بائعو المشروبات الكحولية في العراق يواجهون «شبح البطالة»

غموض يكتنف تنفيذ قانون يحظرها وينص على عقوبة تصل إلى 25 مليون دينار

محل لبيع المشروبات الروحية في البسماية على بُعد 30 كيلومتراً جنوب بغداد (الشرق الأوسط)
محل لبيع المشروبات الروحية في البسماية على بُعد 30 كيلومتراً جنوب بغداد (الشرق الأوسط)
TT

بائعو المشروبات الكحولية في العراق يواجهون «شبح البطالة»

محل لبيع المشروبات الروحية في البسماية على بُعد 30 كيلومتراً جنوب بغداد (الشرق الأوسط)
محل لبيع المشروبات الروحية في البسماية على بُعد 30 كيلومتراً جنوب بغداد (الشرق الأوسط)

يواجه الشاب العراقي زيد النيساني، العامل في مجال بيع المشروبات الكحولية، «شبح البطالة» بعدما نشرت الجريدة الرسيمة (الوقائع) قبل نحو أسبوعين قانوناً أقره البرلمان قبل سنوات يقضي بحظر تصنيع وبيع المشروبات الكحولية في العراق.
فالنيساني (30 عاماً)، وهو من الأقلية الإيزيدية، هرب وأسرته من ضمن من هربوا من سكان ناحية بعشيقة (25 كيلومتراً جنوب محافظة الموصل) في يونيو (حزيران) 2014 إلى محافظة دهوك في إقليم كردستان بعد سيطرة تنظيم «داعش» على معظم مناطق محافظة نينوى. حياة النيساني لم تكن مثالية في محافظة دهوك مع انعدام فرص العمل و«توجس» سكانها من الإيزيديين بشكل عام، بوصفهم طائفة غير مسلمة، فاضطر لمغادرتها إلى بغداد، المدينة التي وُلد وعاش فيها شطراً من حياته، والتي كان قد غادرها إلى بعشيقة في ذروة أعمال القتل والتفجيرات في بغداد عام 2007، ثم عاد إليها في 2016 على أمل الحصول على فرصة عمل في أسواق ومحال بيع المشروبات الكحولية التي يعمل في مجالها كثيرون من جماعته، خصوصاً أنه عجز عن اللحاق بأفراد أسرته الذين فرَّ بعضهم إلى أميركا وأوروبا.
- «إبادة من نوع آخر»
وبالفعل، اشتغل النيساني في مجال بيع المشروبات منذ 2016 في بغداد، حيث أتمّ مراسم خطبته على قريبته، على أمل الاستمرار في عمله المعتاد. لكنه فوجئ بقرار «حظر استيراد وتصنيع وبيع المشروبات الكحولية» الذي صوَّت عليه البرلمان نهاية عام 2016 ولم يخرج للعلن إلا بعد نشره في جريدة «الوقائع» الرسمية قبل نحو أسبوعين. ومعروف أن القوانين التي يقرها البرلمان أو الحكومة لا تأخذ طريقها إلى التنفيذ، إلا بعد نشرها في الجريدة الرسمية المشار إليها. وينص القانون على فرض عقوبة تتراوح بين 10 ملايين و25 مليون دينار عراقي (من 7 آلاف إلى 16 ألف دولار) على المتاجرين بالمشروبات، لكنه لم يضع عقوبة على المتعاطين.
ورغم سريان مفعول القانون وإمكان السلطات إغلاق محال المشروبات في أي لحظة، فإن ذلك لم يحدث حتى الآن، وما زال النيساني ورفاقه من الإيزيديين الذين تقدَّر أعدادهم بالآلاف، على حد قوله، يعملون في محال بيع الكحوليات، لكنهم يشعرون بعدم أمان واطمئنان لإمكانية خسارتهم فرص عملهم في أي لحظة.
في حديث مشوب بالانزعاج والألم، يقول النيساني لـ«الشرق الأوسط»: «أعرف أن الإيزيديين تعرضوا لـ73 حملة إبادة خلال قرن من الزمن تقريباً، ثم لحقتها إبادة (داعش) الكارثية، لكنني لم أتوقع أن تمارس السلطة العراقية علينا إبادة من نوع آخر لتقطع أرزاقنا ونمط حياتنا وعيشنا».
وعن إمكانية عمله في مجال آخر في حال قررت السلطات تطبيق قانون الحظر، يؤكد النيساني أن «معظم العاملين في هذا المجال سيصبحون عاطلين عن العمل، لأنهم ببساطة سيتركون بغداد ويعودون إلى قضاء سنجار وناحية بعشيقة ومناطق أخرى يوجدون فيها، حيث لا فرص عمل تذكر هناك».
- وصاية أخلاقية
وما زالت الأمور غير واضحة بالنسبة إلى إجراءات السلطة في المضيّ بتطبيق قانون الحظر أو عدم تطبيقه. وسواء مضت السلطات في تطبيق القانون أو تغافلت عنه، فإن المتوقع أن المتعاملين والمتعاطين للخمور لن يتوقفوا عن ذلك، خصوصاً أنهم واجهوا، بعد عام 2003، صنوف الترهيب من الجماعات المسلحة في أحيان كثيرة، ومن السلطات الرسمية كذلك، إذ تفرض تلك السلطات في معظم محافظات وسط وغرب وجنوب البلاد منذ سنوات، ما يشبه «الوصاية الأخلاقية» غير القانونية على الناس، لجهة منعهم من تعاطي الكحول، علماً بأن تعاطيه غير ممنوع بقانون رسمي. أما بالنسبة إلى الجماعات الدينية المتشددة، سواء السُّنية أو الشيعية منها، فقد قامت بعمليات استهداف واسعة لمحال بيع الخمور في بغداد على وجه التحديد خلال العقدين الأخيرين، وراح ضحية تلك الاستهدافات عشرات القتلى من الباعة وأغلبهم من الأقليات الدينية. ففي منتصف مايو (أيار) 2013، على سبيل المثال لا الحصر، أودى هجوم مسلح على محلات الخمور في منطقة زيونة ببغداد بحياة 15 بائعاً جميعهم ينتمي إلى الطائفة الإيزيدية.
وعشية إصدار قانون حظر المشروبات، الأسبوع الماضي، شنت جماعات عشائرية قبل أيام هجوماً على محل لبيع المشروبات بقضاء الشامية في محافظة الديوانية الجنوبية وحُطمت محتوياته.
- غياب الإحصاءات
ومع غياب الإحصاءات الحكومية الرسمية، يصعب التكهن بحجم كميات الخمور الداخلة إلى البلاد وكذلك حجم محال وأندية وملاهي بيع الخمور، لكنّ حكمت هوازن الذي يملك نادياً لبيع المشروبات في منطقة البتاويين في الباب الشرقي، يقدِّر أن في «بغداد وحدها يوجد أكثر من 500 مكان لبيع الخمور، تتوزع بين نادٍ ومكتب ومحل للمفرد المختوم وملهى ليلي».
ويضيف هوازن، وهو الآخر من الطائفة الإيزيدية، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «الفوضى تلعب دوراً أساسياً في قضية بيع الخمور بشكل عام. لاحظِ أن جميع الملاهي والأندية الليلية والبارات العادية لا تتمتع بوجود قانوني، بمعنى أن الجهات المعنية لم تمنحها إجازات عمل أصولية، من هنا فإن معظمها عُرضة للابتزاز». ويتابع أن «السلطات العراقية منذ عام 1996 أوقفت الترخيص لأماكن البيع، باستثناء منحها رخصاً محدودة لمكاتب البيع بالجملة ومحال المفرد المختوم، وظل الأمر قائماً على هذا المنوال حتى اليوم، ومع ذلك تتعمد السلطات في بعض المحافظات عدم منح رخص البيع حتى للمكاتب ومحال المفرد».
وبشأن ما يتردد عن قيام جماعات محسوبة على أحزاب وميليشيات مسلحة بحماية النوادي ومحال الخمور مقابل «إتاوات» تحصل عليها، يقول هوازن: «في السابق كان الأمر كذلك، لكنه تراجع خلال السنوات القليلة الأخيرة، لكن المؤكَّد أن أحزاباً وميليشيات نافذة تحمي وتؤمِّن وصول عشرات الشاحنات المحمَّلة بالكحول إلى بغداد وبقية المحافظات يومياً، تأتي في الغالب من مناطق إقليم كردستان».
وعن توقعاته لتداعيات قرار الحظر، ذكر أن «السلطات لم تبلغنا بأي شيء ولا نعلم ما سيحلّ بنا مستقبلاً، أخشى أن السلطات ستستثمر سياق المنع في شهر رمضان لتفرض بعد ذلك علينا قرار الحظر». وحول معامل إنتاج وتصنيع الخمور في العراق، يؤكد هوازن «عدم وجود أي معمل لصناعة الخمور في المحافظات العراقية، باستثناء إقليم كردستان. السلطات هناك تسمح بذلك لكن بصورة غير علنية ومعروفة، لكنها لا تمانع في الأمر».
- فسحة الإقليم
وكانت وزارة الثقافة في إقليم كردستان قد أعلنت في وقت سابق أنها غير معنية بتطبيق قانون حظر المشروبات الكحولية، ويتمتع الإقليم منذ سنوات طويلة بفسحة كبيرة بالنسبة لتجارة بيع الخمور وتعاطيها.
وخلافاً لسكوت معظم النواب في البرلمان عن قانون الحظر، طالب النائب عن الحزب «الديمقراطي» الكردستاني شريف سليمان (الثلاثاء)، المحكمة الاتحادية برفض القانون، ورأى أن فيه «تطاولاً» لا يقبله الشعب العراقي.
وقال سليمان في بيان، إن «ما يثير الدهشة والاستغراب هو تفعيل قانون حظر بيع واستيراد وتصنيع المشروبات الكحولية رغم تأكيد الدستور العراقي في الكثير من مواده الأساسية ومواد أخرى حماية صيانة الحريات الخاصة والعامة والخصوصيات الشخصية ومبدأ الديمقراطية، ناهيك بكون العراق بلداً متعدد القوميات والأديان والمذاهب والثقافة». وأضاف أن «إقرار هكذا قوانين هو محاولة لتغيير نهج الدولة، وهذا تطاول آخر لا يفهمه ولا يقبله الشعب العراقي».
ويرى قاضي النزاهة السابق رحيم العكيلي، أن «منع المشروبات الكحولية هو إعلان دعم لتجارة وتعاطي المخدرات من خلال منع منافسة تعاطي المشروبات الكحولية لتلك التجارة الإجرامية المزدهرة رغم خطورة المخدرات العظيمة قياساً بالمشروبات الكحولية». وعن الآثار الاقتصادية السلبية المحتملة لتطبيق القانون يقول إنه «سيتسبب بإهدار كامل لموارد اقتصادية كبيرة للدولة تأتي من الرسوم الجمركية التي تُفرض على استيراد تلك المشروبات، وفي مقابل هذه الضياعات المالية ستنشأ عن تطبيق هذا القانون سوق سوداء خفية أو شبه علنية لتصنيع وتهريب وبيع المشروبات الكحولية».
ولم يصدر قانون مماثل لحظر المشروبات في تاريخ الدولة العراقية المعاصر، باستثناء إقدام السلطات على «تطبيق منع بيع الخمور بشكل علني في نهارات شهر رمضان احتراماً لقدسية الشهر، ثم أصبح المنع طوال شهر رمضان»، وفي 1996 إبان ذروة «الحملة الإيمانية» التي دشّنها حكم الرئيس الراحل صدام حسين أبقت الحملة على منافذ بيع الخمور لمن يريد أن يتعاطاه في بيته أو في مناسباته الخاصة.


مقالات ذات صلة

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

المشرق العربي انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

راجت أنباء عن وقوع محاولة لقتل مسؤول كردي سوري بارز في السليمانية بشمال العراق مساء اليوم الجمعة. فقد أورد موقع «صابرين نيوز» القريب من الحرس الثوري الإيراني، نقلاً عن «مصادر كردية»، أن قصفاً استهدف قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي «في محاولة اغتيال فاشلة بواسطة طائرة مسيّرة». من جهتها، أعلنت مديرية قوات الأمن (آسايش) في مطار السليمانية أنها تحقق في انفجار وقع قرب سياج مطار السليمانية دون أن يسفر عن خسائر بشرية أو مادية، مشيرة إلى أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحريق الناجم عنه سريعاً، بحسب موقع «رووداو» الكردي.

المشرق العربي مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

في إحدى الكنائس في الأردن، تخيط العشرينية سارة نائل قميصاً ضمن مشروع أتاح لعشرات النساء اللواتي فررن من العنف في العراق المجاور، مهارات لكسب لقمة العيش. نجت نساء عديدات بصعوبة من العنف المفرط الذي مارسته «دولة الخلافة» التي أعلنها تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من العراق وسوريا، قبل أن ينتهي بهن المطاف في الأردن يعانين للحصول على عمل. تنكب سارة نائل (25 عاماً)، وهي لاجئة مسيحية عراقية من بلدة قرقوش تعلمت مهنة الخياطة في الطابق الثالث في كنيسة مار يوسف في عمان، على ماكينة الخياطة في طرف المكان لتخيط قطعة قماش مشرقة زرقاء اللون تمهيداً لصنع قميص. وتقول سارة التي وصلت إلى الأردن عام 2019 وبدأت تعم

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي «الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

«الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة، أمس (الاثنين)، لصالح الدفع قدماً بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة تأكيد دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال. وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتاً، أي تجاوز الستين صوتاً اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو، مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة أمس (الاثنين) لصالح الدفع قدما بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة التأكيد على دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال، وفقاً لوكالة «رويترز». وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتا أي تجاوز الستين صوتا اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع. وجميع الأصوات الرافضة كانت لأعضاء في الحزب الجمهوري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي 20 عاماً على الزلزال العراقي

20 عاماً على الزلزال العراقي

تحلُّ اليومَ، الأحد، الذكرى العشرون للغزو الأميركي للعراق، وهو حدثٌ كان بمثابة زلزال ما زالت المنطقة تعيش تداعياتِه حتى اليوم. لم يستمع الرئيسُ الأميركي آنذاك، جورج دبليو بوش، لتحذيراتٍ كثيرة، غربيةٍ وعربية، سبقت إطلاقَه حرب إطاحة نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003، وحذرته من أنَّ خطوتَه ستفتح «باب جهنم» بإدخال العراق في فوضى واقتتال داخلي وستسمح بانتشار التطرفِ والإرهاب. أطلق بوش حملةَ إطاحة صدام التي أطلق عليها «الصدمة والترويع» ليلة 19 مارس (آذار) بقصفٍ عنيف استهدف بغداد، في محاولة لقتل الرئيس العراقي، قبل إطلاق الغزو البري.


بري لـ«الشرق الأوسط»: اتفاق وقف النار خطوة إلى الأمام... ونرفض التفاوض المباشر

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رويترز)
TT

بري لـ«الشرق الأوسط»: اتفاق وقف النار خطوة إلى الأمام... ونرفض التفاوض المباشر

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رويترز)

أبدى رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري ارتياحه «الحذر» لقرار وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية، مؤكداً في الوقت نفسه رفضه «التفاوض المباشر» مع إسرائيل. وقال إن نظيره الإيراني محمد باقر قاليباف خلال اتصال بينهما، صباح الخميس ، أن وقف النار تم وفق صيغة شاملة ضمّت إيران.

وقال بري، في اتصال مع «الشرق الأوسط» بُعيد صدور الإعلان، إن هذا الاتفاق هو لعشرة أيام مبدئياً، مؤكداً أنه لن يوجّه نداء لعودة أهالي الجنوب إلى قراهم ومنازلهم، قبل التأكد من نضج الظروف الملائمة، خصوصاً أن الإعلان لا يشمل انسحاباً إسرائيلياً من الأراضي اللبنانية في هذه المرحلة.

وقال الرئيس بري في اتصال مع «الشرق الاوسط» بعيد صدور الإعلان ان هذا الاتفاق هو لعشرة أيام مبدئيا، مؤكدا انه لن يوجّه نداء لعودة أهالي الجنوب إلى قراهم ومنازلهم قبل التأكد من نضوج الظروف الملائمة، خصوصا ان الإعلان لا يشمل انسحابا اسرائيليا من الأراضي اللبنانية في هذه المرحلة.

وإذ قارب بري وقف النار بحذر، في ظل «النوايا الإسرائيلية»، قال إن المهم الآن هو أن الملف تحرك، ووقف النار خطوة في الاتجاه الصحيح. وأكد أنه غير خائف على الإطلاق بعد وقف النار على الوضع الداخلي الذي يتمتن أكثر فأكثر.


ترمب يوقف النار بين لبنان وإسرائيل ويدعوهما إلى البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

ترمب يوقف النار بين لبنان وإسرائيل ويدعوهما إلى البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقفاً للنار بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام بدءاً من الساعة 12:00 منتصف ليل الخميس - الجمعة بالتوقيت المحلي، عقب اتصالين منفصلين أجراهما مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ سعياً إلى اجتماع بينهما قريباً في البيت الأبيض، والى إحداث اختراق في المحادثات الوليدة للسلام بين البلدين.

وسبق إعلان ترمب هذا اتصالات صباحية أجراها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، مع عون الذي أبلغه أنه يرفض التحدث مع نتنياهو، مكرراً أن لبنان يرفض إجراء مفاوضات إضافية، بعد المحادثات التمهيدية التي أجريت برعاية روبيو بين السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، إذا لم توافق إسرائيل على وقف القتال الدائر مع «حزب الله».

مواطنون هرعوا إلى سيارة تعرضت لضربة إسرائيلية على طريق بلدة الجية جنوب بيروت (إ.ب.أ)

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر وثيق الاطلاع أن روبيو والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى نقلا إلى الرئيس ترمب هذا الموقف الذي يركز على ضرورة أن يحتذي لبنان وإسرائيل بما فعلته الولايات المتحدة وإيران لجهة وقف النار قبل الشروع في المفاوضات. وأضاف المصدر أن الرئيس ترمب «وافق على هذه المقاربة»، ولكنه شدد على «عدم تلازم المسار اللبناني - الإسرائيلي مع المسار الأميركي - الإيراني» على رغم «أهمية التزامن بينهما».

وعلى الأثر، اتصل ترمب بنتنياهو، طالباً منه وقف النار. وحذّره من أنه إذا لم يفعل فإنه (ترمب نفسه) سيعلن ذلك.

الحرب العاشرة

وفي ضوء هذا التطور، كتب ترمب على منصته «تروث سوشال»: «أجريت للتو محادثات ممتازة مع الرئيس اللبناني المحترم جوزيف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. واتفق الزعيمان على بدء وقف النار لمدة عشرة أيام، ابتداءً من الساعة الخامسة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (12:00 منتصف الليل بتوقيت بيروت)؛ وذلك لتحقيق السلام بين بلديهما». وأضاف: «الثلاثاء، اجتمع البلدان للمرة الأولى منذ 34 عاماً هنا في واشنطن العاصمة، بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. ووجهت نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية روبيو، إلى جانب رئيس هيئة الأركان المشتركة دان رازين كاين، للعمل مع إسرائيل ولبنان لتحقيق سلام دائم». وزاد: «كان لي شرف المساهمة في حل تسع حروب حول العالم، وهذه ستكون الحرب العاشرة، فلنعمل معاً على إنجازها!».

وبعد دقائق، كتب ترمب مجدداً أنه سيدعو نتنياهو وعون إلى البيت الأبيض «لإجراء أولى المحادثات الجادة بين إسرائيل ولبنان منذ عام 1983، أي منذ زمن طويل». وأضاف أن «كلا الجانبين يرغب في تحقيق السلام، وأعتقد أنه سيتحقق سريعاً!».

وقبل ذلك، أصدرت الرئاسة اللبنانية بياناً عن الاتصال بين الرئيسين ترمب وعون. وأضاف أن الرئيس عون «جدد شكره للجهود التي يبذلها ترمب من أجل التوصل إلى وقف إطلاق نار في لبنان وتأمين السلم والاستقرار بشكل دائم؛ تمهيداً لتحقيق العملية السلمية في المنطقة. وتمنى عليه استمرار هذه الجهود لوقف النار بأسرع وقت ممكن». ونقل عن ترمب «رده بدعمه للرئيس عون ولبنان وتشديده على التزامه تلبية الطلب اللبناني بوقف النار في اسرع وقت».

وكان ترمب كتب الأربعاء أنه «يحاول إيجاد متسع من الوقت بين إسرائيل ولبنان». وأضاف أن عون ونتنياهو سيتحدثان عبر الهاتف الخميس. غير أن عون رفض ذلك.

وكانت هذه المكالمة الأولى من ترمب مع الرئيس عون منذ توليه منصبه.

سيدة إلى جانب قبر أحد أقربائها في مدينة صور (رويترز)

وكانت الرئاسة اللبنانية أصدرت بياناً آخر بُعيد الاتصال من روبيو، الذي أكد استمرار الجهود المبذولة للتوصل إلى وقف النار تمهيداً لاتفاق طويل الأمد من أجل السلام والأمن والاستقرار في لبنان.

وقبل إعلان ترمب، أفاد مسؤول دفاعي إسرائيلي بأنه يمكن إعلان وقف النار الخميس. وقال: «نحن أمام مفترق طرق. لا شيء نهائياً، لكن من الممكن أن يحدث ذلك».

ويسعى المسؤولون الأميركيون إلى البناء على المحادثات المباشرة النادرة التي أجريت بين لبنان وإسرائيل هذا الأسبوع، علماً أن لبنان وإسرائيل لا يزالان في حالة حرب منذ عام 1948.

وهددت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» بتقويض وقف النار بين الولايات المتحدة وإيران، والذي ينتهي الأسبوع المقبل. وأصرت إيران مراراً على توسيع الهدنة لتشمل لبنان، وهو اقتراح رفضته الولايات المتحدة وإسرائيل.


الفلسطينيون يشكون محدودية الخيارات وصعوبة التصويت مع بدء العد العكسي للانتخابات المحلية

موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)
موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)
TT

الفلسطينيون يشكون محدودية الخيارات وصعوبة التصويت مع بدء العد العكسي للانتخابات المحلية

موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)
موظفون في مفوضية الانتخابات الفلسطينية بمدينة رام الله 6 أبريل 2021 (أ.ف.ب)

يشكو الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة، والذين يفترض أن يتوجهوا خلال أيام إلى صناديق الاقتراع في انتخابات بلدية تنظّم للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، من محدودية الخيارات السياسية وصعوبة التصويت في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي، ما يقلّل من حماستهم للمشاركة.

في 25 أبريل (نيسان)، يختار الناخبون ممثليهم في المدن والبلدات والقرى الفلسطينية في أنحاء الضفة الغربية وفي مدينة دير البلح بوسط قطاع غزة، وذلك للمرة الأولى منذ الحرب التي اندلعت في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وتقول لجنة الانتخابات المركزية في رام الله إن نحو مليون ونصف مليون شخص سجلوا للتصويت في الضفة الغربية، مقابل 70 ألفاً آخرين في دير البلح.

ويبدي كُثر خيبة أمل من قانون انتخابي جديد صدر بناء على مرسوم أصدره الرئيس الفلسطيني محمود عباس، يشترط على جميع المرشحين الموافقة على ميثاق وأهداف منظمة التحرير الفلسطينية من أجل التسجيل.

وقال خوميني سليمان، وهو تاجر قطع سيارات من قرية بيت عور قرب رام الله، إن «مسألة (التزام المرشحين) بالاتفاقيات التي تلتزم بها منظمة التحرير (مع إسرائيل)، موضوع لا أتفق معه نهائياً».

ورغم أن بعض المرشحين قالوا إن القوانين الجديدة منعتهم من الترشح، أشار مراقبون إلى تراجع عام على المستوى السياسي.

عناصر من الشرطة الفلسطينية في أحد شوارع قطاع غزة (الداخلية الفلسطينية)

وقال خبير فلسطيني في شؤون الانتخابات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع: «الحقيقة أن الأحزاب السياسية اختفت فعلياً من المشهد السياسي الفلسطيني».

أما المواطن محمد التاج، وهو من سكان رام الله، ورغم أنه «فخور» بمنظمة التحرير الفلسطينية، فقد رأى أن دعم ميثاق المنظمة الذي يعترف بإسرائيل، يجب ألا يكون شرطاً للترشح.

وأكد التاج أنه لن يصوت في الانتخابات قائلاً: «أعتبر نفسي مقاطعاً للانتخابات ترشيحاً وتصويتاً، وأدعو الآخرين إلى مقاطعة هذه الانتخابات».

ولفت إلى أن هذا الاقتناع تولّد لديه بسبب تواصل الاعتداءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.

وينظم الفلسطينيون الانتخابات المحلية بشكل منتظم. أما آخر انتخابات تشريعية جرت فكانت في عام 2006، عندما حققت حركة «حماس الإسلامية» فوزاً ساحقاً على حساب حركة «فتح» بزعامة عباس.

وغالباً ما يدعو المجتمع الدولي عباس (90 عاماً) الذي انتُخب في عام 2005 لولاية مدتها أربع سنوات، إلى إجراء انتخابات رئاسية.

وتوزعت القوائم التي ترشحت للانتخابات المحلية في الضفة الغربية بين تابعة لحركة «فتح» أو مستقلة، فيما غابت القوائم التابعة لحركة «حماس».

ولاحظ عارف جفال، وهو خبير فلسطيني آخر بشؤون الانتخابات، أن هناك بعض «العوامل الإيجابية» في القانون الجديد الذي خفّض سن الترشح إلى 18 عاماً، ورفع حصة تمثيل النساء إلى 25 في المائة.

لكنه انتقد نقل بعض صلاحيات البلديات إلى وزارة الحكم المحلي، مما يعزز سلطة السلطة الفلسطينية بقيادة عباس.

وستتنافس قوائم حركة «فتح» والقوائم المستقلة التي يقودها مرشحون من فصائل فلسطينية أخرى مثل «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، في معظم المدن.

أما في مدينة رام الله، فلم تترشح سوى قائمة واحدة ما يعني أنها ستفوز بالتزكية.

وبدت رائدة البرغوثي (49 عاماً) متحمسة للانتخابات، خصوصاً أن قريتها كوبر ستشهد معركة انتخابية لأول مرة منذ عقد، بعد سنوات فازت فيها قائمة واحدة بالتزكية.

وأملت البرغوثي أن يكون هناك «دور للمرأة على صعيد المشاركة في العرس الديمقراطي... فمن حقنا أن نصوّت».

وفي قطاع غزة الذي تدير حركة «حماس» شؤونه، تُجري السلطة الفلسطينية الانتخابات فقط في منطقة دير البلح «كتجربة (لاختبار) نجاحها أو فشلها؛ لأنه لا توجد استطلاعات رأي بعد الحرب»، وفقاً لأستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر في القاهرة جمال الفادي.

وقال الفادي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الخيار وقع على دير البلح؛ لأنها من المناطق القليلة في غزة التي «بقي سكانها إلى حد كبير في أماكنهم، ولم يتعرضوا للنزوح» جراء أكثر من عامين من الحرب مع إسرائيل.

وبحسب المتحدث باسم لجنة الانتخابات المركزية فريد طعم الله، استعانت اللجنة بموظفي اقتراع من منظمات المجتمع المدني، واستأجرت «شركة أمن خاصة لتأمين مراكز الاقتراع» في غزة.

ورغم أن اتفاق الهدنة أوقف الحرب في أكتوبر 2025، فإن نحو نصف قطاع غزة لا يزال تحت السيطرة الإسرائيلية، مع تواصل الضربات الإسرائيلية وقتل الفلسطينيين.

ولدى سؤاله عن التنسيق مع إسرائيل أو «حماس»، قال طعم الله إن اللجنة تتواصل بشكل غير مباشر مع وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية (كوغات)، و«دون مشاركة أطراف أخرى».