حملة يمنية ضد شلل الأطفال في مواجهة حرب الانقلابيين على اللقاحات

قادة الميليشيات نظموا فعاليات لتحذير السكان من خطر التحصين

وزير الصحة اليمني يدشن في عدن حملة اللقاح ضد شلل الأطفال (سبأ)
وزير الصحة اليمني يدشن في عدن حملة اللقاح ضد شلل الأطفال (سبأ)
TT

حملة يمنية ضد شلل الأطفال في مواجهة حرب الانقلابيين على اللقاحات

وزير الصحة اليمني يدشن في عدن حملة اللقاح ضد شلل الأطفال (سبأ)
وزير الصحة اليمني يدشن في عدن حملة اللقاح ضد شلل الأطفال (سبأ)

تواجه الحكومة اليمنية عودة فيروس شلل الأطفال، الناتجة عن الحرب الحوثية على اللقاحات، بحملة تحصين شاملة بالتعاون مع منظمتي منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) والصحة العالمية، في حين بدأ انتشار الفيروس داخل اليمن يلقي بظلاله على سمعة اليمن، ويهدد بتحولها إلى بؤرة لانتشار الأوبئة، ومؤخراً اشترطت السلطات المصرية حصول الأطفال المسافرين من اليمن إليها على اللقاح.
وتهدف الحكومة اليمنية من خلال الحملة التي انطلقت مطلع هذا الأسبوع إلى منح اللقاحات لأكثر من مليون وربع المليون طفل دون سن 5 سنوات في اثنتي عشرة محافظة، بينما أبدت أوساط عالمية مخاوفها من عودة تفشي وباء شلل الأطفال، بعد الإعلان عن تسجيل 227 حالة إصابة بالمرض منذ 2021، غالبيتها في مناطق سيطرة الانقلابيين الحوثيين.
ووفقاً لتعميم صادر عن شركة الطيران اليمنية للمسافرين اليمنيين إلى جمهورية مصر العربية أو الزائرين الذين قضوا 4 أسابيع أو أكثر في اليمن؛ فمنذ أواخر فبراير (شباط) الماضي، يتوجب عليهم الحصول على جرعة من لقاح شلل الأطفال الفموي الثنائي التكافؤ، أو الحصول على لقاح شلل الأطفال «سولك» المعطل قبل السفر إلى مصر.
وأوضحت «اليمنية» لاحقاً أن السلطات المصرية أصدرت تعميماً بشأن اليمنيين المسافرين إلى أراضيها، يقضي بإلزام المسافرين القادمين من اليمن، بالحصول على شهادات لقاح شلل الأطفال لأبنائهم دون سن 12 عاماً.
وأعلنت «اليونيسيف»، أن 15 طفلاً يمنياً قضوا العام الماضي بسبب إصابتهم بمرض شلل الأطفال، وحتى منتصف العام؛ سُجلت أكثر من 1400 إصابة لأطفال، توفي منهم 15 بسبب المرض في 7 محافظات.
واعترفت الميليشيات الحوثية بوفاة أكثر من 10 أطفال متأثرين بإصابتهم بمرض الحصبة في مديرية المحابشة التابعة لمحافظة حجة شمال غربي العاصمة صنعاء، في الوقت نفسه الذي تستمر فيه الميليشيات في حربها ضد اللقاحات، من خلال خطابات قادتها وفعاليات تنظمها للترويج لرأيها بشأن اللقاحات ووصفها بالمؤامرة على المجتمعات.
وضمن ردها على حرب الميليشيات ضد اللقاحات، نظمت الحكومة اليمنية عبر قطاع الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة بالعاصمة المؤقتة عدن ندوة علمية خاصة بمناصرة اللقاحات، وشارك فيها أكثر من 130 من الأطباء والأكاديميين في الجامعات الحكومية والخاصة، وبدعم من منظمتي الصحة العالمية واليونيسيف.
وشدد وزير الصحة العامة والسكان قاسم بحيبح، على أهمية اللقاحات ودورها في المنظومة الصحية وتطور التاريخ الإنساني، مطالباً بتضافر الجهود الرسمية والشعبية لإنجاح برامج التحصين وتصويب المعلومات الخاطئة والمضللة التي تروج ضد برنامج التحصين، خصوصاً في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية.
وتحدث بحيبح عن عدد من التدابير التي اتخذتها الوزارة، منها حملتان للتحصين ضد شلل الأطفال، بدأت الأولى في الخامس من مارس (آذار) الحالي، والثانية عقب عيد الفطر المبارك.
من جهته، أشار وزير التعليم العالي خالد الوصابي، إلى أن وزارة الصحة تخوض حالياً معركة كبيرة لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية، وذلك في مواجهة التحديات الصحية الكبيرة، من بينها الإشاعات والحرب الحوثية ضد اللقاحات والطب الحديث عموماً، مطالباً بمؤازرة وزارة الصحة لاستئصال شلل الأطفال.
ودعا رئيس جامعة عدن الدكتور الخضر ناصر لصور، إلى إشهار وتأسيس حلف مناصرة اللقاحات بمشاركة جميع الجهات ورجال الأعمال للحفاظ على صحة الأطفال والمجتمع، وتبني دعم القطاعات الأكاديمية للجهود الهادفة إلى تعزيز منح اللقاحات وتحصين الأطفال والمجتمع، ومواجهة الأفكار والمعلومات المغلوطة، وتعزيز دور وسائل الإعلام في تكثيف التوعية.
من جهته، تحدث مدير المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في شرق المتوسط أحمد سالم المنظري، عن الأنشطة والجهود التي تؤديها المنظمة أو تدعمها من أجل القضاء على الأمراض التي تهدد الأطفال بتعزيز دور التحصين الصحي والوصول إلى جميع المستهدفين.
وحث المنظري على ضرورة دحض ومواجهة المعلومات المظللة والمغلوطة التي تتجاهل البراهين العلمية، معرباً عن أمله في تلافي وفيات الأطفال في اليمن من خلال استخدام اللقاحات، وتعزيز العمل الجماعي في سبيل نجاح الحملات والجهود لاستئصال الأمراض القاتلة.
وعبّر نائب الممثل المقيم لـ«اليونيسف» في اليمن شادراك أومول، عن مخاوف المنظمة من انتشار الأمراض القاتلة للأطفال بعد تأكيد 227 حالة إصابة بشلل الأطفال في اليمن منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، وهي الإصابات التي كان بالإمكان الوقاية منها لو تم أخذ اللقاحات ضدها، منوهاً بأنه يجري حالياً العمل لتجنب حالات جديدة إضافية.
ولفت أومول إلى ارتفاع حالة القلق من زيادة أعداد المصابين بالحصبة في جميع أنحاء البلاد، وتعرض 75 ألف طفل يمني لخطر الموت جراء حرمانهم من اللقاحات، حيث هم بحاجة ماسة لها لتجنب المخاطر. ووفقاً لحديثه؛ فإن الهدف الذي تعمل لأجله المنظمة هو ضمان عدم إهمال أي طفل وعدم وجود أطفال بدون جرعة.
واستغرب المشاركون في الندوة من الشائعات المضللة بشأن اللقاحات والمزاعم بأضرارها على البشر، مؤكدين أنها تخضع لتجارب سريرية طويلة، وتطوير مستمر، ما يجعلها مأمونة تماماً، ولا تلحق أي أضرار بمن يتلقونها.
وجاءت هذه الندوة رداً على فعالية نظمتها الميليشيات الحوثية تحت عنوان «خطورة اللقاحات على البشرية»، شارك فيها قيادات عليا، من بينها رئيس حكومة الانقلاب غير المعترف بها دولياً عبد العزيز بن حبتور، والقيادي طه المتوكل المنتحل صفة وزير الصحة، إضافة إلى مدير مكتب زعيم الميليشيات.
وفي الفعالية وصف القيادي سليم السياني، المنتحل صفة نائب رئيس هيئة مكافحة الفساد، الذي يعرف نفسه بالباحث الصحي، اللقاحات، بـ«المؤامرة العدوانية»، زاعماً أن «اللقاحات مجرد أوساخ وسموم، ولا أمان لها، لأنها تأتي ضمن سياق مؤامرة عالمية ومشروع إنقاص البشرية» فيما يعرف بـ«مشروع المليار الذهبي»، وفق زعمه.
أما القيادي طه المتوكل، الذي يدير قطاع الصحة في مناطق سيطرة الميليشيات، فأعلن أن اللقاحات ليست إلزامية بالمطلق، ومن يريد الحصول عليها فعليه تحمل مسؤولية أضرارها ومضاعفاتها عليه.
إلى جانب مشاركة بن حبتور رئيس حكومة الانقلاب، والمتوكل وزير الصحة فيها؛ في الفعالية، وتصريحات الأخير حول عدم إلزامية اللقاحات، فإن الميليشيات الحوثية تكون قد أعلنت رسمياً محاربتها اللقاحات، ودفع اليمنيين إلى التخلي عنها.
يرى أستاذ الفلسفة في جامعة عدن قاسم المحبشي، أن «أزمة الميليشيات مع الشعب اليمني بلغت مبلغاً جعلها تتمنى لو أن الله خلق الناس بدون الحاجة إلى الطعام والشراب والأمن والسلام، وهي الحاجات التي يستحيل تجاوزها بالخرافات»، فطبقاً لرأيه، «لو كانت الحياة الاجتماعية والسياسية تدور بهذه الحيل الغريبة، لكان اليمن في العصر الحجري».
وذهب المحبشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الميليشيات الحوثية تسعى بحيل سحرية إلى دفع اليمنيين لتجاوز المتطلبات البشرية مثل الحاجات الفسيولوجية وحاجات الأمان، وحاجات الحب والانتماء، وحاجات الكينونة والتقدير وتحقيق الذات وتعليمهم بديهيات حياتهم، مثلما حولت العاصمة صنعاء إلى مدينة أشباح وإغراق البلاد في حالة حرب.
واستنكر المحبشي عدداً من المزاعم والإشاعات الحوثية، التي نعتها بالخرافات، «مثل ادعاء أن اللقاحات مؤامرة، ووجبة الغداء دخيلة، وأن قتلى الميليشيات يأكلون التفاح في الجنة»، منتقداً استمرار التعاطي مع هكذا ميليشيات تدير حياة اليمنيين بالشعوذة والخرافة.


مقالات ذات صلة

النوم بكثرة خلال النهار قد يُخفي أمراضاً كامنة

يوميات الشرق القيلولة هي فترة نوم قصيرة تؤخذ خلال النهار لاستعادة النشاط (موقع هيلث)

النوم بكثرة خلال النهار قد يُخفي أمراضاً كامنة

تَبيَّن أن القيلولة الطويلة والمتكرِّرة، خصوصاً في ساعات الصباح، ترتبط بزيادة ملحوظة في خطر الوفاة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الشعور بالإرهاق نهاراً يحدث عادة بين الساعة الثانية والرابعة مساء (جامعة ميامي)

وجبات خفيفة وصحية تحارب الشعور بالإرهاق نهاراً

يعاني كثير من الأشخاص مما يُعرف بـ«هبوط الطاقة بعد الظهر»، الذي يحدث عادة بين الساعة الثانية والرابعة مساءً، حيث يشعر الإنسان بالتعب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك التناول اليومي للمغنيسيوم يعمل درع حماية للأعصاب (بيكسلز)

تأثير تناول المغنيسيوم بشكل يومي على الأعصاب

يبرز المغنيسيوم كأحد أهم العناصر التي تلعب دوراً خفياً لكنه حاسم في تهدئة الأعصاب وتعزيز الاستقرار النفسي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك جوز البيكان نوع من المكسرات يُستخرج من أشجار الجوز «الأميركي - الهيكوري» التي تنمو في شمال المكسيك وجنوب أميركا (بيكساباي)

فوائد تناول جوز البيكان في علاج التهاب المسالك البولية

يسهم جوز البيكان في تخفيف التهاب المسالك البولية عبر تقوية الجهاز المناعي؛ بفضل محتواه من الزنك. ويمتاز البيكان بقوام عالي النعومة، ونكهة زبدية حلوة المذاق.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك ينصح الخبراء بتناول أطعمة صحية بدلاً من الأطعمة المصنعة (أرشيفية - أ.ب)

دراسة: الإفراط في الملح يرتبط بتدهور أسرع في الذاكرة

يرتبط الإفراط في تناول الملح بارتفاع ضغط الدم، لكن دراسة حديثة ربطته أيضاً بتسارع التدهور المعرفي لدى فئات معينة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.