ازدواجية معايير المناخ تعرقل عملية تحول واستدامة الطاقة

خبراء يؤكدون أنه لا يمكن الاستغناء عن استخدام منتجات البتروكيماويات في الحياة اليومية

مبادرة السعودية الخضراء نموذج لتوجه دول المنطقة حيال التغير المناخي (الشرق الأوسط)
مبادرة السعودية الخضراء نموذج لتوجه دول المنطقة حيال التغير المناخي (الشرق الأوسط)
TT

ازدواجية معايير المناخ تعرقل عملية تحول واستدامة الطاقة

مبادرة السعودية الخضراء نموذج لتوجه دول المنطقة حيال التغير المناخي (الشرق الأوسط)
مبادرة السعودية الخضراء نموذج لتوجه دول المنطقة حيال التغير المناخي (الشرق الأوسط)

منذ فترة قريبة أعلن الأمير عبد العزيز بن سلمان وزير الطاقة السعودي استثمار ما يصل إلى تريليون ريال (266.40 مليار دولار) في مجالات توليد الطاقة النظيفة، وفي أواخر العام الماضي، أعلنت دولة الإمارات عن استثمار 100 مليار دولار بالشراكة مع الولايات المتحدة الأميركية لتنفيذ مشاريع طاقة نظيفة في البلدين ومختلف أنحاء العالم، الأمر الذي يعطي صورة واضحة عن توجه هذه الدول النفطية إلى تنويع اقتصاداتها ومصادر الطاقة فيها والقيام بدورها وواجبها في مواجهة انعكاسات تغير المناخ.
- مطالبة الإنتاج
وفي الوقت الذي تستعد فيه المنطقة لاستضافة مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ المعروف بـ«كوب 28» أواخر العام الحالي في دولة الإمارات، بدأت المطالبات التي تتهم قطاع النفط والغاز بالتسبب في مشكلات التغير المناخي، ووصلت تلك المطالبات للدعوة بوقف الإنتاج واستخدام تلك الموارد.
- تجاهل المسؤولية
يحمل النشطاء البيئيون فيما يتعلق بالتغير المناخي مجموعة من التناقضات والمعلومات الخاطئة، حيث تقوم دولهم بحرق الفحم الحجري على مدى قرون، وهو أكثر أنواع الوقود تسبباً بانبعاثات الكربون. وانتهت تلك الدول من إنجاز بنيتها التحتية الأساسية وتطوير اقتصاداتها، وبالرغم من ذلك يقوم بعض الناشطين البيئيين بالدعوة إلى وقف إنتاج النفط والغاز في دول نامية لا تزال تعمل على إنشاء بنيتها التحتية وبناء اقتصاداتها، حيث يمارس الناشطون البيئيون دعواتهم من خلال الوتر العاطفي في دعواتهم، متجاهلين عدم قدرة العالم على وقف إنتاج النفط والغاز بشكل فوري أو سريع دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار عالمي شامل.
وقال الدكتور خالد باطرفي الأستاذ في جامعة الفيصل السعودية: «هناك من يعمل على تسييس القضية، والتربح من ورائها. ويلقي كل طرف بالمسؤولية على الآخرين، كما فعل الغرب بتحميل الدول المنتجة للنفط مسؤولية تلويث الكون، وبالتالي المطالبة بتعويض المتضررين. كما استخدم الساسة الشعارات لكسب الأصوات، ولم ينفذوا أكثر وعودهم، خصوصاً عندما تصطدم بالمصالح».
وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» حول ذلك: «التناقض أيضاً يتجلى في مطالبة البلدان المنتجة بتخفيض الإنتاج والأسعار في نفس الوقت الذي يرفعون فيه إنتاجهم، ويفرضون الضرائب العالية على المستهلك، وفي مطالبتنا بإنشاء بنى تحتية مكلفة بنفس الوقت الذي يتسببون فيه بتخفيض دخلنا القومي بدفع المنتج والسعر إلى الحضيض».
وتابع الدكتور باطرفي: «رغم أننا لم نتضرر حتى الآن من الاحتباس الحراري، كما تضررت دول النصف الشمالي من الكرة الأرضية، كما رأينا هذا العام في صيف أوروبا وأميركا، فإننا جزء من هذا العالم، وما يصيبه يصيبنا. ومع أننا في دائرة الاتهام، ظلماً وتعسفاً، لمجرد أننا ننتج النفط، وأنهم يتناسون أنهم أكثر المستهلكين له، والمتسببون في الانبعاثات الكربونية، فإننا نسابقهم في اكتشاف الحلول، وتطبيقها على أرض الواقع. كما تفعل السعودية من خلال مبادرتي الشرق الأوسط الأخضر والسعودية الخضراء ومشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، والأمونيا الزرقاء. وباعتماد الطاقة المتجددة في مدنها الجديدة كـ«نيوم»، وتطوير المدن القائمة والبنى التحتية، كمشاريع «الداون تاون» لأكثر من عشر مدن.
وأكد باطرفي: «الغرب يطالب ويحاضر، والسعودية تعمل وتحقق، والفارق كبير بين أصحاب الإنجاز وأصحاب الشعارات».
- منتجات الحياة
وبما أن النفط يتجاوز في الوقت نفسه كونه مصدراً للطاقة، فإنه لا يمكن الاستغناء عن استخدام منتجات البتروكيماويات، بما فيها استخدامات البلاستيك في الأدوات والمعدات الطبية، والتحول الذي أحدثه في القطاع الطبي، وعلى سبيل المثال كانت الحقن الطبية القديمة مصنوعة من الزجاج، ويتطلب استخدامها غليها لمدة عشر دقائق لتعقيمها، في حين تستخدم اليوم الحقن البلاستيكية المعقمة مسبقاً لمرة واحدة، وقد أسهمت في سرعة إيصال العلاج وإنقاذ الأرواح، حيث تمت معالجة الحفاظ على البيئة في هذا الجانب من خلال إعادة التدوير، وعدم رمي المخلفات البلاستيكية في مكبات النفايات أو البحار.
ومن جانبه أكد المهندس عثمان الخويطر الخبير في مستقبل مصادر الطاقة أن البعض يحاولون التقليل من أهمية البترول، ويتنبؤون بقرب الاستغناء عنه. فأحياناً يمجدون ظهور ومستقبل المركبات الكهربائية، وأحيناً يباركون مصادر الطاقة المتجددة. ويغفلون الأهمية الكبرى للمواد الهيدروكربونية للصناعات البتروكيماوية التي تمد العالم بأنواع لا حصر لها من المنتجات الصناعية والاستهلاكية.
وقال المهنس الخويطر في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «معظم هياكل المركبات الكهربائية والتقليدية مصنوع من مواد بترولية، بالإضافة إلى تعبيد الطرق التي تسير عليها المركبات بالأسفلت البترولي».
- أين الحل؟
الوصول إلى حلول فعالة يتطلب تشخيصاً علمياً واقعياً للمشكلة، والواقع أن غازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري وارتفاع درجة كوكب الأرض تشمل: الميثان، وثاني أكسيد الكربون، وأكسيد النيتروز، والهيدروكلور وفلوروكربونات... وغيرها، ولهذه الغازات مصادر كثيرة، منها أنشطة الزراعة وتربية المواشي (الميثان)، والأنشطة الصناعية والمنزلية (الكربون)... وغيرها. أما عندما يكون تركيز بعض الناشطين على نوع واحد من الغازات كالكربون، وعلى قطاع واحد كالنفط والغاز، فهذا يدفع للتساؤل عن النوايا الحقيقية.
وفي هذا الجانب فإن السيارات الكهربائية تحتاج إلى بطاريات قابلة لإعادة الشحن، وتصنيع هذه البطاريات يحتاج إلى معادن مثل الليثيوم، وتعدين هذه المعادن يتسبب بخروج كمية كبيرة من الانبعاثات، وهنا يجب الأخذ في الاعتبار مصدر الكهرباء التي سيتم بها شحن تلك السيارات، والذي يدفع إلى التفكير في الدورة الصناعية والاقتصادية التي ستنشأ وعن مدى تسببها بالانبعاثات، ومن سيكون المستفيد اقتصادياً منها، في الوقت التي يتم فيه الترحيب بكل الخيارات والحلول، حيث تدعو الدول النفطية للاستثمار فيها واختبارها وتجربتها واعتماد الناجح منها ليتم نشره وتطبيقه على نطاق واسع.
- مؤتمرات الأطراف
ومع كل هذه التحديات والطروحات فإن الأنظار الآن إلى مؤتمر الأطراف المقبل الذي ستستضيفه الإمارات نهاية العام، وهو قيام صورة لما تقوم به دولة نفطية في الإعداد لحوار عالمي منطقي وهادئ حول تغير المناخ، مع اختيار الدكتور سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، لرئاسة تلك الدورة، والذي يمثل انعكاس للنظرة الواقعية، حيث يرأس الدكتور الجابر شركة النفط الوطنية في الإمارات (أدنوك)، حيث بدأ التركيز على خفض الانبعاثات في عمليات الإنتاج، كما أنه عمل على تأسيس شركة مصدر للطاقة المتجددة.
وكان الدكتور الجابر قد أكد في أكثر من مرة أن نظرة قيادة بلاده هي استثمار موارد قابلة للنضوب مثل النفط والغاز، بهدف بناء موارد مستدامة هي الطاقة المتجددة والنظيفة، وأن العالم يمر بمرحلة انتقالية تتطلب مزيجاً متنوعاً من مصادر الطاقة، وأنه يجب إنتاج المزيد من الطاقة بأقل انبعاثات ممكنة لضمان استمرار الحياة والنمو الاقتصادي والاجتماعي، وأن الإمارات تتبع منهجية الحوار والتعاون لتحقيق المصالح المشتركة.
واختيار الإمارات شخصية تعمل في دور فاعل ومؤثر في قطاعي النفط والطاقة المتجددة، هو اختيار هام لتقديم وجهة نظر بلدان الخليج العربي، وجميع الدول المنتجة للنفط حول العالم، لإثبات وجهة النظر بضرورة أن يكون النفط والغاز جزءاً من الحل في مجال العمل المناخي، مع رفع مستوى الوعي في الموضوعات المطروحة للنقاش في مؤتمرات الأطراف التي تقام تحت مظلة الأمم المتحدة.
وفي وسط كل هذه الحركات تظل المعادلة المتناقضة أصعب توازن يواجهه قطاع الطاقة العالمي، حيث تطلب الحكومات الغربية رفع إنتاج النفط والغاز لخفض الأسعار، وفي نفس الوقت يطالبون بوقف الإنتاج حفاظاً على البيئة.


مقالات ذات صلة

إدارة ترمب ستلغي الأساس القانوني للتشريعات الأميركية المتصلة بالمناخ

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب ستلغي الأساس القانوني للتشريعات الأميركية المتصلة بالمناخ

من المقرر أن يلغي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، نصاً يُشكّل الأساس القانوني للتشريعات التي تُكافح انبعاث غازات الدفيئة في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (رويترز)

رئيس الوزراء الكندي يقر بأن بلاده لن تحقق أهدافها المناخية

أقر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مقابلة بثتها «راديو-كندا» العامة الثلاثاء، بأن البلاد لن تتمكن من تحقيق أهدافها المناخية لعامي 2030 و2050.

«الشرق الأوسط» (مونتريال)
الاقتصاد جانب من الجلسات في اليوم الختامي لمؤتمر المناخ «كوب 30» المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية (أ.ب)

مؤتمر المناخ يصل إلى محطته الأخيرة دون توافق في نسخة «كوب 30»

دخل مؤتمر المناخ «كوب 30»، المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية وسط غابات الأمازون، يومه الأخير على وقع توتر غير مسبوق.

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
أميركا اللاتينية انتشر الدخان داخل وخارج المكان الذي يستضيف مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (أ.ف.ب)

علاج 13 شخصاً بعد استنشاق الدخان إثر حريق بمقر مؤتمر المناخ «كوب 30»

قال منظمون، في بيان، إن 13 شخصاً تلقوا العلاج من استنشاق الدخان الناجم عن حريق اندلع في المقر الذي ينعقد فيه مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالمناخ (كوب 30).

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
تحليل إخباري الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يصافح نائب رئيس الوزراء الصيني دينغ شيويه شيانغ قبل مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ في بيليم (رويترز)

تحليل إخباري الصين تتربع على عرش «كوب 30» وتملأ الفراغ الأميركي

لأول مرة منذ 3 عقود، تغيب أميركا عن قمة الأمم المتحدة للمناخ، تاركة الباب مفتوحاً أمام الصين لتتصدر المشهد قائدةً جديدة في مكافحة الاحتباس الحراري.

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))

«شظايا» حرب إيران تضرب قطاع الأعمال في أوروبا وبريطانيا

خط إنتاج شركة «مرسيدس- بنز» الألمانية لصناعة السيارات في مصنع بمدينة راستات بألمانيا (رويترز)
خط إنتاج شركة «مرسيدس- بنز» الألمانية لصناعة السيارات في مصنع بمدينة راستات بألمانيا (رويترز)
TT

«شظايا» حرب إيران تضرب قطاع الأعمال في أوروبا وبريطانيا

خط إنتاج شركة «مرسيدس- بنز» الألمانية لصناعة السيارات في مصنع بمدينة راستات بألمانيا (رويترز)
خط إنتاج شركة «مرسيدس- بنز» الألمانية لصناعة السيارات في مصنع بمدينة راستات بألمانيا (رويترز)

مع احتدام التوترات في الشرق الأوسط، وما يرافقها من قفزات في أسعار الطاقة واختناقات متزايدة في سلاسل التوريد، بدأت تداعيات الحرب تتسلل بوضوح إلى صميم النشاط الاقتصادي في أوروبا؛ إذ يقف قطاع الأعمال في منطقة اليورو والمملكة المتحدة، اليوم، أمام موجة مركَّبة من الضغوط؛ حيث تكشف أحدث مسوحات مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال» عن تباطؤ ملحوظ في وتيرة نمو القطاع الخاص، بالتوازي مع تسارع الضغوط التضخمية وتراجع ثقة الشركات.

ويعكس هذا المشهد تحولاً تدريجياً من مرحلة التعافي الهش إلى بيئة أكثر هشاشة، تتداخل فيها صدمات الأسعار مع ضعف الطلب، مما يعزز المخاوف من انزلاق الاقتصادات الأوروبية نحو تباطؤ أعمق، وربما مرحلة من الركود التضخمي إذا استمرت تداعيات الحرب في التفاقم.

منطقة اليورو: خطر الركود التضخمي

أظهر مسح نُشر يوم الثلاثاء أن مؤشر مديري المشتريات المركب لمنطقة اليورو انخفض إلى 50.5 نقطة في مارس (آذار)، مقابل 51.9 في فبراير (شباط)، مسجلاً أدنى مستوى له منذ 10 أشهر، ولكنه ظل فوق مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش. هذا التراجع جاء على خلفية انخفاض الطلبات الجديدة لأول مرة منذ 8 أشهر، مدفوعاً بشكل رئيسي بضعف قطاع الخدمات، في حين استمرت طلبات التصنيع في التوسع، رغم تراجع الإنتاج الصناعي إلى 51.7 نقطة.

وأكد كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، كريس ويليامسون، أن المؤشر الأولي «يدق ناقوس الخطر بشأن الركود التضخمي؛ حيث تدفع الحرب الأسعار إلى الارتفاع الحاد بينما تكبح النمو».

وعكست البيانات ارتفاع تكاليف المدخلات الإجمالية بأسرع وتيرة منذ فبراير 2023، مع تسجيل أكبر فترات تأخير في تسليم الموردين منذ أغسطس (آب) 2022، وهو ما أثر على الإنتاج الصناعي والخدمات في معظم دول المنطقة. وتراجعت ثقة قطاع الأعمال إلى أدنى مستوى لها منذ عام تقريباً، مسجلة أكبر انخفاض شهري منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في أوائل 2022. ورغم تفاؤل الشركات بشأن الإنتاج خلال العام المقبل، فإن معنوياتها كانت أدنى من المتوسط.

ألمانيا وفرنسا: نمو مفقود في ألمانيا

تباطأ نمو القطاع الخاص إلى أضعف وتيرة له في 3 أشهر خلال مارس، وانخفض مؤشر مديري المشتريات المركب الألماني الأولي إلى 51.9 نقطة في مارس من 53.2 نقطة في فبراير، بينما كان الاقتصاديون الذين استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا قراءة عند 52 نقطة.

وتراجع نشاط قطاع الخدمات إلى أدنى مستوى له في 7 أشهر عند 51.2 نقطة، بينما ارتفع مؤشر مديري المشتريات التصنيعي إلى 51.7 نقطة، وهو أعلى مستوى له في 45 شهراً. وسجلت الشركات المصنعة ارتفاعاً شهرياً ثالثاً على التوالي في الطلبات الجديدة، مسجلة أسرع نمو لها في 4 سنوات.

وبلغ تضخم أسعار المدخلات في القطاع الخاص أعلى مستوى له منذ أكثر من 3 سنوات، وارتفعت تكاليف مدخلات التصنيع بأسرع وتيرة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بينما بلغ تضخم أسعار المنتجات عند باب المصنع أعلى مستوى له منذ أكثر من 3 سنوات.

وانخفض التوظيف مجدداً في كلا القطاعين، على الرغم من أن وتيرة فقدان الوظائف الإجمالية تراجعت إلى أدنى مستوى لها في 3 أشهر. وأظهر المسح انخفاضاً حاداً في توقعات الأعمال للعام المقبل، لتسجل أدنى مستوى لها في 11 شهراً، ولكنها ظلت إيجابية.

أما فرنسا، فقد سجل القطاع الخاص أسرع وتيرة انكماش منذ أكتوبر الماضي، مع انخفاض النشاط التجاري إلى أدنى مستوياته منذ عدة أشهر، متأثراً بضعف الطلب والاضطرابات في سلاسل التوريد. وانخفض مؤشر مديري المشتريات المركب الفرنسي إلى 48.3 نقطة، بينما انخفض الإنتاج الصناعي إلى 48.5 نقطة، في حين ارتفعت تكاليف المدخلات إلى أعلى مستوياتها منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، مع أسرع زيادة في أسعار البيع منذ مارس 2023.

وتراجعت ثقة قطاع الأعمال بشكل ملحوظ، مما أدى إلى تراجع كبير في التحسن الذي شهده منذ بداية عام 2026، إذ أشارت الشركات إلى مخاطر الحرب في الشرق الأوسط على الطلب والتضخم.

بريطانيا: ضغوط الحرب تضعف نشاط الشركات

أظهر مؤشر مديري المشتريات المركب انخفاضاً إلى 51 نقطة في مارس، مقابل 53.7 في فبراير، مسجلاً أبطأ وتيرة نمو للقطاع الخاص خلال 6 أشهر. وسجل مؤشر أسعار مدخلات الإنتاج للمصنِّعين البريطانيين 70.2 نقطة، مسجلاً أكبر زيادة شهرية منذ عام 1992، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والمواد الخام كثيفة الاستهلاك للطاقة، ما أجبر الشركات على رفع أسعارها بأسرع وتيرة منذ أبريل (نيسان) 2025. وأدى ذلك إلى تعقيد مهمة بنك إنجلترا في كبح التضخم، في وقت تتباطأ فيه النشاطات الاقتصادية.

وأشار كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس» إلى أن الشركات ألقت باللوم على الأحداث في الشرق الأوسط في ضعف النشاط الاقتصادي، سواء عبر ارتفاع تكاليف الإنتاج، أو تراجع الطلب، أو اضطرابات السفر وسلاسل التوريد، أو حتى نفور العملاء من المخاطرة. وتبقى توقعات الإنتاج المستقبلي للشركات البريطانية الأضعف منذ يونيو (حزيران) 2025، مع استمرار تراجع التوظيف للشهر الثامن عشر على التوالي، وهو أطول فترة تراجع منذ عام 2010.


21 % زيادة في تحويلات المصريين بالخارج خلال شهر يناير

ارتفعت التحويلات خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026 بمعدل 28.4 % لتصل إلى 25.6 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)
ارتفعت التحويلات خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026 بمعدل 28.4 % لتصل إلى 25.6 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

21 % زيادة في تحويلات المصريين بالخارج خلال شهر يناير

ارتفعت التحويلات خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026 بمعدل 28.4 % لتصل إلى 25.6 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)
ارتفعت التحويلات خلال الفترة من يوليو 2025 إلى يناير 2026 بمعدل 28.4 % لتصل إلى 25.6 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أعلن البنك المركزي المصري أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج، خلال شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، ارتفعت بمعدل 21 في المائة لتصل إلى نحو 3.5 مليار دولار، مقابل 2.9 مليار دولار خلال شهر يناير 2025.

وقال البنك في بيان صحافي، الثلاثاء، إن التحويلات ارتفعت خلال الفترة من يوليو (تموز) 2025 إلى يناير 2026، بمعدل 28.4 في المائة، لتصل إلى نحو 25.6 مليار دولار، مقابل 20 مليار دولار خلال نفس الفترة المقارنة.


الصين تُرسّخ مكانتها قوة اقتصادية مستقرة في عالم مضطرب

عمال يحمّلون أجولة من السماد في ميناء مدينة يانتاي الصينية (أ.ف.ب)
عمال يحمّلون أجولة من السماد في ميناء مدينة يانتاي الصينية (أ.ف.ب)
TT

الصين تُرسّخ مكانتها قوة اقتصادية مستقرة في عالم مضطرب

عمال يحمّلون أجولة من السماد في ميناء مدينة يانتاي الصينية (أ.ف.ب)
عمال يحمّلون أجولة من السماد في ميناء مدينة يانتاي الصينية (أ.ف.ب)

طمأن قادة ثاني أكبر اقتصاد في العالم المديرين التنفيذيين للشركات العالمية الذين حضروا مؤتمر الأعمال السنوي الرئيسي في الصين هذا الأسبوع، بأن بكين لا تزال ركيزة موثوقة في ظل التقلبات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين العالمي.

وقال محللون إن نبرة منتدى التنمية الصيني لهذا العام، الذي اختُتم يوم الاثنين، كانت أكثر ثقة بشكل ملحوظ من السنوات الأخيرة، مما يُشير إلى تحول عن المنتديات السابقة التي عُقدت بعد الجائحة، حيث كان المسؤولون يميلون إلى التركيز على تدابير الدعم ومسارات التعافي.

وقال مدير مكتب الصين في مجموعة آسيا للاستشارات الاستراتيجية الأميركية، هان لين: «مقارنةً بمنصات منتدى التعاون الاقتصادي السابقة، كانت رسالة الصين هذه المرة أكثر ثقةً». وأضاف: «مع تحديد التحديات في النظام الدولي، ودون ذكر الولايات المتحدة صراحةً، ركّز خطاب رئيس الوزراء لي تشيانغ الافتتاحي على ما تقوم به الصين بشكل صحيح لتشجيع الابتكار والتجارة وفرص التعاون الأخرى».

وقد أسهم توقيت انعقاد المنتدى في تعزيز هذه الرسالة؛ إذ جاء بعد مرور عام تقريباً على حرب تجارية شرسة، وقبل انعقاد قمة مؤجلة بين الرئيس شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب، في حين تواجه بكين توتراً في علاقاتها مع واشنطن، وتواجه تصاعداً في الحواجز التجارية في أماكن أخرى، وذلك في أعقاب فائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار في عام 2025.وقد تسببت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في ارتفاع حاد بأسعار الطاقة، مما أدى إلى تداعيات واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي، ومنح بكين فرصة أخرى للترويج لنفسها بصفتها حصناً للهدوء يحترم السيادة والنظام الدولي القائم على القواعد.

تغيرات المشهد الجيوسياسي

وعكست أنماط الحضور تغيرات الحدود الجيوسياسية، فقد سافر عدد أكبر من قادة الشركات الأميركية إلى بكين مقارنة بالسنوات السابقة، ومن بينهم الرؤساء التنفيذيون لشركات «أبل»، و«ماكدونالدز»، و«إيلي ليلي»، و«تابستري» (الشركة الأم لـ«كوتش»)، و«ماستركارد».

ويشير حضورهم إلى أنه على الرغم من التوترات، لا تزال الشركات الأميركية متعددة الجنسيات حريصة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع بكين، في ظل إعادة ضبط البلدين لتدفقات التجارة والاستثمار.

وقال أستاذ الاقتصاد في كلية الصين وأوروبا الدولية للأعمال في شنغهاي، ألبرت هو، إن الاستقرار، وهو موضوع متكرر في منتدى التعاون الاقتصادي والتنمية للعام الماضي، كان له صدى أقوى هذا العام.

وأضاف هو: «بالنظر إلى جميع السياسات المتقلبة التي انتهجها دونالد ترمب، وحالة عدم اليقين التي أحدثتها سياساته في الاقتصاد العالمي، فمن المرجح أن تجد رسالة الصين بوصفها قوة استقرار آذاناً مصغية هذا العام أكثر من العام الماضي». إلا أن غياب المديرين التنفيذيين اليابانيين كان واضحاً، وهو ما يتناقض تماماً مع العام الماضي، حين شملت مشاركتهم اجتماعاً حظي بتغطية إعلامية واسعة بين كبار المديرين التنفيذيين العالميين وشي جينبينغ. ويأتي غيابهم هذا العام وسط خلاف دبلوماسي بين بكين وطوكيو، مما يؤكد أن وعود الصين بتجديد الانفتاح لا تزال محصورة ضمن حدود جيوسياسية متشددة.

لقاء محتمل

ولم يُحسم بعد قرارُ شي جينبينغ بشأن ما إذا كان سيُعيد ممارسته الأخيرة المتمثلة في استضافة اجتماع مائدة مستديرة مع نخبة من الرؤساء التنفيذيين، وذلك حتى اختتام المنتدى.

ويعتقد هان لين أن عدم صدور إعلان فوري يعكس ترتيباً للأحداث لا تردداً. وقال: «أعتقد أن شي ينوي لقاء الرؤساء التنفيذيين، ولكن بعد زيارة ترمب. تريد بكين تحديد شروط التجارة على مستوى القيادة أولاً، ثم تتلقى الشركات متعددة الجنسيات إشارتها بشأن الخطوات التالية».

كما استغلّ صانعو السياسات الصينيون منتدى هذا العام لتأكيد الأولويات التي تُحدد الآن استراتيجيتهم متوسطة المدى: الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، والتحديث الصناعي، و«التنمية عالية الجودة». وتُعدّ هذه الركائز الثلاث أساسية في خطة البلاد الخمسية الأخيرة، التي صدرت في وقت سابق من هذا الشهر، والتي حُدّدت بوصفها موضوعاً لمنتدى التنمية الصينية لهذا العام.

ومع ذلك، لم يغادر جميع المشاركين وهم مقتنعون، فقد اشتكى بعض الحضور من أن محتوى المنتدى أصبح جامداً بشكل متزايد. وقال مسؤول تنفيذي صيني رفيع المستوى في سلسلة فنادق عالمية: «أصبحت الاجتماعات بيروقراطية بشكل متزايد. لقد اختصرت رحلتي وأعود إلى بلدي الآن». وأضاف: «يفقد منتدى تنمية الاتصالات بريقه. كنت آمل أن أحضر بعض الجلسات الشائقة، لكن تبين أنها بيروقراطية للغاية ومضيعة تامة لوقتي».