نجاح لقاح للسل بأول تجربة سريرية... آمن ويحفز الاستجابة المناعية

نجاح لقاح للسل بأول تجربة سريرية... آمن ويحفز الاستجابة المناعية
TT

نجاح لقاح للسل بأول تجربة سريرية... آمن ويحفز الاستجابة المناعية

نجاح لقاح للسل بأول تجربة سريرية... آمن ويحفز الاستجابة المناعية

وجدت تجربة سريرية تختبر لقاحًا تجريبيًا مجففًا بالتجميد ومستقر درجة الحرارة (TB) للسل على البالغين الأصحاء أنه آمن ويحفز الأجسام المضادة والاستجابات من الذراع الخلوية للجهاز المناعي.
وتم دعم تجربة المرحلة الأولى من قبل المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية (NIAID)، وهو جزء من المعاهد الوطنية للصحة.
وتم سابقًا اختبار شكل مستقر من غير درجة الحرارة من المرشح في العديد من التجارب السريرية. ومع ذلك، كانت هذه أول تجربة سريرية للقاح مُرشح للوحدة الفرعية للسل بشكل مستقر لدرجة الحرارة (قابل للحرارة). وقد نُشرت نتائجه بمجلة «Nature Communications».
وتم تطوير اللقاح التجريبي «ID93 + GLA-SE» بواسطة الدكتور كريستوفر ب. فوكس وعلماء بمعهد الوصول إلى الصحة المتقدمة (معهد أبحاث الأمراض المعدية سابقًا) بسياتل في الولايات المتحدة.
وهو لقاح وحدة فرعية مؤتلف مصنوع من أربعة بروتينات من بكتيريا Mycobacterium tuberculosis مع GLA-SE (عامل مساعد محفز للمناعة). ولا تتطلب التركيبة المجففة بالتجميد التبريد ويتم خلطها بالماء المعقم قبل الحقن مباشرة. فاللقاحات المقاومة للحرارة مرغوبة في الأماكن التي قد يكون فيها الحفاظ على اللقاحات باردة أو مجمدة لفترات طويلة مكلفًا وصعبًا، وذلك وفق ما نشر موقع «ميديكال إكسبريس» الطبي المتخصص.
وبحثت التجربة الحالية فيما إذا كان إعطاء لقاح مستقر لدرجة الحرارة يحتوي على كل من ID93 و GLA-SE في قنينة واحدة سيكون فعالًا بإحداث استجابة مناعية مثل النظام الذي يتم فيه الاحتفاظ بـ ID93 غير القابل للحرارة و GLA-SE السائل في قنينتين ومجتمعة قبل الحقن. وقد لاحظ المحققون أن تقديم لقاح قابل للحرارة أحادي القارورة سيكون له مزايا واضحة بسهولة التخزين والنقل والإدارة.
وفي هذا الاطار، قاد الدكتور دانيال إف هوفت مدير مركز جامعة سانت لويس لتطوير اللقاحات، تجربة موقع واحد بكلية الطب بالجامعة؛ فقد تلقى ثلاثة وعشرون مشاركًا نظام القارورة المفردة القابل للحرارة، بينما تلقى 22 مشاركًا النظام ثنائي القارورة غير القابل للحرارة. وكانت عروض اللقاح آمنة وجيدة التحمل. كما كان لدى متلقي اللقاح القابل للحرارة أحادي القارورة استجابات قوية للخلايا التائية وقد أنتجوا مستويات أعلى من الأجسام المضادة في الدم من أولئك الذين تلقوا العرض التقديمي ثنائي القارورة غير القابل للحرارة.
أيضا لاحظ المحققون بعض القيود؛ على سبيل المثال، لا توجد روابط حماية ثابتة تحدد الاستجابات المناعية المطلوبة للحماية التي يسببها اللقاح من مرض السل. لذلك، ليس من الممكن القول ما إذا كانت الاستجابات المناعية المعززة التي شوهدت في تركيبة اللقاح المقاوم للحرارة ستترجم إلى فعالية محسنة للقاح الوقائي. ومع ذلك، خلصوا إلى أن نتائج هذه التجربة تظهر «إثباتًا لمفهوم أن اللقاحات المحتوية على المواد المساعدة يمكن صياغتها في قنينة واحدة مجففة بالتجميد دون التأثير بشكل ضار على المناعة السريرية أو خصائص السلامة».


مقالات ذات صلة

ماذا تفعل المشروبات الغازية «الدايت» بالكبد؟

صحتك المُحلّيات الصناعية الموجودة في المشروبات الغازية الدايت تُسبب في بعض الحالات تحفيز استجابة غير متوقعة لهرمون الإنسولين (بيكسلز)

ماذا تفعل المشروبات الغازية «الدايت» بالكبد؟

تُعدّ المشروبات الغازية الدايت خياراً شائعاً لدى كثيرين يسعون إلى تقليل استهلاك السكر والسعرات الحرارية وغالباً ما تُسوَّق على أنها بديل «أكثر صحة»

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الإفراط في تناول الموز قد يؤدي إلى آثار صحية غير مرغوبة (رويترز)

الموز يومياً… كم ثمرة تكفي دون أضرار؟

يُعدّ الموز من الفواكه الشائعة التي تجمع بين المذاق اللذيذ والقيمة الغذائية العالية؛ إذ يمدّ الجسم بالطاقة بسرعة بفضل محتواه من الكربوهيدرات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك قد يكون التورم مؤقتاً وطبيعياً مثل الحالات الناتجة عن الوقوف الطويل (أرشيفية-رويترز)

تعرف على علاقة تورم القدمين بضعف القلب

يُحذر الأطباء من أن تورم القدمين قد يكون في بعض الحالات مؤشراً مبكراً على مشكلة صحية أكثر خطورة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك عادةً ما يحدث ألم الكتف ذو المنشأ العظمي بعد إصابة أو الإفراط في الاستخدام أو النوم بوضعية غير مريحة (بيكساباي)

ألم الكتف غير المبرَّر قد يكون إشارة لمشكلات صحية خطيرة

قد يشير ألم الكتف غير المبرَّر إلى مشكلة أكثر خطورة، وفقاً لتحذيرات الخبراء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الهندباء يُعرف منذ القدم بفوائده الصحية والغذائية (جامعة ميريلاند)

الهندباء تحت المجهر... مركَّبات طبيعية تكبح الالتهاب المزمن

توصَّل فريق بحثي من جامعة شاندونغ الزراعية في الصين إلى أنّ نبات الهندباء يحتوي على مركَّبات فعّالة تُسهم في تقليل الالتهابات المزمنة في الجسم...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ظافر العابدين لـ«الشرق الأوسط»: «صوفيا» أتاح لي تطوير أدواتي كمخرج

ظافر محتفلاً بجائزة أفضل مخرج في «مهرجان مانشستر السينمائي الدولي» (حسابه على إنستغرام)
ظافر محتفلاً بجائزة أفضل مخرج في «مهرجان مانشستر السينمائي الدولي» (حسابه على إنستغرام)
TT

ظافر العابدين لـ«الشرق الأوسط»: «صوفيا» أتاح لي تطوير أدواتي كمخرج

ظافر محتفلاً بجائزة أفضل مخرج في «مهرجان مانشستر السينمائي الدولي» (حسابه على إنستغرام)
ظافر محتفلاً بجائزة أفضل مخرج في «مهرجان مانشستر السينمائي الدولي» (حسابه على إنستغرام)

قال الفنان التونسي ظافر العابدين إن فيلمه «صوفيا» ينطلق من فكرة أساسية تقوم على بناء توتر درامي متصاعد قائم على الغموض والاختفاء، وهو الإحساس الذي لا يمكن صناعته في مرحلة التصوير فقط، بل يجب أن يكون متجذراً منذ لحظة الكتابة الأولى لخلق حالة تجعل المشاهد متشوقاً لمعرفة ما سيحدث لاحقاً باعتبار أن هذا الأمر هو جوهر الفيلم، وغياب هذا العنصر من النص يجعل من الصعب تعويضه لاحقاً بالصورة.

وأضاف ظافر العابدين لـ«الشرق الأوسط» أن اختيار الممثلين كان جزءاً محورياً في هذه الرؤية، وحرص على أن تكون الشخصيات غير نمطية، فلا يستطيع المشاهد أن يصنفها بسهولة بين الخير والشر، وهو ما يعزز حالة الالتباس والتشويق، لافتاً إلى أن هذه الاختيارات امتدت إلى أسلوب التصوير وطريقة السرد بالكاميرا، فضلاً عن المونتاج الذي يقوم على إخفاء بعض التفاصيل وكشف أخرى في توقيت مدروس يخدم تصاعد الأحداث.

ظافر العابدين قال إن فيلم «صوفيا» تضمن تحديات عدة (حسابه على فيسبوك)

وتدور أحداث «صوفيا» حول «إميلي» التي تغادر لندن متجهة إلى تونس، على أمل إعادة ترميم العلاقة بين ابنتها «صوفيا» وزوجها بعد فترة من الانفصال، لكن الرحلة التي تبدو في ظاهرها محاولة عائلية هادئة، تنقلب فجأة إلى أزمة حادة عندما تختفي «صوفيا» بشكل غامض، لتجد الأم نفسها في مواجهة واقع معقد ومقلق.

وحصل ظافر العابدين على جائزة أفضل مخرج بمهرجان «مانشستر السينمائي» الدولي في نسخته الماضية، عن الفيلم الذي كتبه وأخرجه وشارك في إنتاجه وبطولته وشاركته فيه التمثيل جيسيكا براون فيندلي وجوناثان هايد وقيس الستي وهبة عبوك وزياد عيادي وسعاد بن سليمان.

واعتبر ظافر العابدين أن مشاركة ممثلين عالميين مثل جيسيكا براون فيندلي وجوناثان هايد أضافت قيمة كبيرة للعمل، لما يمتلكانه من خبرة واسعة، واصفاً العمل معهما بأنه كان سلساً واحترافياً؛ إذ جاء كل منهما مستعداً برؤية واضحة لشخصيته، وهو ما انعكس إيجاباً على الأداء العام للفيلم.

وشدد على أن المزج بين طاقم تونسي وآخر بريطاني منح العمل طابعاً خاصاً وخصوصية فنية مميزة، لافتاً إلى أن الفيلم بُني منذ البداية على تصور بصري دقيق، من خلال إعداد «مود بورد» يحدد ملامح الشكل العام بهدف تقديم فيلم قريب من المشاهد، يعتمد على الواقعية في التفاصيل، سواء في مواقع التصوير أو الإضاءة أو الأزياء أو حتى التلوين، لتظل القصة والشخصيات في صدارة المشهد.

ظافر في مشهد من فيلم «صوفيا» )الشركة المنتجة للفيلم)

وأشار إلى أن التصوير بين تونس وبريطانيا أضفى بعداً بصرياً وثقافياً مختلفاً، لافتاً إلى أنه على الرغم من أن العمل في بيئات إنتاجية متنوعة شكّل تحدياً مهماً، لكنه في الوقت نفسه أتاح له تطوير أدواته بوصفه مخرجاً والخروج من المنطقة الآمنة، وهو ما يسعى إليه في كل تجاربه الفنية.

وقال إن «صوفيا» يمثل خطوة مختلفة في مسيرته؛ إذ يجمع بين الطابع الاجتماعي الإنساني وعناصر الأكشن والثريلر، مشيراً إلى أنه كان حريصاً على خوض هذا التحدي لتقديم فيلم يجمع بين العمق الفني والجاذبية الجماهيرية، لكونه يسعى دائماً إلى التنوع وتجربة أشكال سردية جديدة تتيح له التطور واكتشاف مساحات مختلفة في الإخراج والكتابة.

وأكد أن فوزه بجائزة أفضل مخرج عن الفيلم في «مهرجان مانشستر السينمائي الدولي» يمثل دفعة كبيرة له وللفريق، لكون هذا التتويج يعكس تقديراً لعمل جماعي، خصوصاً أن «الفيلم جاء بتجربة إنتاجية مختلفة تجمع بين ثقافتين»، لافتاً إلى «أن أهمية الجائزة تكمن أيضاً في كونها جاءت عن فيلم يسعى للعبور بين اللغات والحدود».

ظافر العابدين أعرب عن سعادته بالفوز بجائزة أفضل مخرج بمهرجان مانشستر (حسابه على إنستغرام)

وأوضح أن طموحه كان تقديم عمل قادر على السفر عالمياً، وهو ما تحقق من خلال مشاركته في مهرجانات مثل مهرجان «مراكش الدولي للفيلم» ومهرجان «سانتا باربرا السينمائي الدولي» بالولايات المتحدة، حيث لاحظ تفاعلاً قوياً من جمهور متنوع ثقافياً.

ولفت إلى أن أكثر ما أسعده هو اندماج المشاهدين مع القصة دون الالتفات إلى اختلاف اللغة أو بيئة الأحداث، وهو ما يعدّه بمثابة النجاح الحقيقي لأي فيلم، مؤكداً أن «صوفيا» ليس مجرد فيلم إثارة ولكن حكاية إنسانية تعكس عالماً بات أكثر تداخلاً، حيث تتقاطع الثقافات والتجارب.


بين الطرافة والعلم… هل غازات النساء أشد رائحة أم الرجال؟

يُعدّ تراكم الغازات في الجهاز الهضمي السبب الأكثر شيوعاً لانتفاخ البطن (بيكساباي)
يُعدّ تراكم الغازات في الجهاز الهضمي السبب الأكثر شيوعاً لانتفاخ البطن (بيكساباي)
TT

بين الطرافة والعلم… هل غازات النساء أشد رائحة أم الرجال؟

يُعدّ تراكم الغازات في الجهاز الهضمي السبب الأكثر شيوعاً لانتفاخ البطن (بيكساباي)
يُعدّ تراكم الغازات في الجهاز الهضمي السبب الأكثر شيوعاً لانتفاخ البطن (بيكساباي)

في واحد من أكثر الأسئلة اليومية طرافةً وإحراجاً في آنٍ واحد، حسم العلم جدلاً طال أمده حول ما إذا كانت غازات الرجال أم النساء أشد رائحةً. غير أن الإجابة، كما تكشف عنها الدراسات، ليست بالبساطة التي قد يتوقعها البعض، بل تقود إلى نتيجةٍ أقرب إلى التعادل منها إلى فوز طرفٍ على آخر. وفقاً لصحيفة «واشنطن بوست».

تعود القصة إلى الطبيب الأميركي مايكل ليفيت، إختصاصي أمراض الجهاز الهضمي، الذي كرّس جانباً كبيراً من مسيرته المهنية لدراسة الغازات المعوية، حتى لُقّب بين زملائه بملك الغازات. ولم يكن هذا اللقب خياراً شخصياً بقدر ما كان نتيجة مسارٍ علمي بدأ مصادفةً، حين تعرّف إلى جهازٍ لتحليل الغازات، ليفتح أمامه باباً لبحثٍ دقيقٍ في هذا الجانب من وظائف الجسم.

ومنذ ذلك الحين، نشر ليفيت مئات الدراسات، وأسهم حتى في أبحاثٍ مرتبطة بوكالة الفضاء الأميركية، حيث طُوّرت فلاتر خاصة في بدلات رواد الفضاء للتعامل مع الغازات داخل البيئات المغلقة في دلالةٍ على أن الموضوع، رغم طرافته، يحمل أبعاداً علميةً وعمليةً حقيقية.

الدراسة الأبرز في هذا السياق شملت عدداً من الرجال والنساء الأصحاء، طُلب منهم تناول أطعمةٍ معروفة بقدرتها على زيادة إنتاج الغازات، مثل البقوليات وبعض السكريات الصناعية. ثم جُمعت الغازات في ظروفٍ مخبرية دقيقة، وخضعت لتحليلٍ علمي، بل تقييمٍ بشري للرائحة وفق مقياسٍ محدد.

النتيجة جاءت مفاجئةً للبعض: غازات النساء قد تكون من حيث التركيز أشد رائحةً. غير أن الصورة لا تكتمل عند هذا الحد، إذ أظهرت النتائج أيضاً أن الرجال ينتجون كمياتٍ أكبر من الغازات في كل مرة، مما يجعل التأثير الكلي على حاسة الشم متقارباً.

بمعنى آخر، الكمية تعوّض التركيز، لتتوازن الكفّتان عملياً في الحياة اليومية، ويخرج الطرفان بنتيجةٍ واحدة: لا غالب ولا مغلوب.

ويشير بعض الباحثين إلى أن الفروق الملحوظة أحياناً قد تعود إلى سلوكيات مختلفة، إذ يميل بعض النساء إلى إطلاق الغازات بهدوءٍ أكبر، مما يجعلها أقل لفتاً للانتباه، في حين لا يُبدي بعض الرجال خصوصاً في مراحل عمرية معينة اهتماماً مماثلاً بهذا الجانب.

لكنَّ ثمة ظرفاً لا يملك فيه أحدٌ رفاهية التحكم: السفر جوّاً. فمع ارتفاع الطائرة وانخفاض الضغط الجوي، تتمدد الغازات داخل الجسم وفق قوانين فيزيائية معروفة، مما يؤدي إلى زيادة الشعور بالانتفاخ والحاجة إلى التخلص منها. وفي بيئةٍ مغلقةٍ كقمرة الطائرة، قد يصبح الأمر أكثر وضوحاً وأحياناً أكثر إحراجاً.

ورغم ذلك، لا يخلو الأمر من حلولٍ عملية. إذ يمكن لبعض الأدوية المتاحة دون وصفة طبية أن تقلل من الروائح بشكلٍ ملحوظ، مما يوفر تعويضاً مناسباً في مواقف اجتماعية أو مهنية حساسة.

في المحصلة، قد تبدو هذه القضية هامشيةً، لكنها تكشف جانباً إنسانياً من اهتمام العلم بأدق تفاصيل الحياة اليومية. ولعل المفارقة الأجمل أن واحدة من أكثر القضايا إحراجاً تنتهي بنتيجةٍ هي الأقرب إلى العدالة: الجميع سواء... ولو على نحو غير متوقع.


«شتاء روسيا»... فيلم يرصد منفى الأسئلة وعبء الذنب

عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)
عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)
TT

«شتاء روسيا»... فيلم يرصد منفى الأسئلة وعبء الذنب

عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)
عُرض الفيلم للمرّة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المُنتجة)

لا يُعدّ الفيلم الفرنسي «شتاء روسيا» فيلماً عن الحرب بقدر ما هو فيلم عن ارتداداتها الخفية، يتطرَّق إلى الصمت الثقيل الذي يعقب القرار المصيري بالهروب، وعن المسافة النفسية التي تتّسع بين الإنسان ووطنه مع وضعه أمام اختيارات مصيرية. في عمله الوثائقي الجديد، يقترب المخرج النمساوي باتريك شيها من جيل روسي وجد نفسه فجأة خارج الجغرافيا وخارج الزمن، مُحاصَراً بأسئلة لا تقلّ قسوة عن أصوات المدافع.

منذ اللحظة الأولى، يختار الفيلم زاوية مختلفة؛ فلا كاميرات في خطوط النار، ولا شهادات مباشرة من جبهات القتال، بل وجوه شابة تحمل آثار الصدمة، وتعيش في مدن وسيطة مثل إسطنبول وباريس، مُعلّقة بين ماضٍ لم يعد ممكناً، ومستقبل لم يتشكل بعد. هنا لا يُعرَّف المنفى بوصفه انتقالاً مكانياً فقط، بل حالة ذهنية طويلة الأمد، وتجمّد داخلي يشبه شتاءً لا ينتهي.

أضاء الفيلم على جانب من حياة شباب روس هربوا من التورّط في الحرب (الشركة المُنتجة)

الفيلم الذي تدور أحداثه في 87 دقيقة، وعُرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، يتتبَّع قصة «مارغريتا» و«يوري» وأصدقائهما، وهم جزء من جيل روسي وُضع أمام خيار ثلاثي قاسٍ: السجن، أو الخدمة العسكرية، أو الرحيل. فرفضوا الانصياع، واختاروا المنفى، وإنما الاختيار، كما تكشف الأحداث، لا يمنح الخلاص، فتتسلَّل مشاعر الذنب والخجل واللاجدوى إلى تفاصيل حياتهم اليومية، مع تساؤلات تدور في أذهانهم: هل كانوا شجعاناً أم هاربين؟ هل أنقذوا أنفسهم أم تخلّوا عن مسؤوليتهم؟ في أسئلة تتردَّد بلا إجابات حاسمة.

يمنح العمل مساحة خاصة لعلاقة الصداقة بين «يوري» و«مارغريتا»، بوصفها الخيط العاطفي الذي يمنع السقوط الكامل في العزلة، فيما يمزج الفيلم بصرياً بين مَشاهد يومية عادية عبر شقق مؤقتة، وشوارع مزدحمة، ولقاءات عابرة، وبين لحظات أقرب إلى الأداء الفنّي، مثل رقصات أمام خلفيات خضراء.

في هذا السياق، قال مخرجه باتريك شيها لـ«الشرق الأوسط» إن فكرته جاءت من صور شاهدها في سبتمبر (أيلول) 2022 لشباب يعبرون الحدود الجبلية نحو جورجيا سيراً أو بالدراجات أو بالسيارات، مؤكداً أنه لم يستطع أن يتخيَّل تماماً ما يعنيه أن تفرّ من بلدك، لكن الوجوه التي رآها كانت، وفق تعبيره، تقول شيئاً عميقاً عن هشاشة العالم والعنف الكامن فيه، وعن لحظة تاريخية بدت كأنها تكشف عن مستقبل مقلق للجميع.

صوَّر المخرج عشرات الساعات مع أبطال الفيلم (الشركة المنتجة)

وأوضح شيها أنه لا يبدأ أفلامه بخطة واضحة أو رسالة محدَّدة سلفاً، بل بأسئلة تلاحقه، وشعر بأن قصص هؤلاء الروس لا تخصّهم وحدهم، بل تعكس مخاوف أوسع، وتحمل عدداً من الأسئلة، منها: ماذا نفعل حين يصبح البقاء مستحيلاً أخلاقياً؟ هل نقاوم من الداخل أم نغادر؟ وماذا يعني أن نكون عاجزين سياسياً؟ ومن ثم كان مهتمّاً بطرح هذه الأسئلة من خلال أشخاص حقيقيين، وليس عبر خطاب مباشر.

وأكد أنه لا يصنع أفلاماً عن الناس بل معهم، مشيراً إلى أنّ عملية التصوير اتّسمت بقدر كبير من الارتجال، فكانوا يمضون الوقت معاً، وتنبثق الأحاديث تدريجياً. أحياناً لم يكن يفهم اللغة الروسية بالكامل، لعدم توفر مترجم طوال الوقت، لكنه كان يشعر بأنّ هناك مادة إنسانية صادقة تتشكّل أمامه.

وأشار إلى أنّ المونتاج كان المرحلة الأطول والأشدّ تعقيداً، لأنّ عليه أن يكون أميناً لمشاعرهم، وفي الوقت نفسه يمنح الفيلم بنية فنية واضحة، مؤكداً أنه صوَّر عشرات الساعات معهم قبل أن يختار المَشاهد التي شاهدها الجمهور في العمل.

المخرج النمساوي أكد أنّ المونتاج كان المرحلة الأطول والأشدّ تعقيداً (الشركة المُنتجة)

وأكد أيضاً أنّ الشعور بالذنب والخجل والعجز كان محورياً في التجربة، فهؤلاء الشبان، وفق وصفه، عاشوا حياة مريحة نسبياً في موسكو، ولم يكونوا مستعدّين لصدمة الحرب حين اضطروا إلى الرحيل. خسروا ليس فقط بلدهم، بل خسروا جزءاً من هويتهم. وتساءلوا: هل كان الهروب الخيار الصحيح؟ أم كان ينبغي البقاء والمواجهة؟ مشيراً إلى أنّ الكاميرا منحتهم مساحة لصياغة هذه الأسئلة بصوت عالٍ.

وشدَّد على أنه لم يكن معنياً بعقد مقارنة مع معاناة الأوكرانيين، لأنّ لكل مأساة سياقها الخاص، لكن فيلمه يتبنّى بوضوح وُجهة نظر أشخاص رفضوا النظام وغادروا بسببه، وهدفه لم يكن تبريراً لأحد، بل تقديم منظور مختلف يُضيء منطقة رمادية قلّما تُتناول في السينما.

ولفت شيها إلى أنّ السينما بالنسبة إليه ليست وسيلة لإلقاء خطبة سياسية، بل لخلق مساحة للتفكير، ففيلمه يطرح أسئلة عميقة حول موقع الفرد من السياسة وحدود قدرته على المقاومة، لافتاً إلى أنه لا يدّعي امتلاك الإجابات، بل يصنع أفلامه لأنه لا يعرف، ويريد أن يرى بوضوح أكبر.