«نيوم» توقّع اتفاقية شراكة مع مؤسسة {كيرز} للغذاء المستدام

تعزز فن الطهي المحلي وتهدف إلى جعل السعودية مكتفية ذاتياً

من اليسار: الشيف نوربرت نيدركوفلر والدكتور خوان كارلو موتامايور والشيف نهال فلمبان وطارق المقشر (الشرق الأوسط)
من اليسار: الشيف نوربرت نيدركوفلر والدكتور خوان كارلو موتامايور والشيف نهال فلمبان وطارق المقشر (الشرق الأوسط)
TT

«نيوم» توقّع اتفاقية شراكة مع مؤسسة {كيرز} للغذاء المستدام

من اليسار: الشيف نوربرت نيدركوفلر والدكتور خوان كارلو موتامايور والشيف نهال فلمبان وطارق المقشر (الشرق الأوسط)
من اليسار: الشيف نوربرت نيدركوفلر والدكتور خوان كارلو موتامايور والشيف نهال فلمبان وطارق المقشر (الشرق الأوسط)

أُعلنت خلال حفل كبير أقيم في «ألب إن فود سبيس إند ريستورانت» في أعالي جبال الألب في مدينة برونيك شمال إيطاليا شراكة ما بين مدينة «نيوم» في السعودية ومؤسسة «كيرز» Care’s المتخصصة بالغذاء المستدام Sustainable Food.
وشارك في جلسة مفتوحة للحديث عن هذه الشراكة كل من الدكتور خوان كارلوس موتامايور، المدير التنفيذي للقطاع الغذائي في «نيوم»، والشيف نوربرت نيدركوفلر الذي يحمل في جعبته ثلاث نجوم ميشلان في مطعمه «سانت هوبيرتوس»، والشيف السعودية نهال فلمبان، بحضور مدير الجلسة طارق المقشر ممثل «نيوم».
ومن خلال هذه الشراكة ستقوم «نيوم» و«كيرز» بإصدار بيان للمتخصصين في صناعة الأغذية، يحددان فيه مبادئ فن الطهو المستدام والاستدامة الغذائية، إلى جانب المبادرات التعليمية والمحتوى لتوسيع فهم الطعام الصحي. ومع الالتزام برعاية المواهب السعودية، ستعمل الشراكة على إتاحة فرص التدريب وإقامة معسكرات للطهاة، بالإضافة إلى إطلاق سلسلة جوائز للتعرف على الأمثلة الرائدة للابتكار في النظم الغذائية.
واستهل الدكتور موتامايور كلامه بالتشديد على أهمية تغيير طريقة التفكير تجاه التعامل مع الغذاء، قائلاً «في عصر يتسم بتحديات تغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي، تلتزم (نيوم) بتطوير حلول غذائية رائدة بدعم من شركائنا في الصناعة ومن المتخصصين. يتيح لنا العمل مع شركة (نوربرت) وبرنامج (كيرز) الفرصة لإبراز وتطوير وتنفيذ الممارسات الغذائية الحديثة المعدلة محلياً والتي تلبي الاحتياجات الغذائية للمستهلكين في (نيوم) والمملكة وتحافظ على كوكبنا».

الشيف نوربرت نيدركوفلر في جلسة مع طهاة سعوديين شباب (الشرق الأوسط)

وعلق الشيف نوربرت الذي أسس مع شريكه باولو فيريتي مؤسسة «كيرز»، والذي اشتهر بقيامه بحملة «اطهِ الجبل» أو Cook the mountain، ويعني بذلك الاعتماد على المنتج المحلي وتطبيق مبدأ الغذاء المستدام بهدف الحفاظ على البيئة، فقال «من خلال هذه الشراكة، تتمتع (كيرز) بفرصة لتأسيس نهج أكثر أخلاقية واستدامة في فن الطهو في المملكة، والمساعدة في رعاية المواهب السعودية لتعزيز الابتكار في مجال الغذاء». وشدد الشيف نوربرت على أنه مع فريقه في «كيرز» الذي يضم سفراء طهي دوليين واختصاصين غذائيين في «نيوم» من أصحاب القدرات التكنولوجية، هو على ثقة من أنه من الممكن إحداث تغيير مؤثر يفيد المملكة وبقية العالم.
وقالت الشيف نهال فلمبان التي تملك مطعم «ذا لاكي لاما» الياباني - البيروفي في جدة: إن المشكلة التي تواجهها حالياً هي أنها تستورد غالبية المنتجات التي تستخدمها في أطباقها من الخارج، بسبب النوعية وعدم المعرفة، وأضافت أن رؤية «نيوم» لمستقبل الغذاء هي الحل؛ لأن «المعرفة هي قوة» وعندما يتم تدريب الجيل السعودي الصاعد من الطهاة سيكون لذلك وقع إيجابي على البيئة والاستدامة وأهمية التعامل مع المنتج بطريقة أخلاقية تصبّ في صالح الأجيال القادمة ومستقبلهم.
وأضافت الشيف نهال نقطة مهمة مفادها، أن غالبية السعوديين هم دون سن الثلاثين، وهذا الأمر يصبّ في مصلحة المملكة وشبابها الذي لا ينقصه سوى التدريب لكي يكون رائداً في هذا المجال في المستقبل.
وبحسب الدكتور مواتامايور، فإن الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية وشح الماء على كوكبنا، والمواصلة في طريقة التعامل مع المنتجات الغذائية والإفراط بتناول اللحوم على النحو الذي اعتاد عليه الناس سوف تكون عواقبه وخيمة، ليس فقط علينا إنما على مستقبل الأجيال القادمة. وشدد على أهمية التقليل والحد من الانبعاثات الغازية؛ وهذا ما تطمح إليه «نيوم» بحيث ترنو رؤيتها إلى خفض الانبعاث الكربوني إلى صفر في غضون السنوات المقبلة. ويرى مواتامايور، أن الحل في السعودية هو التشديد على الزراعة المحلية حتى تتحول مدينة «نيوم» خاصة والسعودية عامة إلى بلد مكتفٍ ذاتياً وليس في حاجة إلى استيراد الخضراوات والفاكهة أو أي منتج غذائي آخر. وأعطى مثالاً عن التنبه لمسألة عدم التعامل مع المنتجات بطريقة مستدامة وقام بسؤال الحضور عما إذا كانوا يتناولون حليب الشوفان بدلاً من حليب البقر، وكان الجواب هو أن نسبة ضئيلة جداً تحولت إلى تناول حليب الشوفان أو Oat Milk، وشرح الخطورة هنا على المدى البعيد مدلياً بحقائق مفادها أن كل لتر حليب بقر في حاجة إلى 600 لتر من الماء، في حين أن تحضير لتر من حليب الشوفان في حاجة إلى 40 لتراً من الماء. أما بالنسبة للخضراوات فالحصول على طماطم من مزارع في الهواء الطلق فهي في حاجة إلى 60 لتراً من الماء، في حين أن الطماطم التي تزرع في خيم بلاستيكية فهي في حاجة إلى 15 لتراً من الماء فقط.

الشيف نوربرت بدأ بحملة Cook the mountain في عام 2008 عندما تنبه إلى خطورة استيراد معظم المنتجات الغذائية التي يستخدمها في مطعمه من الخارج ووقعها السلبي على البيئة، فقام بالاتصال بأصحاب المزارع المحليين واستعان بعلماء متخصصين في مجال التغذية لإيجاد حل لهذه المشكلة المدمرة للبيئة. ويقول شيف نوربرت: إن تجربته كانت ناجحة جداً وتُرجمت في حصول مطعمه في عام 2017 على ثلاث نجوم ميشلان ليكون المطعم الأول الذي يعتمد على الاستدامة والمحافظة على البيئة يحصل على مثل هذا التقدير. وقال الشيف نوربرت لـ«الشرق الأوسط»: إنه يسعى اليوم من خلال توقيع الشراكة مع السعودية لجعل «نيوم» رائدة في عالم التغذية المستدامة.
تجمع «كيرز» بين الطهاة ورجال الأعمال الملهمين والمحترفين من صناعة الأغذية الذين يشاركون جميعاً هدف تعزيز استخدام المكونات من مصادر محلية والممارسات الغذائية المستدامة التي تنسجم مع الطبيعة. في الوقت الحاضر، يضم البرنامج أكثر من 150 طاهياً من أكثر من 25 دولة، يعملون كسفراء في جميع أنحاء العالم ويدعمون مجموعة واسعة من المبادرات وفرص المشاركة التي ستؤسس نهجاً مستداماً لفن الطهي.
وختم الشيف نوربرت الجلسة بالقول «هذا المشروع ليس سهلاً، ولكنه ممكن، والهدف هو أن تكون جميع مطاعم (نيوم) تعمل بمنطق الاستدامة وستكون مهمتنا تقديم التدريب والمعدات اللازمة لتشجيع الجيل السعودي الصاعد على تبني هذه الرؤية المستقبلية».

من المنتظر أن تكون «نيوم» رائدة في مجال التغذية المستدامة (شاترستوك)

- «نيوم» رؤية لمستقبل جديد
«نيوم» هي كيان يعمل على تسريع التقدم البشري وتوفير رؤية لما قد يبدو عليه «المستقبل الجديد». تقع مدينة «نيوم» ومساحتها 26 ألفاً و500 كلم مربع في شمال غربي المملكة العربية السعودية على البحر الأحمر، يجري بناؤها بالكامل كمختبر حي وكمكان ترسم فيه ريادة الأعمال مسار المستقبل الجديد. ستكون «نيوم» وجهة ووطناً للأشخاص الذين يحلمون برؤى كبيرة ويتطلعون لأن يصبحوا جزءاً من نموذج جديد للعيش الاستثنائي وتأسيس أعمال مزدهرة وإعادة صياغة مفهوم الحفاظ على البيئة.
ستضم «نيوم» مدناً معرفية وموانئ، ومناطق مشاريع، ومراكز أبحاث، وأماكن رياضية وترفيهية ووجهات سياحية. وبوصفها مركزاً للابتكار، سيتوافد رواد الأعمال وقادة الأعمال والشركات للبحث، واحتضان وتسويق التقنيات، والمؤسسات الجديدة بأساليب رائدة وصديقة للبيئة. وسوف يعكس سكان «نيوم» روحاً دولية ويتبنون ثقافة الاستكشاف والمغامرة والتنوع والاستدامة.


مقالات ذات صلة

تقرير «CIES»: الهلال الرابع عالمياً بصافي 195 مليون يورو

رياضة سعودية اقتحم الهلال المركز الرابع عالمياً بصافي إنفاق بلغ 195 مليون يورو (نادي الهلال)

تقرير «CIES»: الهلال الرابع عالمياً بصافي 195 مليون يورو

تصدر نادي آرسنال الإنجليزي قائمة أكثر الأندية إنفاقاً صافياً في سوق الانتقالات خلال آخر نافذتين مرتبطتين بموسم 2025 - 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة سعودية كريستوف غالتييه (الشرق الأوسط)

غالتييه: «القادسية» يشبه الأندية الأوروبية

قال غالتييه، مدرب فريق نيوم، إن مباراة القادسية صعبة للغاية؛ كون المنافس يمتلك نظاماً تدريبياً مميزاً ولديه البنية التحتية المشابهة للأندية الأوروبية.

حامد القرني (تبوك)
رياضة سعودية غالتييه مدرب نيوم (الشرق الأوسط)

غالتييه: عرض الهلال لبوابري كان مغرياً لنيوم

ركّز كريستوف غالتييه مدرب فريق نيوم في مستهل حديثه بالمؤتمر الصحافي على ملف انتقال اللاعب سايمون بوابري.

حامد القرني (تبوك)
رياضة سعودية غالتييه امتدح أداء لاعبيه أمام ضمك (تصوير: عدنان مهدلي)

غالتييه: كنت غاضباً... ولاعبو نيوم فهموا رسالتي

أكد الفرنسي كريستوف غالتييه مدرب نيوم أهمية الفوز الذي حققه فريقه على ضمك، مشيراً إلى أن الانتصار يمثل نقطة انطلاق جديدة بعد سلسلة من النتائج السلبية.

حامد القرني (تبوك)
رياضة سعودية المصارع السعودي بدر سحلي أعلن قدومه إلى الحلبات العالمية (الشرق الأوسط)

«فهد طويق»... من نيوم إلى حلبات المصارعة العالمية

قدّم المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، دعمه وتشجيعه للمصارع السعودي بدر سحلي.

«الشرق الأوسط» (الرياض )

انقلاب زورق تابع للوكالة الأوروبية لحرس الحدود قبالة سواحل اليونان

قارب إنقاذ يرافق قارباً صغيراً يحمل مهاجرين بينما تقوم سفينة تابعة لوكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس» بدورية في الخلفية قبالة جزيرة ليسبوس اليونانية (رويترز - أرشيفية)
قارب إنقاذ يرافق قارباً صغيراً يحمل مهاجرين بينما تقوم سفينة تابعة لوكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس» بدورية في الخلفية قبالة جزيرة ليسبوس اليونانية (رويترز - أرشيفية)
TT

انقلاب زورق تابع للوكالة الأوروبية لحرس الحدود قبالة سواحل اليونان

قارب إنقاذ يرافق قارباً صغيراً يحمل مهاجرين بينما تقوم سفينة تابعة لوكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس» بدورية في الخلفية قبالة جزيرة ليسبوس اليونانية (رويترز - أرشيفية)
قارب إنقاذ يرافق قارباً صغيراً يحمل مهاجرين بينما تقوم سفينة تابعة لوكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس» بدورية في الخلفية قبالة جزيرة ليسبوس اليونانية (رويترز - أرشيفية)

انقلب زورق دورية تابع للوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس) وعلى متنه 5 أفراد، من بينهم السفير الإستوني في اليونان، قبالة جزيرة تقع بأقصى شرق اليونان.

وذكر خفر السواحل اليوناني أن القارب غرق قبالة سواحل جزيرة كاستيلوريزو الصغيرة، دون توضيح أسباب انقلابه، وأضاف أن أربعة إستونيين من بينهم السفير الإستوني في اليونان، وضابط اتصال يوناني من وكالة «فرونتكس» كانوا على متن القارب وقت وقوع الحادث.

وعمل زورق تابع لخفر السواحل اليوناني وقارب آخر كان يبحر في المنطقة على إنقاذ الخمسة الذي نُقلوا إلى جزيرة كاستيلوريزو، ومنها نُقل أربعة مصابين جواً إلى جزيرة رودس.

ولم يوضح خفر السواحل ما إذا كان السفير الإستوني من بين المصابين الذين نقلوا جواً إلى رودس.

ويذكر أن اليونان تعتبر من المسارات الرئيسية لعبور المهاجرين الذين يفرون من ظروف الفقر والصراعات في أفريقيا إلى الاتحاد الأوروبي.

وتنتشر قوات «فرونتكس» في اليونان منذ سنوات، حيث يعمل أفراد وسفن من الوكالة الأوروبية جنباً إلى جنب مع خفر السواحل ودوريات حرس الحدود اليونانية.


رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ