد محمد بن جمعة إن قانون «نوبك» تمت الموافقة عليه عدة مرات في الكونغرس الأميركي، إلا أنه تم إيقافه من قبل الرؤساء الأميركيين السابقين، لافتاً إلى أن الموقف السعودي واضح وثابت وسيقابل هذا المشروع بالرفض، كما أنه لن يتم بيع النفط السعودي لأي دولة تطبق هذا السقف السعري، ومن المتوقع أن تتبع دول «أوبك» الأخرى نفس النهج السعودي.
وحول التبعات المتوقعة لهذا القرار على أسواق النفط، يرى ابن جمعة أنه سوف يدفع السعودية والدول المنتجة إلى تخفيض إنتاجها، ما سيقلص صادراتها النفطية وينعكس سلباً على أسعار النفط، ودفعها إلى الارتفاع بشكل حاد وغير مسبوق، مضيفاً أن التأثير السلبي سيتجاوز أسواق النفط إلى التأثير على نمو الاقتصاد العالمي والإضرار بالمستهلكين في جميع الدول المستوردة للنفط.

مخاطرة جديدة
من جهته، وصف رئيس المركز الأهلي الدولي للطاقة والبيئة والتوقعات الاستراتيجية الدكتور راشد أبانمي، تصريح وزير الطاقة السعودي بأنه ناقوس يحذّر من خطر سياسات ستؤدي لمخاطر جديدة في الأسواق، مشيراً إلى أن تصريحات وزير الطاقة واضحة لا لبس فيها وترفض السياسات غير المنطقية، بل ستزيد مخاطر جديدة وغموضاً أكبر للأسواق في وقت تشتد فيه الحاجة إلى الوضوح والاستقرار.
ويرى الدكتور أبانمي أن السياسة الأميركية تجاه الدول المصدرة للنفط لم تتغير منذ اكتشافه وتتصف بالهيمنة، ومحاولة الاستحواذ على سوق النفط الأوروبي واحتكاره لشركاتها كما كانت الحال في سوق الغاز الأوروبي، لافتاً إلى أن أسعار النفط ليست مثل أسعار السلع الأخرى، كما أنه ليس مجرد سلعة اقتصادية عادية، بل هو سلعة استراتيجية لا تخضع لظروف العرض والطلب التقليدية، ولها أبعادها الاقتصادية والسياسية والصناعية المختلفة، التي تؤثر تأثيراً واضحاً على قرارات الدول المنتجة والمصدرة للنفط، وتخضع لتقلبات كبيرة مع مرور الوقت، خاصة تلك المرتبطة بدورة الأعمال التجارية.

ميكانيكية الأسواق
وأضاف الدكتور أبانمي أنه عند زيادة الطلب على النفط بشكل يتجاوز قدرة الإنتاجية، فإن العرض لا يتجاوب بشكل تلقائي مع الطلب وذلك لعدم مرونته، كما أنه في حال انخفاض الطلب بشكل حاد، فإن العرض لا يتجاوب بشكل تلقائي لعدم مرونته هو الآخر حتى يعيد التوازن في المدى القصير، لافتاً إلى أن ارتفاع استهلاك النفط يتحدد على فترة زمنية متدرجة متراكمة، وكذلك ارتفاع أسعار النفط، واتزان السوق النفطية يأخذ وقتاً للتكيف، نظراً لأن المستهلكين يتوجب عليهم معرفة سبل ربما تأخذ وقتاً لخفض استهلاك النفط كاستجابة لارتفاع الأسعار. وزاد بأنه عندما يتجاوز العرض الطلب، فإن الأسعار تنخفض وربما تنهار لتصبح التكلفة الجدية للإنتاج أكبر من السعر، فتتقلص الاستثمارات في قطاع إنتاج البترول، وتبدأ بعض آبار البترول بالإغلاق، لأنها أصبحت غير اقتصادية، على الأقل مؤقتاً، فيقل المعروض وبالتالي يزداد السعر من جديد، وهذه العوامل هي ما يميز النفط عن باقي السلع الأخرى.

مستويات ثلاثة
وأضاف الدكتور أبانمي أن الشد والجذب بين الدول المصدرة للنفط والدول المستهلكة وبالذات الدول الغربية، قائمان منذ اكتشاف البترول، مشيراً إلى أن وضع سقف أسعار للبترول يجب أن يكون على ثلاثة مستويات، فعلى المستوى الآني هو تفعيل دور الهياكل التنظيمية للدفاع المشترك والرد بالرفض وعدم قبول السقف السعري من داخل تلك الهياكل النفطية المجتمعة والمتحكمة في تصدير الطاقة بشكل جماعي، والموقف الرافض لتحدي الأسواق وآلية العرض والطلب ورفض وضع أي سقف للأسعار ويكون موقفاً جماعياً ومن خلال «أوبك بلس» وكذلك منظمة الدول العربية المصدرة للنفط «أوابك» التي تم إنشاؤها في الأساس للرد على احتكار الشركات المعروفة بالأخوات السبع الغربية - وكذلك بالتلويح الجماعي بقطع النفط عن كل من يطبق سياسة سقف الأسعار وحرمانه التدريجي من التعامل التجاري بالمطلق مع دول «أوبك بلس» ودول «أوابك».
وأضاف أنه على المدى المتوسط، ومن خلال «أوبك بلس» وكذلك منظمة الدول العربية المصدرة للنفط «أوابك»، سيتم تطوير شركات النقل البحري وشركات التأمين البحري المستقلة عن أميركا وأوروبا، وهذا يتطلب مهارة وخبرة وأموالاً متاحة لدول «أوبك بلس»، وعلى المدى البعيد، الانخراط في منظمة البركس والعمل الدؤوب على تطوير النظام المالي الوليد المعروف بـ«سواب» أي بتبادل العملات المحلية، والبعد عن النظام المالي (سويفت) وكذلك التدرج في إحلال العملات المحلية وتسعير البترول بها على حساب الدولار.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد العالمي تحت مجهر البيانات في ظل «علاوات الحرب»

الاقتصاد أسعار الوقود معروضة بمحطة وقود في سيول (إ.ب.أ)

الاقتصاد العالمي تحت مجهر البيانات في ظل «علاوات الحرب»

يدخل الاقتصاد العالمي أسبوعاً حاسماً؛ حيث تترقب الأسواق صدور بيانات اقتصادية ستكشف حجم الضرر الحقيقي الذي ألحقته الحرب في إيران على القطاعات.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر تدفقات أسبوعية منذ شهرين ونصف

شهدت صناديق الأسهم العالمية أكبر تدفقات أسبوعية لها منذ نحو شهرين ونصف الشهر خلال الأسبوع المنتهي في 25 مارس.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد حاويات شحن مكدسة في «تيرمينال آيلاند» بميناء لوس أنجليس بالولايات المتحدة (رويترز)

«منظمة التعاون الاقتصادي»: الحرب تُبدد التوقعات الإيجابية للنمو العالمي وترفع التضخم

حذرت «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية»، الخميس، بأن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط أدى إلى انحراف الاقتصاد العالمي عن مسار النمو القوي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد جانب من الجلسات في اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي (الشرق الأوسط)

شراكات عابرة للقارات تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي في أميركا اللاتينية

تدخل أميركا اللاتينية مرحلة توصف بأنها «لحظة استثمارية حاسمة»، وسط تصاعد الاهتمام العالمي وتزايد الفرص.

مساعد الزياني (ميامي)
خاص أتياس خلال تدشين اليوم التحضيري لقمة مبادرة مستقبل الاستثمار (الشرق الأوسط)

خاص رئيس «مبادرة مستقبل الاستثمار»: قمة ميامي منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي

تنطلق رسمياً اليوم في ميامي الأميركية قمة مبادرة مستقبل الاستثمار التي باتت «تمثل منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي».

مساعد الزياني (ميامي)

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
TT

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

قفزة جديدة سجّلها سعر صرف الدولار في مصر، حيث تخطى حاجز 53 جنيهاً تزامناً مع «إجراءات تقشفية» تتخذها الحكومة، خصوصاً على مستوى الطاقة لتجاوز تداعيات حرب إيران.

ذلك الارتفاع غير المسبوق في قيمة الدولار أمام الجنيه، يراه خبير اقتصادي مصري تحدث لـ«الشرق الأوسط»، نتيجة للضغوط الكثيرة على الاقتصاد، في ظل تراجع للإيرادات الدولارية، ولا سيما قناة السويس، كما أن «ارتفاع الدولار يزيد المخاوف من تفاقم الغلاء في البلاد».

وشهد سعر صرف الدولار أمام الجنيه ارتفاعاً ملحوظاً خلال بداية تعاملات الأحد، متجاوزاً حاجز 53 جنيهاً للمرة الأولى في عدد من البنوك.

وحسب بيانات «البنك المركزي المصري»، سجّل سعر صرف الجنيه أمام الدولار حتى ظهر الأحد 53.53 جنيه للشراء و53.63 جنيه للبيع.

الخبير الاقتصادي، عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، علي الإدريسي، يرى أن «الارتفاع الحالي كان متوقعاً في ظل الضغوط على الاقتصاد»، موضحاً أن «سعر الصرف يتحدد بناء على قوى العرض والطلب، بينما يواجه الاقتصاد تحديات في تدفقات النقد الأجنبي المتمثلة في السياحة، وإيرادات قناة السويس، والصادرات، والاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب تداعيات حرب إيران».

في المقابل، تلتزم الدولة بسداد التزامات وديون مستحقة، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكلفة الاستيراد، ولا سيما قطاع الطاقة، حيث ارتفع برميل البترول من 77 دولاراً إلى مستويات تتراوح بين 100 و105 دولارات مع توقعات بوصوله إلى 150 دولاراً، بحسب تقرير «وكالة فيتش» منذ أيام، وهذا يخلق مشكلتين تتمثلان في زيادة سعر المنتج عالمياً وتراجع قيمة العملة محلياً، بحسب الإدريسي.

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن «قطاع الصناعة يتصدر قائمة القطاعات الأكثر تضرراً جراء التقلبات الراهنة في أسعار الصرف، لأن معظم مدخلات الإنتاج مستوردة من الخارج». وأشار إلى أن «المواطن هو من يتحمل التكلفة النهائية لهذه الضغوط، مروراً بالزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، وما تلاها من ارتفاع في تذاكر مترو أنفاق القاهرة والقطارات، فضلاً عن الزيادات المتوقعة في أسعار الكهرباء».

يأتي ذلك وسط تحركات حكومية للتخفيف من تداعيات الحرب الإيرانية. وأكّد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي، الخميس، مع نظيره الأميركي، ماركو روبيو، «أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي على مصر»، لافتاً إلى تداعيات التصعيد العسكري على الاقتصاد المصري مع «تأثر أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس».

وقبل نحو أسبوعين، اتخذت الحكومة المصرية قرارات «استثنائية» تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وسط إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، مع استعداد رسمي لتقديم حزمة حماية تشمل دعم الأجور والمعاشات والسلع.

وطالب علي الإدريسي الحكومة بـ«وضع ضوابط لحماية محدودي الدخل والطبقات الفقيرة»، لافتاً إلى «أهمية انتقال التعامل الحكومي الحالي الناعم إلى ما أهو أشد، بما يتناسب مع حجم الضغوط التي يواجهها المواطن، وذلك بإحكام القبضة على الأسواق وتفعيل إجراءات صارمة ضد المتلاعبين لمواجهة الغلاء المتصاعد».


«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
TT

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

وأثرت الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، على الاقتصاد العالمي وعلى مصر تحديداً، وسط تعطل مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 20 في المائة من إجمالي النفط والغاز عالمياً.

وترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة «إتش سي»، أن ارتفاع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي بنحو 11 في المائة على أساس سنوي إلى مستوى قياسي بلغ 52.7 مليار دولار في فبراير الماضي، وارتفاع الودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية بمقدار 1.26 مرة على أساس سنوي لتصل إلى 13.4 مليار دولار، فضلاً عن اتساع صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي بشكل ملحوظ بنحو 16 في المائة على أساس شهري، و3.39 مرة على أساس سنوي ليصل إلى 29.5 مليار دولار في يناير (كانون الثاني)؛ قد حصّن الاقتصاد المصري من تداعيات سلبية قوية.

وأشارت منير إلى أن الحرب تسببت في خروج صافي تدفقات أجنبية صافية بما يقرب من 4 مليارات دولار تقريباً من السوق الثانوية لأذون الخزانة منذ الأول من مارس (آذار) الحالي حتى الآن، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار بنحو 9 في المائة منذ 28 فبراير ليصل إلى 52.6 جنيه، وهو الأمر الذي يعكس مرونة سعر الصرف.

وتوقعت هبة منير زيادة معدل التضخم لشهر مارس إلى 14.3 في المائة على أساس سنوي، و2.4 في المائة على أساس شهري، وهو ما قد يرفع التضخم المتوقع للعام الحالي بأكمله إلى 13-14 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بتوقعات سابقة قبل اندلاع الحرب، ما بين 10-11 في المائة، و«هو ما قد يؤخر دورة التيسير النقدي».

وأرجعت ذلك إلى «ارتفاع أسعار النفط بنحو 48 في المائة لتصل إلى 107 دولارات للبرميل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى رفع أسعار الديزل المحلي وأسطوانات الغاز والبنزين بنسبة 19 في المائة في المتوسط في 10 مارس، والتي سيكون لها تأثير على معدلات التضخم».

وفيما يتعلق بأسعار العائد على أذون الخزانة، قام البنك المركزي المصري برفع العائد للحفاظ على جاذبية الاستثمار في أذون الخزانة على المدى القصير؛ إذ بلغ العائد على أذون الخزانة لأجل 12 شهراً 23.4 في المائة، بما يعكس سعر فائدة حقيقياً إيجابياً قدره 6.94 في المائة.

و«بناءً على ذلك، ومع الأخذ في الاعتبار المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على موارد مصر من النقد الأجنبي، والتوقعات المُحدَثة للتضخم، ورغبة الحكومة من واقع رؤيتنا في الإبقاء على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين، والمحافظة على مستهدفات نسبة عجز الموازنة للناتج المحلي الإجمالي؛ نتوقع أن تُبقي لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقرر عقده يوم الخميس المقبل 2 أبريل (نيسان)».


القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
TT

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

في ظل التحول المتسارع الذي يشهده قطاع السياحة في السعودية، برزت استثمارات القطاع الخاص بوصفها من أبرز محركات النمو، مع تنامي دوره شريكاً رئيسياً في تطوير الوجهات السياحية وتعزيز جاذبية السوق، مدعوماً بحوافز حكومية ومنظومة استثمارية متكاملة.

وقد تجلى هذا الدور الريادي في قلب الجلسات النقاشية للنسخة الرابعة من «مبادرة مستقبل الاستثمار» المنعقدة في ميامي؛ حيث اجتمع المستثمرون العالميون لبحث مستقبل تدفقات رؤوس الأموال. وأكد وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، أن المملكة تقدم نموذجاً لسوق جاهزة تماماً لاستقطاب الاستثمارات، مشيراً إلى أن «دور القطاع الخاص، ومشاركته الفاعلة، هما الركيزة الأساسية لهذا النجاح، حيث يُسهم بنحو 48 في المائة من إجمالي الاستثمارات السياحية».

وقال إن المملكة، في إطار «رؤية 2030»، نجحت في بناء منظومة استثمارية متكاملة لا تقوم على مشروعات ووجهات متفرقة، بل على تكامل السياسات والتشريعات والبنى التحتية، وتمكين الاستثمار، وتطوير رأس المال البشري، بما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق يضمن استدامة النمو على المدى الطويل.

دور القطاع الخاص

من جهته، أكد وكيل وزارة السياحة لتمكين الوجهات السياحية، محمود عبد الهادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «القطاع الخاص أصبح لاعباً رئيسياً في دفع عجلة السياحة، مسهماً بنحو 219 مليار ريال (58.4 مليار دولار) من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع، البالغة 452 مليار ريال، مقابل 233 مليار ريال (62.1 مليار دولار) يسهم بها (صندوق الاستثمارات العامة)، في نموذج يعكس شراكة استراتيجية لتعزيز النمو المستدام».

وفي سياق تعزيز الجاذبية الاستثمارية، كشف عن أن المملكة حلّت في «المركز الـ5» ضمن اقتصادات «مجموعة العشرين» لعام 2024 من حيث الكثافة الاستثمارية، مع حصة استثمارية بلغت 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أحد المعدلات الأعلى عالمياً.

كما نجحت في جذب 56 مشروعاً سياحياً نوعياً بين عامي 2019 و2024 بقيمة استثمارية بلغت 1.9 مليار دولار.

جبال «فيفا» في جازان (وزارة السياحة)

حوافز استثمارية شاملة

وأوضح عبد الهادي أن المستثمرين في القطاع السياحي يستفيدون من حوافز متنوعة؛ تشمل «إعفاءات ضريبية طويلة الأجل للشركات متعددة الجنسية، ودعم الأجور في المهن الخاضعة للتوطين، إلى جانب تخفيضات وإعفاءات من رسوم التراخيص البلدية، وتمويل المشروعات بمختلف أحجامها عبر (صندوق التنمية السياحي)؛ مما يسهم في خلق بيئة استثمارية جاذبة وتخفيف المخاطر».

القطاع الخاص يقود البنية الفندقية

وأضاف أن القطاع الخاص يمثل نحو 60 في المائة من الغرف الفندقية الجديدة، وأنه يقود المشروعات الاستثمارية في 10 مناطق سعودية، «مع التركيز على الوجهات الكبرى والناشئة، في وقت نجحت فيه المملكة في جذب أكثر من 50 علامة فندقية عالمية، واستقطاب أكثر من 40 مستثمراً جديداً منذ عام 2020».

أرقام قياسية لعام 2025

سجل القطاع السياحي السعودي في 2025 نحو 122 مليون سائح محلي ووافد من الخارج، بزيادة 5 في المائة على العام السابق، فيما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي 301 مليار ريال (نحو 80.3 مليار دولار)، بنمو 6 في المائة مقارنة بعام 2024. وبلغ عدد السياح المحليين 92.9 مليون سائح مع إنفاق قدره 128.2 مليار ريال (نحو 34.2 مليار دولار)، فيما وصل عدد السياح الوافدين إلى 29.3 مليون سائح مع إنفاق 172.6 مليار ريال (نحو 46 مليار دولار). وتهدف المملكة إلى استقبال 150 مليون سائح سنوياً بحلول 2030.

سياح يشاهدون الغروب بالقرب من «صخرة الفيل» في العلا (وزارة السياحة)

أولويات الاستثمار المستقبلية

وأشار إلى أن المملكة وضعت أولويات للسنوات الخمس المقبلة؛ تشمل تطوير مرافق الضيافة، وتعزيز منصات الحجز والترويج السياحي، وإطلاق تجارب سياحية متنوعة تشمل الشواطئ والمدن والتراث والمغامرات، إلى جانب الاستثمار في السياحة الزراعية وسلسلة الإمداد السياحي والخدمات اللوجيستية، «بما يوفر فرصاً واسعة للقطاع الخاص ويعزز استدامة النمو».

منتجع فاخر في البحر الأحمر (وزارة السياحة)

حوافز السياحة

وأكد أن المملكة اعتمدت آليات لضمان النمو المستدام للمشروعات السياحية، تشمل «دعم استثمارات القطاع الخاص بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من النفقات الرأسمالية، إضافة إلى إعفاءات من الرسوم البلدية لمدة تصل إلى 7 سنوات، وإعفاءات من ضريبة دخل الشركات للاستثمارات الأجنبية للفترة ذاتها، وتخفيض ضريبة القيمة المضافة على الغرف الفندقية بنسبة تصل إلى 100 في المائة، إلى جانب دعم استئجار الأراضي بنسبة 100 في المائة لمدة تصل إلى 20 عاماً».

منطقة البلد في جدة (وزارة السياحة)

دعم النمو المستدام

وأوضح أن اعتماد «نظام الاستثمار السعودي لعام 2025» مكّن المستثمرين الأجانب من التملك الكامل وحمايتهم، إلى جانب تسهيل حركة الأموال؛ «مما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق، بالتوازي مع تطوير الكوادر البشرية من خلال برامج تدريبية مختصة بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات التعليمية».

وأكد أن هذه المنظومة المتكاملة، إلى جانب الشراكة بين القطاعين العام والخاص، «تمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق مستهدفات (رؤية 2030)، بما في ذلك رفع إسهام السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 في المائة، وخلق أكثر من 1.6 مليون وظيفة»، مشدداً على أن «القطاع الخاص لم يعد مجرد مستثمر، بل هو شريك استراتيجي يقود نمو السياحة السعودية على المدى الطويل».