«ذا وايل»... جسد حوت وقلب عصفور

برندان فرايزر يقدّم أحد أدوار العمر ولا يتعثّر بوزنه الزائد

الممثل برندان فرايزر بطل فيلم «الحوت»
الممثل برندان فرايزر بطل فيلم «الحوت»
TT

«ذا وايل»... جسد حوت وقلب عصفور

الممثل برندان فرايزر بطل فيلم «الحوت»
الممثل برندان فرايزر بطل فيلم «الحوت»

كحوتٍ عالقٍ في أحشاء حوت، يغرق تشارلي في بدانته الظاهرة وكآبته الباطنة. لا تتخطّى أحداث قصته عتبة بيته المعتم، لكنه مهما حاول التخفّي وراء الظلال، فإنّ بدانته المفرطة تجعله يحتلّ المكان وعين المُشاهد.
في فيلم «ذا وايل» (The Whale)، أي الحوت، ينقل المخرج الأميركي دارن أرونوفسكي إلى الشاشة الكبيرة مسرحية سامويل هانتر. يُخلص للإطار المسرحي فيوحّد المكان، لتدور أحداث الفيلم كلها داخل منزل تشارلي، الذي يؤدي دوره ببراعة استثنائية الممثل الأميركي العائد إلى الضوء بعد غياب، برندان فرايزر، المستحق ترشيحاً إلى جوائز الأوسكار عن دوره الخارق.
إلى الخشبة، تدخل شخصيات عدة ثم تخرج. وحدَه تشارلي ثابتٌ على «كنبته». إن حاول النهوض تَعثّر، وإذا أكل اختنق بالطعام. يلهث ويتعرّق من دون توقّف، يعجز عن القيام بأبسط المهمات اليومية، بسبب وزنه الزائد. لم تتراكم الكيلوغرامات في جسده بلا سبب، ففي ما يشبه الانتقام من الذات ومعاقبتها يلتهم بشراهة مرَضيّة الدجاج المقلي والسكاكر والسندوتشات الدسمة والبيتزا، غير مكترث بضغط دمه المرتفع، ولا بمرض القلب الذي يهدد حياته.

تحت الشحوم المتدلّية، قلبٌ من ذهب
يوم انتحر حبيبه المصاب بالأنوريكسيا (فقدان الشهية العصابي)، انقلبت حياة تشارلي، فصار رهين البيت والطعام غير الصحي. لكن تحت تلك الطبقات الهائلة والمتدلّية من اللحم والشحوم، تخبّئ الشخصية الحزينة قلباً من ذهب ينضح حباً للمحيطين بها؛ من شقيقة الحبيب المتوفّى (ليز)، مروراً بالابنة من زواج سابق (إيللي)، والطليقة الحانقة (ماري)، وليس انتهاءً بالعصفور الذي يزور يومياً نافذته فيجد صحناً من الفاكهة أُعدّ له بعناية. تلك النافذة بمثابة صلة الضوء الوحيدة بين تشارلي والخارج. ومن باب البيت الذي يُفتح لزوّاره المعدودين، يدخل بعض الهواء وزخّات المطر الهاطل من دون توقف.
قرر تشارلي العيش في الخفاء والعزلة، مخبئاً حقيقة حجمه وجرحه عن تلاميذه؛ فأستاذ الكتابة الأدبية يطفئ الكاميرا كلما كانت لديه حصة تعليم عن بُعد. تظهر وجوه طلّابه على جهاز الكومبيوتر ضمن نوافذ مضاءة، أما هو فمجرّد نافذة سوداء تتوسط الشاشة. بصوته الدافئ يسحرهم، وبتحريضه إياهم على الإبداع والصدق. يهجس برواية «موبي ديك» ليس لأن بطلها «حوت» مثله، بل لكثير من التشابه بين حكايته وتفاصيل تلك الرواية.


في تشارلي ذي الحجم الهائل المثير للذعر أحياناً، جمال إنساني فائق؛ هو الوالد المحبّ لابنته والمتفهّم لقسوتها وحقدها عليه. وهو الإنسان اللطيف مع الغرباء، كما مع الشاب توماس الذي يطرق بابه بهدف التبشير الديني. في شخصه نبلٌ كبير يرتجي حب الآخرين واهتمامهم لكنه لا يتوسّله. حتى عاملُ توصيل البيتزا يلاقي منه اللطف، مع أنهما يتواصلان حصراً من خلف الباب الموصد.
وحدها ليز، الصديقة والممرضة، تخدم تشارلي وتداويه من دون مقابل ولا مصلحة ظاهرة. تؤدي الدور الممثلة هونغ تشاو، وهي كذلك استحقت ترشيحاً إلى الأوسكار. تلتفّ حول «الحوت» كسترة نجاة، تنقذه من الاختناق ومن النوبات القلبية. تحثّه على تلقّي العلاج لكنه يرفض؛ فهو اختار الانتحار البطيء، كما فعل شقيقها الذي أرغمه والده على الزواج، بينما كان مغرماً بتشارلي. أما الغريب في الأمر؛ فهو أن ليز التي تسترجع عبر تشارلي بعضاً من أخيها، تجلب له بيدها الوجبات السريعة ولا تمنعه من التهامها. تناوله الدواء بيد، وباليد الأخرى تدسّ السم في جسده.
كل الشخصيات التي تسبح في محيط تشارلي ترمي له فُتات الحب، لكنها لا تنجح في إنقاذه من الغرق. تأتيه ابنته «إيللي» بعد سنوات من القطيعة تسبب بها طلاقه لأمها وتفضيله لعلاقته العاطفية مع صديقه. تنهال عليه بعبارات الكُره والأسئلة المذلّة، أما هو فيحاول إرضاءها بكتابة فروضها المدرسية ومنحها كل ما يملك من مال. ورغم تصرّفاتها الغريبة التي تصفها أمها بـ«الشيطانية»، يلين قلب إيللي تدريجياً، بفعل الحب الذي يحترفه والدها.


جزء من فريق عمل فيلم The Whale في مهرجان البندقية (رويترز)
فرايزر العائد... بثقل
مع أن مظهر تشارلي قد يتسبب بالنفور للوهلة الأولى، ومع أنه اختار العزلة والابتعاد عن الناس، فإن ناسَه يصرّون على العودة إليه. وكأن حكايته تقول إن البشر، مهما قسوا، فإنهم لا يستطيعون عدم الاكتراث ولا يتجرّدون بشكل كامل من إنسانيتهم. غير أن الفيلم لا ينجح في الحفاظ على ذلك الخيط الرفيع الفاصل بين التعاطف الصادق مع تشارلي والشفقة عليه، والنظر إليه بفضول المتفرّج على حوتٍ ضخم يتخبّط في حوض زجاجيّ.
كان يجب أن يبدو وزن تشارلي أكثر من 270 كيلوغراماً. وقد استلزم الأمر عملاً شاقاً على الشكل من قبل فريق الماكياج، بقيادة خبير التجميل والماكياج السينمائي أدريان مورو، صُنع رداء من مادة السيليكون جرى نحته بالوسائط الرقمية والتقنيات ثلاثية الأبعاد. أما قبل التصوير، فكان 5 أشخاص يتفرّغون لإلباس فرايزر، في عملية كانت تستغرق 4 ساعات، بعد أسابيع من التدريب. وقد استحق الفيلم بذلك ترشيحاً ثالثاً إلى الأوسكار عن فئة الماكياج.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by A24 (@a24)

ملتحفاً شخصية تشارلي ووزنه قلباً وقالباً، يعود الممثل برندان فرايزر بثقل إلى الساحة السينمائية الهوليوودية. هو المُبعد منذ سنوات بسبب إصابات خلال التصوير واتهامات بالتحرّش الجنسي جعلت من عودته دليلاً جديداً على أنه ممثل من الطراز الرفيع. وكما حصد تشارلي تعاطف المشاهدين، فإن فرايزر فاز بذهول الجمهور وتصفيق النقّاد، في ما يشبه الصفح عن هفوات الماضي والتعويض عن سنوات الغياب. يبقى أن يتوّج الأداء المبهر الذي خطف من الفيلم تفاصيله الأخرى وبعض هفواته «أوسكار أفضل ممثل في دور رئيسي».


مقالات ذات صلة

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق ليلى بوزيد تتوسط ماريون باربو وهيام عباس وسلمى بكار وفريال الشماري وآية بوترعة (إ.ب.أ)

ثيمة «العودة» تهيمن على أفلام «برلين»... حكايات مواجهة الذات والمجتمع

ثيمة العودة تتكرر كثيراً في أفلام المهرجانات والعروض التجارية كل عام.

محمد رُضا (برلين)

التقاء رمضان مع الصوم الكبير يحيي المناطق اللبنانية

التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
TT

التقاء رمضان مع الصوم الكبير يحيي المناطق اللبنانية

التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)
التقاء زمن الصوم عند المسيحيين والشهر الفضيل عند المسلمين يحيي المدن (الشرق الأوسط)

عندما يلتقي موسما الصوم لدى المسلمين والمسيحيين في لبنان، لا يبقى الأمر محصوراً بالطقوس الدينية، بل يتجسّد في تفاصيل الحياة داخل الأحياء المختلطة، حيث تتداخل العادات في مشهد يومي يعكس روح المشاركة.

في مناطق مثل الطريق الجديدة والمزرعة وقريطم والسوديكو، يراعي الجيران بعضهم بعضاً، من تخفيف الضجيج صباحاً إلى مراعاة أوقات الإفطار وتبادل الأطباق المنزلية. فموائد رمضان تصل إلى الجيران المسيحيين، ويبادل هؤلاء أطباقاً تتناسب مع الشهر، ولا سيما المأكولات المحضّرة بالزيت. ومرات تشمل هذه الموائد الحضور الافتراضي للأبناء المهاجرين، فينضمون إلى موائد الإفطار المختلطة عبر اتصال إلكتروني. وغالباً ما تتحوَّل السهرات المسائية إلى لقاءات مشتركة تجمع العائلات حول الشاي أو الحلويات، فيتراجع البعد الطقسي أمام البعد الاجتماعي.

العائلات اللبنانية تجتمع على موائد رمضان (الشرق الأوسط)

وتشير أنيسة مكاوي، التي تسكن في منطقة المزرعة، إلى أن هذه التفاعلات بين المجتمعين ليست طارئة. وتتابع لـ«الشرق الأوسط»: «اعتدنا على ممارسة هذه التقاليد منذ الصغر، لأننا تربينا عليها. كانت والدتي تُهدي جارتها طبق حساء العدس الأصفر، وبالتالي تردّ لها الجارة الطبق مليئاً بحلوى الصفوف أو النمورة».

هذا الالتقاء بين موسمَي الصوم يعزز روابط الجيرة، وينعكس نبضاً مفعماً بالديناميكية في المدينة ومناطق أخرى. فيجتمع اللبنانيون في المقاهي والأسواق ومعارض رمضان اليدوية، وكذلك ينتظرون قرع الأجراس عند الظهر ورفع أذان المغرب لتبادل عبارة «صوم مبارك».

وتقول نهى، ربّة منزل وجدّة لستة أحفاد، إنّ هذه المناسبة تُعيد إلى أهل المدن وسكان المناطق الجبلية التقاليد الموروثة: «في كل مرة يلتقي فيها زمن الصومين، نحيي عادات تعلّمناها من أمهاتنا وجدّاتنا. فتطفو أواصر العلاقات الاجتماعية من جديد. ويستعيد المجتمع دفئه بفضل هذه التقاليد. نعود إلى زيارات الجيران والأصدقاء والدعوات إلى موائد الإفطار. وتساعد ربّات المنازل بعضهنّ بعضاً في تحضير الأطباق، ونسترجع نبضاً نفتقده في الأيام العادية».

أطباق رمضانية تتبادلها ربات المنازل في زمن الصوم (الشرق الأوسط)

في أحياء كثيرة، تختصر لحظة الغروب مشهد التقاء موسمي الصوم بصورة سمعية وإنسانية معبّرة. بين قرع أجراس الكنائس ورفع أذان المغرب، يتشكّل إيقاع يومي يذكّر السكان بأنهم يعيشون زمنين روحيين متوازيين في مساحة واحدة. فلا يعود الصوت مجرد إعلان طقس ديني، بل علامة على تقاطع الحياة الاجتماعية. وفي الأحياء المختلطة، يعرف الجيران هذا التزامن ولا يفوتهم، فيضبطون مواعيدهم عليه، ويتبادلون التحيات أو الأطباق، وكأن الصوتين يشكّلان خلفية مشتركة ليومهم.

وتحضر هذه الثنائية السمعية في ذاكرة اللبنانيين بوصفها جزءاً من المشهد اليومي، ليتحوَّل التقاء موسمي الصوم إلى تجربة تتجاوز الرمزية الدينية، وتصبح حالة معيشة حسّية يعيشها أهل الحي الواحد.

كما يقصد بعض اللبنانيين العودة إلى أرض الوطن خلال الشهر الفضيل. فيغادرون أماكن إقامتهم في أوروبا أو كندا ليعيشوا تفاصيل هذه الفترة في بلدهم الأم. وتقول نانسي في هذا السياق: «أحجز تذكرة السفر من ألمانيا إلى لبنان قبل حلول الشهر الفضيل. وغالباً ما أتفق مع صديقات مغتربات على العودة معاً. فشهر رمضان هنا يحمل لنا ذكريات نحب استعادتها بين الجيران والأهل. وله خصوصيته التي لا نجدها في بلاد الاغتراب الأوروبية. هذا اللقاء السنوي أنتظره من عام إلى آخر بفارغ الصبر، وأخطط له قبل أشهر طويلة».


«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
TT

«تحدّي التاريخ» أم التربّح من الألم؟... مزاد اسكوتلندي يثير الجدل حول قيود الاستعباد

أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)
أطواق حديدية من حقبة الاستعباد معروضة في المزاد (فيسبوك «دار تشيكي أوكشنز»)

أثار إدراج أطواق حديدية للرقاب يُعتقد أنها استُخدمت في استعباد أفارقة في زنجبار ضمن مزاد يُقام نهاية الأسبوع في اسكوتلندا جدلاً وانتقادات أخلاقية بشأن بيع مقتنيات مرتبطة بتاريخ الاستعباد، وذلك ضمن فعالية تحمل عنوان «تحدّي التاريخ».

وتعود القطع، وفق منظمي المزاد، إلى نحو عام 1780، ويُقدَّر ثمنها بنحو ألف جنيه إسترليني.

وقال ماركوس سالتر، صاحب دار «تشيكي أوكشنز» في بلدة تين بمقاطعة روس، إن بيع القطعة يهدف إلى «مواجهة التاريخ» وليس الإساءة، مضيفاً أن دار المزادات تَحقَّقت من المنصة التي تُعرض عبرها القطعة، والتي صنّفتها أثراً تاريخياً يمكن بيعه قانونياً؛ وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية.

لكن الخطوة أثارت اعتراضات من سياسيين ونشطاء. وقالت النائبة العمالية بيل ريبيرو آدي، التي تترأس مجموعة برلمانية معنية بتعويضات الأفارقة، إن الاتجار بمثل هذه القطع يعني أن البعض «يواصلون التربّح من تجارة الرقيق».

وأضافت أن عرض القطعة في متحف قد يكون مقبولاً، بينما بيعها بوصفها مقتنيات لهواة الجمع يثير، على حد تعبيرها، شعوراً بـ«الرعب» بدلاً من التعلم من التاريخ.

كما عبَّر نايغل موراي، وهو محامٍ متقاعد يعيش في مرتفعات اسكوتلندا، عن رفضه للمزاد بعد مشاهدة الإعلان على «فيسبوك»، قائلاً إنه لن يتعامل مع دار المزادات مجدداً، واصفاً بيع القيود عبر مزاد بأنه «مقزز».

من جهته، قال سالتر إن القطعة تُباع نيابة عن تاجر احتفظ والده بها منذ نحو 50 عاماً، عادّاً أن التبرع بها لمتحف قد يؤدي إلى بقائها في المخازن دون عرضها للجمهور، مشيراً إلى أن ردود الفعل تراوحت بين المقاطعة والنقاش.

ويأتي الجدل وسط حساسية متزايدة بشأن التعامل مع المقتنيات المرتبطة بتاريخ الاستعباد. ففي عام 2024، رفض خبير برنامج «أنتيكس رودشو»، روني آرتشر-مورغان، تثمين سوار عاجي مرتبط بتاريخ مماثل.

قانونياً، قالت سيسيليا دانس، المحامية في مكتب «ويدليك بيل» بلندن، إنه لا يوجد قانون محدد يمنع بيع قطع مرتبطة بتاريخ الاستعباد، لكنها أشارت إلى أن إدارتها بما يُحقِّق المصلحة العامة - مثل التبرع بها أو إعارتها لمتاحف مع إشراك المجتمعات المتأثرة - تُعدُّ مساراً أكثر ملاءمة.

وأضافت أن سوق الفن شهدت تحولاً أخلاقياً مماثلاً تجاه الأعمال المرتبطة بنهب الحقبة النازية، ورأت أن هذا الإطار قد يمتد مستقبلاً ليشمل القطع المرتبطة بالاستعباد، في ظل تصاعد النقاش حول مخاطر تحويل المعاناة الإنسانية إلى سلعة.


منزل هتلر يتحوّل إلى مركز شرطة… خطوة لإغلاق الماضي أم جدل جديد؟

 يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
TT

منزل هتلر يتحوّل إلى مركز شرطة… خطوة لإغلاق الماضي أم جدل جديد؟

 يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)
يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (أ.ف.ب)

توشك أعمال تحويل منزل الزعيم النازي أدولف هتلر في النمسا إلى مركز للشرطة على الانتهاء، غير أن هذا الاستخدام الجديد للمبنى، الذي يهدف أساساً إلى منع تحوّله إلى مقصد لعشاق النازية، ما زال يثير كثيراً من الجدل والانتقادات.

تقول سيبيل تربلميير، وهي موظفة تبلغ من العمر 53 عاماً، في حديثها لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن تحويل المنزل إلى مركز للشرطة قد يحمل نتائج متباينة، واصفة الخطوة بأنها «سيف ذو حدّين». فهي، رغم تفهمها للأسباب الكامنة وراء هذا القرار، فإنها ترى أن المبنى «كان يمكن أن يُستخدَم بطريقة مختلفة».

النمسا اشترت المبنى مقابل 810 آلاف يورو (أ.ف.ب)

يعود تاريخ المبنى إلى القرن الـ17، وفيه وُلد الديكتاتور الألماني في 20 أبريل (نيسان) 1889. ويقع المنزل في شارع تجاري بمدينة براوناو آم إن النمساوية، قرب الحدود مع ألمانيا.

وقد أعلن وزير الداخلية النمساوي أن الأعمال، التي بدأت عام 2023، ستنتهي قريباً. ويعمل العمال حالياً على تثبيت الإطارات الخارجية للنوافذ، فيما تُستبدل بالطلاء الأصفر القديم واجهةٌ حديثةٌ.

وبعد تأخر استمرَّ 3 سنوات، يُتوقع إنجاز المشروع مع نهاية مارس (آذار)، وفق ما أفادت به الوزارة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، على أن يبدأ مركز الشرطة عمله خلال الرُّبع الثاني من العام الحالي.

وتأمل السلطات من خلال هذه الخطوة طيّ صفحة حساسة في تاريخ البلاد، التي تُتَّهم أحياناً بعدم تحمّل مسؤوليتها كاملة عن الفظاعات التي ارتكبها النازيون خلال الهولوكوست.

مركز جذب للنازيين

يعود تاريخ المبنى إلى القرن الـ17 وفيه وُلد الديكتاتور الألماني 1889 (أ.ف.ب)

ظلّ المبنى، الذي امتلكته العائلة نفسها منذ عام 1912، مؤجّراً للدولة النمساوية منذ عام 1972، حيث حُوّل حينها إلى مركز لرعاية ذوي الإعاقة، وهي فئة تعرّضت للاضطهاد في الحقبة النازية.

ومع ذلك، بقي المنزل نقطة جذب للمتأثرين بالفكر النازي وشخصية هتلر.

وقد عارضت المالكة الأخيرة، غيرلينده بومر، تحويل المبنى، وطعنت في قرار استملاكه من قبل الدولة عبر جميع الوسائل القانونية المتاحة. واستدعى الأمر سنَّ قانون خاص عام 2016.

وبعد 3 سنوات، أقرَّت المحكمة العليا شراء المبنى مقابل 810 آلاف يورو، في حين كانت المالكة تطالب بـ1.5 مليون يورو، بينما عرضت الدولة في البداية 310 آلاف فقط. وتبلغ مساحة المنزل نحو 800 متر مربع، ويتألف من طابقين.

جدل مستمر حول الاستخدام

الكاتب لودفيك لاهر أمام المنزل في براوناو آم إن حيث وُلد هتلر (أ.ف.ب)

طُرحت مقترحات عدّة لاستخدام المبنى، في حين استُبعدت فكرة تحويله إلى موقع تذكاري، إذ أوصت لجنة من الخبراء بتجنب ذلك خشية أن يتحوَّل إلى مزار للنازيين الجدد.

كما لم يكن هدم المنزل خياراً مطروحاً، انطلاقاً من قناعة مفادها بأن على النمسا «مواجهة ماضيها»، وفق ما يؤكد المؤرخون.

وفي النهاية، استقرَّ الرأي على تحويله إلى مركز للشرطة، وهو قرار لم يحظَ بإجماع. وكان الهدف منه توجيه رسالة واضحة مفادها بأن المكان لن يكون بأي حال موقعاً لتكريم النازية.

ويقول الكاتب لودفيك لاهر، العضو في جمعية للناجين من معسكرات الاعتقال، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن تحويل المنزل إلى مركز للشرطة «يبقى إشكالياً، لأن الشرطة في أي نظام سياسي تبقى ملزمة بتنفيذ ما يُطلب منها». كما يرى أن أفضل استخدام للمكان هو تحويله إلى مركز يُعزِّز ثقافة السلام.