هل تهدّد الانشقاقات تماسك «قوات الدعم السريع» السودانية؟

القيادة لا تزال قادرة على حشد المقاتلين وفتح جبهات قتال متعددة

مقاتلون من «قوات الدعم السريع» (أرشيفية - أ.ب)
مقاتلون من «قوات الدعم السريع» (أرشيفية - أ.ب)
TT

هل تهدّد الانشقاقات تماسك «قوات الدعم السريع» السودانية؟

مقاتلون من «قوات الدعم السريع» (أرشيفية - أ.ب)
مقاتلون من «قوات الدعم السريع» (أرشيفية - أ.ب)

انشقت قوة تضم عشرات المقاتلين، بقيادة الجنرال موسى خمسين، عن «قوات الدعم السريع» وأعلنت انضمامها إلى الجيش السوداني، في أحدث حلقة من سلسلة انشقاقات شملت خلال الأشهر الماضية قادة ميدانيين ومقاتلين ومسؤولين سياسيين في تحالف «تأسيس» الذي تقوده «قوات الدعم السريع».

وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن طبيعة ما يجري داخل «قوات الدعم السريع»، وما إذا كانت هذه الانشقاقات تشير إلى بداية تآكل في بنيتها العسكرية والسياسية، أم أنها خسائر محدودة ولا تزال القيادة قادرة على احتوائها وتعويضها؟

وقال الجنرال خمسين، في تصريحات عقب وصوله إلى مناطق سيطرة الجيش، إن مجموعته قدمت من شمال دارفور، وإن اللواء النور أحمد القبة، أحد أبرز المنشقين عن «الدعم السريع»، ساعدها في الوصول إلى الخرطوم. وأرجع خمسين قراره أيضاً إلى خيبة أمله في مشروع «تأسيس»، قائلاً إنهم اعتقدوا في البداية أن المشروع سيؤسس دولة جديدة، قبل أن يتوصلوا إلى نتيجة مختلفة.

وخلال استقباله القوة، رحب اللواء القبة بانضمام الجنرال خمسين ومقاتليه، متوقعاً انشقاق مزيد من القادة والقوات، وداعياً مقاتلي «الدعم السريع» في دارفور وكردفان إلى الانضمام إلى الجيش.

توفيق أوضاع المنشقين

أرشيفية متداولة للقائد المنشق أبو عاقلة كيكل (الثالث من اليسار) مع عناصر من «الدعم السريع» قبل انضمامه للجيش

ويأتي هذا الانشقاق الأخير في وقت انتقل فيه الجيش خطوة إضافية في التعامل مع القادمين من «قوات الدعم السريع»، بإعلانه يوم الأربعاء، عن اكتمال المرحلة الأولى من إجراءات توفيق أوضاع أفراد انضموا إلى صفوفه، والتي شملت أداء القسم واستكمال الترتيبات الأمنية والإدارية؛ تمهيداً لتوزيعهم على تشكيلات الجيش ووحداته المختلفة، من دون الكشف عن عددهم.

ورحب مدير فرع الإدارة في الجيش، اللواء الوليد عبد القادر عجبنا، بالمنضمين، مشيداً بما وصفه بـ«انحيازهم إلى الدولة» وترك «قوات الدعم السريع».

وتعود أبرز الانشقاقات إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2024، عندما انشق أبو عاقلة كيكل، قائد قوات «درع السودان» الذي كان قائداً بارزاً في «قوات الدعم السريع» ومسؤولاً عن ولاية الجزيرة في وسط السودان، وأعلن انضمامه إلى الجيش.

ثم اكتسبت الظاهرة زخماً أكبر خلال العام الحالي، مع انشقاق اللواء النور القبة، أحد أبرز قادة «الدعم السريع» في إقليم دارفور، في أبريل (نيسان) الماضي، وانضمامه إلى الجيش أيضاً. وقال القبة لاحقاً إنه كان يشغل موقع «الرجل الثالث» في «قوات الدعم السريع» من حيث الرتبة العسكرية، وإنه خرج من صفوف القوات برفقة ثلاث مجموعات، مع مركباتها وتجهيزاتها.

توالي حالات الانشقاق

القائد السافنا المنشق عن «الدعم السريع» متحدثاً في المؤتمر الصحافي بالخرطوم (وكالة السودان للأنباء)

وتوالت بعد ذلك حالات الانشقاق. ففي مايو (أيار) الماضي، أعلن القائد الميداني علي رزق الله، المعروف باسم «السافنا»، انشقاقه عن «قوات الدعم السريع» بعد مشاركته في عدد من الجبهات، في حين ظهرت حالات انشقاقات أخرى أصغر حجماً في إقليم كردفان.

وامتدت الظاهرة إلى ولاية النيل الأزرق في جنوب السودان، مع إعلان قائد ثاني المجموعة القتالية الرابعة، ضيف الله آدم، انشقاقه في يونيو (حزيران)، عازياً قراره إلى ما وصفه بـ«العنصرية وغياب القضية والهدف من الحرب».

ولم تقتصر الانشقاقات على العسكريين، بل امتدت إلى الدائرة السياسية المحيطة بـ«قوات الدعم السريع».

فقد أعلن فارس النور، المستشار السابق لقائد «الدعم السريع»، وعضو المجلس الرئاسي لتحالف «تأسيس»، استقالته من المجلس ومن منصبه حاكماً للخرطوم. وتبعه خلال أغسطس (آب) الحالي حمد محمد خليفة، عضو المجلس الرئاسي والحاكم الذي عينه التحالف لإقليم كردفان.

وتضيف هذه الاستقالات بُعداً سياسياً إلى ظاهرة الانشقاقات العسكرية، في وقت يسعى فيه تحالف «تأسيس» إلى تقديم نفسه بصفته الإطار السياسي للمشروع الذي تقوده «قوات الدعم السريع» وحلفاؤها.

مخاوف من ولاءات البعض

ويرى الصحافي والمحلل السياسي عثمان ميرغني أن ما يحدث يمثل «متغيراً كبيراً» تجاوز المستوى العسكري إلى السياسي، عادَّاً أن الانشقاقات تعكس «انهيار المشروع السياسي» وتراجع قناعة بعض المنتمين إلى القوات بوجود مشروع سياسي حقيقي يقاتلون من أجله.

ويعتقد ميرغني أن طريقة استقبال الحكومة والجيش للمنشقين، خصوصاً النور القبة، شجعت آخرين على سلوك الطريق نفسه، بعدما وجدوا أن الجيش مستعد لاستقبالهم واستيعابهم.

وفي المقابل، كشفت تصريحات اللواء أحمد قجة، أحد القادة البارزين في «قوات الدعم السريع»، عن وجود مخاوف داخلية بشأن ولاءات بعض السياسيين والعسكريين.

وتحدث قجة مؤخراً عن وجود من وصفهم بـ«الطابور الخامس» داخل «قوات الدعم السريع» وداخل تحالف «تأسيس» أيضاً. وأضاف أن لدى قواته معلومات تثير الشبهات حول نحو 50 في المائة من المستشارين السياسيين، من دون أن يقدم أدلة على ذلك. وتابع أن لديه معلومات عن سياسيين يعتزمون الانشقاق، مشيراً إلى إعداد ملف بأسماء هؤلاء ورفعه مباشرة إلى قيادة «الدعم السريع»، فضلاً عن وجود «طوابير» أخرى بين العسكريين.

وفي سياق متصل، دعا القبة إلى تشديد الرقابة على تحركات القيادات، قائلاً: «ينبغي ألا تتحرك أي رتبة سياسية كبيرة من دون إذن القائد العام». كما نفى وجود أي اتفاق مع الجيش، وعدّ الانضمام إليه «خيانة للقضية».

قدرة مستمرة على الحشد

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

ومع ذلك، لا تعكس مؤشرات التصدع الداخلي حتى الآن صورة لقوة فقدت قدرتها على العمل العسكري؛ إذ لا تزال «قوات الدعم السريع» قادرة على حشد المقاتلين وتحريك قواتها وشن هجمات على أكثر من جبهة، كما ظهر أخيراً في شمال كردفان والنيل الأزرق، رغم تضارب روايات طرفي الحرب بشأن نتائج تلك المعارك.

ويجعل استمرار هذه القدرة من الصعب عدّ الانشقاقات، بمفردها، دليلاً على انهيار عسكري وشيك، ما دامت القوات تحتفظ بقدرتها على الحشد وتحريك الوحدات ومواصلة العمليات في جبهات متباعدة.

ويحذّر المقدم المتقاعد في الجيش، الطيب المالكابي، من عدَّ الانشقاقات مؤشراً على حتمية انهيار «قوات الدعم السريع»، بل يصف الانشقاقات بأنها «مؤشر يحتاج إلى المراقبة». ويوضح أن تأثيرها يعتمد على وزن القائد المنشق، وحجم القوة التي تغادر معه، وقدرة «قوات الدعم السريع» على تعويض خسائرها.

ومع ذلك، يرى المالكابي أن الانشقاقات «ليست مؤشراً جيداً» بالنسبة إلى «قوات الدعم السريع»، لما يمكن أن تتركها من آثار على تماسك قواتها وتحركاتها، فضلاً عن انعكاساتها النفسية والسياسية.

أهداف الجيش من استيعاب المنشقين

الدخان يتصاعد من أبنية في الخرطوم خلال اشتباكات بين الجيش و«قوات الدعم السريع» (أرشيفية - رويترز)

وفي المقابل، يبرز سؤال حول أهداف الجيش من استيعاب المنشقين: هل يسعى أساساً إلى تحويل الانشقاقات مكسباً سياسياص وإضعاف خصمه من الداخل، أم أن استيعاب هؤلاء يمثل أيضاً وسيلة لتعويض أي نقص في أعداد مقاتلين الجيش؟

وبين انشقاقات تمتد من الميدان إلى السياسة، وقلق معلن داخل «قوات الدعم السريع» بشأن ولاء بعض مستشاريها وعسكرييها، ومسار بدأه الجيش لاستيعاب الخارجين من صفوف خصمه، تبدو الصورة مزدوجة: ضغوط متزايدة على تماسك «قوات الدعم السريع»، في مقابل احتفاظها حتى الآن بقدرة على الحشد والقتال وفتح جبهات جديدة.

ويبقى الاختبار الأهم في قدرة «الدعم السريع» على تعويض من ينشقون والحفاظ على تماسك القيادة والسيطرة. فبقدر ما تحدد هذه القدرة حجم أثر الانشقاقات الحالية، ستتضح ما إذا كانت مجرد خسائر قابلة للاحتواء، أم أنها تمثل بداية مسار أوسع من التآكل الداخلي.


مقالات ذات صلة

تنسيق مصري - أممي لدعم جهود إنهاء الصراع في السودان

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يستقبل المبعوث الأممي للسودان الاثنين (الخارجية المصرية)

تنسيق مصري - أممي لدعم جهود إنهاء الصراع في السودان

أكدت مصر مجدداً دعمها الثابت لوحدة السودان وسيادة وسلامة أراضيه، خلال اجتماع وزير الخارجية بدر عبد العاطي، مع مبعوث السكرتير العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)

معارك عنيفة في النيل الأزرق... وتحركات دبلوماسية لإنهاء الحرب

تصاعدت العمليات العسكرية في النيل الأزرق، متزامنة مع حراك دبلوماسي وسياسي تضمن لقاءات بين الحكومة وقوى مدنية سياسية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا البرهان لدى مخاطبته مجموعة من الإعلاميين في مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)

البرهان يدعو واشنطن للتحقيق بمزاعم «الكيماوي»

دعا قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الولايات المتحدة إلى إرسال فريق للتحقيق في أي مزاعم باستخدام الجيش للسلاح الكيماوي في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن السودان في نيويورك (الأمم المتحدة)

مجلس الأمن يمدد عقوبات دارفور لشهر بعد خلافات على توسيعها

جدد مجلس الأمن لشهر واحد فقط العقوبات المفروضة على دارفور وتتضمن حظر الأسلحة، في عملية وصفت بأنها «فنية»، بعد خلافات على توسيعها لكل السودان.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي سابق (إعلام مجلس الوزراء) p-circle

رئيس الوزراء السوداني يصف اتهامات «الكيماوي» بالكاذبة

وصف رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، الاتهامات باستخدام أسلحة كيماوية في الحرب بأنها «ادعاءات كاذبة».

أحمد يونس (نيروبي)

منظمة الهجرة تحذّر من انهيار نظامها للمساعدات في السودان «خلال أسابيع»

نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأبيض في منطقة جنوب كردفان - السودان (أ.ف.ب)
نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأبيض في منطقة جنوب كردفان - السودان (أ.ف.ب)
TT

منظمة الهجرة تحذّر من انهيار نظامها للمساعدات في السودان «خلال أسابيع»

نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأبيض في منطقة جنوب كردفان - السودان (أ.ف.ب)
نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع في مخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأبيض في منطقة جنوب كردفان - السودان (أ.ف.ب)

حذّرت المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، من خطر انهيار النظام الذي يمكّنها مع أكثر من مائة منظمة غير حكومية من إيصال المساعدات الإنسانية إلى السودان، «خلال أسابيع»، بسبب الافتقار إلى تمويل كاف.

وقالت المديرة العامة للمنظمة آمي بوب في بيان: «من دون تمويل جديد، لن نتمكن من إيصال المساعدات إلى حيث تتعاظم الحاجة إليها».

عائلات سودانية نازحة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

وأودت الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023 بحياة أكثر من 200 ألف شخص، حسب تقديرات عاملين في المجال الإنساني، كما تسببت في أكبر أزمتي جوع ونزوح في العالم.


حملة مصرية لمواجهة «تعاطي المخدرات» بين سائقي حافلات المدارس

حملات مرورية لمتابعة السائقين والكشف عليهم (صندوق مكافحة وعلاج الإدمان)
حملات مرورية لمتابعة السائقين والكشف عليهم (صندوق مكافحة وعلاج الإدمان)
TT

حملة مصرية لمواجهة «تعاطي المخدرات» بين سائقي حافلات المدارس

حملات مرورية لمتابعة السائقين والكشف عليهم (صندوق مكافحة وعلاج الإدمان)
حملات مرورية لمتابعة السائقين والكشف عليهم (صندوق مكافحة وعلاج الإدمان)

مع بدء العام الدراسي الجديد في مصر، انطلقت حملة للكشف عن «متعاطي المخدرات» بين سائقي حافلات نقل طلاب المدارس، عقب تداول فيديو على مواقع التواصل يظهر فيه سائق حافلة في حالة عدم اتزان. وتم إلقاء القبض عليه وتبين أن له معلومات جنائية ولا يحمل رخصة قيادة، بعدها توجهت وحدة الكشف عن تعاطي المخدرات بصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، بالتنسيق مع وزارة الداخلية إلى محيط المدرسة بمنطقة 6 أكتوبر، للكشف على السائقين الذين يقومون بتوصيل طلاب المدارس.

وأكد الصندوق في بيان، الاثنين، أنه تم إجراء تحليل لكشف تعاطي المخدرات لمجموعة من السائقين بالتنسيق مع وزارة الداخلية. وأهاب صندوق مكافحة الإدمان بالأسر وأولياء أمور الطلاب بالإبلاغ في حال الاشتباه في تعاطي سائقي حافلات المدارس للمواد المخدرة.

وعقب إجراء تحاليل الكشف على 9 سائقين في النطاق المحيط بالمدرسة، وكذلك ممن يقومون بتوصيل الطلاب، تبين سلبية العينات، كما تبين أن المدرسة لا يعمل بها سائقون، وأن هذه الحافلات مملوكة لأشخاص يتعاقد معهم أولياء الأمور لتوصيل أبنائهم إلى المدرسة. وشدّد صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي على استمرار تكثيف حملات الكشف المبكر عن تعاطي المواد المخدرة بين سائقي حافلات المدارس طوال فترة الدراسة، والتوسع في تنفيذ الحملات لتشمل المحافظات المختلفة، وذلك لإجراء تحاليل الكشف عن المخدرات للسائقين داخل مقار المدارس. ومن يثبت تعاطيه للمخدرات فسوف تتم إحالته إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وفي حال ثبوت عمله بالمدرسة سيتم التنسيق مع وزارة التربية والتعليم لفصله من العمل، ويأتي ذلك بالتوازي مع استمرار تكثيف حملات الكشف على الطرق السريعة؛ وفق بيان الصندوق.

حملات لمتابعة ومراقبة سائقي أتوبيسات نقل الطلاب (صندوق مكافحة وعلاج الإدمان)

ويرى أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس الدكتور تامر شوقي أن «إجراء تحاليل الكشف عن تعاطي المخدرات لسائقي حافلات الطلاب في منتهى الأهمية والخطورة، فهم ليسوا مسؤولين عن أنفسهم أو ذويهم فقط، وإنما عن أرواح عشرات الأطفال، وبالتالي يجب القيام بإجراءات استباقية للكشف عن السائقين واستبعاد من يثبت تعاطيه من العمل».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الأمر يجب متابعته على مستويين، المستوى الأول بخصوص السائقين التابعين للمدارس الخاصة والدولية، حيث يجب على وزارة التربية والتعليم إلزام هذه المدارس بإجراء تحليلات دورية للسائقين كل 3 شهور مثلاً في معامل مركزية وليست خاصة».

وتابع: «أما الفئة الثانية فهم سائقو الميكروباصات أو الحافلات الذين يتعاقد معهم الأهالي من الباطن لتوصيل أولادهم، وهو أمر في منتهى الخطورة، لأنه لا يخضع لرقابة الجهات الحكومية، لكن ما نستطيع القيام به هو إحكام الرقابة على شركات نقل الركاب التي يتم استئجار الأتوبيسات منها، وإجبار السائقين على إجراء تحاليل الكشف عن المخدرات بهذه الشركات، مع ضرورة وجود دوريات شرطية للكشف على هؤلاء السائقين بشكل دوري».

وكان بيان صندوق مكافحة الإدمان قد أكد أنه سيتم الدفع بحملات مفاجئة فوراً وبشكل سري للكشف على السائقين، ومن يثبت تعاطيه للمواد المخدرة فسوف يتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وإحالته إلى النيابة العامة بتهمة القيادة تحت تأثير المخدر. وذكر البيان أبرز العلامات التي قد تشير إلى تعاطي السائق للمواد المخدرة، هي «احمرار العين، ووجود هالات سوداء تحت العين، وعدم الاهتمام بالمظهر، والحديث بعصبية أو ببطء مبالغ فيه، وكذلك عدم الاتزان، والقيادة بسرعة كبيرة أو ببطء شديد، وعدم تقدير المسافات».

وأكد الخبير التربوي، الدكتور أحمد عبد الحميد، أن «مواجهة تعاطي المخدرات بين سائقي المدارس تحتاج إلى منظومة متكاملة تشترك فيها الجهات المعنية وإدارات المدارس وأولياء الأمور، بحيث لا تكون حملات الكشف مرتبطة فقط ببداية العام الدراسي، وإنما تتم بصورة دورية ومستدامة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «يمكن للمدارس أن تسهم في الوقاية من خلال اختيار السائقين وفق معايير دقيقة، ومتابعة حالتهم المهنية، والتأكد من خضوعهم للفحوص اللازمة، إلى جانب تدريبهم على القيادة الآمنة والتعامل مع الأطفال».

وختم قائلاً: «تعتمد حملات الكشف على إجراء تحاليل للسائقين للكشف عن المواد المخدرة، ما يسمح بالتدخل المبكر قبل أن يتسبب التعاطي في كارثة على الطريق، كما تمثل الإجراءات الرادعة رسالة واضحة بأن سلامة الأطفال ليست مجالاً للتهاون، وأن قيادة حافلة مدرسية تحت تأثير المخدرات تمثل خطراً مباشراً على حياة عدد كبير من الطلاب».


العابد: دمج المسلحين في وظائف مدنية مرهون بتوحيد ليبيا

وزير العمل بحكومة «الوحدة» الليبية علي العابد في جلسة حوارية بطرابلس أغسطس الماضي (صفحة الوزارة)
وزير العمل بحكومة «الوحدة» الليبية علي العابد في جلسة حوارية بطرابلس أغسطس الماضي (صفحة الوزارة)
TT

العابد: دمج المسلحين في وظائف مدنية مرهون بتوحيد ليبيا

وزير العمل بحكومة «الوحدة» الليبية علي العابد في جلسة حوارية بطرابلس أغسطس الماضي (صفحة الوزارة)
وزير العمل بحكومة «الوحدة» الليبية علي العابد في جلسة حوارية بطرابلس أغسطس الماضي (صفحة الوزارة)

أكد وزير العمل والتأهيل بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا، علي العابد، اتخاذ خطوات وصفها بأنها «مهمة» لتأهيل وإدماج العناصر المنتمية إلى المجموعات المسلحة في الوظائف المدنية، نافياً في الوقت ذاته وجود أي خطط لتوطين المهاجرين غير النظاميين، أو الفلسطينيين.

وقال العابد لـ«الشرق الأوسط»، على هامش مشاركته في أعمال الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي في القاهرة، إن مشروع تأهيل ودمج العناصر المسلحة «ليس وليد اللحظة»، إذ بدأ مع تأسيس هيئة شؤون المحاربين أواخر عام 2011 «بهدف رعاية وتأهيل الثوار، والمحاربين السابقين، ودمجهم في المجتمع، ثم تطور بعد ذلك ليصبح البرنامج الليبي للتنمية وإعادة الإدماج، قبل أن يتغير في عهد حكومة الوحدة الوطنية ليصبح المشروع الوطني للتأهيل وإعادة الإدماج».

لكنه أقر بأن المشروع «يواجه أكبر تحدٍّ، وهو الحاجة إلى دولة موحدة، وتوحيد المؤسسات الليبية».

ويرى العابد أن التعامل مع المسلحين بعد 2011 اتخذ مساراً غير مناسب، قائلاً: «دمج المجموعات المسلحة بعد 2011 تم بطريقة خاطئة، عبر إدماجهم وتقنين أوضاعهم في وزارتي الدفاع والداخلية فقط، رغم أن من بينهم مهندسين، وأطباء، وزراعاً، وتجاراً، وكان لا بد من إعادة تأهيلهم ودمجهم في الحياة المدنية».

ومنذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011، تعيش ليبيا اضطراباً أمنياً في ظل انقسام بين حكومتين شرقاً وغرباً، واستمرار وجود تشكيلات مسلحة، خصوصاً في غرب البلاد، إلى جانب انتشار كميات كبيرة من السلاح خارج سيطرة مؤسسات الدولة.

التأهيل النفسي

أشار وزير العمل والتأهيل بحكومة «الوحدة» إلى أن وفوداً تابعة لوزارته اطَّلعت على تجارب دول مرت بحروب أهلية، ومجموعات مسلحة، وفوضى انتشار السلاح، مثل كولومبيا، ورواندا، وكوسوفو، لافتاً إلى أن تجربة رواندا كانت من أكثر التجارب التي لفتت اهتمام الجانب الليبي.

وقال: «وجدنا تجربة رواندا مميزة، وحققت خطوات واسعة على طريقة الإدماج، على العكس من تجارب أخرى، لأنها قامت على تأهيل نفسي من خلال عزل المسلحين في معسكرات، والعمل على تأهيلهم نفسياً، كما اعتمدوا على الوازع الديني».

ووصف العابد المشروع بأنه «مهم جداً»، بل وذهب لوصفه بأنه «من أعظم المشاريع في ليبيا»، عاداً نجاحه مرتبطاً بقدرة الدولة على احتكار السلاح، وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء الانتخابات.

وقال: «من دون هذا المشروع لن تجرى انتخابات في ليبيا، وهو يقوم على أن يكون السلاح كله تحت شرعية الدولة، وتأهيل وإدماج المسلحين في أوجه الحياة المدنية، ويدخل في جميع مناحي الحياة، سواء التعليم، أو الصحة».

وأوضح أن البرنامج أثبت قدراً من النجاح مع بعض المسلحين، قائلاً: «نفذنا دورات تأهيل، وهناك بعض المسلحين أصبح لهم نشاط صناعي، وتجاري. البرنامج بدأنا فيه بالفعل، لكنه يحتاج إلى جلسات نفسية، وأطباء نفسيين لتأهيل المسلحين نفسياً». وأضاف أن المشروع استهدف أيضاً تأهيل أسر المسلحين السابقين.

وأقر وزير العمل الليبي بأن المشروع تعطل في بعض المراحل نتيجة التوترات الأمنية التي مرت بها البلاد، لكنه أكد أنه حقق «مؤشرات ونتائج ناجحة ملموسة»، مشيراً إلى أن الإدارة تعمل «في هدوء، وبمنأى عن المناكفات السياسية».

وشدد على أن الرهان بالنسبة إلى الحكومات المتعاقبة «يجب أن يكون على نزع السلاح، وتأهيل ودمج المسلحين، وليس على العكس».

مزاعم «التوطين»

ويتقاطع عمل العابد مع ملف العمالة الأجنبية، وتداعيات الهجرة غير النظامية، وقد تصاعد حوله الجدل محلياً، ووقعت مظاهرات خلال يونيو (حزيران) الماضي، وسط مزاعم عن توجه حكومي لـ«توطين مهاجرين» في ليبيا.

غير أن العابد جدد نفي حكومته «وجود أي خطط لتوطين المهاجرين غير النظاميين»، وقال إن الحديث عن ذلك «عارٍ عن الصحة، وغير وارد»، مشدداً على أن القوانين والتشريعات في ليبيا «تحظر توطين المهاجرين، كما أنه أمر محظور دستورياً».

وأشار إلى أن ليبيا «ليست عضواً في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وليست عضواً في اتفاقية اللاجئين 1951»، مضيفاً أنها «دولة عبور للمهاجرين، سواء كانوا يعملون بشكل مقنن في البلاد، أو كانوا في وضع هجرة غير نظامية».

كما نفى ما يتردد عن خطط لتوطين فلسطينيين، قائلاً: «الحديث الذي يتداوله نشطاء عن خطط توطين الفلسطينيين هو أمر عارٍ عن الصحة، وسبق أن نفاه رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة». وأضاف: «هذه المزاعم تروّج لها صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي دون قرائن حقيقية، وبأوراق مزورة قد تتداخل فيها وسائل الذكاء الاصطناعي».

العمالة الأجنبية

وفي شأن تنظيم العمالة الأجنبية، قال: «لا توجد قاعدة بيانات موثوقة لأعداد المهاجرين غير النظاميين بسبب ظروف الانقسام السياسي الذي تمر به البلاد»، مشيراً إلى منصة «وافد» التي قال إنها حل للأزمة، حيث يقوم العامل أو صاحب العمل بتسجيل البيانات، والحصول على تصريح عمل، كما أن من المقرر إطلاق بطاقة إلكترونية.

وانتهى العابد إلى تأكيد أن الحكومة ماضية في تطبيق نظام «الكفيل» عبر شركات خدمات عمالية لحصر العمالة الوافدة، رافضاً الانتقادات الموجهة إليه.

وقال: «الكفيل هو صاحب العمل، وسيضمن حقوق العامل في الراتب والتأمين الصحي أمام الجهات الرسمية، ويسهم في ضبط وحصر أعداد العمالة، والحد من الهجرة غير النظامية».