إيلي شلاين... زعيمة جديدة طموحة للحزب الديمقراطي الإيطالي

يسارية شابة تواجه أول رئيسة حكومة من اليمين المتطرف

إيلي شلاين... زعيمة جديدة طموحة للحزب الديمقراطي الإيطالي
TT

إيلي شلاين... زعيمة جديدة طموحة للحزب الديمقراطي الإيطالي

إيلي شلاين... زعيمة جديدة طموحة للحزب الديمقراطي الإيطالي

عندما وقفت جيورجيا ميلوني، زعيمة حزب «إخوان إيطاليا» اليميني المتطرف، أمام أنصارها، خلال المهرجان الحاشد في ميلانو، لتقدّم برنامجها الذي على أساسه فازت في الانتخابات العامة التي حملتها إلى رئاسة الحكومة الإيطالية، أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الفائت، فإنها صرخت بعباراتها الشهيرة قائلة «أنا جيورجيا.. أنا إيطالية، ومسيحية، وأمّ، ولن يقدر أحد على انتزاع كل ذلك مني». ومساء الأحد الماضي، بعدما فاجأت المناضلة السياسية المغمورة إيلي شلاين الإيطاليين بفوزها بمنصب الأمين العام للحزب الديمقراطي اليساري، وقفت الأمين العام الجديدة أمام وسائل الإعلام لتقول إن الحزب عاد ليحمل راية الفقراء والمهمّشين والأقليات الذين لا تريد الحكومة أن تراهم، وأنه سيكون عقبة كبيرة أمام حكومة ميلوني. ثم أضافت: «أنا امرأة وأحب امرأة، ولستُ بسبب من ذلك أقل من أي امرأة أخرى». وهكذا مرة أخرى، تعود إيطاليا لتلعب دور «المختبر السياسي» في أوروبا... مسلّمةً قيادة حكومتها لزعيمة شابة يمينية متطرفة طالعة من صفوف ركام الحركة الفاشية التي أسّسها بنيتو موسوليني، وفي المقابل، مسلّمة زعامة حزب المعارضة الرئيس لفتاة في السابعة والثلاثين من عمرها، تعهّدت بإحياء المبادئ التي تخلّت عنها الأحزاب والقوى اليسارية والتقدمية في القارة الأوروبية تاركة المجال واسعاً أمام صعود الحركات الشعبوية اليمينية.
وُلدت إيلي شلاين في مدينة لوغانو؛ عاصمة الكانتون السويسري الناطق باللغة الإيطالية، في عائلة أكاديمية مثقفة، الأب أميركي (متحدر من أصول يهودية)، والأم إيطالية، كلاهما أستاذ جامعي. وعند بلوغها الثامنة عشرة من عمرها انتقلت إلى مدينة بولونيا، شمال إيطاليا، لدراسة الحقوق في جامعتها العريقة، حيث نشطت في الأوساط الطلابية اليسارية. وهناك، في معقل اليسار الإيطالي، انضمّت لفترة إلى حركة فوضوية كان بين أعضائها عدد من المنشقّين عن الحزب الشيوعي... الذي كان قد بدأ مرحلة أفوله النهائي بعدما كان أكبر الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية إبّان عهد أمينه العام الأسبق إنريكو برلينغوير.
بعد ذلك انتقلت إيلي شلاين إلى الولايات المتحدة، حيث عملت متطوعة في الحملات الانتخابية للرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، وبنت علاقة وطيدة مع ألكسندريا أوكاسيو - كورتيز، التي أصبحت لاحقاً نائبة في الكونغرس عن إحدى دوائر نيويورك، وأحد أبرز الوجوه الشابة للتيار اليساري في الحزب الديمقراطي الأميركي.
بعدها، في عام 2012 عادت شلاين إلى إيطاليا حيث تنقلت بين تنظيمات يسارية أسسها منشقون عن الحزب الديمقراطي الإيطالي، ثم انتخبت عضواً في البرلمان الأوروبي عام 2014، وبرزت بين زملائها بانتقاداتها الشديدة للأحزاب اليمينية المتطرفة، خصوصاً حزب الرابطة وزعيمه ماتيو سالفيني.
وللعلم، كانت شلاين قد استعادت بطاقة انتمائها للحزب الديمقراطي فقط مطلع العام الحالي؛ أي قبل أقل من شهرين على الانتخابات الأولية التي حملتها إلى زعامة الحزب الذي قالت «إن ساعة تغييره قد أزِفت، وليس من حقّنا أن نخون الثقة التي منحَنا إياها الناخبون».

إلى اليسار.. دُر!
في الواقع، شكّل انتخاب شلاين مفاجأة كبيرة، إذ كانت جميع الاستطلاعات ترجّح فوز منافسها المخضرم ستيفانو بوناتشيني، الذي كانت حتى أواخر العام الماضي نائبته في رئاسة إقليم إيميليا - رومانيا، المَعقل الرئيسي للحزب الديمقراطي، وعاصمته مدينة بولونيا. وما يُذكر أن هذا الحزب يجهد منذ سنوات لاستعادة الموقع الريادي الذي خسره في عام 2017 إثر استقالة أمينه العام ورئيس الحكومة الأسبق ماتّيو رينزي، وخروجه لاحقاً منه لتأسيس تنظيم سياسي جديد... فشل حتى الآن في إيجاد موقع له بالصفوف الأمامية من المشهد السياسي في البلاد.
شلاين نالت 54 % من الأصوات، مقابل 46 % لمنافِسها، وحققت انتصارها إثر حصولها على ضِعفيْ عدد أصواته في المدن الكبرى مثل روما وميلانو ونابولي وجنوى وبولونيا. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الانتخابات الأولية التي يُجريها الحزب الديمقراطي منذ تأسيسه ليست مقصورة على الأعضاء المنتسبين، بل هي مفتوحة أمام جميع المواطنين مقابل رسم رمزي وتعهُّد بتأييد مرشحي الحزب في الانتخابات التالية. وكان لافتاً أن بوناتشيني فاز بغالبية أصوات الأعضاء المنتسبين، بينما اكتسحته شلاين بفارق كبير بأصوات المناصرين غير المنتسبين.
فوز شلاين هذا يُعدُّ مؤشراً واضحاً على رغبة واسعة في دفع الحزب الديمقراطي نحو المواقف اليسارية التي كان قد نأى عنها في السنوات الأخيرة، وأيضاً في العودة إلى جذوره التأسيسية بعد ميله إلى اعتدال المواقف «الديمقراطية الاجتماعية»، وهو الأمر الذي أدى إلى انشقاق بعض تياراته لتأسيس أحزاب صغيرة على يساره، مما أفقده كثيراً من حضوره في البرلمان.
ومن ثَم يعوِّل كثيرون، اليوم، على شلاين لإعادة توحيد هذه التيارات تحت راية الحزب الذي تَعاقب 9 أمناء عامّين على زعامته في غضون السنوات الـ15 المنصرمة. كذلك يعوِّل آخرون على قدرتها في فتح قنوات للحوار مع حركة «النجوم الخمس»؛ تمهيداً لبناء تحالفات معها تأهباً للانتخابات المقبلة. ولدى إعلان النتائج صرّح آكيلي أوكيتّو، آخِر أمين عام للحزب الشيوعي الإيطالي والرأس المخطط لحلّه وتشكيل الحزب الديمقراطي على أنقاضه، مرحباً: «... وأخيراً هبّت نسائم جديدة على الحزب، إنها ساعة الدمج بين الطوباوية (المثالية) والبراغماتية».
في المقابل، في أول تصريحات لشلاين بعد فوزها، قالت الأمين العام الجديدة: «معاً صنعنا هذه الثورة، وأظهرنا للجميع أن الحزب الديمقراطي ما زال على قيد الحياة وجاهزاً لكي يستعيد دوره الريادي في الدفاع عن الحقوق المدنية». أما منافِسها ستيفانو بوناتشيني فقد سارع بعد إعلان النتائج النهائية إلى تهنئتها، واضعاً نفسه في تصرّفها، وداعياً إلى الالتفاف حولها، إذ قال: «لقد أظهرت إيلي شلاين أنها أكفأ مني في إيصال رسائلها إلى الناخبين وإعطاء معنى لفكرة التجديد، وهي تستحق كل الدعم لمواجهة المسؤوليات الكبيرة التي تنتظرها».

التحديات المرتقبة الآن
أول التحديات - وربما الامتحان الأصعب - أمام شلاين هو الانفتاح على الأحزاب والقوى اليسارية والتقدمية ونسج التحالفات التي فشل الحزب الديمقراطي في نسجها معها قبل الانتخابات العامة الأخيرة، وهي الانتخابات التي مُني فيها الحزب بهزيمة قاسية، بعدما قرر خوضها منفرداً رغم إدراكه أن ذلك القرار كان بمثابة «انتحار سياسي» في ظل قانون انتخابي يكافئ التحالفات الكبيرة، مثل التحالف اليميني، وهو (أي الحزب الديمقراطي) الذي وضعه عندما كان في الحكومة.
وما يستحق الذكر هنا أن الحزب الديمقراطي لم ينتصر قط في الانتخابات العامة منذ تأسيسه، لكنه أظهر دائماً قدرة فائقة على التوصل إلى عقد اتفاقات وتحالفات برلمانية مكّنته من المشاركة في جميع الحكومات التي تشكّلت حتى أواخر العام الفائت، لا بل نجح في تولي رئاسة اثنتين منها.
ومن التحديات الأخرى التي تنتظر شلاين وتستحوذ على قدر كبير من الترقب في الأوساط السياسية المحلية والأوروبية، موقفها من الحرب الدائرة في أوكرانيا، وخصوصاً مواصلة تزويد الجيش الأوكراني بالأسلحة وتدريب أفراده. وكانت شلاين قد أيّدت، نهاية العام الماضي، مشروع قانون في البرلمان يسمح للحكومة بالاستمرار في تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا. غير أن دائرة المعارضين لمواصلة هذا الدعم اتسعت، خلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما في أوساط القوى والأحزاب التي من المفترض أن ينسج الحزب الديمقراطي تحالفات انتخابية معها في المستقبل القريب.
وراهناً، تتضارب آراء المحللين حول المصير التي ينتظر الحزب الديمقراطي مع زعيمته الجديدة، إذ يعتبر بعضهم أن انتخابها ليس سوى قفزة يائسة في الفراغ، خصوصاً أن آفاق التحالفات التي يمكن أن تعقدها لخوض الانتخابات المقبلة تبدو شبه معدومة. وفي المقابل يرى آخرون أن فوزها يشكّل تحفيزاً وتنشيطاً لقواعد الحزب التي ابتعدت عن المشاركة في الانتخابات الأخيرة بعد الخيبات المتكررة التي تسببت بها الخلافات الشخصية بين زعمائه والتناحر بين تياراته، وأن قيادة شلاين من شأنها استعادة للروح اليسارية التي تخلّى عنها، وكانت - في رأي كثيرين - السبب الرئيس في الهزائم والانشقاقات التي تعرّض لها في السنوات الأخيرة.
من ناحية أخرى، لا شك في أن العامل النسائي لعب دوراً مهماً أيضاً في وصول شلاين إلى زعامة الحزب الديمقراطي الذي - على غرار جميع الأحزاب والقوى اليسارية الإيطالية - يرفع لواء المساواة بين الرجال والنساء، إلا أنه نادراً جداً ما فتح الباب للمرأة لتولي مناصب قيادية. هذا فضلاً عن أن وصول زعيمة حزب «إخوان إيطاليا» جيورجيا ميلوني إلى رئاسة الحكومة اليمينية الحالية لأول مرة في تاريخ إيطاليا، كان من العوامل المحفّزة التي دفعت عدداً كبيراً من النساء للمشاركة في الانتخابات الأولية للحزب الديمقراطي وتعزيز موقع شلاين، كما تبيَّن من توزيع الأصوات بعد تحليل النتائج.

الرهان على تحقيق التغيير
على أي حال، من الرسائل الانتخابية التي ركّزت عليها شلاين، خلال حملتها، رفضها القاطع لوقوع الحزب الديمقراطي في قبضة نخبة من القياديين المهتمين بتقاسم المناصب والمغانم بعد كل انتخابات... متجاهلين القاعدة ومطالبها. وليس مستبعداً، لا بل من شبه المؤكَّد، أن القيادات التقليدية للحزب التي أيدّ معظمها المرشح المنافس لشلاين، لن تسهّل مهامّ الزعيمة الجديدة التي سارعت إلى إحاطة نفسها بقيادات جديدة شابة، وأيضاً ببعض المخضرمين في الحزب الذين راهنوا على فوزها. واليوم، يشدد محللون على أن محكّ نجاحها سيكون مصداقية التحالفات التي ستتمكن من إقامتها، وقدرتها على تحقيق نتائج في الانتخابات المقبلة.
في هذا الإطار، ثمّة من يرجّح أن شلاين قد تفاجئ الجميع مرة أخرى بفتح قنوات الحوار مع قوى المعارضة في وجه حكومة ميلوني، غير أنها ستعزف عن طرح أي تحالفات معها قبل معرفة نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي في ربيع العام المقبل. وبالفعل، يقول مقرّبون منها إنها تراهن بقوة على هذا الاستحقاق الانتخابي بعد الإقبال الواسع الذي شهدته الانتخابات الأولية للحزب، عندما حصرت كل أوراق معركتها في الدفاع عن حقوق العمال والمساواة والعدالة الاجتماعية، وبهذا استقطبت مئات الآلاف من المواطنين الذين كانوا قد ابتعدوا عن المشاركة في الانتخابات العامة والإقليمية الأخيرة.
على الصفة الأخرى يتوقع مراقبون أن تؤدي الاهتزازات الأخيرة التي بدأت تعاني منها حكومة ميلوني - من تعثّر علاقاتها الأوروبية إلى تصريحات حليفها سيلفيو برلوسكوني حول الحرب في أوكرانيا وسوء إدارتها كارثة المهاجرين الأخيرة - إلى توفير أرض خصبة لشلاين تتيح لها إرساء قاعدة صلبة لفتح جبهة معارضة واسعة مع الحكومة... التي لم يعد مستبعداً أن تتعمق الخلافات داخلها وتظهر أكثر إلى العلن.
الذين رافقوا شلاين، خلال الأشهر الأخيرة منذ أعلنت ترشحها لمنصب الأمين العام للحزب الديمقراطي، يؤكدون أن معركتها التالية ستكون على جبهتين: الأولى للتحرر من التأثير العميق للتيارات الداخلية في الحزب، والثانية منع تحوّل الحزب إلى مَعقل حصين لبقايا اليسار من غير حضور فاعل في المشهد السياسي الإيطالي، على غرار ما حصل للحزب الاشتراكي الفرنسي في السنوات الأخيرة. ومن ثم إذا تمكنت من تحقيق الانتصار على هاتين الجبهتين ستصبح جاهزة لمعركتها الثالثة والحاسمة ضد «غريمتها» اليمينية رئيسة الحكومة جيورجيا ميلوني.


مقالات ذات صلة

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

إيطاليا ترفع الحظر عن «تشات جي بي تي»

أصبح برنامج «تشات جي بي تي» الشهير الذي طورته شركة الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» متاحا مجددا في إيطاليا بعد علاج المخاوف الخاصة بالخصوصية. وقالت هيئة حماية البيانات المعروفة باسم «جارانتي»، في بيان، إن شركة «أوبن إيه آي» أعادت تشغيل خدمتها في إيطاليا «بتحسين الشفافية وحقوق المستخدمين الأوروبيين». وأضافت: «(أوبن إيه آي) تمتثل الآن لعدد من الشروط التي طالبت بها الهيئة من أجل رفع الحظر الذي فرضته عليها في أواخر مارس (آذار) الماضي».

«الشرق الأوسط» (روما)
العالم إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

إيطاليا في «يوم التحرير»... هل تحررت من الإرث الفاشي؟

في الخامس والعشرين من أبريل (نيسان) من كل عام تحتفل إيطاليا بـ«عيد التحرير» من النازية والفاشية عام 1945، أي عيد النصر الذي أحرزه الحلفاء على الجيش النازي المحتلّ، وانتصار المقاومة الوطنية على الحركة الفاشية، لتستحضر مسيرة استعادة النظام الديمقراطي والمؤسسات التي أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم. يقوم الدستور الإيطالي على المبادئ التي نشأت من الحاجة لمنع العودة إلى الأوضاع السياسية التي ساهمت في ظهور الحركة الفاشية، لكن هذا العيد الوطني لم يكن أبداً من مزاج اليمين الإيطالي، حتى أن سيلفيو برلوسكوني كان دائماً يتغيّب عن الاحتفالات الرسمية بمناسبته، ويتحاشى المشاركة فيها عندما كان رئيساً للحكومة.

شوقي الريّس (روما)
شمال افريقيا تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

تعاون مصري - إيطالي في مجال الاستثمار الزراعي

أعلنت الحكومة المصرية عن عزمها تعزيز التعاون مع إيطاليا في مجال الاستثمار الزراعي؛ ما يساهم في «سد فجوة الاستيراد، وتحقيق الأمن الغذائي»، بحسب إفادة رسمية اليوم (الأربعاء). وقال السفير نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إن السفير الإيطالي في القاهرة ميكيلي كواروني أشار خلال لقائه والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، (الأربعاء) إلى أن «إحدى أكبر الشركات الإيطالية العاملة في المجال الزراعي لديها خطة للاستثمار في مصر؛ تتضمن المرحلة الأولى منها زراعة نحو 10 آلاف فدان من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إليها مصر، بما يسهم في سد فجوة الاستيراد وتحقيق الأمن الغذائي». وأ

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
TT

«صراع الأضداد» في فرنسا يحمى وطيسه

ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)
ميلونشون يحيي مناصريه اليساريين (آ ف ب /غيتي)

مرحلتا «التعايش» أو «المساكنة» الأولى والثانية في فرنسا كانتا في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران الاشتراكي مع رئيسيْ حكومة من اليمين الديغولي هما جاك شيراك (بين عاميْ 1986 و1988) وإدوار بالادور (بين 1993 و1995)، ثم في زمن الرئيس شيراك، حين شغل الاشتراكي ليونيل جوسبان منصب رئاسة الحكومة طيلة خمس سنوات (1997 و2002). وانتهت المرحلة الأخيرة بإعادة انتخاب شيراك لولاية ثانية من خمس سنوات.

الحكم العامودي

رغم تعاقب العهود والتغيّرات في الآيديولوجيا والأولويات وبرامج الحكم، لم تعرف حقاً أزمات خطيرة؛ بفضل صلابة المؤسسات التي أرساها الجنرال شارل ديغول التي وفرت التعاقب السلمي والسلس على السلطة.

أما اليوم، فإن قراري الرئيس إيمانويل ماكرون، مساء 9 يونيو (حزيران) الماضي، حل البرلمان بعد الهزيمة التي ضربت تحالف الأحزاب الثلاثة المؤيدة له في الانتخابات الأوروبية، والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة، أدخلا فرنسا في أزمة عميقة لا أحد يعرف كيف الخروج منها ولا الحدود التي ستقف عندها.

لوبن ومعها بارديلا (آ ب)

ويوماً بعد يوم، تتكشف الظروف، التي أحاطت بقرار ماكرون الفجائي، الذي اتخذه بمعزل عن الحكومة ومن دون القيام بالمشاورات التي يُلزمه بها الدستور، وتحديداً مع رئيسيْ مجلسي الشيوخ والنواب ورئيس الحكومة. ولم يعد سراً أن الأخير، غابرييل أتال (35 سنة)، كان معارضاً بقوة لقرار ماكرون الذي يدين له بكل شيء، ولكونه أصغر رئيس حكومة في تاريخ البلاد منذ عام 1802، حين وصل الجنرال نابوليون بونابرت - ولاحقاً الإمبراطور - إلى منصب «القنصل الأول» ما يساوي منصب رئيس الحكومة.

كذلك اعتبر إدوار فيليب، رئيس الحكومة الأسبق، والرئيس الحالي لحزب «هورايزون» المتحالف مع ماكرون، أن الأخير «قتل الأكثرية الرئاسية»، لذا «يتوجب الذهاب إلى أكثرية مختلفة لن تكون كسابقتها». أما فرنسوا بايرو، الحليف الرئيس لماكرون ورئيس حزب «الحركة الديمقراطية» المنضوية تحت لواء التحالف الداعم له، فرأى أن المعركة الانتخابية التي تلي حل البرلمان «ليست معركة سياسية بل صراع من أجل البقاء».

ماكرون ومجموعته الضيقة

بناءً عليه، صار واضحاً، اليوم، أن ماكرون اتخذ قراره مع مجموعة ضيقة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. وفي اجتماع دُعيت إليه في قصر الإليزيه يائيل بيفيه ـ براون، رئيسة مجلس النواب، ليس للتشاور، بل لإبلاغها قراره، طلبت منه الأخيرة اجتماعاً على انفراد لتبلغه رفضها حل البرلمان الذي ترأسه منذ سنتين، مذكّرة إياه بالمادة الدستورية التي تُلزم رئيس الجمهورية بالتشاور معها. ولقد وافق ماكرون على طلبها، إلا أن الاجتماع، في غرفة جانبية، لم يدُم سوى دقيقتين.

ما حصل مع بيفيه ـ براون، جرى أيضاً مع جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ، المنتمي إلى اليمين التقليدي - حزب «الجمهوريون» - والرجل الثاني في الدولة الذي يشغل هذا المنصب، من غير انقطاع، منذ عام 2014.

إذ نقلت صحيفة «لوموند» أن لارشيه، الذي لم يكن حاضراً الاجتماع الطارئ في الإليزيه، تلقى اتصالاً هاتفياً من ماكرون، في الثامنة والربع من مساء التاسع من يونيو (حزيران) الماضي، وأن الاتصال دام دقيقة ونصف الدقيقة.

وتابعت الصحيفة أن لارشيه، الطبيب البيطري السابق، انتقد ماكرون؛ لعدم احترامه المادة 12 من الدستور، الأمر الذي عدَّه «انتقاصاً من دور المؤسسة التي يرأسها»، وبالتالي من منصبه ومنه شخصياً. وسأل لارشيه، ماكرون: «هل فكّرت ملياً بما قرّرت فعله؟»، وجاء ردّ رئيس الجمهورية: «نعم، أنا أتحمل كامل المسؤولية ومستعد للتعايش» مع حكومة من غير معسكره السياسي.

التعايش مع اليمين المتطرف!

بالنظر لنتائج الانتخابات الأوروبية، التي شهدت احتلال حزب «التجمع الوطني»، اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن، وترؤس الشاب جوردان بارديلا لائحتها، المرتبة الأولى وحصوله على 34 في المائة من الأصوات، كان ماكرون يعني التعايش مع حكومة من اليمين المتطرف. وهذا ما كان سيُدخل فرنسا نادي الدول التي سيطر عليها هذا اليمين؛ أكان بالكامل كما في إيطاليا وهولندا، أم جزئياً كما في المجر والدنمارك والسويد.

إلا أن لارشيه، المعروف باعتداله ووسطيته، انتقد نهج الحكم الماكروني قائلاً له أن «عمودية حكمه - أي إمساكه بالقرار السياسي وحرمان حكومته من هامش من التصرف - قادته إلى العزلة التي يعاني منها راهناً». وخلاصة القول إن قلة اكتراث ماكرون بالمؤسسات وبدور رئيس الحكومة والنقابات، وما يسمى الهيئات الوسيطة، كالنقابات مثلاً، أدت إلى «القطيعة مع الرئيس»، بمن في ذلك المرشحون للانتخابات التي أُجريت دورتاها يوميْ 30 يونيو، و7 يوليو (تموز) الحالي. وكان من أبرز معالم هذه القطيعة أن أحداً من المرشحين لم يطلب دعم ماكرون في حملته الانتخابية؛ لأنه اعتبر أن حضوره سيؤدي إلى نتائج عكسية. كذلك كان اللافت أن أياً من المرشحين لم يضع صورته إلى جانب صورة ماكرون على ملصقاته الانتخابية.

تبعات المبادرة الماكرونية..

لقد أفادت نتائج الدورة الانتخابية الأولى الرسمية والنهائية، التي صدرت عن وزارة الداخلية، أن حزب «التجمع الوطني»، ومعه حليفه أريك سيوتي، رئيس حزب «الجمهوريون» المنشقّ والملتحق بـ«التجمع الوطني»، حصل على 33.15 في المائة من أصوات الناخبين، وعلى 10.7 مليون صوت، في تحوّل لم يعرفه سابقاً، كما تمكّن 37 من مرشحيه من الفوز منذ الجولة الأولى.

ثم حلّت «الجبهة الشعبية الجديدة»، التي تشكلت في وقت قياسي، والتي تضم ثلاثة أحزاب يسارية وحزب «الخضر»، في المرتبة الثانية بحصولها على 28 في المائة من الأصوات.

أما «ائتلاف الوسط»، الداعم لماكرون وعهده، فقد حلّ في المرتبة الثالثة، إذ رسا على ما دون عتَبة الـ21 في المائة. وللعلم، تمكّن اليسار من إيصال 32 نائباً منذ الدورة الأولى، مقابل نائبين فقط للائتلاف الأخير. وأصاب الانهيار أحزاب العهد الثلاثة في الصميم، وكذلك حزب «الجمهوريون» الذي تقلّص ناخبوه إلى 6.75 في المائة، بعدما هيمن، طيلة عقود، على الحياة السياسية في فرنسا.

نعم، جاءت نتائج الجولة الأولى صادمة وبمثابة قرع لجرس الإنذار محذِّرة من وصول اليمين المتطرف إلى السلطة عبر الانتخابات البرلمانية. وطيلة الأسبوع الفاصل بين الجولتين الأولى والثانية، كان السؤال المحوَري يدور حول ما إذا كان اليمين المتطرف سيحصل على الأكثرية المطلقة في البرلمان أم لا.

وأخذ جوردان بارديلا، الذي رشحه «التجمع الوطني» لرئاسة الحكومة، بينما تتحضر مارين لوبن للعبور إلى قصر الإليزيه في الانتخابات الرئاسية لعام 2027، يتكلّم إلى الإعلام وكأنه واصل غداً إلى رئاسة الحكومة.

بيد أن هذه النتائج دفعت «الجبهة الشعبية الجديدة» و«ائتلاف الوسط»، رغم التباعد الآيديولوجي والسياسي بينهما والحملات السياسية والشخصية العنيفة المتبادلة طيلة ثلاثة أسابيع، إلى الاتفاق على سحب مرشحيهما من الدوائر التي حلّوا فيها في المرتبة الثالثة لكي تصب الأصوات كافة لصالح المرشح المناهض لليمين المتطرف، مهما كان لونه السياسي. والحقيقة أن «معجزة» تحقّقت، واتفق الطرفان على سحب 220 مرشحاً أكثريتهم من جبهة اليسار، الأمر الذي قلَب النتائج المرتقبة سلفاً رأساً على عقب.

ظواهر فرضت نفسها

في أي حال، ثمة أربع ظواهر فرضت نفسها:

الأولى أن «الجبهة الجمهورية» التي شكلت لوقف زحف اليمين المتطرف إلى السلطة نجحت في مهمتها. فبدل أن تثبت جولة الإعادة نتائج الجولة الأولى، ها هو اليمين المتطرف يحل في المرتبة الثالثة، ما وأد أحلامه السلطوية مع أنه نجح في إيصال 125 نائباً إلى البرلمان الجديد، مقابل 89 نائباً في البرلمان السابق.

والثانية أن جبهة اليسار، ومَن انضم إليها، حلّوا في المرتبة الأولى مع 195 نائباً، يتبعهم في ذلك ائتلاف الوسط الرئاسي (166 نائباً) الذي خسر 84 نائباً.

والثالثة أن أية مجموعة من المجموعات الرئيسة الثلاث لم تحصل على الأكثرية المطلقة (289 نائباً) أو لامستها، الأمر الذي أوجد وضعاً سياسياً بالغ التعقيد، وجعل تشكيل حكومة جديدة صعب المنال.

والرابعة قوامها أن القرار السياسي انتقل من قصر الإليزيه، حيث خرج ماكرون ضعيفاً في المنافسة الانتخابية بسبب ضعف مجموعته السياسية وفقدان سيطرته على المجموعات الأخرى، إلى البرلمان. وهو ما أعاد فرنسا - بمعنى ما - إلى عهود «الجمهورية الرابعة» عندما كان القرار بيد المشرّعين وليس بيد رئيس الجمهورية.

انتخابات بلا فائز

يعطي الدستور الفرنسي تسمية رئيس الحكومة لرئيس الجمهورية، كما أنه لا يُلزمه بمهلة محددة لاختياره. بيد أن العُرف يقول إنه يتوجب عليه أن يُوكل المهمة إلى شخصية من «التجمع»، أو الحزب الفائز بالانتخابات، أو الذي يحل في المرتبة الأولى؛ أي في حالة الانتخابات الأخيرة، إلى «الجبهة الشعبية الجديدة».

بيد أن ماكرون يتمهل وتجمعه (ائتلاف الوسط)، ومعهما اليمين التقليدي (حزب «الجمهوريون»)، الذي حصل على 65 نائباً. وهؤلاء يراوغون ويستمهلون ويسوّقون الأعذار لمنع اليسار من الوصول إلى السلطة بحجة هيمنة حزب «فرنسا الأبية»، والمرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون، عليه. ومنذ الأحد الماضي، يوجه هؤلاء سهامهم على ميلونشون؛ لأنهم يرون فيه نقطة الضعف الرئيسة، ويواظبون على نعته بـ«معاداة السامية»، وبالسعي لهدم النظام الديمقراطي، وإثارة الفوضى والطوائفية.

وتضاف إلى ما سبق حجتان: الأولى أن اليسار عاجز عن توفير أكثرية في مجلس النواب باعتبار أنه ليست ثمة مجموعة من المجموعتين الكبريين تقبل بالتحالف معه للوصول إلى العدد السحري (289 نائباً). والثانية أن «لا أحد فاز في الانتخابات الأخيرة»، كما أكد وزير الداخلية جيرالد درامانان... باعتبار أن المجموعات الثلاث نالت أعداداً متقاربة من النواب.

وبالفعل، سارع ماكرون إلى استخدام الحجة الأخيرة في «الرسالة» التي وجّهها إلى الفرنسيين، الأربعاء، عبر الصحافة الإقليمية - وهي الثانية من نوعها منذ حل البرلمان. وعمد الرئيس إلى استخلاص النتائج وطرح تصوّره للأيام المقبلة، فيما تجهد جبهة اليسار، بشِق النفس وبمفاوضات شاقة، إلى التوافق حول اسم مرشح تطرحه لرئاسة الحكومة وسط كمٍّ من الأسماء.

وهنا، لم يتردد أوليفيه فور، أمين عام الحزب الاشتراكي، في طرح نفسه للمنصب، علماً بأن هناك صراعاً داخلياً قائماً بين الحزب الاشتراكي وحزب «فرنسا الأبية» على تزعّم تجمع اليسار و«الخضر». وحلم ماكرون ومجموعته إحداث شرخ داخل «جبهة اليسار» بحيث يبتعد الاشتراكيون و«الخضر» - وأيضاً الشيوعيون - عن ميلونشون و«فرنسا الأبية»، بحيث يتاح المجال لتشكيل حكومة «قوس قزح» من اليمين وائتلاف الوسط واليسار غير الميلونشوني؛ بمعنى إقصاء أقصى الطرفين خارجها، أي من جهة، اليمين المتطرف ممثلاً بـ«التجمع الوطني»، ومن جهة ثانية، اليسار المتشدد ممثلاً بـ«فرنسا الأبية».

وللتذكير، طلب ماكرون، في رسالته التي لقيت احتجاجات قوية، لا بل تنديداً شديداً بـ«مناورته» الجديدة، من «كل القوى السياسية التي ترى نفسها داخل المؤسسات الجمهورية، أن تنخرط في حوار صادق ونزيه من أجل بناء أكثرية صلبة تكون بطبيعة الحال متعددة». وأردف أنه يريد «التمهّل بعض الوقت من أجل التوصل إلى تسويات بهدوء واحترام للجميع»، مكرّراً من جديد أن «لا أحد فاز» في هذه الانتخابات.