ملح الطعام والحروب

استخدمه الآشوريون كسلاح للدمار الشامل وبنى البريطانيون أطول جدار في تاريخ الهند لمنع تهريبه

ملح الطعام والحروب
TT

ملح الطعام والحروب

ملح الطعام والحروب

بدأت رحلة الإنسان مع الملح قبل 10 آلاف سنة عندما اكتشف قدرته على حفظ السمك ولحوم الماشية، وتعتبر هذه القدرة من أسس الحضارة البشرية منذ قديم الزمان. وقد كان الملح بشكل عام لا يقدر بثمن بالنسبة للكثير من الشعوب والحضارات، مثل الآشوريين والعبرانيين واليونانيين والرومان والصينيين والحثيين وغيرهم.
وبعد الاكتشاف الأول، بدأت الرحلة من الصين كما تشير الحفريات، إذ عثر على ضفاف بحيرة Xiechi - في شمال البلاد - على شواهد على إنتاج الملح على نطاق صناعي واستهلاكي واسع قبل 6 آلاف سنة.
وبعد الصين، بدأ الآشوريون والحثيون يستخدمون الملح كسلاح كيميائي لأول مرة في تاريخ البشرية، إذ كانوا ينثرون الملح على أرض المدن التي يحتلونها كلعنة على السكان المحليين، وكثيرا ما كانوا ينثرون الملح كتكتيك في الحروب وجعل أراضي أعدائهم غير صالحة للاستعمال (أي أراضي بور) في المستقبل.
وخلال ذلك أيضا، وكما تشير الحفريات، كانت أول بدايات استغلال الملح وتصنيعه على نطاق واسع في أوروبا، على ضفاف البحر الأسود 4700 سنة قبل الميلاد. فقد كانت هناك بلدات بلغارية خاصة بإنتاجه، ومن هذه البلدات ما يطلق عليه بلدة الملح التي كانت مسورة بجدار عال لحماية المصانع وأحواض تنشيفه.
أما أيام الفراعنة فقد كان يرسل السمك المملح إلى الفينيقيين مقابل مواد أخرى غالية الثمن كخشب الأرز، وكان الفراعنة أول الشعوب التي بدأت حماية الطرق الخاصة بتجارته، إذ كان يأتي معظمه من ليبيا وتونس كما هو الحال اليوم.
وفي العام الألف قبل الميلاد، اشتهرت كل من النمسا وألمانيا بإنتاجه، وحملت الكثير من البلدات الخاصة بإنتاجه على ضفاف نهر السالزاك، الأحرف الأولى من كلمة ملح بالألمانية وهي سولز - salz مثل سولزبيرغ.
جدير بالذكر أن للملح بحيراته الخاصة به حول العالم في أميركا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وله أيضا جبال، كجبل كوه سور التابع لسلسلة جبال زاغروس (العاصفة باليونانية) الضخمة الإيرانية التي تكونت نتيجة اصطدام الصفيحة التكتونية الأوراسية بالصفيحة العربية قبل 23 مليون سنة. ويعتبر كهف جزيرة قشم الملحي من العجائب الطبيعية في إيران.

* الرومان
* كان الملح مهما جدا للرومان وللإمبراطورية الرومانية، ففي عام 100 قبل الميلاد، كانت تشق له الطرقات الخاصة. ففي بدايات الجمهورية الرومانية بنى الرومان الطرق خصيصا لوصول الملح إلى مدينة روما التي كانت تتوسع باطراد. كما بنوا طرقات خاصة لإيصال الملح إلى القبائل الألمانية في الشمال الأوروبي. ويعتبر طريق سابين - Sabine من أشهر الطرق التي وصلت روما بالبحر الأدرياتيكي الضحل المياه. وقد منحهم ذلك القدرة على السيطرة على الأسعار وجمع ما يكفي من الأموال لخوض الحروب.
ويقال إن الجنود الرومان كانوا يقبضون معاشاتهم بعض الأحيان بالملح. ويعود جذر كلمة «ساليري » - salary الإنجليزي التي تعني معاشا إلى سالاريوم - salārium اللاتينية التي تشير إلى الأموال التي تعطى للجنود لشراء الملح. كما أن كلمة سلطة - salad، تعني بالأصل «المملح» في إشارة إلى أوراق الخضار التي كان الرومان يعرفون بتمليحها. ويقال إن قوافل الملح الخاص بالإمبراطورية كانت تضم عشرات آلاف من الجمال.
وفي عام 600 للميلاد تمكن اليابانيون من تطوير عملية استخراج الملح على مرحلتين، الأولى تستخدم الطحالب البحرية، والثانية المياه المالحة قبل الغلي في القدر للحصول على بلوراته.
البندقية - السياسة والقوة والعمران
في كتاب «الملح: بذرة حياة»salt: grain of life يتعرض المؤرخ الفرنسي بيير لاسلو، إلى دور وأهمية ضريبة الملح في العالم القديم، والدور المهم الذي لعبه الملح في التوسع الأوروبي وكيف أصبح تمليح السمك مصدرا ماليا وتجاريا هاما، أي قطاعا هاما ساهم في تكديس الثروات.
ويؤكد لاسلو أن الاتجار بالملح كان عماد الاقتصاد الأوروبي خلال عدة قرون وخصوصا في البندقية. فقد كانت هناك عدة أحواض لإنتاج الملح في المدينة أيام الرومان، ولكن انتشار إنتاج الملح وأحواضه على نطاق واسع لم يتم إلا بعد القرن التاسع للميلاد.
وفي مقابلة مع الراديو الرابعة للـ«بي بي سي» يقول لاسلو بهذا الخصوص: «إن الحرب بين السكان المحليين الذي كان يطلق عليهم اسم الالتينيين واللومبارديين انتهت بدفع اللومبارديين الالتينيين إلى شواطئ الأرخبيل (أرخبيل البندقية)، فلم يكن أمامهم إلا استغلال مصدر الدخل الوحيد المتوفر لهم وهو الملح والرمل، ومن تلك الحاجة بدأوا التبادل التجاري مع أعدائهم، وفي نهاية القرن الثالث عشر كان هناك أكثر من مائة حوض لإنتاج الملح في منطقة البندقية».
فقد انتبه السكان المحليون، كما يؤكد لاسلو، إلى أن بإمكانهم احتكار هذا القطاع وتحدي الأسعار كما يحلو لهم. كما كانت القوانين آنذاك تفرض على السفن القادمة من العالم الخارجي جلب الملح معهم. وقد تمكنت البندقية من جمع كمية هائلة منه. والأهم من ذلك، يقول لاسلو، إن تصاميم أماكن إنتاج الملح وحفظه، كانت مصدر الوحي للتصميم المعماري للبندقية من ناحية المباني والأقنية الكبيرة. ويمكن القول إنه تم بناء وتصميم واستيطان البندقية وأقنيتها الكبيرة ومبانيها على خلفية تجارة الملح.

* الثورات والحروب
* ويقول المؤرخون إنه في عام 1100 للميلاد، كانت المدن الأوروبية القوية تفرض الضرائب على مرور الملح بأراضيها، وقد أدت هذه القرارات إلى انبعاث مدن جديدة مثل مدينة ميونيخ.
بعد ذلك بدأت قصة الملح الأوروبية الحديثة، ونعني بذلك الثورات، أعمال الشغب والحروب.
وبدأت القصة من فرنسا وضريبة غابيلي - gabelle الشهيرة بالملح في القرن الثالث عشر، وعقوبة السجن المؤبد لتهمة تهريب الملح. ويقول بعض المؤرخين إن ارتفاع أسعار الخبز بسبب ارتفاع أسعار الملح كان أحد أسباب الثورة الفرنسية نهاية القرن الثامن عشر.
ولم يمض وقت طويل على الثورة الفرنسية حتى بلي نابليون بهزيمة شنعاء بعد حملته الفاشلة على إخضاع روسيا بداية القرن التاسع عشر، إذ كان نقص الملح أحد الأسباب الرئيسية لموت عشرات آلاف من جنوده.
ويقال إنه في القرون الوسطى وعصر التنوير كان الملح من الكماليات في أوروبا، وكان للملوك مطاحن الملح الخاصة بهم، وكان الجلوس إلى جانب الملح شرفا خاصا بصاحبه.
أما أهم الاضطرابات الحديثة التي سببها الملح وضريبته، فقد كانت انتفاضة موسكو عام 1648 التي تعرف بـ«عصيان الملح» أيام القيصر أليكس الأول. وخلال محاولات القيصر تعديل القوانين وإجراء الإصلاحات لوقف أعمال الشغب، اضطر إلى بناء مطبعة كبيرة في موسكو لطباعة التغيرات السياسية، ومن هناك ولدت روسيا الحديثة حسب رأي البعض.

* الولايات المتحدة الأميركية
* وفي إطار الحروب التي اندلعت من أجل الملح يقول البروفسور بيتر وولينستاين - جامعة فيرجينيا تاك، في مقابلة خاصة بالراديو الرابع للـ«بي بي سي»، إن المدنيين والعسكر على حد سواء اعتمدوا خلال الحرب الأهلية وخلال حرب الاستقلال على الملح، إذ لم يكن ممكنا العناية بالأحصنة والجنود وإطعامهم بسبب غياب التبريد، وخصوصا للملح. ولم يكن من الممكن إدارة المجتمع أو الحرب من دون الملح وقدرته على حفظ الطعام.
ويوضح وولينستاين أن محاولات أطراف الصراع منع وصول الملح إلى الطرف الآخر كانت وسيلة من وسائل الحرب، وكان الملح جزءا من استراتيجية الأطراف المتصارعة بدايات الحرب الأهلية عام 1861.
ويقال إن أهم أهداف الرئيس إبراهيم لينكولن بمحاصرة الولايات الكونفدرالية الأميركية، كان منع وصول الملح إلى الجنوب، حيث كانت عمليات ضرب مناجم الملح من أولويات الجيش. ويقول بعض القادة الذين شاركوا في الحرب تحت لواء الولايات الكونفدرالية، إن الاتحاديين ربحوا الحرب لأنهم كانوا يسيطرون على الملح. كما كان الماء المالح يدفع للجنود بسبب نقص النقود بداية القرن التاسع عشر وأثناء حرب عام 1812 بين الولايات المتحدة وبريطانيا.

* بريطانيا
* ولبريطانيا التي تنتج الملح منذ أكثر من ألفي عام وتصل قيمة قطاعه فيها حاليا إلى 20 مليار دولار سنويا، قصة طويلة مع الملح من حروب أميركا إلى الهند. فأسماء البلدات البريطانية التي تنهي بـ«ويتش« - Wich - (تعني المكان باللاتينية) مثل ميدلويتش ونانتويتش ونورثويتش ودرويتويتش، أسماء بلدات منتجة للملح منذ زمن طويل.
وكانت قرى هاردفيتشور وشاربشور في مقاطعة ويلز في القرن السابع عشر تختار رجلا محددا للوقوف أمام جثة الميت لتناول قطعة من الخبز والملح لامتصاص ذنوب الميت وتركه ينتقل إلى العالم الآخر بخفة. وكان بعض الناس ينثرون الملح قبل دخولهم إلى البيت الجديد كما كانوا يضعون على أنفسهم الملح قبل الذهاب إلى العزاء. وهذه تقاليد معروفة في مجتمعات أخرى كانت تستخدم الملح للوقاية من الشر، من بينهم اليابانيون الذين كانوا ينثرونه حول حلبة السومو لحماية المتصارعين من الأرواح الشريرة.
وقد تحول ميناء ليفربول الصغير إلى ميناء دولي بسبب تجارة الملح، وكان في القرن التاسع عشر معظم الملح المستهلك حول العالم يأتي عبر هذا الميناء ومناجم تشاشر القريبة.
استخدم البريطانيون الملح كأداة من أدوات الاضطهاد الاقتصادي للاستعمار البريطاني في أميركا والهند، إذ كان الهنود ممنوعين من إنتاجه والاتجار به.
ولم يفرض البريطانيون على الملح وعمليات شرائه وبيعه ضرائب كبيرة وحسب، فقد بنوا أول وأكبر وأطول جدار في التاريخ لمنع تهريب الملح واحتكاره والسيطرة على تجارته. فقد كان يصل طول الجدار الطبيعي بين مدراس إلى الاينداس إلى 2300 ميل بعرض نصف كيلومتر. وقد فرزت الإمبراطورية 12 ألف جندي لحماية وحراسة الجدار.
ويقال إن غاندي عندما وصل البحر في نهاية مسيرة عام 1930 التي تواصلت لمدة أربعة وعشرين يوما، غرف بعض الملح بين راحتيه وعرضها على مناصريه - وكانت هذه الخطوة الرمزية الشرارة التي أدت إلى اندلاع التمرد الشعبي العام وتحقيق استقلال الهند عن بريطانيا.
ولم يقل الاتكال على الملح تاريخيا إلا بعد الحرب العالمية الأولى، حيث دخلنا عالم الآلة ومضى عالم الخيل والعناية بها وصحتها إلى غير رجعة.

* الملح في الأحلام
* عند ابن سيرين
الملح: قال القيرواني إنّه يدل على مال عليه التراب من الأموال، لأنه من الأرض، سيما أنّ به صلاح أقوات النفس، فهو بمنزلة الدراهم والأموال التي بها صلاح الخلق ومعايشهم. ويدل أبيضه على بيض الدراهم، وأسوده على سود الدراهم، ومطيبه على الذهب. والمال الحلال، وربما دل على الدباغ، لما جاء في بعض الآثار أنَّ فيه شفاء من اثنين وسبعين داء.. وإن كان طالبًا للعلم ظفر بالفقه، وإن كان طالبًا للدنيا عبرته له بالمال.
* عند الشيخ عبد الغني النابلسي:
هو في المنام مال بلا تعب، وإذا رأيته بين المتخاصمين فإنهم يصطلحون. ومن رأى أن ملح الناس قد فسد، فإن الطاعون يحل بذلك المكان.. والملح شغل ومرض، والملح زهد في الدنيا وخير ونعمة، ومن أكل الخبز بالملح فقد اقتنع من الدنيا بشيء يسير. ومن وجد ملحًا وقع في شدة ومرض. ومملح السمك أخبار سارة، ومملح الزيتون نقض عهد.



الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
TT

الشيف عمر السيف: المطبخ السعودي كنز لم يُستثمر بعد

رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)
رز باللحم على الطريقة السعودية (إنستغرام)

في كل مرة تُعرض فيها صورة طبق على الشاشة، تمرّ سريعاً... تُرى، تُعجب، ثمَّ تُنسى. لكن ما يقدّمه الشيف عمر السيف لا يمرّ بهذه السرعة؛ لأن ما يضعه أمامك ليس طعاماً فقط، بل تجربة كاملة محمّلة بالشعور.

يقول السيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد للناس أن يكتفوا بالمشاهدة... أريدهم أن يشعروا». بهذه الفكرة تبدأ حكايته.

لم يدخل السيف هذا العالم من بوابة الطهي التقليدي، ولا عبر وصفات محفوظة أو مسار واضح، بل كانت البداية فضولاً، وتجربة، ورغبة في الابتكار. ثم جاءت اللحظة التي أعادت تعريف كل شيء: «اكتشفت أن الطبخ ليس مجرد أكل... بل هو لغة وثقافة وهوية». من هنا تغيّر الاتجاه، وبدأ البحث في مساحة أقرب إليه... الثقافة السعودية. ويضيف: «لدينا كنز ثقافي كبير، لكنه لم يُستثمر بالشكل الذي يستحقه».

محاكاة صندوق أفندي كامل بكيك الأفندي (إنستغرام)

حين تصبح المبخرة قطعة تُؤكل في إحدى تجاربه، لم يقدّم طبقاً تقليدياً، بل صنع مشهداً كاملاً من الذاكرة: مبخرة سعودية مصنوعة من الشوكولاته، وطفل يحمل الحلوى... أيضاً من الشوكولاته. المشهد بسيط في ظاهره، لكنه مشبع بالدلالات: رائحة البيوت، وتفاصيل الضيافة، وصورة «ولد الحارة» بكل ما تحمله من دفء وعفوية. يقول: «لم تكن مجرد تصاميم... كانت تحكي قصة: من نحن؟ وما قيمنا؟ وكيف كنا نعيش؟».

هندسة الطبق... أو كيف يُبنى الإحساس

يعتمد في عمله على ما يسميه «هندسة الطبق»: تفكير دقيق في الشكل، وتوزيع العناصر، وتوازن الألوان، واستخدام الفراغ. كل ذلك لا يأتي لإبهار العين فقط، بل لتهيئة تجربة تبدأ بصرياً وتستمر شعورياً.

فالطبق، في هذه الحالة، يتحول إلى مساحة تعبير، لا إلى مجرد وجبة.

مبخرة بالشوكولاته (إنستغرام)

الصحراء... حيث يصبح الطبق صادقاً

لا يقدّم أعماله داخل استوديوهات مغلقة، بل يخرج بها إلى الصحراء، وإلى الخيام، وإلى البيوت القديمة.

هناك، حيث التفاصيل حقيقية، يتكوّن المشهد. يقول: «لا أختار المكان لأنه جميل فقط بل لأنه يحمل شعوراً». ويضيف: «إذا أردت أن تنقل إحساساً حقيقياً، فلا بد أن تضعه في بيئة صادقة». في هذه المساحات، لا يكون الطبق عنصراً منفصلاً، بل يصبح امتداداً للمكان.

ضد السرعة... وضد «الترند»

في عالم اعتاد على استهلاك الطعام بوصفه محتوى سريعاً، يطرح رؤية مختلفة تماماً: «الناس اعتادت أن ترى الطبخ كشيء سريع وعابر... بينما أراه قصة وهوية». هذا الطرح خلق تحدياً واضحاً: كيف يمكن إبطاء عين اعتادت السرعة؟ الحل جاء عبر التوازن: محتوى بصري جذاب يحمل في داخله رسالة أعمق.

مُجسَّم ولد الحارة بالشوكولاتة (إنستغرام)

ما بعد المشاهدة... اللحظة الأهم

بالنسبة له، لا يُقاس النجاح بعدد المشاهدات، بل بما يبقى بعد انتهاء المشهد؛ في اللحظة التي يدرك فيها المتلقي أن التراث ليس ماضياً جامداً، بل مادة يمكن تطويرها وتحويلها إلى مشاريع معاصرة. يقول: «يمكن أن تنسى كلمات كثيرة، لكن من الصعب أن تنسى طعماً أو شعوراً». هنا تكمن قوة الطعام.

فهو يدخل إلى الذاكرة مباشرة، ومن خلاله تنتقل القيم: الكرم، والعادات، وتفاصيل الحياة اليومية، دون حاجة إلى شرح.

ولا يفصل بين الإبداع والاستدامة: «الإبداع يجذب، والاستمرار يحتاج إلى فكر اقتصادي». لهذا يعمل على تطوير محتوى يمكن أن يتحول إلى تجربة أو منتج، يضمن بقاء الفكرة وانتشارها.

ما يخطط له يتجاوز حدود الشاشة. يسعى إلى تقديم تجربة متكاملة يعيشها المتلقي بكل حواسه؛ فلا يرى القصة فقط، بل يكون جزءاً منها. «أبغى الشخص يعيش القصة، مو بس يشوفها».

في النهاية، ما يقدّمه عمر السيف لا يتوقف عند حدود الطبخ، بل يفتح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما تُقدَّم الهوية على طبق؟


من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز
TT

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

في مطابخ الأسر المصرية يكاد يكون الأرز رفيقاً دائماً للمائدة، وأحد أكثر المكونات التصاقاً بـ«الطبخة البيتية».

ورغم بساطته، فإن الأرز يحمل حضوراً كثيفاً يتكرر معه مشهد «الكمية المتبقية» التي قد لا تجد طريقها إلى طبق جديد بالنسبة للكثيرين؛ حيث تتراجع إلى الثلاجة لبضعة أيام قبل أن تنتهي في سلة المهملات، وسط اعتقاد راسخ بأن بقايا الأرز فقدت قيمتها، ولم تعد صالحة لأي استخدام.

غير أن هذا الاعتقاد، كما يؤكد الطهاة، يبدد فرصة مدهشة لإعداد أطباق شهية ومشبعة يمكن أن تغير ملامح مائدة كاملة من دون تكلفة أو جهد يُذكر.

وهو ما دفع بعض الطهاة المصريين نحو تقديم أفكار مبتكرة متنوعة، تعيد تقديم الأرز المتبقي باعتباره عنصراً مساعداً على صنع وجبات لذيذة ومنزلية الطابع، من تلك الوصفات التي تحمل دفء البيوت وذكريات الجدات، أو قد تكون مستلهمة من أطباق عالمية

الشيف المصري وليد السعيد (الشرق الأوسط)

الأرز بطبيعته قادر على امتصاص النكهات، وعلى حمل التوابل واحتضان المكونات الجديدة، بحيث يتحول مع كل لمسة بسيطة إلى طبق يولد من جديد، وفق الشيف وليد السعيد، مشيراً إلى «أن هذا هو ما جعل كثيراً من المطابخ العالمية تنظر إلى (الأرز البايت) أو الأرز المتبقي من طبخة حضرت قبل يوم أو أكثر، باعتباره مادة خاماً جاهزة لابتكار وصفات لافتة، تعكس ذوقاً جديداً وروحاً مختلفة».

وتنسجم هذه الرؤية مع موجة عالمية تدعو إلى التقليل من الهدر، والنظر إلى فائض الطعام بوصفه جزءاً من مطبخ واعٍ لا مجرد بقايا منسية.

وبالنسبة للشيف المصري، فإن الأرز لا يبدو مجرد طبق جانبي بقدر ما هو مكون مرن يصلح أن يكون أساساً لوجبة كاملة، كما يمكن أن يتحول إلى عنصر ثانوي يضبط توازن النكهات داخل الطبق. ويرى «أنه لا حاجة لتكرار الطهي يومياً، ولا مشكلة في طهو كمية إضافية عمداً من الأرز لاستخدامها خلال الأسبوع».

في السلطة يلعب الأرز دور المساحة العازلة بين الحموضة والملوحة والبهارات

ويرجع ذلك إلى أن الخبرات المنزلية تؤكد أن أفراد الأسرة غالباً لن يتعرفوا إلى أن الوجبة الجديدة خرجت من بقايا الأمس، طالما منحتها لمسة نكهة مشرقة تعيد إليها الحياة. وقد تكون تلك اللمسة عصرة ليمون، أو رشة زيت زيتون، أو بعض الأعشاب الطازجة، أو بهارات غير مألوفة.

ومع ذلك، يبقى الالتزام بمعرفة حدود سلامة الطعام أمراً مهماً؛ فإذا بقي في الثلاجة فترة طويلة أو ظهرت عليه علامات التلف، فالسلامة أولى من التجربة.

سلطة التاكو أو الكوب

ويرى الشيف أن كثيراً من وصفات الشارع الآسيوي والعربي، خصوصاً تلك التي تعتمد على المقلاة الساخنة، صُممت أصلاً لتناسب الأرز المطهو مسبقاً، ويلفت إلى أن «الحيلة الذهبية» تكمن في طرح السؤال التالي قبل أن يصل «الأرز البايت» إلى نهاية عمره في الثلاجة: إلى أي طبق يمكن أن ينتمي بعد تعديلات بسيطة؟

هنا يبدأ الشيف بأبسط الأفكار وأكثرها نجاحاً، وهي إضافته إلى السلطات؛ فمن خلال توزيع قليل من الأرز على طبق السلطة، يتحول الطبق من مقبلات إلى وجبة متكاملة، خصوصاً إذا أضيف إليها بروتين موجود في الثلاجة مثل الدجاج المشوي المفتت، أو قطع اللحم المتبقية من اليوم السابق.

ويمكن أيضاً الاعتماد على السلطة اللاذعة مثل سلطة التاكو أو الـ«كوب»؛ حيث يلعب الأرز دور «المساحة العازلة» بين الحموضة والملوحة والبهارات؛ فيمنح الطبق تماسكاً وتوازناً مطلوبين.

ثم ينتقل السعيد إلى طبق آخر يجد فيه الأرز المتبقي فرصة لظهور جديد، وهي العصيدة أو الكونغي، وهو طبق دافئ يمكن تحضيره في دقائق، ويقترحه دائماً لمساءات العطلات.

ويقدم وصفة سريعة، وهي طهي بقايا الأرز مع الماء أو المرق حتى يبدأ في التفتت، ويتحول إلى مزيج كريمي، ثم تضاف إليه مكونات تمنحه طابعاً شرق آسيوي أو عربياً بحسب الرغبة. مع إضافة بعض الخل، والصويا الخفيفة، وزيت الفلفل الحار، والبصل الأخضر، والفول السوداني المطحون، وربما نقانق أو بواقي دجاج أو بيضة نصف مسلوقة.

ويؤكد السعيد أن «الكونغي» من الأطباق التي تتسع لأي إضافة تقريباً؛ فحتى الخضراوات المطبوخة مسبقاً أو بقايا اللحم يمكن أن تتحول إلى لمسة قيمة بداخله.

وصفات تقدم الأرز المتبقي في وجبات لذيذة ومنزلية الطابع من شيف وليد السعيد (الشرق الأوسط)

«ياكي أونيغيري» اليابانية

وفي مساحة أخرى من مطبخ السعيد، يظهر الأرز المقرمش، ويقدم طريقته قائلاً: «بوضع الأرز في مقلاة مدهونة بالزيت، وضغطه على هيئة طبقة واحدة، ثم تركه حتى يبرد ويتماسك». ويتابع: «يتحول عبر القلي الخفيف إلى كعكات ذهبية مشابهة لـ(ياكي أونيغيري) اليابانية، ويمكن تقديمها مع شرائح السلمون أو التونة النيئة المتبلة، أو حتى الأفوكادو، مع رشة صويا أو زيت فلفل حار».

ويشير إلى أن «تناسب هذه الطريقة أيضاً إضافته للسلطات على هيئة (فتات مقرمش) يمنحها ملمساً مختلفاً ورائحة جوزية خفيفة».

أما الأرز المقلي بنسخه المتعددة، فهو الوصفة الأكثر انسجاماً مع بقايا الأرز، كما يوضح السعيد، ومنها أرز السلمون بالكيمتشي، وأرز الدجاج، أو النسخ النباتية التي تعتمد على التوفو والخضراوات فقط.

ويرى أن سر نجاح الأرز المقلي هو أن يكون الأرز (بارداً) ومتروكاً لليلة داخل الثلاجة؛ فذلك يمنع تلاصقه مع باقي المكونات، ويمنحه قدرة على القرمشة عند ملامسته لحرارة المقلاة.

ويختتم السعيد أفكاره بوصفة «الحشوة» التي يستثمر فيها الأرز ليصبح جزءاً من مزيج سميك غني بالنكهة، موضحاً: «إضافة الأرز إلى حشوات الخضراوات أو الدواجن تمنحها ثراءً وقواماً ممتلئاً».

بقايا الريزوتو فرصة ثمينة لتحضير الأرانشيني

«الأرانتشيني الإيطالية»

أما الشيف عصام راشد، فيميل إلى المزج بين المذاق الشرقي والمتوسطي، ويرى أن الأرز المتبقي يصلح لأن يكون مادة خاماً لأطباق غير متوقعة.

ويبدأ بما يسميه «الوجبة الكاملة في مقلاة واحدة»؛ إذ يُحمّر الثوم والحمص في قليل من الزيت، ثم يُعاد الأرز نفسه إلى المقلاة حتى يصبح مقرمشاً ومليئاً بنكهة التحمير، قبل أن يُخلط مع خليط الحمص والثوم.

وتُضاف إليه فواكه مجففة مثل التمر أو المشمش أو الكرز، مع الكاجو المحمص، وينتهي بطبقة من الزبادي الكثيف مع عصرة ليمون.

ويرى أن هذا الطبق «يجمع بين الشرق والغرب في وصفة واحدة»، كما يناسب الوجبات السريعة التي لا تتطلب وقتاً أو إعداداً معقداً.

ويشير راشد إلى أن الريزوتو من الأصناف التي يصعب الاحتفاظ بها لليوم التالي؛ بسبب فقدان قوامها الكريمي، لكنه يراها فرصة ثمينة لتحضير «الأرانشيني الإيطالية»، وهي كرات الأرز المحشوة بالموزاريلا والمقلية، ويعتبرها «طريقة أنيقة» لإعادة تقديم بقايا طبق فاخر دون أن يفقد رونقه.

الأطباق المتوسطية

وتمتد أطباق راشد إلى الأطباق المتوسطية، فيقترح الاستفادة من بقايا الخضراوات عبر تقطيعها إلى مكعبات وتحضير طبق أرز متوسطي نباتي غني بالطماطم والفلفل والأعشاب.

ويشير إلى أن إضافة صلصة مناسبة قد تغير هوية الطبق بالكامل؛ فمثلاً، يمكن تحويل بقايا الديك الرومي إلى طبق جديد بإضافة صلصة التوت البري، أو صلصة مشابهة، ثم تقديمه فوق أرز الياسمين الساخن.

ثم ينتقل راشد إلى الأطباق المكسيكية، حيث يعلّق بأن الأرز المتبقي «وُلد ليكون داخل البوريتو»؛ فبدلاً من لف الخضراوات بخبز التورتيلا، يتم مزج الأرز مع الجبن والطماطم والفاصوليا والبصل؛ مما يمنح الحشوة تماسكاً وطعماً غنياً.

ويلفت راشد إلى أن «نجاح إعادة تدوير بقايا الأرز يعتمد على بعض القواعد التي تؤثر مباشرة في طعمه وقوامه؛ فإعادة التسخين في المايكروويف، رغم سهولته، قد تفسد المذاق، بينما يمنح التسخين في الفرن أو المقلاة فرصة أفضل للحفاظ على جودته».

وانتهى راشد إلى أن الاحتفاظ بمواد أساسية في المطبخ مثل الفاصوليا المعلَّبة والمكسرات والحمص قد يساعد في تحويل الأرز المتبقي إلى وجبة غنية بالبروتين دون مجهود إضافي.


طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
TT

طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)

يمر كل طاهٍ عظيم بلحظة يحوّل فيها طبق واحد مسار رحلته في عالم الطهي؛ طبق يثير الفضول أو يتحدى التقاليد أو يكشف عن قوة النكهة بطريقة لم يختبرها أحد من قبل. بالنسبة إلى البعض إنه مذاق البيت، الذي يمثل مصدر إلهام لعمر من الطهي، وبالنسبة لآخرين إنه إبداع جريء يعيد تعريف ما يمكن أن يصبح عليه الطعام. اكتشف الأطباق التي ساعدت في رسم وتحديد مسار أولئك الطهاة البارزين على مستوى العالم.

الشيف علي الغزاوي

لقد غيَّر طبق الكبّة النيئة كل شيء بالنسبة لنا، فهو بمثابة النظير الشامي لطبق التارتار البقري المفري جيداً أكثر مما هو مقطّع يدوياً. وأعدّه باستخدام لحم بقري متبّل بمزيج من الريحان والبردقوش والنعناع، ثم أضع في النهاية إلى جواره على الطاولة البرغل المقرمش والبصل المخلل وكريمة الثوم الخفيفة. بدلاً من البصل والثوم النيئين اللذين قد يكون لهما مذاق قوي، يحقق ذلك توازناً بفضل المذاق الحلو البسيط الكريمي. وأقدم هذا الطبق مع باقة من الخس والنعناع الطازج وقرون البازلاء والتي تُزرع جميعاً في المطعم، إلى جانب وضع لمسة أخيرة من زيت الزيتون من بلدتي إربد التي يوجد بها شجر زيتون يزيد عمره على 1200 عام. إن الكبّة النيئة في عمّان طبق رئيسي في مطابخ العائلة، وقد أردت أن أمنح المطعم روحاً أردنية. وأقدم عملاء، كانوا يتفادون اللحم النيء، على تجربته هنا للمرة الأولى وقد أحبوه. لم يكن بالنسبة لي مجرد طبق مميز، بل نقطة تحول يلتقي فيها التقليد بالابتكار، وتجتمع من خلاله الهوية الأردنية بالتأثيرات الخارجية في طبق واحد.

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعما)

الشيف كلفين تشيونغ

عندما أفكر في نقاط التحول في مسيرتي المهنية، دائماً ما يعيدني عقلي إلى بلدة دينانت الهادئة في بلجيكا والتي تشبه البلدات في القصص، حيث حصلت على أول وظيفة لي خارج مطاعم عائلتي. حتى ذلك الحين كنت قد نشأت في مطابخ والدي الصينية في تورنتو وشيكاغو اللتين كانتا تتسمان بالقسوة والطابع الحضري. كانت بلجيكا على العكس من ذلك تماماً، فهي هادئة غنية بالخضرة ومتصلة بالأرض بشكل عميق. كانت توجد بمحاذاة المطعم حديقة من الخضراوات، والأهم من ذلك بِركة مياه صغيرة، حيث كنا نضع السلمون الحي. كان السلمون المرقط الأزرق من أطباقنا المميزة، حيث كنا نصطاد السمك قبل لحظات من طهوه ونسلقه مع الخل والأعشاب التي نحضرها من حديقتنا. لقد كان طبق يحمل مذاق النهر والريف. لقد غيّرني هذا الطقس، فحينما يطلبه أحد رواد المطعم، كان عليّ مغادرة المطبخ، واصطياد سمكة سلمون مرقط على مرأى من الجالسين في قاعة الطعام، ثم أنظفه وأعدّه. لم تكن هناك طرق مختصرة، فقط احترام الحياة التي تم أخذها، ومسؤولية توقيرها من خلال الدقة والنكهة. لقد علمتني تلك التجربة أن الطعام أكبر من مجرد طريقة، إنه قصة واتصال بين الأرض والمنتج والطاهي والعميل.

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعما)

الشيف غاريما أرورا

بالنسبة لي طبق «تندوري ستوري» هو طبق غيّر مساري. إنه يوجز كل ما نحاول تقديمه إلى عملائنا. لطالما انجذبت إلى الخضراوات والفاكهة؛ لأن الطهو الهندي يتضمن طريقة جميلة في التأكيد على أعمق نكهات البلاد، ومن طرقي المفضلة للقيام بذلك الطهو على النار فهي طريقة واضحة وبدائية، ومع ذلك غير متوقعة وتحويلية. إن المكون الأساسي في طبق «تندوري ستوري» هو فاكهة الدوريان. ربما يقول البعض إنه يناسب أصحاب الذوق الخاص، لكنني أعتقد أن ذلك يعتمد على الطريقة التي تطهوه بها. بينما يتعلق بهذا الطبق تحديداً، نشويه في فرن التندور حتى يتحول إلى هذا الزبد المدخّن الذي يشبه نخاع العظم. إن مشاهدة العملاء وهم يتناولون القضمة الأولى، ورؤية هذا المزيج من الاندهاش والمتعة من أفضل المشاعر في العالم. يعتمد هذا الطبق على مكون يتضمن تحدياً، ويجعل منه طعاماً تصعب مقاومته. إنه دليل على أنك إذا ظللت فضولياً واخترت المخاطرة وواصلت السعي سوف تقدم شيئاً استثنائياً. أعتقد أنه يربط بين الهند وتايلاند، ويمزج بين طرق الطهي الهندية التقليدية على النار وثمرة الدوريان التايلاندية المحبوبة من أجل تكوين صنف جديد تماماً. إنه لا يزال على قائمة الطعام الخاصة بنا حتى اليوم.

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعما)

الشيف مانو بوفارو

إن الطبق الذي غيّر كل شيء بالنسبة لي هو الجزر، الذي يرد في آخر قائمة الطعام بمطعم «مانو». عندما قدمته للمرة الأولى أثار الدهشة، بل والارتباك أيضاً. كيف يمكن لنوع من الخضراوات أن يلعب دور البطولة في نهاية تجربة تذوق طعام؟ وسرعان ما لاقى إعجاباً؛ لأنه كشف عن شيء أساسي هو القوة والعمق ومذاق الأومامي في مكون كثيراً ما يتعامل الناس معه على أنه عنصر ثانوي. لقد مثّل هذا الطبق بالنسبة لي نقطة تحول.

لقد أوضح أن المطبخ لا يحتاج إلى لحم أو سمك لترك أثر وإثارة مشاعر، وأن صنفاً من الخضراوات قادر على أن يحمل رمزية وذكرى وقوة إبداعية. لقد أصبح الطبق الذي أشتهر وأتميز به، وشعاراً للفلسفة التي توجّه أسلوبي في الطهي، ويظل على قائمة الطعام ليوضح كيف يمكن لمكون بسيط أن يصبح سامياً وراقياً.

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعما)

الشيف آنا روس

أول طبق يمكنني تذكر طهوه هو المعكرونة المحشوة بالبطاطس السائلة والمقدمة داخل مرق مع سمك السلمون المرقط المطهو على البخار، وبيض السلمون، والكراث (الثوم المعمر) البري. لقد جذب الانتباه بفضل طريقة طهوه الفنية التي تتضمن حشو عجين ببطاطس سائلة. بعد ذلك كان أهم ما في الأمر هو سرد الرواية ورفع مكانة سمكة لم تكن منتشرة كثيراً في المنطقة. نظراً لوجود السلمون المرقط في كل مياه سلوفينيا، يظل الكثير من العملاء يفضّلون المأكولات البحرية على السمك الطازج. لقد كان إعداد هذا الطبق مهماً للغاية لأنني أدركت قوة التركيز على المكونات المحلية في مقابل ما نتصور أنه منتشر ويحظى بشعبية.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعما)

الشيف إدغار نونيز

لقد كان الجزر المعتّق نقطة تحول في مسيرتي في الطهي. عندما قدمته للمرة الأولى منذ 15 عاماً استقبله الناس على أنه شيء خارج عن المألوف، بل عدّه البعض مثيراً للجدل؛ لأن قلة من الناس في ذلك الوقت كانوا يتوقعون أن يتم التعامل مع نوع متواضع من الخضراوات بالاحترام نفسه الذي تحظى به مكونات فاخرة. لقد كانت عملية إعداده دقيقة، حيث كان يُعتّق الجزر، ويُعدّ بطريقة تكشف عن عمق غير متوقع وتعقيد ونكهة. وما بدا بسيطاً على السطح كان فعلياً بمثابة بيان يوضح مقاربتي للطهو التي تتضمن منح أهمية لما يتم تجاهله في أحوال كثيرة. أرى الجزر المعتّق طبقاً رئيسياً يوجز فلسفة ويفتح الأبواب لاحتمالات جديدة. رغم أنه لم يعد على قائمة الطعام، لا يزال تأثيره في عملي موجوداً، ويظل مصدر إلهام يوجّه طريقة إعدادي للأطباق.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعماً)

الشيف علي غزاوي (أفضل 50 مطعماً)

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعماً)

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعماً)

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعماً)

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعماً)