«سد النهضة»: مصر لمزيد من «التصعيد الدولي» قبل ملءٍ إثيوبيٍّ رابع

القاهرة قالت إن «كل الخيارات متاحة»

سد النهضة (أ.ف.ب)
سد النهضة (أ.ف.ب)
TT

«سد النهضة»: مصر لمزيد من «التصعيد الدولي» قبل ملءٍ إثيوبيٍّ رابع

سد النهضة (أ.ف.ب)
سد النهضة (أ.ف.ب)

«مصر لن تتحمل أي نقص في المياه»، تحذير قوي أطلقه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أخيراً بشأن قضية «سد النهضة» الإثيوبي، أتبعه تصريح لوزير خارجيته سامح شكري، بأن «كل الخيارات متاحة» للتعامل، ليشكّلا معاً أحدث التفاعلات المصرية المُتصاعدة للتعامل مع النزاع المائي، عشية ملء إثيوبي رابع لخزان السد، في خطوة يُتوقع أن تثير المزيد من التوترات مع دولتَي المصب (مصر والسودان).
وتخشى مصر من تأثر حصتها في مياه النيل، جراء السد الذي تقيمه إثيوبيا منذ عام 2011 على الرافد الرئيسي للنهر، وتطالب القاهرة، ومعها الخرطوم، باتفاق قانوني مُلزم ينظّم عمليتي ملء وتشغيل السد، بينما تدفع أديس أبابا بإنشاء السد «الكهرومائي» بداعي حقّها في التنمية عبر استغلال مواردها المائية.
ومع استعداد إثيوبيا لملء رابع لخزان سد النهضة، خلال موسم الأمطار المقبل، صعّدت القاهرة لهجتها؛ في محاولة للضغط على أديس أبابا، للتراجع عن اتخاذ أي «إجراءات أحادية» قبل إبرام اتفاق. فيما قالت مصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن طرح القاهرة القضية على جامعة الدول العربية، هي بداية لـ«تصعيد دولي قد يتضمن التوجه مجدداً إلى مجلس الأمن الدولي، فضلاً عن إجراءات أخرى، لكسر حالة الجمود الراهنة في القضية».
وخاضت مصر لأكثر من عقد مفاوضات مع إثيوبيا إلى جانب السودان؛ في محاولة التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن، دون نتيجة. الأمر الذي أدى إلى تجميدها منذ أبريل (نيسان) 2021 بعد فشل الاتحاد الأفريقي في التوسط لحل النزاع، ما دعا مصر إلى التوجه إلى مجلس الأمن الذي أصدر من قبل «قراراً رئاسياً» يدعو إلى تسريع المفاوضات وإبرام اتفاق يُرضي جميع الأطراف.
والأسبوع الماضي، اعتمد مجلس وزراء الجامعة العربية قراراً يؤكد «الالتزام العربي بحماية حقوق دول المصبّ لنهر النيل»، ويتضمن دعوة الجانب الإثيوبي لـ«التفاعل الإيجابي وإبداء المرونة» في هذا الملف، مع طرحه كبند دائم على جدول أعمال مجلس الجامعة. وهو ما أثار غضب أديس أبابا التي دعت لـ«وقف تمرير» الملف إلى مجلس الأمن أو الجامعة العربية، وحلّه عبر «الآليات الأفريقية».
وإمعاناً في التضامن العربي، شدد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الثلاثاء)، على تأثير سد النهضة «سلبياً على الأمن المائي في مصر والسودان»، مطالباً بالإسراع في «معالجة القضية».
وتصف تصريحات رسمية مصرية النزاع مع إثيوبيا بـ«القضية الوجودية»، خصوصاً مع اعتماد مصر بأكثر من 97 في المائة على مياه النيل. ووفق وزير الخارجية سامح شكري، فإن بلاده «لها الحق في الدفاع عن مقدرات ومصالح شعبها». وبينما رأى شكري أن مواقف بلاده «منضبطة وتراعي الاعتبارات والعلاقات كافة»، قال في تصريحات تلفزيونية، مساء الاثنين: «تظل كل البدائل متاحة... ومصر لها قدراتها وعلاقاتها الخارجية ولها إمكانياتها».
واكتفى الوزير بتصريح أن «كل الخيارات مفتوحة»، رافضاً «الدخول في إطار تحديد إجراءات بعينها»، على حد قوله، مشيراً إلى أن «هذا ما يخدم المصلحة المصرية بأن تظل جميع البدائل متاحة».
وفي تبرير متكرر لتوقف المفاوضات، قال شكري إن «بلاده تتخذ مواقف منضبطة تجاه التعنت الإثيوبي»، موضحاً أنه «رغم عدم وجود مرونة مماثلة من الجانب الإثيوبي كما تفعل مصر، فإن مصر لا تزال ماضية في التفاعل مع كل الدول التي حاولت المساعدة».
وتأتي تصريحات شكري في أعقاب تحذير أطلقه الرئيس المصري، مستغلاً زيارة رئيسة وزراء الدنمارك ميتا فريدركسن، للقاهرة (الاثنين). وقال السيسي: «الدولة الأكثر جفافاً في العالم هي مصر... وليست لديها فرصة لتحمل أي نقص من المياه في أي وقت من الأوقات»، موضحاً أن «الدولة المصرية تبذل جهداً كبيراً جداً في الاستفادة من كل نقطة مياه موجودة، سواء من خلال المعالجة والتدوير، أو تحلية مياه البحر المتوسط والبحر الأحمر».
وفي حين استبعدت الحديث عن أي «خيارات خشنة» للتعامل المصري مع النزاع حال استمر الموقف الإثيوبي الحالي، قالت الدكتورة سماء سليمان، وكيل لجنة الشؤون الخارجية والعربية والأفريقية بمجلس الشيوخ، لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر تمتلك الكثير من الأدوات والخيارات السياسية من أجل الدفاع عن مصالح شعبها، في مواجهة هذا التعنت المستمر».
وذكرت البرلمانية المصرية أن «التوجه إلى جميع التنظيمات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن يظل خياراً دائماً لإثبات الحقوق المصرية»، كما أشارت إلى «طلب القاهرة من الإدارة الأميركية في أكثر من مناسبة التدخل بشكل مباشر في النزاع إلى جانب التنسيق العربي».
وتستعد إثيوبيا لتخزينٍ رابع في أغسطس (آب) القادم، ليصبح إجمالي التخزينات السنوية الأربعة 30 مليار متر مكعب، وفقاً للخبير المائي المصري الدكتور عباس شراقي، الذي عدّ الاستعدادات الإثيوبية الحالية «انتهاكاً للاتفاقيات والأعراف الدولية».
ووضع شراقي، في تدوينة له على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك»، سيناريوهين للنزاع الفترة المقبلة، وقال: «الأول هو حثّ الاتحاد الأفريقي بقيادته الجديدة برئاسة جزر القمر على القيام بمسؤولياته لاستئناف المفاوضات في أسرع وقت للوصول إلى اتفاق قبل بداية التخزين الرابع».
السيناريو الثاني، حسب شراقي هو «توجه مصر والسودان مرة ثالثة إلى مجلس الأمن، لكن هذه المرة ليس بسبب مشكلة مياه بل مشكلة وجود خطر على الأمن والسلم خصوصاً على
20 مليون سوداني يعيشون على ضفاف النيل الأزرق الذي سوف يتعرض لطوفان حال انهيار سد النهضة، خصوصاً أن إثيوبيا بالغت في زيادة مواصفات السد من 11.1 مليار متر مكعب، كما كان في التصميم الأميركي الأصلي، إلى 74 مليار متر مكعب، ويضاعف من المشكلة عدم التزام إثيوبيا بإجراء الدراسات الهندسية كما كان مقرراً طبقاً لإعلان مبادئ سد النهضة 2015».
وترفض إثيوبيا تدويل قضية سد النهضة؛ لأنها «لا ترغب في وجود ضغط دولي عليها، خصوصاً أنها على علم بمخالفتها قواعد القانون الدولي، وأنها تتعسف ضد دولتي المصب»، كما يعتقد الدكتور محمد مهران، أستاذ القانون الدولي العام.
وقال مهران لـ«الشرق الأوسط»: «السعي المصري الدائم لتدويل الملف قد يؤدي بشكل كبير إلى الضغط على الجانب الإثيوبي وإظهاره في صورته الحقيقية التي تؤكد مخالفة قواعد القانون الدولي»، خصوصاً أنها «لم تتبع الإجراءات المنصوص عليها في القانون الدولي بشأن إقامة السدود وتشغيلها».


مقالات ذات صلة

كيف تؤثر التوترات في السودان على موقف مصر بملف «سد النهضة»؟

العالم العربي كيف تؤثر التوترات في السودان على موقف مصر بملف «سد النهضة»؟

كيف تؤثر التوترات في السودان على موقف مصر بملف «سد النهضة»؟

جددت الاشتباكات بين قوات الجيش السوداني، وقوات «الدعم السريع»، المخاوف من دخول السودان في موجة جديدة من الاضطرابات، يمكن أن تؤثر على ملف «سد النهضة»، في وقت تستعد فيه إثيوبيا للملء الرابع لبحيرة السد، الذي يثير خلافات بشأنه مع دولتي المصب (السودان ومصر). وأكد مراقبون وخبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، أن للاضطرابات الأخيرة في السودان «تأثيراً مباشراً» على أكثر من ملف إقليمي، من بينها أزمة «سد النهضة»، لافتين إلى أن «الارتباك السياسي» سيضعف أي تحفظات سودانية على الملء الرابع المنتظر أن يبدأ صيف هذا العام، الأمر الذي «يلقي بمزيد من الأعباء على الجانب المصري، وتحركاته الدولية والأممية في الملف». و

العالم العربي كيف يؤثر النزاع في السودان على موقف مصر بملف «سد النهضة»؟

كيف يؤثر النزاع في السودان على موقف مصر بملف «سد النهضة»؟

جددت الاشتباكات بين قوات الجيش السوداني، وقوات «الدعم السريع»، المخاوف من دخول السودان في موجة جديدة من الاضطرابات، يمكن أن تؤثر على ملف «سد النهضة»، في وقت تستعد فيه إثيوبيا للملء الرابع لبحيرة السد، الذي يثير خلافات بشأنه مع دولتي المصب (السودان ومصر). وأكد مراقبون وخبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، أن للاضطرابات الأخيرة في السودان «تأثيراً مباشراً» على أكثر من ملف إقليمي، من بينها أزمة «سد النهضة»، لافتين إلى أن «الارتباك السياسي» سيضعف أي تحفظات سودانية على الملء الرابع المنتظر أن يبدأ صيف هذا العام، الأمر الذي «يلقي بمزيد من الأعباء على الجانب المصري، وتحركاته الدولية والأممية في الملف». و

العالم العربي «سد النهضة»: «الملء الرابع» يؤجج الخلافات بين مصر وإثيوبيا

«سد النهضة»: «الملء الرابع» يؤجج الخلافات بين مصر وإثيوبيا

مع اقتراب عملية الملء الرابع لخزان «سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل، تأججت الخلافات بين القاهرة وأديس أبابا، وسط تصعيد متوقع خلال الفترة القادمة في ظل جمود المفاوضات. وفيما اتهمت إثيوبيا مصر بـ«تسييس القضية»، رافضة الحصول على «إذن مسبق» من أجل الشروع في عملية الملء، قالت الخارجية المصرية إن إثيوبيا «تتنصل من المسؤولية القانونية». وتبني إثيوبيا «سد النهضة» على الرافد الرئيسي لنهر النيل، منذ عام 2011، ووفق الهيئة الحكومية المسؤولة عن المشروع، فقد اكتمل 90 في المائة من عمليات البناء.

محمد عبده حسنين (القاهرة)
العالم العربي «سد النهضة»: الملء الرابع يؤجج الخلافات بين مصر وإثيوبيا

«سد النهضة»: الملء الرابع يؤجج الخلافات بين مصر وإثيوبيا

مع اقتراب عملية الملء الرابع لخزان «سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل، تأججت الخلافات بين القاهرة وأديس أبابا، وسط تصعيد متوقع في ظل جمود المفاوضات. وفيما اتهمت إثيوبيا مصر بـ«تسييس القضية»، رافضة الحصول على «إذن مسبق» من أجل الشروع في عملية الملء، قالت الخارجية المصرية إن إثيوبيا «تتنصل من المسؤولية القانونية». وتبني إثيوبيا «سد النهضة» على الرافد الرئيسي لنهر النيل، منذ عام 2011، ووفق الهيئة الحكومية المسؤولة عن المشروع، فقد اكتمل 90 في المائة من عمليات البناء.

محمد عبده حسنين (القاهرة)
العالم العربي «معركة علمية» بين القاهرة وأديس أبابا لحسم النزاع المائي

«معركة علمية» بين القاهرة وأديس أبابا لحسم النزاع المائي

تسعى إثيوبيا إلى «انتفاضة بحثية علمية» تخدم موقفها في نزاعها المائي مع مصر، التي نجحت في فرض حضور دولي مبني على «نشر معلومات مغايرة للحقيقة»، بحسب وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إيتافا. وتتنازع إثيوبيا مع كل من مصر والسودان، بسبب «سد النهضة»، الذي تبنيه على الرافد الرئيسي لنهر النيل، ويثير توترات مع دولتي المصب. وتقول القاهرة إن السد، الذي يقام منذ 2011، وقارب على الانتهاء بنحو 90 في المائة، يهدد «حقوقها» في مياه النهر الدولي، مطالبةً بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني مُلزم ينظم قواعد ملء وتشغيل «سد النهضة».

محمد عبده حسنين (القاهرة)

اليمن يدفع نحو معركة استعادة الدولة وإنهاء التهديد الحوثي

من آثار القصف الحوثي على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (إعلام عسكري)
من آثار القصف الحوثي على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (إعلام عسكري)
TT

اليمن يدفع نحو معركة استعادة الدولة وإنهاء التهديد الحوثي

من آثار القصف الحوثي على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (إعلام عسكري)
من آثار القصف الحوثي على ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (إعلام عسكري)

دخلت المواجهة اليمنية خلال أغسطس (آب) الحالي مرحلة جديدة من التصعيد، مع انتقال الجماعة الحوثية لتهديد السفن في البحر الأحمر وتكثيف هجماتها على الساحل الغربي، وميناء المخا، ومأرب، ومناطق تعز، والضالع وشبوة وبقية خطوط التماس؛ وهو الأمر الذي دفع القيادة اليمنية باتجاه تثبيت معركة استعادة الدولة وإنهاء التهديد الحوثي بوصفه مدخلاً لأي سلام مستدام.

وتزامن التصعيد البري مع استمرار تهديد الجماعة المدعومة من إيران للممرات البحرية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاس الهجمات على حركة الملاحة الدولية وعلى قدرة الموانئ اليمنية على العمل، وسط تحركات سياسية وعسكرية للشرعية تسعى إلى حشد موقف إقليمي ودولي أكثر تشدداً تجاه الحوثيين.

وقال نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، في أحدث تصريحاته، إن التصعيد الحوثي الأخير يأتي بتوجيهات من «الحرس الثوري» الإيراني، مشيراً إلى أن الجماعة بدأت استهداف السفن المدنية في البحر الأحمر وباب المندب، بما فيها سفينة هندية، في محاولة، وفقاً له، لمضاعفة الحصار على اليمنيين وإغلاق ميناء المخا، الذي يمثّل منفذاً بحرياً مهماً للمحافظات الواقعة خارج سيطرة الحوثيين، وفي مقدمتها تعز والحديدة.

نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (إعلام عسكري)

وخلال اجتماع موسع لأعضاء المجالس المحلية ومديري المكاتب التنفيذية والمشايخ والأعيان والشخصيات الاجتماعية في مديريتي المخا وموزع بمحافظة تعز، قال صالح إن الساحل الغربي تعرض، وفق إحصاءات عرضها، لـ56 صاروخاً باليستياً و44 طائرة مسيَّرة انتحارية، مؤكداً أن هذه الهجمات لم تحقق أهدافها العسكرية، باستثناء إلحاق أضرار بالأعيان المدنية والموانئ، وفي مقدمها ميناء المخا.

ورأى أن كثافة استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة تعكس، من وجهة نظره، عجز الحوثيين عن خوض مواجهة مباشرة، إلى جانب كونها محاولة انتقامية بعد إفشال مخططات إيران والجماعة للوصول إلى باب المندب.

تحركات على جبهات عدة

تزامنت هذه التصريحات مع معلومات أوردتها مصادر دفاعية وأمنية لمنصة «ديفانس لاين» عن تحركات حوثية شملت زرع شبكات ألغام جديدة في خطوط التماس خلال الأسبوع الأخير، ولا سيما في المناطق الوسطى والشرقية من البلاد.

وقالت المصادر إن الجماعة دفعت أيضاً بمنصات لإطلاق الطائرات المسيّرة إلى جبهات غربية وشرقية، وحركت مركبات مخصصة لنقل هذه المنصات ونشرها بالقرب من مناطق المواجهة، في خطوة تعكس، وفق المعلومات، مساعيها لتوسيع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة في العمليات البرية.

ورصد سكان محليون، حسب المصادر، مركبات جديدة محملة بمنصات إطلاق نُقلت من صنعاء باتجاه محافظة الجوف شرقاً، في حين تحدثت تقارير عن تحريك منصات وقطع طيران مسيّر باتجاه الحديدة ومحافظات الساحل الغربي، ونشرها في مرتفعات حيوية مطلة على البحر الأحمر.

لحظة انفجار أحد الصواريخ التي أطلقها الحوثيون على ميناء المخا اليمني (أ.ب)

وامتدت التحركات، وفق المصادر نفسها، إلى مناطق في ذمار، وتعز، وإب، وريمة، والمحويت وحجة، بما يشير إلى محاولة الجماعة إنشاء شبكة أوسع لوسائل الهجوم المسيّر وربط مواقع الإطلاق بخطوط المواجهة البرية والمناطق الساحلية.

وفي المقابل، قال طارق صالح إن القوات الحكومية طورت خلال الفترة الماضية قدراتها في مجالات الطيران المسيّر والمدفعية والتدريب، عادَّاً أن هذه القدرات أربكت حسابات الحوثيين وإيران. كما أشاد بما وصفه بإنجازات البحرية اليمنية وخفر السواحل في مواجهة شبكات تهريب الأسلحة الإيرانية وقطع خطوط الإمداد إلى الجماعة.

معركة عنوانها استعادة الدولة

ولا ينفصل التحرك العسكري عن مسار سياسي يركز على أن أي تسوية يمنية مقبلة يجب أن تعالج أصل الصراع المرتبط بالانقلاب على مؤسسات الدولة واحتكار السلاح، بدلاً من الاكتفاء بترتيبات مؤقتة لوقف القتال.

وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، خلال لقائه سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن، إن استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب الحوثي يمثلان أساس تحقيق السلام والاستقرار، مشدداً على أن التسوية المستدامة تتطلب معالجة جذور الأزمة وإعادة الاعتبار لسيادة مؤسسات الدولة.

وبحث الجانبان - حسب الإعلام الرسمي- التطورات السياسية والعسكرية والأمنية في اليمن والمنطقة، إلى جانب المخاطر الناجمة عن الهجمات الحوثية على أمن البحر الأحمر والممرات الملاحية الدولية وحركة التجارة العالمية.

وأكد المحرّمي أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تواصل رفع جاهزيتها والاستعداد لمختلف الاحتمالات، محذّراً من أن استمرار التصعيد الحوثي يقوّض فرص التسوية ويطيل أمد الأزمة.

ودعا المجتمع الدولي إلى زيادة الضغط على الحوثيين وتجفيف مصادر تمويلهم وتسليحهم، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والهجمات التي تهدد اليمن والمنطقة والملاحة الدولية.

وفي السياق نفسه، عدَّ التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية اليمنية أن التصعيد الحوثي يضع البلاد أمام «مفترق طرق»، مؤكداً أن المواجهة، حسب موقفه، لن تنتهي إلا بهزيمة الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.

وأدان التكتل الهجمات على مأرب والساحل الغربي ومختلف الجبهات، واستهداف المدنيين والمناطق السكنية وتجمعات النازحين وميناء المخا، داعياً إلى توحيد الصف الوطني خلف مجلس القيادة الرئاسي.

التصعيد يطال العمل الإنساني

ولا تتوقف تداعيات التصعيد عند الجبهات والممرات البحرية؛ إذ تتزامن التحركات العسكرية مع ضغوط متزايدة على العمل الإنساني في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وسط استمرار القيود المفروضة على العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية.

وقالت وزارة حقوق الإنسان اليمنية إن الجماعة صعّدت، منذ يونيو (حزيران) 2024، حملتها ضد العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، من خلال مداهمة المنازل والمكاتب واحتجاز موظفين أمميين وعاملين في منظمات دولية ومحلية، إلى جانب اقتحام مقار منظمات إنسانية.

وأشارت الوزارة إلى أن بعض المحتجزين لا يزالون رهن الاعتقال، بعد أن تجاوزت مدة احتجاز بعضهم عامين، عادَّة أن هذه الممارسات انعكست بصورة مباشرة على مستوى الاستجابة الإنسانية ورفعت حجم الاحتياجات في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

واتهمت الوزارة الحوثيين كذلك بالتدخل في توزيع المساعدات ونهب جزء منها وتحويلها، وحرمان مستحقين من الوصول إليها بصورة عادلة، محذّرة من أن استهداف العاملين والمنظمات الإنسانية يحدّ من قدرة المجتمع الدولي على الوصول إلى المدنيين وتقديم المساعدة لهم.

ودعت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف عملي وحازم لإطلاق سراح العاملين المحتجزين، ووقف استهداف المنظمات، وضمان بيئة آمنة ومحايدة تمكنها من مواصلة عملها.


تشديد مصري - قطري على الالتزام بـ«خطة ترمب» في غزة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم (الرئاسة المصرية)
TT

تشديد مصري - قطري على الالتزام بـ«خطة ترمب» في غزة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم (الرئاسة المصرية)

شددت مصر وقطر على ضرورة التزام الأطراف كافة بتنفيذ التزاماتها بموجب خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لوقف الحرب في قطاع غزة.

جاء ذلك خلال لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني.

وأكد المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، أن المحادثات تطرقت إلى تعاون وتنسيق البلدين بشأن تنفيذ اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة بما يُثبت من الاستقرار ويسهم في سرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار، فضلاً عن ضرورة تعزيز نفاذ المساعدات الإنسانية للقطاع.

وتتضمن «خطة ترمب» 20 نقطة لإنهاء الصراع في غزة، وتنتقل من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، والحكم التكنوقراطي، وإعادة الإعمار، والانسحاب الإسرائيلي من القطاع.

وخلال اللقاء تم الاتفاق على مواصلة التنسيق بين البلدين الشقيقين اتصالاً بتنفيذ اتفاق وقف الحرب في غزة ومن أجل الحفاظ على السلم والاستقرار الإقليمي بصفة عامة، حسب بيان صادر عن الرئاسة المصرية، الخميس.

وأشار السيسي «إلى أهمية احتواء التصعيد الإقليمي الراهن، أخذاً في الاعتبار تداعياته على استقرار المنطقة، فضلاً عن آثاره الاقتصادية والتجارية»، ونوه إلى الجهود الحثيثة التي تبذلها مصر من أجل خفض التصعيد الراهن، مجدداً موقف بلاده الداعم والمساند لأمن دولة قطر الشقيقة وسائر الدول العربية، ورفضها التام لأي محاولات للمساس بسيادتها واستقرارها.

وعلى مستوى العلاقات الثنائية، أشاد الرئيس المصري بما تشهده العلاقات مع قطر من تقدم ونمو، معرباً عن تطلعه لمواصلة تعزيز هذه العلاقات في مختلف القطاعات السياسية والتجارية والاستثمارية.


خبراء لـ«الشرق الأوسط»: توسيع الجيش اليمني عمليات الردع يمهّد لمعركة واسعة

وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)
وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)
TT

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: توسيع الجيش اليمني عمليات الردع يمهّد لمعركة واسعة

وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)
وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)

يدخل التصعيد العسكري في اليمن مرحلةً جديدةً مع توجيه مجلس الدفاع الوطني بتوسيع عمليات الردع الجوي والصاروخي ضد جماعة الحوثي، في خطوة يرى خبراء عسكريون أنّضها تؤسِّس للانتقال من صدِّ الهجمات إلى استهداف مصادرها، عبر ضربات استباقية تطول منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ومراكز القيادة وخطوط الإمداد في العمق.

وقال الخبراء لـ«الشرق الأوسط» إنَّ دخول الطيران المسيّر الحكومي إلى مسرح العمليات يُمثِّل تحولاً نوعياً في معادلة القوة، خصوصاً مع توحيد غرف العمليات ورفع الجاهزية العسكرية والاستخباراتية. ورجَّحوا امتلاك القوات الحكومية طبقات أكثر تطوراً من المسيّرات لم تُستخدَم بعد، محذِّرين في الوقت نفسه من أنَّ مسار المواجهة سيبقى مرتبطاً بتطورات الصراع الإقليمي وحسابات إيران والولايات المتحدة.

من الاحتواء إلى الضربات الاستباقية

قال العميد الركن ياسر صالح، الخبير العسكري والاستراتيجي اليمني، إنَّ توجيه مجلس الدفاع الوطني يستهدف تحييد القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة الحوثية، في ظلِّ استمرار الجماعة في التصعيد على محاور القتال واستهداف المنشآت الحيوية والبنية التحتية.

وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ)

وأوضح أنَّ العمليات الحكومية انحصرت، خلال المرحلة الأولى، في صدِّ الهجمات، في ظلِّ عدم امتلاك منظومات دفاع جوي كافية لاعتراض الصواريخ والمسيّرات، مبيناً أن رفع مستوى الردع يعني توجيه ضربات استباقية إلى منصات الإطلاق ومصادر النيران، وتقليص قدرة الحوثيِّين على شنِّ هجمات جديدة.

الطيران المسيّر... «اليد الطولى»

ووصف العميد ياسر دخول الطيران المسيّر الحكومي إلى المعركة بأنه تطور بارز، بالنظر إلى حاجة القوات البرية إلى الإسناد الجوي القريب، موضحاً أن المسيّرات تستطيع تنفيذ مهام الاستطلاع وتحديد الأهداف وضرب التحركات المعادية، وقد تشكِّل «اليد الطولى» للقوات البرية إذا اتجهت التطورات نحو معركة حاسمة.

وبحسب صالح، تستخدم القوات الحكومية حالياً طائرات انقضاضية صغيرة، وأخرى قادرة على إسقاط الذخائر، في حين يُرجَّح امتلاكها طائرات أكثر تطوراً لم تدخل الخدمة العملياتية بعد، تستطيع حمل صواريخ موجهة والتحليق لمسافات بعيدة واستهداف مواقع في العمق.

وأكد أنَّ توحيد جهود القوات الحكومية يسمح بتنفيذ عمليات متزامنة على جبهات متعددة، ويمنع الحوثيِّين من اختيار زمان المعركة ومكانها، أو حشد قواتهم في محور واحد. وقال إن اشتعال الجبهات بالتزامن سيشتت احتياطات الجماعة، ويحدُّ من قدرتها على المناورة وإعادة الانتشار.

«تمهيد نيراني» لهجوم محتمل

من جانبه، قال العميد الركن محمد الكميم، الخبير العسكري اليمني، إنَّ توسيع عمليات الردع يمهِّد لاستخدام طائرات مسيّرة ذات مدى استراتيجي، إلى جانب راجمات متطورة يتراوح مداها بين 40 و60 كيلومتراً، بما يتيح ضرب مصادر التهديد بدقة أكبر.

وأوضح أن بنك الأهداف قد يشمل مراكز القيادة والسيطرة والاتصالات، وخطوط الإمداد والتعزيز، ومواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، عادّاً أنَّ كثافة النيران ضدَّ الأنساق الأمامية الحوثية تندرج عسكرياً ضمن «التمهيد النيراني» الذي يسبق عادة العمليات الهجومية، خصوصاً مع استمرار الحشود الحوثية على مختلف الجبهات.

ووصف الكميم استخدام المسيّرات بأنه «تحول نوعي»، قائلاً إن الطائرات التي ظهرت حتى الآن محدودة المدى والقدرات. ورجَّح امتلاك القوات الحكومية منظومات أخرى لم تدخل المعركة بعد، من بينها، «نقم» و«عيبان» و«شاهين»، إلى جانب وحدات متخصصة في تشغيلها، على حدِّ تعبيره.

وأشار إلى أنَّ القوات الحكومية باتت أكثر تنظيماً مما كانت عليه في عام 2022، في ظلِّ وجود غرفة عمليات موحدة، وتنسيق متقدم بين المحاور والتشكيلات العسكرية، مرجِّحاً اتساع التصعيد إذا واصلت الجماعة حشودها وهجماتها.

إعادة بناء معادلة الردع

بدوره، رأى الخبير السياسي والعسكري، عبد الوهاب بحيبح، أن توجيهات مجلس الدفاع الوطني تنقل القوات الحكومية من ردِّ الفعل إلى امتلاك زمام المبادرة، متوقعاً دخول مسيّرات بعيدة المدى قادرة على الاستطلاع وجمع المعلومات وتصحيح نيران المدفعية والصواريخ، إلى جانب الاستهداف المباشر.

ولفت إلى أنَّ التوجيهات تضمَّنت مصفوفةً متكاملةً تشمل رفع الجاهزية، وتعزيز الإنذار المبكر، وتكثيف العمليات الاستخباراتية، وتشديد الإجراءات الأمنية والبحرية لتعقُّب طرق تهريب الأسلحة إلى الحوثيِّين، فضلاً عن الاستعداد للتَّحرُّك البري عند الضرورة.

وعدَّ بحيبح أنَّ الحكومة تتبنى استراتيجيةً متعددة المسارات تجمع بين العمليات الجوية والصاروخية والجهد الأمني والاستخباراتي والبحري، بما يسهم في إعادة بناء معادلة الردع، بعد سنوات استفادت خلالها الجماعة من تفوقها النسبي في الصواريخ والمسيّرات، ومن تشتت خصومها.

اليمن في قلب الحسابات الإقليمية

واتَّفق الخبراء على صعوبة فصل التصعيد اليمني عن الصراع الإقليمي. وقال صالح إنَّ طهران قد تدفع حلفاءها إلى توسيع المواجهة إذا تجدَّد الصدام مع واشنطن، بينما حذَّر بحيبح من أنَّ استمرار سيطرة الحوثيِّين على الحديدة والسواحل المطلة على البحر الأحمر يمنح إيران ورقة ضغط على الملاحة الدولية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال استقباله مؤخراً وزير الخارجية الياباني (سبأ)

وكان وزير الإعلام اليمني قد حذَّر، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من مخطط حوثي للسيطرة على مناطق ساحلية محاذية لمضيق باب المندب. وأكدت 3 مصادر عسكرية حوثية، إلى جانب متحدث باسم القوات الحكومية المتمركزة قرب المضيق، للوكالة أن الجماعة تخطط للتقدم نحو تلك المناطق.

ورجَّح العميد ياسر صالح أن يقود تداخل الضغوط الداخلية على الحوثيِّين مع التوتر الإقليمي إلى مواجهة واسعة، ربما تمهِّد لما وصفها بـ«معركة الخلاص»، بينما شدَّد العميد الكميم على ضرورة حسم القرار قبل أن تعود الأزمة اليمنية إلى دائرة التسويات المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران، لافتاً إلى أن المشهد يتجه نحو مزيد من التصعيد، مع بقائه مرتبطاً بتطورات الوضعَين الإقليمي والدولي.