مثقفو الخليج: كتب علم النفس والرواية والأديان تستحوذ على النصيب الأكبر (1ـ2)

قراءات الصيف.. هل يرتبط طقس القراءة بمستجدات الأحداث.. أم هو مزاج عام؟

مثقفو الخليج: كتب علم النفس والرواية والأديان تستحوذ على النصيب الأكبر (1ـ2)
TT

مثقفو الخليج: كتب علم النفس والرواية والأديان تستحوذ على النصيب الأكبر (1ـ2)

مثقفو الخليج: كتب علم النفس والرواية والأديان تستحوذ على النصيب الأكبر (1ـ2)

هل تختلف قراءات الصيف عن قراءات الشتاء أو بقية فصول العام؟ وهل تقل هذه القراءات أم تزداد؟.. بكل الأحوال يبقى السؤال الأهم: «ما الذي يقرأه المثقفون هذه الأيام»، وهل للكتب التي بين أيديهم ارتباط بالأحداث والمستجدات على كافة الأصعدة، بما فيها المتغيرات النفسية الحاصلة نتيجة تطورات العصر..أم هي عامة تأتي وفقًا لميول الشخص نفسه وليس على حسب المزاج العام للكون.
أسئلة جديرة بالتوضيح من أصحابها الأدباء والمثقفين بشكل عام، توجهنا بها إليهم، وكأننا نسترق النظر إلى الكتاب الذي بين أيديهم، فكانت هذه الإجابات:

* «الحياة ليست دائمًا وردية»
القاص السعودي حسن علي البطران، يقول: القراءة هوس ومتعة، ووسيلة من خلالها يعبر الشخص وينتقل إلى الضفة الأخرى، فهي تشكل قاربا بل مجموعة من القوارب يمكنك الإبحار فيها وبواسطتها إلى شواطئ بعيدة. فالقراءة فن ومهارة، وهي أيضًا سلاح ومتعة وحياة وصرخة، وابتسامة وألم، وبناء وهدم، لكنها في النهاية «ثقافة»؛ وتراكم معرفة، ومعلومات، وتوسيع مدارك، وهذا يعطينا مساحة كبيرة للبناء ووقتا متسعا لاختيار المواد الخام وتحديد الهندسة المعمارية الموثوق بها..
شخصيًا أقرأ الآن في رواية «الحياة ليست دائما وردية» للكاتبة المصرية رشا عدلي محمد.. وتدور أحداث الرواية في فترة تاريخية معينة ما بين مصر وفرنسا، وقد اختارت الكاتبة فنانة تشكيلية بطلة لروايتها هذه البطلة فقط من خيال الكاتبة وبقيت الأحداث التاريخية والشخصيات حقيقية؛ وتتناول الرواية قصة مهندس مصري حديث الزواج يسكن الإسكندرية، كلفه عمله أن يعمل في القاهرة وسكن في شقة ذات مواصفات عالية مما أثار فضول زوجته حيث وجدت صندوقًا وبه بعض هذه المذكرات التي سردتها الكاتبة بتكنيك روائي جميل وسرد رائع..

* «فازع شهيد الإصلاح»
أما الناقد البحريني فهد حسين، فيقول: «لا شك أن النخب الثقافية المتخصصة وغير المتخصصة حريصة كل الحرص على المتابعة والاطلاع على الأقل في مجال تخصصها وأدنى الطموح متابعة الملحق الثقافي للجريدة التي يحرص على قراءتها، وبالنسبة لي فلدي طريقة في القراءة، فلا أقرأ للمتعة أو قتل الوقت وربما ذلك بحكم انشغالي بمجال الكتابة والتأليف، لقراءتي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم قراءة في موضوع ضمن مشروع تأليف كتاب، وقسم قراءة ما يرفد الحصيلة الثقافية والمعرفية والنقدية، وقسم المجلات التي أتابعها وهي عادة ما يصلنا من إصدارات النادي الثقافي الأدبي بجدة، ومجلة الدوحة، ومجلة دبي الثقافية، فضلا عن إصدارات المجلس الوطني بالكويت».
وفي الوقت نفسه أسجل كل شهر كم كتابا قرأت لأعرف العدد والنوعية والمقارنة بالشهر الذي قبله، ولأني حاليا أعد كتابا عن المرجعيات الثقافية في الرواية الخليجية فأكثر ما تكون قراءتي منصبة في هذا الجانب حيث أنهيت رواية الإعلامي القطري الدكتور أحمد عبد الملك بعنوان «فازع شهيد الإصلاح في الخليج» وقبلها روايتين عندما تستيقظ الأشجان للكاتب الإماراتي علي محمد راشد ورواية درب المسحورة للكاتب العماني محمود الزعبي.

* «سوف تراه عندما تؤمن به»
ويشارك القاص السعودي عبد الخالق الغامدي بقوله: أنا حاليا أقرأ كتابا أعود إليه للمرة الثانية حيث سبق أن قرأته قبل 6 أو 7 سنوات، لكنني رأيت أنني في حاجة إلى العودة لبعض صفحاته، وهو «سوف تراه عندما تؤمن به».. للمؤلف الأميركي «وين دبليو داير»، وترجمة مكتبة جرير.
يتحدث الكتاب عن التحول الذاتي في الحياة وسبل تحقيق التحول. بمعنى أنه يناقش السلوكيات السلبية في حياة الفرد ويضرب له الأمثلة من واقع الفرد والمجتمع ثم يأخذ بيده خطوة خطوة نحو مستقبل أفضل يحقق له مزيدا من النجاحات وجملة من أحلامه إن لم تكن كلها ويرتقي به في التفكير حيث يضيء له الطريق الذي يتوجب عليه أن يسلكه ليصل إلى تحقيق شخصية إيجابية متكاملة.

* «الشرق المتوحش»
ومن الكويت، يقول أمين عام رابطة الأدباء الكويتيين طلال سعد الرميضي: «من الممتع أن نطلع، على الأعمال الأدبية المميزة لأقلام شبابية حيث استمتعت بقراءة رواية (الشرق الموحش) للكاتب عبد الله السعيدي، وهي رواية تدور حول الحياة قديما في الكويت وبواديها والصراعات والتنافس ما بين أبناء القبائل المتناحرة، وفيها إسقاطات على الواقع وتضمنت بعض المعلومات القيمة عن ماضي الأجداد وأخبارهم وقد صيغت بأسلوب أدبي جميل استطاع الكاتب السعيدي أن ينقل القارئ معه في طيات هذه الرواية المثيرة إلى فضاءات حياة الشرق.. الموحش».

* «الجهل المقدس»
أما الكاتب والمحرر في مجلة «العربي» وفي صحيفة «الكويتية» إبراهيم المليفي، فذكر أنه يقرأ حاليًا كتابًا عنوانه «الجهل المقدس.. زمن دين بلا ثقافة» للمؤلف أوليفييه روا، وهو صادر عن دار الساقي في لبنان، وقال: هذا الكتاب الذي لم أنته من قراءته هو الثاني له في مكتبتي بعد كتاب «تجربة الإسلامي السياسي» الذي صدرت طبعته الأولى باللغة العربية عام 1994 ترجمة نصير مروة وحصلت عليه من لندن. وأضاف المليفي: مع «الجهل المقدس» وهو من ترجمة صالح الأشمر، شعرت بانجذاب حاد لأسباب أعتقد أن معظمها صحيح مثل طبيعة الأحداث التي تمر بها المنطقة والتي اتخذت الطابعين الديني والمذهبي بشكل صارخ ومتزامن، الأمر يعود إلى جودة الترجمة واقترابها من المعاني التي أرادها المؤلف وربما تفوقها على النص الأصلي، ومن ثم تفوق هذا الكتاب على ميزة التشويق المعلوماتي وشد القارئ في أي جزء من أجزائه وهذا ما سرع عملية اقتنائه دون تفكير طويل.

* «خطأ النادل»
وللكاتبة استبرق أحمد تقرأ أكثر من كتاب في وقت هذا الأيام، ولها وجهة نظر توضحها كالآتي: القراءة المعينة للكاتب على الكتابة والحياة، هي العالم الذي يحمل له نتاجات يسد بها جوع ذائقة جشعة وصعبة في معاييرها بمقدار ما يقرأ. وتضيف: في الأسابيع الماضية قرأت كتابات إبداعية لافت أغلبها منها المجموعة القصصية «خطأ النادل» للكاتب الفلسطيني زياد خداش، و«مصحة الدمى» كتاب فوتوغرام - حكائي كما أشار على غلافه كاتبه المغربي أنيس الرافعي، ورواية «سماء قريبة أعرفها» للكاتبة الكويتية تسنيم الحبيب، ومجموعة «مرعى النجوم الدافئة» للعماني محمود الرحبي، وحاليا أقرأ رواية «ليل تشيلي» للكاتب التشيلي روبرتو بولانيو، التي بمصادفة باهرة كتبت الأميركية سوزان سونتاج عنها بأنها «نهر رائع من المشاعر، تأمل مدهش، خيال آسر. ليل شيلي عملٌ شديد الأصالة والتفرد». وتتابع استبرق أحمد: «إنها رواية معاصرة كتبت لتحتل مكانة عالية في الأدب العالمي». منبع الصدفة وتقرأ استبرق أيضًا كتاب السيرة الذاتية الخاص بسوزان سونتاج المعنون بـ«ولادة ثانية» وتقول عنه إنه يحمل اكتشافات الذات والعالم لكاتبة وناقدة نهمة في القراءة والبحث.

* عودة لكتاب عن الأصولية
الروائي حمد الحمد، تميل قراءاته مع ما يستجد من أحداث، فيقول: نظرا لتوحش الأصولية بظهور «داعش» وغيرها من فرق بالوطن العربي وتكوينها دولة في سوريا والعراق ووجودها في بقاع أخرى، فإن كل هذه الفرق تُنسب من قبل الغرب للأصولية الإسلامية، وقد انتبه المفكرون الغربيون ومنهم ريتشارد هرير دكمجيان وهو أستاذ العلوم السياسية بجامعة نيويورك وأصدر كتابه المعنون بـ«الأصولية في العالم العربي»، وقد صدر الكتاب قبل ثلاثين سنه عام 1985، وما زلت أحتفظ بالنسخة المُترجمة للعربية، وهذه الأيام رحت أطالعه وأعود لما كتبه هذا المؤلف حيث يُرجع الأصولية لعدد من الشخصيات العربية، وهذا ما يراه هو، حيث إن الفكر الأصولي قد اتفق على مرتكزات هي: الالتزام بتجديد الأمة بالعودة إلى الأصولية الإسلامية. والدعوة إلى النضالية والجهاد بالدفاع عن الإسلام. والجمع بين المذهبية الأصولية والحركية السياسية والاجتماعية في حياتهم. والاستعداد لتحدي السلطة السياسية والدينية والرغبة والتضحية من أجل الإسلام.

* «وليمة متنقلة»
أما الروائية الكويتية إيمان سعد فتقول عن كتابها الذي بين يديها: حين تمر عليك تلك الأوقات التي تشعر فيها بأنك الوحيد على وجه الأرض ولا أحد بمقدوره أن يتفهم مشاعرك، حينها، إن كنتَ محظوظًا، يبعث لك القدر بكتاب. وتعتبر إيمان سعد نفسها من المحظوظين: أنا كنت محظوظة. ففي الوقت الذي أعيش فيه قلق ما بعد الرواية الأولى والشكوك أثناء كتابة الرواية الثانية، ومعهما فوبيا السفر إلى باريس للمرة الأولى، وقع بين يدي كتاب «وليمة متنقلة» لأرنست همنغواي.
هذا الكتاب هو عبارة عن مجموعة من القصص القصيرة جدًا موضوعها يوميات همنغواي في باريس في عشرينات القرن الماضي حين عاش فيها مع زوجته ليتفرغ لكتابة روايته الأولى «الشمس تشرق أيضًا». على مدار الكتاب يدخل القارئ في خفايا تجربة الروائي الشاب الذي يعشق الكتابة في المقهى ساعات الصباح الباكر ليتفرغ بقية اليوم للتنزه في باريس والالتقاء بأصدقائه الذين يشاركونه تجربة الكتابات الأولى.

* «سيكولوجية الجماهير»
أما الدكتور سمير علي البلوشي، فكتابه الذي يقرأه حاليًا هو: «سيكولوجية الجماهير». تأليف المؤرخ الفرنسي وعالم الاجتماع جوستاف لوبون في سنة 1895، ومحاور الكتاب تتركز حول عدة نقاط هي: العاطفة ضد العقلانية. اللاوعي ضد الوعي. الفرد ينسلخ من صفاته الفردية ويتطبع ويتبنى فكر الجماهير دون تفكير أو تعقل. ويبينها لوبون ويدلل عليها في أشهر كتبه. وقد قسم كتابه إلى ثلاثة أقسام رئيسية:الخصائص العامة للجماهير. آراء الجماهير وعقائدها. وتصنيف الجماهير. ويجيب الدكتور سمير عن السؤال: «لماذا اخترت هذا الكتاب الذي عمره أكثر من مائة عام الآن»؟ ويجيب: «لأننا في أمس الحاجة الآن مع ظهور الثورات من حولنا لأن نفهم ما يحصل من ناحية علمية ونفسية واجتماعية لهذه الجماهير الثورية. حتى يتشكل لدينا الوعي الكافي ولا ننجرف خلف ما لا نعيه. الكتاب سلاح ذو حدين. فهو يشرح للقائد كيف يحرض الجماهير ويسيطر عليهم. ويشرح للجماهير كيف يتم تحريضهم والسيطرة عليهم».

* «الراهب الذي باع سيارته الفيراري»
من المثقفين الذين يختارون كتبًا متميزة باللغة الإنجليزية، عبد العزيز إبراهيم الموسى الذي يفصح لنا عن كتابه قائلاً: هو كتاب «الراهب الذي باع سيارته الفيراري» لمؤلفه روبن شارما (The Monk Who Sold His Ferrari)، ويشرح الموسى مجريات الكتاب: يروي قصة خيالية عن محامٍ مشهور يدعى جوليان مانتر أدى به انغماسه الشديد في عمله إلى أن أصبح أحد أشهر وأثرى المحامين في أميركا متمتعا بكل ملذات الحياة ومنها تلك السيارة الفيراري التي كان مغرما بها جدا، ولكن انغماسه الشديد في عمله كان على حساب صحته وعدم تكوينه عائلة، حتى انهار ذات يوم في إحدى جلسات المحكمة مصابا بأزمة قلبية حادة كادت أن تودي بحياته.

* «خرائط التيه»
الروائية والقاصة باسمة العنزي تعجبها رواية بعنوان «خرائط التيه» لزميلتها الروائية بثينة العيسى، وقول: قرأت مؤخرا بمزاج حزين رواية بثينة العيسى «خرائط التيه» فزاد عملها حزني!، وتصف باسمة العنزي الرواية بأنها رواية عن الضياع بأكثر من شكل ومعنى، عن الطفولة المعذبة والخريطة الممزقة، عن الباحثين عن خلاص، وعن السفلة الذين كانوا يوما ضحايا الحروب والفقر والجهل. وتضيف: بثينة في عملها الأخير غيرت من خطها الروائي ونجحت في الاحتفاظ بقارئ ينتظر جديدها. عمل كويتي مختلف بجرعة إنسانية عالية، وفضاء أحداث متسارعة خارج الإطار المحلي.

* «حين ينام العالم»
وفي جعبة الكاتبة حصة العجمي رواية «بينما ينام العالم» للكاتبة سوزان أبو الهوى، وتقول: لم يحدث قبلاً أن أعجز عن كتابة تعليق عن رواية أو رأي كما حدث مع رواية من النوع الذي أحب، كتبت عن تفاصيل النفس البشرية وجعلت الصورة كاملة من غير إسهاب في وصفٍ يجعلك تتململ.. رواية تتحدث عن القضية الفلسطينية على مدى أربعة أجيال أبطالها كل فرد أتى ذكره في الرواية، سرقة الفتاة البدوية للحصان رغبه فقط في امتطائه، بينما تبادل طلاء الأظافر إشارة لبدء الرحيل عن مرحلة الطفولة، وتفاصيل أخرى مثل: الحياة في مخيمات اللاجئين مع أمل العودة.

* «فئران أمي حصة»
بينما تقرأ الشاعرة أمينة بوغيث رواية الكاتب سعود السنعوسي الجديدة «فئران أمي حصة»، وتقول عنها إنها عمل روائي رائع يستحق القراءة للروائي الكويتي سعود السنعوسي، وقد صدرت عن دار العربية للعلوم ناشرون، وتدور أحداثها في الكويت ما بين عامي 1985 وحتى الزمن الافتراضي الذي تتحرّك فيه الرواية في عام 2020 مرورا بأحداث الغزو العراقي. وتصف أمينة الرواية بأنها «جميلة جدا ومؤلمة جدا لأنها رواية تحذيرية. هي نص كتب ببراعة بقدر ما تسعدك فإنها أيضًا تحزنك لأنها تضعك في مواجهة صريحة ومباشرة مع نفسك، ولأنّها حقيقية جدًا، تشبهنا جدًا.

* «ليل الخطاطين»
الشاعر حمود الشايجي يقول انتهيت قبل أيتم من رواية صغيرة مختلفة بعنوان «ليل الخطاطين» للمؤلفة ياسمين غاتا. بحثت عن الرواية طويلاً حتى وجدتها. عناء الوصول إليها بعد قراءتها تبدد بل تحول إلى سعادة. لأني لم أقرأ منذ مدة بعيدة كتابًا ناعما سلسًا لهذه الدرجة. رغم أن الكتاب مترجم فإني لم أشعر بذلك. ربما لبراعة المترجم. وربما لأسلوب الكاتبة الساحرة. الناعم البسيط. ففي هذه الرواية تروي الكاتبة تاريخًا ممزوجًا بسيرة ذاتية لجدتها الخطاطة التركية. حيث تصف العوالم الشرقية وتحولاتها التي طرأت عليها بقدوم كمال أتاتورك ومدى تأثير سقوط الدولة العثمانية والإجراءات التي جرت على عالم الخط من تحريم الكتابة بالعربية وتحويل الأحرف من عربية إلى حروف تركية مشتقة من الحروف اللاتينية.

* الحياة الروحانية
الشاعرة حنان عبد القادر تختار كتابًا غير الشعر لتقرأه، هو بعنوان «دين الإنسان» للكاتب المهتم بالأساطير فراس السياح، وتقول عن الكتاب بأنه يتناول وصف الظاهرة الدينية عند الإنسان بما أنه كائن متدين منذ الخلق، فقد ترك ما يدل على ذلك فوق جدران كهوفه، وتبين أن الدين ظهر مع التكنولوجيا كمؤشرين أساسيين على بدء الحضارة الإنسانية، ورغم قبول الكاتب بالتقسيم المعتاد لتاريخ الفكر الإنساني: السحر فالدين فالفلسفة فالعلم التجريبي، إلا أنه يرى امتصاص الفكر الديني لصدمة انتصار العلم والفلسفة، وما زال يزاحم وبقوة على اقتسام هوى وعقل الناس في كل مكان. وتقول: يريد الكاتب من خلال هذا البحث التعرف على الظاهرة الدينية في حقيقتها عن طريق وصفها بدقة، وعزلها عن بقية الظواهر الثقافية الإنسانية الأخرى في محاولة لتقصي الحياة الروحية عند الإنسان.



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟