المليارديرة الصينية تشو كونفاي.. أغنى امرأة عصامية في العالم

مؤسسة ومالكة شركة «لينس للتكنولوجيا».. و«آبل» و«سامسونغ» أكبر عملائها

تشو كونفاي تسافر بطائرتها الخاصة إلى سيلكون فالي وإلى سيول لمتابعة المديرين التنفيذيين في شركتي «آبل» و«سامسونغ»، وهما من كبار عملائها الحاليين. وقد استضافت الرئيس الصيني تشي جينبينغ عندما قام بزيارة مقر شركتها من قبل (نيويورك تايمز)
تشو كونفاي تسافر بطائرتها الخاصة إلى سيلكون فالي وإلى سيول لمتابعة المديرين التنفيذيين في شركتي «آبل» و«سامسونغ»، وهما من كبار عملائها الحاليين. وقد استضافت الرئيس الصيني تشي جينبينغ عندما قام بزيارة مقر شركتها من قبل (نيويورك تايمز)
TT

المليارديرة الصينية تشو كونفاي.. أغنى امرأة عصامية في العالم

تشو كونفاي تسافر بطائرتها الخاصة إلى سيلكون فالي وإلى سيول لمتابعة المديرين التنفيذيين في شركتي «آبل» و«سامسونغ»، وهما من كبار عملائها الحاليين. وقد استضافت الرئيس الصيني تشي جينبينغ عندما قام بزيارة مقر شركتها من قبل (نيويورك تايمز)
تشو كونفاي تسافر بطائرتها الخاصة إلى سيلكون فالي وإلى سيول لمتابعة المديرين التنفيذيين في شركتي «آبل» و«سامسونغ»، وهما من كبار عملائها الحاليين. وقد استضافت الرئيس الصيني تشي جينبينغ عندما قام بزيارة مقر شركتها من قبل (نيويورك تايمز)

تعد تشو كونفاي أغنى امرأة عصامية في العالم. وتمتلك السيدة تشو، وهي مؤسسة ومالكة شركة «لينس تكنولوجي»، عقارات بقيمة تبلغ 27 مليون دولار في مدينة هونغ كونغ. وهي تسافر بطائرتها الخاصة إلى سليكون فالي وإلى سيول لمتابعة المديرين التنفيذيين في شركتي «آبل» و«سامسونغ»، وهما من كبار عملائها الحاليين. وقد استضافت الرئيس الصيني تشي جين بينغ عندما قام بزيارة مقر شركتها من قبل. لكنها تقضي أكثر وقتها في الوطن لمتابعة أعمال التشييد والبناء في مصنعها الحديث هناك.
إنها تغمر يديها في حوض مسطح من المياه لتحديد ما إذا كانت درجة الحرارة ملائمة أم لا. ويمكنها تفسير التعقيدات المتعلقة بزجاج التدفئة في حمام أيون البوتاسيوم الملحي. وعندما تمر بجوار ماكينة الطحن، فإنها تفضل أن تطلب من الفنيين التنحي جانبا حتى يمكنها أن تأخذ مكانهم أمام الماكينة لبرهة من الوقت.
تعرف السيدة تشو كل شيء عن الحفر. فلقد عملت لسنوات في أحد المصانع، وهي أفضل الوظائف التي حصلت عليها بعد نشأتها الفقيرة في إحدى القرى المتواضعة في وسط الصين.
صقلت السيدة تشو خبرتها المعرفية وانتقلت لتتبوأ مكانها في عمليات بمليارات الدولارات على مستوى عالمي، وتكون من طلائع الاتجاه الصيني نحو قدرات التصنيع الراقية. تعتبر شركة «لينس تكنولوجي» واحدة من كبار الموردين لما يُعرف بزجاج التغطية المستخدم في الحواسيب المحمولة، والأجهزة اللوحية، والأجهزة الجوالة، بما في ذلك هاتف «آيفون »وهاتف «غالاكسي» من «سامسونغ». خلال هذا العام يتوقع لمصانعها أن تنتج أكثر من مليار شاشة زجاجية وكل منها مصقولة حتى جزء من الملليمتر.
يقول ستون وو، وهو محلل لدى مؤسسة «آي إتش إس» البحثية للتكنولوجيا «إنها صناعة تستلزم تكنولوجيا فائقة التطور. إذا كانت معك مسطرة، تحقق من مقياس 0.5 ملم، وسوف تدرك مدى الصعوبة المتمثلة في صناعة شيء رقيق كهذا».
ولاتخاذ موطئ قدمها كمورد عالمي كان على السيدة تشو (44 عاما) أن تعيد تعريف طبقة جديد تماما من سيدات الأعمال في الصين اللاتي أقمن ثرواتهن من الصفر، وهي نادرة من نوادر عالم الأعمال. في اليابان، ليست هناك امرأة مليارديرة عصامية واحدة، وفقا لمجلة «فوربس». وفي الولايات المتحدة وأوروبا، فإن غالبية النساء المليارديرات حصلن على ثرواتهن من خلال الميراث.
لا توجد دولة في العالم بها نساء مليارديرات عصاميات غير الصين. وقد عزز الحزب الشيوعي الصيني، تحت قيادة ماوتسي تونغ، من المساواة بين الجنسين، مما سمح للنساء بالازدهار عقب شروع الرأسمالية في التوسع عالميا، وفقا لهوانغ ياشينغ، وهو خبير في طبقة الأعمال الصينية وأستاذ إدارة دولية لدى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. وفي دولة ذات مواطنين عصاميين قليلين، فإن سيدات الأعمال على شاكلة السيدة تشو كن قادرات على وضع بصماتهن سريعا حينما دخلن عالم الأعمال في بداية فترة التسعينات عندما كان المحرك الاقتصادي الصيني يبدأ في الدوران.
تبلغ حصة السيدة تشو في شركة «لينس تكنولوجي»، والتي طرحت أسهمها للاكتتاب العام هذه السنة، مبلغ 7.2 مليار دولار. مما يضع ثروتها على قدم المساواة مع جون سي مالون قطب الإعلام وبيير أوميديار مؤسس موقع «إي باي».
لا تعتبر السيدة تشو من زعماء المشاهير على غرار جاك ما، الملياردير ومؤسس موقع «علي بابا» عملاق التجارة الإلكترونية. فلقد سمع القليلون في الصين عنها قبل أن تطرح أسهم شركتها للاكتتاب العام هذه السنة. ونادرا ما تسمح السيدة تشو بعقد المقابلات الشخصية أو بالظهور العلني المتكرر.
تعتبر السيدة تشو، التي تتمتع بأناقة عالية ووجه هادئ ونظارات تقليدية وخيارات موقفة لسترات كريستيان ديور الفرنسية، من النساء شديدات الحساسية وذات شخصية آمرة، حيث تأمر مديرها العام «اجلس بشكل مستقيم» خلال أحد الاجتماعات. وهي تنضح سحرا وتواضعا في الوقت ذاته، واعترافا هادئا بأن الأمور يسهل أن تأتي بنتائج مختلفة في بعض الأحيان.
تقول السيدة تشو في مقابلة شخصية أجريت معها في مكتبها الذي يضم تمثالا خشبيا للزعيم ماو برفقة شاشة لحاسوب أبل بمقاس 27 بوصة «في القرية التي نشأت فيها، لم يكن لدى الكثير من الفتيات حق اختيار الذهاب إلى المدرسة المتوسطة. فقد يخترن الخطبة أو الزواج وقضاء بقية حياتهن في تلك القرية. أما أنا فاخترت أن أدخل عالم الأعمال، ولست نادمة على ذلك أبدا».

* الميل نحو الوسوسة

ولدت السيدة تشو، وهي الصغرى بين ثلاثة أشقاء، في قرية صغيرة في وسط إقليم هونان الصيني، وهو مجتمع زراعي يبعد نحو ساعتين إلى الجنوب من مدينة تشانغشا، عاصمة المقاطعة. توفيت والدتها لما كانت تبلغ الخامسة من عمرها. أما والدها، وهو من الحرفيين الماهرين، ففقد إحدى أصابعه في وقت لاحق، وغالبية قوته على الإبصار في حادثة صناعية تعرض لها. وفي المنزل، ساعدت عائلتها في تربية الخنازير والبط لأجل الغذاء واكتساب المزيد من الأموال. ولقد كانت طالبة متفوقة في المدرسة.
يقول تشونغ زياوباي، مدرسها السابق من التعليم المتوسط «كانت طالبة مجتهدة وموهوبة. ولقد قرأت مقالة لها بعنوان (والدتي) بصوت مسموع أمام بقية التلاميذ. ولقد كانت مقالة مؤثرة بحق ودفعت الجميع للبكاء».
على الرغم من اجتهادها الأكاديمي، فإنها تركت الدراسة في سن 16 عاما وسافرت إلى جنوب لمقاطعة غوانغدونغ، لتعيش مع عائلة عمها وتبحث عن عمل أفضل. وفي حين أنها كانت تحلم بأن تكون مصممة للأزياء، فإنها عملت في وظيفة بأحد المصانع في مدينة تشنزن، حيث عملت على صناعة شاشات الساعات لقاء دولار واحد باليوم.
وتقول السيدة تشو «كانت ظروف العمل قاسية، كنت أعمل منذ الثامنة صباحا وحتى الثانية عشرة صباحا، وفي بعض الأحيان حتى الساعة الثانية صباحا. لم تكن هناك مناوبات بالعمل، مجرد بضعة عشرات من العمال، وكنا نعمل جميعا على صقل الزجاج. لم أكن أحب ذلك».
قررت الاستقالة من عملها بعد مرور ثلاثة شهور حيث كتبت خطاب استقالة إلى مديرها. وجاء فيه أنها تعرب عن شكواها من ساعات العمل الطويلة والملل الشديد. ومع ذلك، فهي عبرت عن شكرها وامتنانها للعمل في المصنع، حيث قالت إنها أرادت التعلم ومعرفة المزيد.
أعجب مدير المصنع بخطابها كثيرا، والذي أخبرها بأن المصنع على وشك الدخول في عمليات جديدة. وطلب منها البقاء في العمل، عارضا عليها ترقية جديدة. وكانت الترقية الأولى التي حصلت عليها خلال عملها هناك لمدة ثلاثة أعوام.

في عام 1993، قررت السيدة تشو، وكانت تبلغ من العمر حينها (22 عاما) أن تبدأ في عملها الخاص. ومن واقع مدخراتها البالغة وقتها 3 آلاف دولار فقط، وبدأت مع بعض من أقاربها ورشة العمل الخاصة بهم في مبنى مجاور لهم. ولقد جذبوا العملاء بصناعتهم لشاشات الساعات ذات الجودة الراقية.
قامت السيدة تشو بفعل كل ما يلزم في شركتها الجديدة. حيث أصلحت وصممت ماكينات المصنع. وعلمت نفسها عمليات طباعة الشاشات المعقدة والأساليب الصعبة التي أتاحت لها تحسين المطبوعات للزجاج المنحني.
يقول تشو شيني ابن عمها، والذي عاونها في افتتاح ورشة العمل ويعمل حاليا في مجلس إدارة شركة لينس «في لغة هونان نسمي النساء مثلها (با دي مان) والتي تعني الشخص الجريء على فعل ما يخشى الآخرون فعله». على طول الطريق، تزوجت السيدة تشو كونفاي من رئيسها في المصنع السابق، وأنجبت منه طفلا ثم حصلت على الطلاق. ثم تزوجت مرة أخرى من أحد زملائها في المصنع منذ فترة طويلة، والذي يعمل حاليا في مجلس إدارة الشركة، ورزقت منه بطفل آخر.
تنزع عاداتها في العمل إلى الوسوسة. يقع مقر شركتها داخل أحد مصانعها في مدينة تشانغشا. وفي مكتبها الرحيب، هناك باب صغير خلف مقعدها يقود إلى شقة صغيرة، مما يمكنها من متابعة أعمال المصنع في أي وقت بليل أو نهار.

* موجهة ذاتيًا نحو الهيمنة

كان الهاتف الجوال هو السبب في ثراء السيدة تشو.
في عام 2003، كانت لا تزال تعمل في صناعة شاشات الساعات حينما تلقت مكالمة هاتفية غير متوقعة من المديرين التنفيذيين في شركة «موتورولا». وسألوها إذا كانت مستعدة لمساعدتهم في تطوير شاشة زجاجية لمنتجهم الجديد المعروف باسم (رازر في 3).
في ذلك الوقت، كانت شاشات العرض في أغلب الهواتف الجوالة مصنوعة من البلاستيك. وأرادت شركة «موتورولا» صناعة شاشة عرض زجاجية تكون أكثر مقاومة للخدوش وتوفر عرضا أكثر دقة للرسائل النصية، والصور، والوسائط المتعددة.
وتقول السيدة «تلقيت تلك المكالمة، وقالوا لي: فقط أجيبينا بنعم أو بلا، وإذا كانت الإجابة بنعم، فسوف نساعدك في تطوير العملية»، وكان رد السيدة تشو: «بالطبع أجبت بنعم».
بعد فترة وجيزة، بدأت طلبات الشراء في الوصول إليها من صناع الهواتف المحمولة الآخرين مثال بشركة (إتش تي سي)، ونوكيا، وسامسونغ. ثم في عام 2007، دخلت شركة «أبل» الأميركية السوق بهاتف «آيفون»، والذي كان به شاشة عرض تعمل باللمس وتحمل لوحة المفاتيح ،والتي أعادت تأسيس قواعد اللعبة بالنسبة لل الأجهزة المحمولة. اعتمدت شركة «أبل» شركة «لينس» كمورد لها، مما دفع بشركة السيدة تشو إلى موقع مهيمن على تلك الصناعة داخل الصين.
بعد ذلك، استثمرت السيدة تشو بقوة في إنشاء مصانع جديدة ووظفت الفنيين المهرة. ولأكثر من مرة يقول زملائها إنها طرحت شقتها كضمان للحصول على قروض مصرفية جديدة. وخلال خمس سنوات، امتلكت مصانع تحت الإنشاء في ثلاثة مدن.
يقول جيمس هوليس، المدير التنفيذي في شركة «كورنينغ» التي تربطها شراكة مع مؤسسة «لينس تكنولوجي»: «إنها سيدة أعمال شديدة الحماس، كما أنها تعرف أدق تفاصيل الصناعة. لقد كنت أراقب نمو شركتها بمرور الوقت، ولديها فريق عمل قوي بحق. والآن، هناك أكثر من 100 منافس في ذلك المجال، ولكن شركة (لينس) هي رقم واحد».
تعمل شركة «لينس» على مدار الساعة، وتضم 75 ألف عامل منتشرين على المصانع الثلاثة الرئيسة التي تحتل مساحة تقدر بنحو 800 فدان في مدينة تشانغشا. وفي كل يوم، تتلقى الشركة كميات هائلة من الزجاج من شركات صناعية عالمية مثل شركة «كورنينغ» في الولايات المتحدة الأميركية وشركة «أساهي» في اليابان.
تصمم السيدة تشو وتشرف تقريبا على كل خطوة من خطوات هذه العملية، وهو مسار عمل يعتمد على التفاصيل التي ظلت مولعة بها منذ نعومة أظفارها، حيث تقول «فقد والدي بصره، لذا إذا وضعنا شيئا ما في مكان ما، فلا بد أن يتخذ موضعه الصحيح، تماما، أو سوف يقع خطأ ما. ذلك هو القدر من الاهتمام والعناية بالتفاصيل الذي أطالب في أماكن العمل».
لم تعان شركة «لينس» من الاضطرابات العمالية التي خيمت على المصنعين المتعاقدين الآخرين مثل «فوكسكون». غير أن العمال الحاليين والسابقين يقولون إن العمل لديها مفعم بالتحدي. وغالبية الأعمال تجري على أيدي النساء صغيرات السن اللاتي يفتشن على الزجاج من مختلف الزوايا، محاولات الكشف عن عيوب الصناعة.
تقول غاو زيمي، التي تركت العمل في شركة «لينس» مؤخرا «بصفتي مفتشة على الجودة، كان لزاما عليّ التحديق في تلك المنتجات طيلة اليوم، ولذلك فهي وظيفة مرهقة بحق. ولكن يجب أن أقول إن العمل في التصنيع يسبب الإرهاق المستمر، كما أن العمل لدى شركة (لينس) هو أكثر إرهاقا عن العمل في مصانع أخرى».
تحولت شركة «لينس تكنولوجي» للاكتتاب العام في مارس (آذار) الماضي، في الوقت الذي كانت فيه أسواق الأسهم الصينية في ذروة الازدهار. ومع الانهيار الحالي في أسواق الأسهم، فقدت الشركة 45 في المائة من قيمتها، لكنها لا تزال تحمل قيمة بمقدار 8 مليارات دولار.
خلال العام الماضي، حققت الشركة إيرادات بقيمة 2.4 مليار دولار. وارتفعت الأرباح وصولا إلى 40 في المائة خلال الربع الأول من العام. غير أن شركة «لينس» تتلقى غالبية أرباحها من شركتي «آبل» و«سامسونغ»، مما يجعل الشركة معتمدة على العمل مع عميلين اثنين فقط.

* خدمة «نيويورك تايمز»



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.