بائعو المشروبات الكحولية في العراق يواجهون «شبح البطالة»

غموض يكتنف تنفيذ قانون يحظرها وينص على عقوبة تصل إلى 25 مليون دينار

محل لبيع المشروبات الروحية في البسماية على بُعد 30 كيلومتراً جنوب بغداد (الشرق الأوسط)
محل لبيع المشروبات الروحية في البسماية على بُعد 30 كيلومتراً جنوب بغداد (الشرق الأوسط)
TT

بائعو المشروبات الكحولية في العراق يواجهون «شبح البطالة»

محل لبيع المشروبات الروحية في البسماية على بُعد 30 كيلومتراً جنوب بغداد (الشرق الأوسط)
محل لبيع المشروبات الروحية في البسماية على بُعد 30 كيلومتراً جنوب بغداد (الشرق الأوسط)

يواجه الشاب العراقي زيد النيساني، العامل في مجال بيع المشروبات الكحولية، «شبح البطالة» بعدما نشرت الجريدة الرسيمة (الوقائع) قبل نحو أسبوعين قانوناً أقره البرلمان قبل سنوات يقضي بحظر تصنيع وبيع المشروبات الكحولية في العراق.
فالنيساني (30 عاماً)، وهو من الأقلية الإيزيدية، هرب وأسرته من ضمن من هربوا من سكان ناحية بعشيقة (25 كيلومتراً جنوب محافظة الموصل) في يونيو (حزيران) 2014 إلى محافظة دهوك في إقليم كردستان بعد سيطرة تنظيم «داعش» على معظم مناطق محافظة نينوى. حياة النيساني لم تكن مثالية في محافظة دهوك مع انعدام فرص العمل و«توجس» سكانها من الإيزيديين بشكل عام، بوصفهم طائفة غير مسلمة، فاضطر لمغادرتها إلى بغداد، المدينة التي وُلد وعاش فيها شطراً من حياته، والتي كان قد غادرها إلى بعشيقة في ذروة أعمال القتل والتفجيرات في بغداد عام 2007، ثم عاد إليها في 2016 على أمل الحصول على فرصة عمل في أسواق ومحال بيع المشروبات الكحولية التي يعمل في مجالها كثيرون من جماعته، خصوصاً أنه عجز عن اللحاق بأفراد أسرته الذين فرَّ بعضهم إلى أميركا وأوروبا.
- «إبادة من نوع آخر»
وبالفعل، اشتغل النيساني في مجال بيع المشروبات منذ 2016 في بغداد، حيث أتمّ مراسم خطبته على قريبته، على أمل الاستمرار في عمله المعتاد. لكنه فوجئ بقرار «حظر استيراد وتصنيع وبيع المشروبات الكحولية» الذي صوَّت عليه البرلمان نهاية عام 2016 ولم يخرج للعلن إلا بعد نشره في جريدة «الوقائع» الرسمية قبل نحو أسبوعين. ومعروف أن القوانين التي يقرها البرلمان أو الحكومة لا تأخذ طريقها إلى التنفيذ، إلا بعد نشرها في الجريدة الرسمية المشار إليها. وينص القانون على فرض عقوبة تتراوح بين 10 ملايين و25 مليون دينار عراقي (من 7 آلاف إلى 16 ألف دولار) على المتاجرين بالمشروبات، لكنه لم يضع عقوبة على المتعاطين.
ورغم سريان مفعول القانون وإمكان السلطات إغلاق محال المشروبات في أي لحظة، فإن ذلك لم يحدث حتى الآن، وما زال النيساني ورفاقه من الإيزيديين الذين تقدَّر أعدادهم بالآلاف، على حد قوله، يعملون في محال بيع الكحوليات، لكنهم يشعرون بعدم أمان واطمئنان لإمكانية خسارتهم فرص عملهم في أي لحظة.
في حديث مشوب بالانزعاج والألم، يقول النيساني لـ«الشرق الأوسط»: «أعرف أن الإيزيديين تعرضوا لـ73 حملة إبادة خلال قرن من الزمن تقريباً، ثم لحقتها إبادة (داعش) الكارثية، لكنني لم أتوقع أن تمارس السلطة العراقية علينا إبادة من نوع آخر لتقطع أرزاقنا ونمط حياتنا وعيشنا».
وعن إمكانية عمله في مجال آخر في حال قررت السلطات تطبيق قانون الحظر، يؤكد النيساني أن «معظم العاملين في هذا المجال سيصبحون عاطلين عن العمل، لأنهم ببساطة سيتركون بغداد ويعودون إلى قضاء سنجار وناحية بعشيقة ومناطق أخرى يوجدون فيها، حيث لا فرص عمل تذكر هناك».
- وصاية أخلاقية
وما زالت الأمور غير واضحة بالنسبة إلى إجراءات السلطة في المضيّ بتطبيق قانون الحظر أو عدم تطبيقه. وسواء مضت السلطات في تطبيق القانون أو تغافلت عنه، فإن المتوقع أن المتعاملين والمتعاطين للخمور لن يتوقفوا عن ذلك، خصوصاً أنهم واجهوا، بعد عام 2003، صنوف الترهيب من الجماعات المسلحة في أحيان كثيرة، ومن السلطات الرسمية كذلك، إذ تفرض تلك السلطات في معظم محافظات وسط وغرب وجنوب البلاد منذ سنوات، ما يشبه «الوصاية الأخلاقية» غير القانونية على الناس، لجهة منعهم من تعاطي الكحول، علماً بأن تعاطيه غير ممنوع بقانون رسمي. أما بالنسبة إلى الجماعات الدينية المتشددة، سواء السُّنية أو الشيعية منها، فقد قامت بعمليات استهداف واسعة لمحال بيع الخمور في بغداد على وجه التحديد خلال العقدين الأخيرين، وراح ضحية تلك الاستهدافات عشرات القتلى من الباعة وأغلبهم من الأقليات الدينية. ففي منتصف مايو (أيار) 2013، على سبيل المثال لا الحصر، أودى هجوم مسلح على محلات الخمور في منطقة زيونة ببغداد بحياة 15 بائعاً جميعهم ينتمي إلى الطائفة الإيزيدية.
وعشية إصدار قانون حظر المشروبات، الأسبوع الماضي، شنت جماعات عشائرية قبل أيام هجوماً على محل لبيع المشروبات بقضاء الشامية في محافظة الديوانية الجنوبية وحُطمت محتوياته.
- غياب الإحصاءات
ومع غياب الإحصاءات الحكومية الرسمية، يصعب التكهن بحجم كميات الخمور الداخلة إلى البلاد وكذلك حجم محال وأندية وملاهي بيع الخمور، لكنّ حكمت هوازن الذي يملك نادياً لبيع المشروبات في منطقة البتاويين في الباب الشرقي، يقدِّر أن في «بغداد وحدها يوجد أكثر من 500 مكان لبيع الخمور، تتوزع بين نادٍ ومكتب ومحل للمفرد المختوم وملهى ليلي».
ويضيف هوازن، وهو الآخر من الطائفة الإيزيدية، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «الفوضى تلعب دوراً أساسياً في قضية بيع الخمور بشكل عام. لاحظِ أن جميع الملاهي والأندية الليلية والبارات العادية لا تتمتع بوجود قانوني، بمعنى أن الجهات المعنية لم تمنحها إجازات عمل أصولية، من هنا فإن معظمها عُرضة للابتزاز». ويتابع أن «السلطات العراقية منذ عام 1996 أوقفت الترخيص لأماكن البيع، باستثناء منحها رخصاً محدودة لمكاتب البيع بالجملة ومحال المفرد المختوم، وظل الأمر قائماً على هذا المنوال حتى اليوم، ومع ذلك تتعمد السلطات في بعض المحافظات عدم منح رخص البيع حتى للمكاتب ومحال المفرد».
وبشأن ما يتردد عن قيام جماعات محسوبة على أحزاب وميليشيات مسلحة بحماية النوادي ومحال الخمور مقابل «إتاوات» تحصل عليها، يقول هوازن: «في السابق كان الأمر كذلك، لكنه تراجع خلال السنوات القليلة الأخيرة، لكن المؤكَّد أن أحزاباً وميليشيات نافذة تحمي وتؤمِّن وصول عشرات الشاحنات المحمَّلة بالكحول إلى بغداد وبقية المحافظات يومياً، تأتي في الغالب من مناطق إقليم كردستان».
وعن توقعاته لتداعيات قرار الحظر، ذكر أن «السلطات لم تبلغنا بأي شيء ولا نعلم ما سيحلّ بنا مستقبلاً، أخشى أن السلطات ستستثمر سياق المنع في شهر رمضان لتفرض بعد ذلك علينا قرار الحظر». وحول معامل إنتاج وتصنيع الخمور في العراق، يؤكد هوازن «عدم وجود أي معمل لصناعة الخمور في المحافظات العراقية، باستثناء إقليم كردستان. السلطات هناك تسمح بذلك لكن بصورة غير علنية ومعروفة، لكنها لا تمانع في الأمر».
- فسحة الإقليم
وكانت وزارة الثقافة في إقليم كردستان قد أعلنت في وقت سابق أنها غير معنية بتطبيق قانون حظر المشروبات الكحولية، ويتمتع الإقليم منذ سنوات طويلة بفسحة كبيرة بالنسبة لتجارة بيع الخمور وتعاطيها.
وخلافاً لسكوت معظم النواب في البرلمان عن قانون الحظر، طالب النائب عن الحزب «الديمقراطي» الكردستاني شريف سليمان (الثلاثاء)، المحكمة الاتحادية برفض القانون، ورأى أن فيه «تطاولاً» لا يقبله الشعب العراقي.
وقال سليمان في بيان، إن «ما يثير الدهشة والاستغراب هو تفعيل قانون حظر بيع واستيراد وتصنيع المشروبات الكحولية رغم تأكيد الدستور العراقي في الكثير من مواده الأساسية ومواد أخرى حماية صيانة الحريات الخاصة والعامة والخصوصيات الشخصية ومبدأ الديمقراطية، ناهيك بكون العراق بلداً متعدد القوميات والأديان والمذاهب والثقافة». وأضاف أن «إقرار هكذا قوانين هو محاولة لتغيير نهج الدولة، وهذا تطاول آخر لا يفهمه ولا يقبله الشعب العراقي».
ويرى قاضي النزاهة السابق رحيم العكيلي، أن «منع المشروبات الكحولية هو إعلان دعم لتجارة وتعاطي المخدرات من خلال منع منافسة تعاطي المشروبات الكحولية لتلك التجارة الإجرامية المزدهرة رغم خطورة المخدرات العظيمة قياساً بالمشروبات الكحولية». وعن الآثار الاقتصادية السلبية المحتملة لتطبيق القانون يقول إنه «سيتسبب بإهدار كامل لموارد اقتصادية كبيرة للدولة تأتي من الرسوم الجمركية التي تُفرض على استيراد تلك المشروبات، وفي مقابل هذه الضياعات المالية ستنشأ عن تطبيق هذا القانون سوق سوداء خفية أو شبه علنية لتصنيع وتهريب وبيع المشروبات الكحولية».
ولم يصدر قانون مماثل لحظر المشروبات في تاريخ الدولة العراقية المعاصر، باستثناء إقدام السلطات على «تطبيق منع بيع الخمور بشكل علني في نهارات شهر رمضان احتراماً لقدسية الشهر، ثم أصبح المنع طوال شهر رمضان»، وفي 1996 إبان ذروة «الحملة الإيمانية» التي دشّنها حكم الرئيس الراحل صدام حسين أبقت الحملة على منافذ بيع الخمور لمن يريد أن يتعاطاه في بيته أو في مناسباته الخاصة.


مقالات ذات صلة

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

المشرق العربي انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

راجت أنباء عن وقوع محاولة لقتل مسؤول كردي سوري بارز في السليمانية بشمال العراق مساء اليوم الجمعة. فقد أورد موقع «صابرين نيوز» القريب من الحرس الثوري الإيراني، نقلاً عن «مصادر كردية»، أن قصفاً استهدف قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي «في محاولة اغتيال فاشلة بواسطة طائرة مسيّرة». من جهتها، أعلنت مديرية قوات الأمن (آسايش) في مطار السليمانية أنها تحقق في انفجار وقع قرب سياج مطار السليمانية دون أن يسفر عن خسائر بشرية أو مادية، مشيرة إلى أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحريق الناجم عنه سريعاً، بحسب موقع «رووداو» الكردي.

المشرق العربي مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

في إحدى الكنائس في الأردن، تخيط العشرينية سارة نائل قميصاً ضمن مشروع أتاح لعشرات النساء اللواتي فررن من العنف في العراق المجاور، مهارات لكسب لقمة العيش. نجت نساء عديدات بصعوبة من العنف المفرط الذي مارسته «دولة الخلافة» التي أعلنها تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من العراق وسوريا، قبل أن ينتهي بهن المطاف في الأردن يعانين للحصول على عمل. تنكب سارة نائل (25 عاماً)، وهي لاجئة مسيحية عراقية من بلدة قرقوش تعلمت مهنة الخياطة في الطابق الثالث في كنيسة مار يوسف في عمان، على ماكينة الخياطة في طرف المكان لتخيط قطعة قماش مشرقة زرقاء اللون تمهيداً لصنع قميص. وتقول سارة التي وصلت إلى الأردن عام 2019 وبدأت تعم

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي «الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

«الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة، أمس (الاثنين)، لصالح الدفع قدماً بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة تأكيد دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال. وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتاً، أي تجاوز الستين صوتاً اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو، مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة أمس (الاثنين) لصالح الدفع قدما بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة التأكيد على دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال، وفقاً لوكالة «رويترز». وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتا أي تجاوز الستين صوتا اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع. وجميع الأصوات الرافضة كانت لأعضاء في الحزب الجمهوري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي 20 عاماً على الزلزال العراقي

20 عاماً على الزلزال العراقي

تحلُّ اليومَ، الأحد، الذكرى العشرون للغزو الأميركي للعراق، وهو حدثٌ كان بمثابة زلزال ما زالت المنطقة تعيش تداعياتِه حتى اليوم. لم يستمع الرئيسُ الأميركي آنذاك، جورج دبليو بوش، لتحذيراتٍ كثيرة، غربيةٍ وعربية، سبقت إطلاقَه حرب إطاحة نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003، وحذرته من أنَّ خطوتَه ستفتح «باب جهنم» بإدخال العراق في فوضى واقتتال داخلي وستسمح بانتشار التطرفِ والإرهاب. أطلق بوش حملةَ إطاحة صدام التي أطلق عليها «الصدمة والترويع» ليلة 19 مارس (آذار) بقصفٍ عنيف استهدف بغداد، في محاولة لقتل الرئيس العراقي، قبل إطلاق الغزو البري.


صمت رسمي وتسريبات غربية... قوة إسرائيلية نفذت مهام عسكرية في العراق

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

صمت رسمي وتسريبات غربية... قوة إسرائيلية نفذت مهام عسكرية في العراق

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

تصدرت حادثة تمركز قوة عسكرية في المنطقة الصحراوية بين محافظتي النجف وكربلاء مطلع مارس (آذار) الماضي، واجهة التعليقات والأحداث العراقية، بعد أن كشفت تقارير إخبارية غربية أنها كانت قوة إسرائيلية، وفي مقابل هذا الكشف ما زالت السلطات الرسمية العراقية تلتزم الصمت حيال ما حدث، وتكتفي ببيان خلية الإعلام الأمني وتصريحات لنائب قائد العمليات المشتركة قيس المحمداوي وقتذاك، لكن خبيراً أمنياً كشف لـ«الشرق الأوسط» عن أن تواجد القوة «الإسرائيلية» استمر لنحو أسبوع قبل أن تغادر الأراضي العراقية.

وقالت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، السبت، إن إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية لدعم حربها التي شنتها ضد إيران في 28 فبراير (شباط) 2026.

وذكرت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين أن «إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية لدعم حملتها الجوية ضد إيران، وأنها شنت غارات جوية على قوات عراقية كادت أن تكتشف الموقع العسكري السري في وقت مبكر من الحرب».

وكشفت صحيفة «معاريف» العبرية، الأحد، عن كواليس مهام ما سمتها بـ«قاعدة إسرائيل السرية في صحراء العراق»، مشيرة إلى أنها تضمنت تشكيلاً من وحدات «الكوماندوز»، وأوكلت لها مهام متنوعة.

خلل أمني جسيم

تعرضت السلطات العراقية إلى انتقادات شعبية واسعة خلال اليومين الأخيرين، وطبقاً لمصدر مقرب من الحكومة العراقية، فإن «المعطيات الجديدة تظهر الخلل الجسيم في قدرة القوات الأمنية العراقية بكل صنوفها على حماية البلاد، وتأمين حدودها السيادية».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»، إنه «رغم عديد تلك القوات الذي يزيد على مليون ونصف المليون منتسب، إلى الأموال الطائلة التي تنفق عليها والتي تقدر بأكثر من 6 مليارات دولار سنوياً، لكنها أخفقت في حماية البلاد».

وذَكَّرَ المسؤول إلى جانب «الخرق الإسرائيلي» على الأرض بـ«الأجواء العراقية التي تحولت خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران إلى فضاء مستباح من قبل طيران وصواريخ القوى المتقاتلة من دون أن تكون للعراق القدرة على مواجهة ذلك».

وتعود قصة الخرق الإسرائيلي إلى مطلع مارس (آذار) الماضي، حين قام أحد الرعاة بإبلاغ الجهات الأمنية بوجود قوة عسكرية «غير معروفة» في الصحراء.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني الرسمية في حينها عن تعرض قوة أمنية عراقية لهجوم مسلح في بادية النجف فجر الرابع من مارس في المنطقة الصحراوية بين محافظتي النجف وكربلاء (بادية النجف/منطقة الشنانة).

وذكرت الخلية أن «اللواء 41» تعرض لقصف جوي وإطلاق نار من قبل «جهة مجهولة» في أثناء تنفيذ مهمة تفتيش في المنطقة. وأدى القصف إلى مقتل جندي وإصابة آخرين.

واعترف نائب قائد العمليات المشتركة الفريق أول ركن قيس المحمداوي، وقتذاك بوجود «قوة معينة» في صحراء النجف، وأشاد بالإبلاغ الذي قدمه أحد المواطنين على وجود القوة، وناشد «المزارعين والرعاة بالأخبار عن تواجد أي قوة في المنطقة».

واعترف المحمداوي كذلك بأن قِطَعَهُ العسكرية «خارج إمكانية القوة التي تم إسنادها جوياً»، في إشارة إلى القوة التي اتضحت لاحقاً من خلال التقارير الصحافية أنها إسرائيلية.

وتحدث عن أن «جهاز مكافحة الإرهاب قام بتطويق منطقة الحادث» التي كانت القوة الأجنبية قد غادرتها.

البقاء أسبوعاً كاملاً

بدوره، كشف الخبير الأمني مخلد حازم، أن «القوة (الإسرائيلية) استمر تمركزها داخل الأراضي العراقية من 5 إلى 7 أيام، قبل أن تُجري القيادات الأمنية العراقية اتصالات مكثفة بالجانب الأميركي للطلب من القوة مغادرة الأراضي العراقية».

وقال الخبير الأمني لـ«الشرق الأوسط» إنه تابع موضوع التمركز العسكري المجهول في حينها مع قيادات عسكرية بارزة في وزارة الدفاع العراقية، «وكانت هناك حقيقة عدم معرفة من هي الجهة التي تمركزت، وقامت بهذا العمل، وقد تم الاتصال بقوات التحالف الدولي، ونفت هي الأخرى علمها بهذه العملية».

ويفسر حازم القيام بخطوة من هذا النوع بوصفها «محاولة لإيجاد مركز عمليات متقدم بالنسبة للجهة الفاعلة يهدف إلى تأمين مسار الطائرات التي تمر في هذه المنطقة، وكذلك لتأمين اتصالات تكنولوجية للطائرات التي أيضاً تمر، وتتخذ من هذا المسار ممراً للوصول إلى الجانب الإيراني».

ويؤكد وجود «حوامات عسكرية في ذلك التاريخ، وحين توجد في هذه الأماكن النائية والبعيدة عن مراكز المدن، تكون هناك أيضاً احتمالية لسقوط إحدى طائراتها، وإمكانية إنقاذ طياريها عبر هذه الطائرات والحوامات العسكرية».

ويشير أيضاً إلى أن احتمال «تأسيس مراكز عمليات متنقلة وغير ثابتة من هذا النوع يهدف لتحقيق كل هذه الأغراض، خصوصاً وهو يقع في منطقة صحراوية نائية وغير محمية عسكرياً وأمنياً في كثير من الأحيان إلا من خلال عمليات الرصد والاستمكان الجوي، وكان هناك حظر على الطيران العراقي والطائرات المسيرة؛ لذلك استغلت القوة المعادية هذه الفرصة».

ورأى حازم أن «ما حدث يعد انتهاكاً خطيراً للسيادة العراقية، ونحن بحاجة إلى رؤية أمنية متكاملة للمرحلة المقبلة للتعامل مع حالات مماثلة من هذا النوع».


«فيتو» إيراني مفاجئ يعطّل تشكيل الحكومة العراقية

قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
TT

«فيتو» إيراني مفاجئ يعطّل تشكيل الحكومة العراقية

قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)

قال مسؤولان عراقيان، الأحد، إن «فيتو» إيرانياً، لمنع إقصاء الفصائل المسلحة من الحكومة العراقية، عرقل مفاوضات تشكيلها، مؤكدين أن طهران طالبت ممثلي «الإطار التنسيقي»؛ التحالف الشيعي الحاكم، بعدم التصويت لصالح حكومة «تمسّ بنفوذ حلفائها وتركيبة حضورهم داخل الدولة».

تأتي هذه التطورات بالتزامن مع معلومات عن وصول إسماعيل قاآني، قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني، بشكل مفاجئ إلى بغداد، في وقت بلغت فيه مفاوضات رئيس الحكومة المكلف علي الزيدي مراحل متقدمة، وسط تصاعد التنافس الأميركي ـ الإيراني على شكل الحكومة المقبلة.

وقالت مصادر متقاطعة إن «قاآني وصل إلى بغداد بالفعل خلال الساعات الماضية، والتقى بضالعين في تشكيل الحكومة، مبدياً اعتراض طهران على الانصياع التام لواشنطن». وشبّه مسؤول تحدث إلى «الشرق الأوسط» المفاوضات الجارية في بغداد بـ«الحصار والحصار المضاد في مضيق هرمز».

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» تظهر من اليسار رئيس الحكومة المكلف علي الزيدي وهادي العامري ومحمد شياع السوداني

حكومة أميركية بالكامل

وقال المسؤولان إن الهدف الرئيسي للتحرك الإيراني يتمثل في منع تشكيل حكومة عراقية «مصنوعة بالكامل من قبل واشنطن»، خصوصاً بعد تصاعد الضغوط المرتبطة بحظر الفصائل المسلحة داخل التشكيلة الوزارية.

وكان الزيدي قد حاز دعماً أميركياً غير مسبوق منذ لحظة تكليفه في 27 أبريل (نيسان) 2026، واعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن وصوله إلى السلطة في بغداد «انتصار عظيم» للإدارة الأميركية.

ومن المتوقع أن يصل مسؤولون أميركيون إلى بغداد خلال الأيام المقبلة، في حين تقول مصادر إن واشنطن لا تسعى فقط إلى إخراج ممثلي الفصائل من أبواب الحكومة، بل إلى ضمان عدم عودتهم لاحقاً عبر «شباك الترتيبات البديلة»، الأمر الذي استدعى إيران إلى استخدام ورقة «الفيتو».

إلى حد بعيد، تعكس المناورات غير المعلنة بين واشنطن وطهران في بغداد صورة مصغرة عن مفاوضاتهما المتعثرة في ملفات إقليمية أخرى؛ إذ يتبادل الطرفان الرسائل والضغوط من دون الوصول إلى مواجهة مباشرة أو تسوية نهائية.

ونقل أحد المسؤولين عن قيادي بارز في «الإطار التنسيقي» قوله إن «الحضور الأميركي في تفاصيل تشكيل الحكومة الجديدة غير مسبوق»، محذراً من أن يتحول الملف الحكومي إلى «بؤرة صراع مفتوح» بين واشنطن وطهران، خصوصاً مع وصول قاآني ومسؤولين أميركيين إلى بغداد في توقيت متزامن.

وسيوازي لجوء طهران إلى منع نواب «الإطار التنسيقي» من التصويت لصالح حكومة الزيدي، فرضها حصاراً على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وقال مستشار كبير في حزب شيعي متنفذ، لـ«الشرق الأوسط»، إن الضغط الإيراني سيدفع واشنطن إلى «حصار مماثل لبغداد». قد يصل إلى «قطع الدعم عن بغداد وفرض عقوبات». وأضاف: «هذه مناورة صعبة، تحتمل صفقة بين الطرفين الإقليميين، أو الدخول في مواجهة قد تنهي ترشيح الزيدي من الأساس».

وأكد المسؤولان، وهما منخرطان في مفاوضات تشكيل الحكومة، أن الزيدي تلقى خلال الأيام الأخيرة رسائل من أطراف عدة، بينها أميركية، تشدد على ضرورة تشكيل الحكومة «بعيداً عن النفوذ الإيراني»، في وقت يلاحظ فيه مفاوضون عراقيون أن «واشنطن باتت تتدخل في أدق تفاصيل التشكيل، وفي أيديهم معلومات دقيقة عن كيفية احتيال الفصائل على شروطهم».

ولا تقتصر الشروط الأميركية، بحسب مصادر سياسية، على تقليص تمثيل الفصائل المسلحة داخل الحكومة، بل تشمل تقليص ارتباطاتها الاقتصادية والسياسية بطهران، خصوصاً في ما يتعلق بالموارد المالية وملف النفط واستقلال القرار السياسي.

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الماضي (أ.ب)

مقاربة الحقائب الشاغرة

تعقدت المفاوضات بين الزيدي وأجنحة سياسية تمتلك أذرعاً مسلحة بعدما حاول رئيس الحكومة المكلف إبعاد هذه الجماعات عن الوزارات السيادية، مع طرح مقاربة تمنح بعضها حقائب أقل تأثيراً مع إبقائها شاغرة مؤقتاً إلى حين تهدئة الضغوط الأميركية.

وأثارت هذه المقاربة غضب قوى موالية لإيران كانت تراهن على الاحتفاظ بحصصها داخل الوزارات السيادية بانتظار «انجلاء العاصفة الأميركية»، وفق ما قاله أحد قيادات «الإطار التنسيقي».

وقال مصدر مطلع إن الأزمة لا تتعلق فقط بحركة «عصائب أهل الحق»، رغم أنها أصبحت المثال الأوضح داخل المفاوضات بسبب امتلاكها ثقلاً برلمانياً يصل إلى 27 مقعداً، ما يدفعها للمطالبة بحصة حكومية تتناسب مع وزنها.

وأضاف المصدر أن الخلاف يشمل أيضاً شخصيات وفصائل أخرى، من بينها أحمد الأسدي الذي يمتلك نحو 10 مقاعد، إلا أن حجم تمثيلها البرلماني الأقل جعل التركيز ينصب بصورة أكبر على «العصائب»، خصوصاً مع مطالبتها بالحصول على وزارة النفط، وهو ما يثير حساسية أميركية كبيرة.

ويبدو أن الزيدي، بحسب مصادر، أمام مهمة أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً، في ظل الانقسامات داخل «الإطار التنسيقي»، وتضارب الضغوط الإقليمية والدولية المؤثرة على شكل الحكومة المقبلة.

ويتعين على رئيس الحكومة المكلف تشكيل حكومته خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً قبل عرضها على مجلس النواب لنيل الثقة، إلا أن عامل الوقت بات يشكل ضغطاً إضافياً مع سفر عشرات النواب إلى السعودية لأداء مناسك الحج، ما قد يهدد اكتمال النصاب البرلماني المطلوب لعقد جلسة منح الثقة.


توقيف عراقي في بيروت ادّعى صفة مسؤول أمني وخدع ضباطاً لبنانيين

صورة عامة لمدينة بيروت (أرشيفية-رويترز)
صورة عامة لمدينة بيروت (أرشيفية-رويترز)
TT

توقيف عراقي في بيروت ادّعى صفة مسؤول أمني وخدع ضباطاً لبنانيين

صورة عامة لمدينة بيروت (أرشيفية-رويترز)
صورة عامة لمدينة بيروت (أرشيفية-رويترز)

أوقفت الاستخبارات اللبنانية عاملاً عراقياً انتحل صفة مسؤول أمني في سفارة بغداد في بيروت، بعدما تمكّن من نسج علاقات وعقد لقاءات مع مسؤولين أمنيين لبنانيين رفيعي المستوى، بحسب ما أفاد الجيش ومصدر عسكري لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» اليوم الأحد.

وتسلّط هذه القضية، وهي ثاني فضيحة انتحال صفة من نوعها في لبنان خلال أشهر، الضوء على هشاشة المؤسسات في بلاد يقوم نظامها السياسي على المحاصصة بين الطوائف، وحيث يعدّ التدخل الخارجي أمراً شائعاً، وغالباً ما تؤدي العلاقات الشخصية دوراً أساسياً في كسب النفوذ والمال والحظوة.

وأورد الجيش اللبناني في بيان أن مديرية المخابرات التابعة له أوقفت مواطناً عراقياً «لانتحاله صفة مسؤول أمني عراقي داخل الأراضي اللبنانية، وذلك نتيجة عملية رصد ومتابعة أمنية».

وأوضح التحقيق الأولي أن الموقوف «استعان بمستندات مزورة»، بحسب البيان الذي أكد أنه تمّ ضبط «البزّة العسكرية التي كان يستخدمها».

من جهته، قال مصدر عسكري للوكالة إن الموقوف متزوج لبنانية ويقيم في البلاد منذ سنوات، وكان لدى توقيفه يعمل مساعداً لمالك مقهى شعبي في ضاحية بيروت الجنوبية، حيث كان بدأ العمل في خدمة ركن السيارات. إلا أنه «تمكّن من التقرب من مسؤول استخبارات في بيروت وقدّم نفسه كضابط عراقي في فرع مكافحة الإرهاب وملحق أمني بالسفارة العراقية في بيروت»، بحسب المصدر الذي طلب عدم كشف اسمه.

وأشار إلى أن المسؤول الأمني ساعد العراقي «على التواصل مع مسؤولين أمنيين وعسكريين واللقاء بهم، ما مكّنه من خلق حيثية» في لبنان.

وبحسب التحقيق الأولي مع الموقوف ومع ضباط التقوا به، لم يتبين بعد، وفق المصدر العسكري، «هدفه من انتحال صفة ضابط عراقي في لبنان».

وفي حين أشار المصدر إلى أن الموقوف «قدّم خلال لقاءاته وعوداً بتوفير مساعدات مالية من العراق»، رأى أن «خطورة القضية تكمن في إقناعه ضباط استخبارات بشخصيته الوهمية في حين أنه عامل» في مقهى.