هل عاد «داعش» بإطلالة جديدة؟

أحد مقاتلي «داعش» في الرقة عام 2014 (رويترز)
أحد مقاتلي «داعش» في الرقة عام 2014 (رويترز)
TT

هل عاد «داعش» بإطلالة جديدة؟

أحد مقاتلي «داعش» في الرقة عام 2014 (رويترز)
أحد مقاتلي «داعش» في الرقة عام 2014 (رويترز)

أظهرت عمليات متتابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي نمواً متصاعداً للقدرات وتنوعاً في جبهات النشاط التي توزعت بين أكثر من قارة. ونفّذ موالون للتنظيم (الخميس) عملية في الكونغو الديمقراطية أسفرت عن مقتل 44 شخصاً، بعد تبني هجمات في سوريا والعراق أسفرت عن مقتل أكثر من 60 شخصاً، فضلاً عن نمو الشكوك بشأن مسؤوليته عن قتل حاكم إقليم بلخ في أفغانستان.
ومنذ إعلان العراق عام 2017 نهاية عملياته لإسقاط «داعش»، لم يتمكن التنظيم من إعلان سيطرته على منطقة معينة؛ لكن -حسب خبراء- يبدو أنه «لجأ إلى أسلوب (الذئاب المنفردة) لتنفيذ عمليات في أماكن متعددة حول العالم»، خاطفاً في الوقت ذاته «الاهتمام» من غريمه (تنظيم «القاعدة»). أفريقياً، جاء التعبير الأحدث عن قدرات «داعش»، إذ شن مهاجمون يُعتقد على نحو واسع أنهم تابعون لـ«القوات الديمقراطية المتحالفة»، الموالية لـ(داعش) هجمات في الكونغو الديمقراطية تسببت في مقتل العشرات.
ويُرجع المراقبون الهجوم إلى عناصر «داعش» لأنهم «يشنون هجمات مميتة على نحو متكرر على القرى باستخدام المناجل والفؤوس في بعض الأحيان». وقال مسؤول محلي لـ«رويترز» (الخميس)، إن «طريقة الهجوم تشير إلى ضلوع (القوات الديمقراطية المتحالفة الموالية لداعش) لأنه لم يتم إطلاق رصاص».
وفي أفغانستان، قالت الشرطة الأفغانية إن «انفجاراً وقع في مكتب حاكم إقليم بلخ التابع لإدارة طالبان شمالي البلاد (الخميس) مما أسفر عن مقتله مع اثنين آخرين». وسبق أن أعلن «داعش» الخصم الرئيسي لحركة «طالبان» في أفغانستان، مسؤوليته عن سلسلة من الهجمات الدموية في أفغانستان في الأشهر الأخيرة، بعضها على أهداف مدنية والبعض الآخر استهدف قوات أمن تابعة لـ«طالبان».
وفي الشهر ذاته، استهدف «داعش» سفارة باكستان في كابل. وأدى تفجير انتحاري قرب وزارة الخارجية في كابل، تبنّاه «داعش - ولاية خراسان» في يناير (كانون الثاني) الماضي، إلى مقتل 10 أشخاص وإصابة 35 آخرين بجروح. كما أعلن «داعش»، الاثنين الماضي، مسؤوليته عن هجوم انتحاري استهدف آلية تابعة للشرطة في باكستان، وأسفر عن مقتل تسعة شرطيين وجرح 16 آخرين.
ويرى خبير مكافحة الإرهاب الدولي بمصر العقيد حاتم صابر، أن «تنظيم (داعش) أخذ الشهور الماضية (وقفة تعبوية) من أجل توحيد صفوفه، وها هو الآن يُنفّذ أكثر من عملية في أكثر من قارة». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «توقف (داعش) عن العمليات الإرهابية، كان بسبب الهزيمة، التي مُني بها في العراق عام 2017 ثم عاد من جديد لتنفيذ عمليات (إرهابية)».
ورغم تأكيده أن العالم بصدد «إطلالة جديدة بالفعل لتنظيم (داعش)»؛ فإن صابر يقول إن التنظيم «ليس بنفس القوة التي كان عليها قبل 2017، فلن يتكرر أن يحصل (داعش) على مساحة أرض واسعة، ويحاول أن يُقيم (دولته المزعومة)؛ بينما سيواصل عملياته النوعية، عبر أفرعه الخارجية أو (الذئاب المنفردة)، وذلك في أماكن متعددة من العالم من أجل تحقيق أهدافه السياسية».
ومُني «داعش» الذي سيطر في 2014 على مناطق واسعة في سوريا والعراق، بهزيمة أولى في العراق في 2017، ثم في سوريا 2019، وخسر كامل مناطق سيطرته. إلا أن «بعض عناصره المتوارين لا يزالون يشنون هجمات محدودة في البلدين، وفي دول أخرى»، حسب مراقبين.
وفي فبراير (شباط) الماضي، شنت القوة الجوية العراقية غارة جوية استهدفت مخبأ لـ«داعش» في جبال حمرين شمال شرقي العراق، ما أسفر عن مقتل 3 من مقاتلي التنظيم، حسب بيان صادر عن «العمليات المشتركة العراقية». ويقدر الباحث المصري في الحركات الإسلامية والإرهاب أحمد سلطان، أن «النطاق الواسع لهجمات (داعش) يعطي إيحاءات بأنه تنظيم قوي، ومُنتشر أكثر من ذي قبل، رغم أنه يتراجع بشكل واضح منذ عام 2019، وهذا التراجع استناداً إلى الإحصائيات التي يُعلنها التنظيم عبر منصاته الإعلامية من وقت لآخر».
وأضاف أن «(داعش) يعتمد على (استراتيجية الحرب الاستنزافية الطويلة) عبر أفرعه، حيث تظل الأفرع نشطة مع نشاط التنظيم في سوريا والعراق، وهو ما يُعطي زخماً لعمليات التنظيم»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك نشاطاً للتنظيم في غرب أفريقيا، وفرع وسط أفريقيا بدأ ينشط بشكل أوسع».
وشهدت بوركينا فاسو (غرب أفريقيا)، الاثنين الماضي، مقتل 12 مدنياً. ومنذ 2015 تكافح بوركينا فاسو تمرداً عنيفاً تشنّه جماعات مرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، بدأ في مالي المجاورة عام 2012، وامتد إلى دول أخرى جنوب الصحراء الكبرى.
أما في ألمانيا فقد أعلنت الشرطة في نهاية يناير الماضي، مقتل شخصين في الأقل وإصابة عدد آخر في هجوم بسكين في قطار إقليميّ بشمال ألمانيا. ويرى المراقبون أن «السلطات الألمانية كانت في حالة تأهب خلال السنوات الأخيرة لمواجهة أي تهديد (إرهابي)، لا سيما منذ هجوم بشاحنة في برلين أسفر عن مقتل 12 شخصاً في ديسمبر (كانون الأول) 2016 وتبناه (داعش)». وكانت ألمانيا قد أعلنت في 21 ديسمبر الماضي، إلقاء القبض على رجل يُشتبه في أنه مقاتل سابق ضمن صفوف «داعش»، وذلك لدى عودته إلى ألمانيا.
ويعتقد العقيد حاتم صابر أن «(داعش) خطف الأضواء من تنظيم (القاعدة)، بدليل المستوى العملياتي المتزايد لـ(داعش) أخيراً مقارنةً بعمليات (القاعدة)». ودائماً ما يُنظر إلى «داعش» و«القاعدة» بوصفهما تنظيمين متنافسين على المشهد المتطرف؛ إذ يشير تقدم أحد التنظيمين على صعيد الإرهاب العالمي إلى خسارة أكيدة لدى الطرف الآخر، وهو الأمر الذي تكرر مع صعود «داعش» من قبل على حساب «القاعدة»، عندما ضعف التنظيم، وفرّ كثير من عناصره.
واستهدف التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في السنوات الماضية كثيراً من قادة «داعش» ممن فروا إلى محافظة إدلب بعد انهيار التنظيم عسكرياً عام 2019، وبين هؤلاء زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي (قُتل في أكتوبر «تشرين الأول» 2019)، وخليفته أبو إبراهيم القرشي (قُتل في فبراير 2021)، وكل منهما قضى في هجوم شنته وحدات خاصة أميركية على الحدود السورية مع تركيا. كما قُتل زعيم «داعش» السابق أبو الحسن القرشي (في نوفمبر «تشرين الثاني» الماضي) بمحافظة درعا الجنوبية. ولا يُعرف الكثير عن الزعيم الأخير لـ«داعش» أبو الحسين الحسيني القرشي. وأيّد الباحث سلطان تقييم تفوق «داعش» على «القاعدة» في كثير من المناطق، لكنه أشار إلى استمرار «قوة (القاعدة) في الساحل والقرن الأفريقي، فالتنظيمان بينهما صراع على قيادة الحركة الجهادية العالمية، وهو صراع مستمر، وكل منهما يحاول سرقة الأضواء وجذب المقاتلين من التنظيم الآخر».
وقال سلطان: «(داعش) أنشط من ناحية العمليات، واستطاع الحفاظ على وجوده، واستغل غياب زعيم تنظيم (القاعدة) السابق أيمن الظواهري، وعدم الإعلان عن زعيم جديد لـ(القاعدة)، في جذب عناصر (القاعدة)، الذي عانى أخيراً من الضعف».
ولا يعلن «القاعدة» منذ فترة عن عمليات جديدة؛ لكنّ زعيم تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب»، أبو عبيدة يوسف العنابي، ذكر في مقابلة مع قناة «فرنسا 24»، الأربعاء الماضي، أن «(القاعدة) يحتجز الصحافي الفرنسي أوليفييه دوبوا، الذي اختُطف في مالي عام 2021».


مقالات ذات صلة

«الكردستاني» يهدد بوقف «السلام» مع تركيا ويؤكد عدم ثقته بها

شؤون إقليمية يسمح قانون أقره البرلمان التركي بعودة عناصر حزب «العمال الكردستاني» ووقف ملاحقتهم قضائياً بشكل مشروط بعد التحقق من حل الحزب وانتهاء نزع أسلحته (أ.ف.ب)

«الكردستاني» يهدد بوقف «السلام» مع تركيا ويؤكد عدم ثقته بها

هددت قيادات في حزب «العمال الكردستاني» بعدم إلقاء الأسلحة ووقف «عملية السلام» ما لم يتم منح الحرية لزعيمه عبد الله أوجلان والسماح بعودة قيادات إلى تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
آسيا أشخاص يقفون بالقرب من سيارة إسعاف وجزء متضرر من مركز للشرطة عقب هجوم انتحاري في كوهات بباكستان يوم 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

ارتفاع حصيلة تفجير وهجوم مسلّح في باكستان إلى 31 قتيلاً

ارتفعت حصيلة عملية التفجير والهجوم المسلح على المقر العام للشرطة الباكستانية في كوهات بشمال البلاد إلى ما لا يقل عن 31 قتيلا بينهم 16 شرطياً.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
شمال افريقيا لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)

انتقادات حادة للبعثة الأممية في ليبيا بسبب موقفها من «إعدامات بنغازي»

أثارت إعدامات نُفذت بحق أكثر من 30 شخصاً في بنغازي انتقادات للبعثة الأممية لدى ليبيا بعد دعوتها سلطات شرق البلاد إلى وقف تنفيذ أحكام إعدام جديدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي استقبل رئيس مجلس الشعب الدكتور عبد الحميد العواك وفداً من مجلس الشيوخ الفرنسي بحضور مكتب المجلس

مجلس الشعب السوري يقر إلغاء «محكمة الإرهاب» وإبطال قراراتها

أقر مجلس الشعب السوري، الأربعاء، إلغاء «قانون محكمة قضايا الإرهاب» رقم «22» لعام 2012، مع إبطال كل المفاعيل والآثار القانونية المترتبة عليه.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

أوسيتيا الجنوبية المدعومة من روسيا تنتخب زعيماً مقرباً من موسكو

مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)
مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)
TT

أوسيتيا الجنوبية المدعومة من روسيا تنتخب زعيماً مقرباً من موسكو

مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)
مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)

فاز مارات كامبولوف، وهو مسؤول اتحادي روسي سابق، برئاسة أوسيتيا الجنوبية، الإقليم المنفصل عن جورجيا والمدعوم من روسيا، في انتخابات رحبت بها موسكو، اليوم (السبت)، باعتبارها دليلاً على رغبة الإقليم في توثيق علاقاته معها.

ويأتي الرئيس الجديد كامبولوف من أوسيتيا الشمالية، وهي جمهورية روسية تقع على الجانب الآخر من جبال القوقاز. وليس لكامبولوف أي صلات سابقة بأوسيتيا الجنوبية، التي انفصلت عن جورجيا خلال انهيار الاتحاد السوفياتي في أوائل التسعينيات، وحصلت لاحقاً على استقلال فعلي بدعم روسي. وأدت حرب قصيرة بين روسيا وجورجيا في عام 2008 إلى طرد القوات الجورجية من أجزاء من الإقليم كانت تسيطر عليها سابقاً.

تعميق التعاون

ورحبت موسكو بفوز كامبولوف. وقالت وزارة الخارجية: «تظهر النتائج الرغبة الواسعة النطاق لدى مجتمع أوسيتيا الجنوبية في الاستقرار السياسي الداخلي، والتقدم، والتطوير الشامل للعلاقات مع الاتحاد الروسي».

ووقّعت أوسيتيا الجنوبية وروسيا معاهدة في مايو (أيار) عمّقت التعاون في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية والأمنية، ووضعت خططاً لدمج شبكات الطاقة وشبكات النقل، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ونددت جورجيا بالمعاهدة باعتبارها محاولة من روسيا لترسيخ «ضمها الفعلي» لأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وهي منطقة جورجية منشقة أخرى مدعومة من روسيا.

وانتقدت تفليس أيضاً قرار روسيا فتح مراكز اقتراع في المنطقتين لانتخابات مجلس النواب (مجلس الدوما) الروسي التي تجري من 18 إلى 20 سبتمبر (أيلول) الحالي.

تهنئة من بوتين

شغل كامبولوف (61 عاماً) في السابق مناصب رفيعة في هيئات حكومية اتحادية روسية، من بينها وزارة التعليم. وعُين رئيساً لوزراء أوسيتيا الجنوبية في يونيو (حزيران) بعد تنحي آلان جاجلويف عن الرئاسة ليصبح مستشاراً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وهنّأ بوتين كامبولوف، اليوم (السبت)، في برقية نُشرت على الموقع الإلكتروني للكرملين. وتعهد كامبولوف، في خطاب الفوز الذي ألقاه في تسخينفالي عاصمة أوسيتيا الجنوبية، بتحسين مستويات المعيشة في الإقليم. وقال: «أمامنا قدر كبير من العمل. وبالتكاتف وحده يمكننا تغيير جمهوريتنا، تسخينفالي مدينتنا!».

وتعتمد أوسيتيا الجنوبية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 50 ألف نسمة، بدرجة كبيرة على روسيا في واردات الغذاء والمعدات والطاقة، ولديها قطاع صناعي محدود خاص بها.

وتمول موسكو أجور العاملين في القطاع العام والمعاشات ومشروعات البنية التحتية الرئيسية، وتدير قاعدة عسكرية في الإقليم.

وقالت وسائل إعلام روسية رسمية إن كامبولوف حصل على 85 في المائة من الأصوات في الانتخابات التي جرت أمس (الجمعة)، في حين نال منافسوه نسباً في خانة الآحاد. وبلغت نسبة الإقبال 73 في المائة.


نائب رئيس الوزراء الصيني يزور الولايات المتحدة قبل قمة شي وترمب

نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
TT

نائب رئيس الوزراء الصيني يزور الولايات المتحدة قبل قمة شي وترمب

نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)

يزور نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ، الولايات المتحدة، قبل القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، بحسب ما أفادت به وسائل إعلام صينية رسمية اليوم (السبت).

ويجري رئيسا أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم محادثات بالبيت الأبيض في 24 سبتمبر (أيلول)، في لقاء يهدف إلى الحد من التوترات حول التجارة والتكنولوجيا ومسائل استراتيجية بصورة عامة.

وفي حين لا تزال الهدنة التجارية التي توصل إليها الطرفان قبل نحو عام صامدة، فإنهما لم ينجحا بعد في التوصل إلى اتفاق دائم.

ويترأس هي وفداً صينياً سيزور الولايات المتحدة من 19 إلى 23 سبتمبر، لإجراء محادثات حول «القضايا الاقتصادية والتجارية محلّ الاهتمام المشترك»، بحسب ما نقلته وكالة «شينخوا» الصينية للأنباء عن وزارة التجارة.

وأوضحت الوزارة أن المحادثات ستستند إلى «التوافق المهم» الذي توصل إليه شي وترمب في وقت سابق.

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن هذا الأسبوع، أنه سيلتقي هي خلال عطلة نهاية الأسبوع. وأشار إلى أن المناقشات قد تتطرق أيضاً إلى ملف إيران، فيما تثير العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين بكين وطهران استياء واشنطن، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتسري منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025، هدنة هشة في حرب الرسوم الجمركية التي أطلقها ترمب بعد عودته إلى البيت الأبيض.


لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)

نادراً ما تدخل دولة حرباً وهي تتوقع الهزيمة، أو تتخيل أن الصراع الذي بدأته سيتحول إلى كابوس طويل ونفق لا نهاية له. ومع ذلك، يبدو أن أحداً لا يستخلص العبر بل يكرر التاريخ - أو بالأحرى الإنسان - نفسه: قرارات تبدو في لحظتها محسوبة ومدروسة قد تقود إلى حروب استنزاف، وأهداف تتغير مع الوقت، وقادة يجدون أنفسهم عاجزين عن التراجع من دون دفع أثمان سياسية واستراتيجية باهظة.

يقول أستاذ العلاقات الدولية الأميركي ستيفن إم. والت، أحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، إن الحروب الكارثية لا تأتي عادة من فراغ، ولا تكون مفاجآت بالمعنى الكامل. فهي غالباً نتيجة أخطاء متكررة في الحسابات الاستراتيجية، تبدأ بسوء فهم الخصم وقدراته، ثم تتفاقم بسبب نصائح مُغرضة، وأهداف خفيّة، وضغوط سياسية تجعل التراجع أكثر صعوبة من الاستمرار.

حفرة أحدثها صاروخ روسي سقط في كييف عاصمة أوكرانيا (أ.ب)

* علامات الخطر

أولى علامات الخطر هي الجهل؛ فالقوة العسكرية لا تعني بالضرورة فهماً للمجتمع الذي تتدخل فيه. وقد تملك دولة متفوقة عسكرياً معلومات دقيقة عن جيش خصمها، لكنها تجهل تاريخ هذا الخصم، وتركيبته السياسية والاجتماعية، وقدرته على المقاومة، أو طبيعة ردود فعل القوى المحيطة به جغرافياً. ومن هنا تبدأ المفارقة: الانتصار في المعركة قد يكون متاحاً، لكن توقع نتائجها والسيطرة عليها قد يكونان مستحيلَين...

في الطريق إلى الحرب، لا تتحدث كل الجهات التي تقدم المشورة إلى صانع القرار من الموقع نفسه. هناك من تكون له مصالح آيديولوجية أو اقتصادية أو جيوسياسية تدفعه إلى تضخيم فرص النجاح وخفض حجم الأخطار. وفي أحيان كثيرة، يميل القادة إلى تصديق التقييمات المتفائلة التي تؤكد ما يودّون سماعه، بدلاً من الإصغاء إلى التحذيرات الأكثر عقلانية.

طائرات على متن حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» (أ.ف.ب)

ثم تأتي مشكلة الأهداف الهشة والمتغيرة؛ فقد تبدأ الحرب بهدف محدود، أو باعتقاد أن تحقيقه سيكون سريعاً وقليل التكلفة. لكن عندما يتعثر المسار، تتغير المهمة. الهدف الذي كان إسقاط نظام يصبح بناء نظام جديد، وما كان عملية عسكرية قصيرة يتحول إلى مشروع سياسي طويل. وهكذا تستمر الحرب حتى بعد أن يفقد الهدف الأصلي وضوحه.

* دوّامة التصعيد

الأخطر يحدث عندما تدخل الحرب دوامة التصعيد؛ فمع تزايد الخسائر، يصبح الاعتراف بالفشل مكلفاً سياسياً. ويبدأ القادة رفع الرهان بدلاً من تقليصه، أملاً في أن تحقق الجولة التالية ما لم تحققه الجولة السابقة. ويتداخل الضغط الداخلي مع التوتر الخارجي، إلى أن يصبح التراجع نفسه أسوأ من مواصلة القتال.

لكن هذه الديناميكية لا تفسر وحدها لماذا يندفع العالم نحو مزيد من الصراعات؛ فهناك عوامل أعمق: الخوف وعدم اليقين، وسوء تقدير نوايا الخصم وقدرته على الرد؛ وصراعات القوة التي ترافق انتقال النظام الدولي من قوة مهيمنة إلى أخرى صاعدة، وهو ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»؛ فضلاً عن القادة الذين لا يواجهون قيوداً سياسية كافية، فيصبح المجد الشخصي أو الآيديولوجيا أو الرغبة في الانتقام، جزءاً من حسابات الحرب.

ويزداد الخطر عندما تبدأ قواعد النظام الدولي نفسها في التآكل؛ فالقواعد والمؤسسات التي يفترض أن تساعد القوى الكبرى في إدارة خلافاتها تصبح أقل فاعلية عندما تتجاهلها الدول القوية، أو تستخدمها بصورة انتقائية. وعندما تتراجع الثقة بالقواعد والمؤسسات، يصبح سوء التقدير أكثر احتمالاً، والانتقال من أزمة إلى أخرى أسرع.

* نهايات الحروب

تكشف نهاية الحروب الكبرى أن الانتصار ليس دائماً الطريق الذي تنتهي به الصراعات؛ فقد تنتهي الحرب بهزيمة عسكرية كاملة وانهيار أحد أطرافها، كما حدث في الحرب العالمية الثانية. وقد تنتهي بالاستنزاف والانهيار العسكري والسياسي، كما حدث في الحرب العالمية الأولى. وقد تتوقف عبر تسوية تفاوضية لا تحل جذور النزاع، كما حدث في شبه الجزيرة الكورية عام 1953. أما الصراعات الطويلة بين القوى الكبرى، فيُحتمل أن تنتهي بانهيار أحد أطرافها من الداخل، كما حدث مع الاتحاد السوفياتي عام 1991.

مروحية ودبابات في تدريب للجيش البولندي (أ.ف.ب)

والواقع أن الطريقة التي تنتهي بها الحرب تكون أحياناً أهم من نهايتها نفسها؛ فالتسويات القاسية أو غير المتوازنة سوف تزرع بذور الصراع التالي. ومن هنا فإن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة إنهاء أسبابها.

* السؤال الملحّ

السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: هل يتجه العالم نحو حرب عالمية ثالثة؟

لا توجد إجابة حاسمة، لكن المؤشرات التي تجعل السؤال مشروعاً أصبحت أكثر وضوحاً؛ فالحدود بين الصراعات أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى. لذا نرى أن الحرب في أوكرانيا، والتنافس الأميركي - الصيني، والتوتر في الشرق الأوسط، والصراع على النفوذ والطاقة والتكنولوجيا، كلها تتحرك داخل بيئة دولية واحدة، وتتزايد نقاط التماس بينها.

ومع ذلك، هناك مفارقة تستحق التوقف عندها؛ ففي العقود الأخيرة، بدت الصين، مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا، أكثر حذراً في الانخراط المباشر في حروب برية واسعة النطاق. وهذا لا يعني أنها بعيدة عن الصراع أو ترفض استخدام القوة، بل يشير إلى اعتمادها بدرجة أكبر على أدوات أخرى: الاقتصاد، والتجارة، والتكنولوجيا، والنفوذ السياسي، والضغط الاستراتيجي على المدى الطويل.

وفي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتقاطع فيه المصالح، قد لا يكون الخطر الأكبر أن يقرر زعيم ما إشعال حرب عالمية عمداً، بل أن تبدأ سلسلة من القرارات الصغيرة، المبنية على معلومات ناقصة وتقديرات خاطئة وضغوط سياسية، ثم يصبح التراجع في كل مرحلة أصعب من المرحلة التي سبقتها.

فالحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بقرار كبير. أحياناً تبدأ بخطأ صغير (أو بحادث مدبّر بحيث يبدو كأن خطأ وقع) لا يعرف أحد، لحظة وقوعه، إلى أين سيقود.

مقاتلتان صينيتان (أرشيفية - رويترز)

* قالوا في الحرب

- عرّف كارل فون كلاوزفيتس - من بروسيا «سلف» ألمانيا الموحّدة - (1780 - 1831) الحرب من منظور فلسفي بوصفها أداةً عقلانية لسياسة الدولة، مشيراً إلى أنها ببساطة «استمرار للسياسة بوسائل أخرى».

- قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 - 1804): «يمكن تحقيق السلام الدائم من خلال تنمية التجارة الدولية، والجمهوريات الدستورية، واتحادات الدول الحرة التي تجعل القادة حذرين حيال تكاليف خوض الحروب». وفي كتابه «السلام الدائم»، أكد أن الحرب هي دورة عبثية لا طائل منها لأنها تعتمد على القوة بدلاً من الحق.

- قال الفيلسوف الهولندي إيراسموس (1466 - 1536): «السلام المجحف خيرٌ من أعدل الحروب».

- في الفلسفة الطاوية، يذكر كتاب «تاو تي جينغ» أن الانتصارات العسكرية هي مآسٍ وليست منجزات، مشيراً إلى أن «من يبتهج بالنصر، يبتهج بمذبحة للبشر». وتنظر الطاوية إلى الحرب على أنها اختلال في النظام الطبيعي لا ينتج عنه إلا مزيد من العنف.

- سخر الفرنسيّ المتنوّر فولتير في كتابه «المعجم الفلسفي» من الحرب، واصفاً إياها بأنها «مجزرة بطولية» لا تجلب سوى البؤس. كذلك، سخر من فكرة أن قتل الآلاف من الجيران الأبرياء بناءً على أوامر السلطة يمكن أن يُعدّ يوماً ما أمراً مفيداً أو مجيداً.

- أكد رائد الفلسفة الوجودية، الفرنسي جان بول سارتر، عبثية الحرب، وكتب مقولته الشهيرة: «عندما يحارب الأثرياء، يموت الفقراء». فقد كان يرى الحرب ممارسةً عديمة الفائدة، يجري فيها التلاعب بالمواطنين العاديين ليركضوا نحو حتفهم ويضحوا بأرواحهم من أجل مفاهيم مجردة لا تخدم في النهاية سوى السلطة.