العراق يوسّع دائرة انفتاحه على محيطه العربي

عقب مؤتمر الاتحاد البرلماني في دورته الرابعة والثلاثين

وفد الاتحاد البرلماني العربي في أثناء زيارته دمشق يوم الأحد (رويترز)
وفد الاتحاد البرلماني العربي في أثناء زيارته دمشق يوم الأحد (رويترز)
TT

العراق يوسّع دائرة انفتاحه على محيطه العربي

وفد الاتحاد البرلماني العربي في أثناء زيارته دمشق يوم الأحد (رويترز)
وفد الاتحاد البرلماني العربي في أثناء زيارته دمشق يوم الأحد (رويترز)

انتهت في بغداد أعمال مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي في دورته الـ34، بحضور عربي رفيع قوامه رؤساء برلمانات ومجالس شعب 18 دولة عربية، وسط آمال كبيرة بتوسيع العراق دائرة انفتاحه على محيطه العربي، بعد أن أزالت القمة الكروية الخليجية في البصرة الشهر الماضي آخر العوائق الرسمية والشعبية.
وعبّر القادة العراقيون خلال لقاءاتهم برؤساء الوفود العربية المشاركة في المؤتمر، التي جاءت بعد غياب 40 عاماً عن آخر دورة عُقدت في بغداد عام 1983، عن اهتمامهم بانفتاح العرب على العراق، مجددين تأكيد أهمية أن تتنامى العلاقات العراقية - العربية دون عوائق أو تحديات.
المؤتمر الذي أنهى أعماله باتخاذ مجموعة من القرارات التي من شأنها الإسهام في دفع العمل البرلماني العربي إلى الأمام، أطلق مبادرة قوبلت بترحيب عربي، وهي تشكيل وفد من رؤساء الوفود بزيارة سوريا للتضامن معها بعد كارثة الزلزال، بالإضافة إلى التمهيد لعودتها هي الأخرى إلى حاضنتها العربية تدريجياً.
وفي هذا السياق، قال عضو البرلمان العراقي عن تحالف «السيادة» يحيى المحمدي لـ«الشرق الأوسط»: «إن أهم مخرجات مؤتمر البرلمان العربي هو انفتاح العراق على محيطه العربي، والاستفادة من تجارب المجالس التشريعية في هذه الدولة أو تلك»، مبيناً أن «العراق كان يفتقد إلى حلقة التواصل مع أشقائه العرب نتيجة الظروف التي مر بها بعد أحداث 2003، والتي كانت في أشدها سنة 2014، حين تعرض العراق إلى هجمة إرهابية شرسة. بعدها بدأ العراق يتعافى تدريجياً، ويفكر جلياً بترتيب وضعه، والتواصل مع محيطه العربي الذي هو جزء أساسي ورئيسي فيه». وأضاف المحمدي أن «زيارة رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي ورؤساء الوفود العربية المشاركين في المؤتمر إلى دمشق، تمثل انتقالة مهمة في السياسة العربية؛ حيث إن الحلبوسي يتميز بالجرأة في سياسته وتكسير كثير من قواعد السياسة التي اعتادها من سبقوه في منصب رئاسة البرلمان، وبالتالي فهو قادر على لعب أدوار أقوى بكثير في المحيط العربي».
ومن جهته، يرى رئيس «مركز التفكير السياسي»، إحسان الشمري، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «العراق بات مؤهلاً للعب دور كبير على مستوى الدبلوماسية العربية، وكذلك فيما يرتبط بدبلوماسية المنطقة، رغم أن هذه الدبلوماسية تعني تقاطع مصالح، لكن بحكم سياسات اتبعها عدد من الحكومات جعلت هناك ثقة متنامية في العراق». وأضاف أن «مثل هذا الوضع تمثل في عدد من الأمور، منها مبدأ التوازن الذي منح العراق ثقة كبيرة، والأمر الآخر أن العراق لم يتخذ موقفاً مقاطعاً من الدول التي كانت قد دخلت في اختلاف وجهات النظر فيما بينها، لإدراكه أن أي استقرار سينعكس إيجاباً على الداخل العراقي على أي مستوى من العلاقات».
وأشار الشمري إلى أن «العراق، وفقاً لذلك، انطلق في هذا المسار؛ لأنه يعمل وفق مبدأ الدبلوماسية الوقائية، إذ يحاول قدر المستطاع أن يقلل من آثار التداعيات والخلافات على الداخل العراقي»، موضحاً أن «هذا الموضوع أسهم في أن يدفع به إلى أن يؤدي دوراً كبيراً على مختلف الأصعدة».
وأضاف الشمري أن «الانفتاح العربي الذي يتبناه العراق عزز دوره في إمكان أن يكون وسيطاً بين العرب أنفسهم، وذلك عبر الوفد البرلماني الذي زار دمشق من بغداد». وبشأن العلاقة العراقية - الأميركية وصِلتها بهذه التطورات، قال الشمري إن «الولايات المتحدة الأميركية باتت تركز على العراق؛ لأنها تدرك جيداً أنه يمكن أن يكون حلقة وصل مع بعض من تختلف معهم في المنطقة».
أما أستاذ الإعلام الدولي في الجامعة العراقية، فاضل البدراني، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن «العراق نهض بدور فاعل على الساحتين العربية والدولية، وعنده طموح لصناعة استقرار في المنطقة مستنداً إلى دعم غربي - عربي ملموس». وأضاف أن «هذا الطموح يبقى رهن تصادم محاور دولية، منها أميركا وأوروبا التي تسهم حالياً في إعادة صياغة عراق متطور شريطة أن يكون ضمن محورها».
وأكد البدراني أنه «في مقابل ذلك، هناك موقف إيران الممسكة حتى اللحظة بملفات سياسية وأمنية في العراق، وتريد أن ينهض العراق شريطة أن يبقى ضمن محورها... وتلك عقبات قد تؤخر نهوض العراق». وأوضح البدراني أن «الخطوات الأخيرة تبين أن الجو العام يقود العراق نحو ممارسة دور بارز، لا سيما مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي بدورته الـ34، وقبله مؤتمر بغداد بنسختيه 1 و2 في الأردن، وبطولة خليجي 25 التي حضر فيها أبناء الخليج العربي».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

صور قتلى الحوثيين تطغى على مشهد صنعاء اليومي

صورة بثها الإعلام الحوثي تظهر موكب تشييع أحد عناصر الجماعة في ريف صنعاء (الشرق الأوسط)
صورة بثها الإعلام الحوثي تظهر موكب تشييع أحد عناصر الجماعة في ريف صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

صور قتلى الحوثيين تطغى على مشهد صنعاء اليومي

صورة بثها الإعلام الحوثي تظهر موكب تشييع أحد عناصر الجماعة في ريف صنعاء (الشرق الأوسط)
صورة بثها الإعلام الحوثي تظهر موكب تشييع أحد عناصر الجماعة في ريف صنعاء (الشرق الأوسط)

لا يكاد المشهد العام في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية يخرج من دائرة صور القتلى ومواكب التشييع، في مظهر بات يطغى على الشوارع والأحياء، ويعيد إلى الواجهة الكلفة البشرية المتصاعدة للحرب، وسط عائلات تبحث عن معلومات بشأن أبنائها الذين سقطوا في الجبهات.

وبينما تحاول الجماعة تقديم مراسم التشييع بوصفها احتفاءً بمن تسميهم «الشهداء»، تكشف الصور واللافتات المنتشرة في أحياء صنعاء عن جانب آخر من المشهد، يتمثل في خسائر بشرية متلاحقة لا تتوفر بشأن كثير منها تفاصيل واضحة عن أماكن سقوط أصحابها أو ظروف مقتلهم.

ويشاهد سكان المدينة انتشاراً لافتاً لصور قتلى حوثيين جدد في الشوارع والأحياء، يحمل أغلبهم رتباً عسكرية، بالتزامن مع مواصلة الجماعة تنظيم مواكب تشييع وإعلانات عن مصرع عناصرها في جبهات القتال.

معرض سابق أقامه الحوثيون لصور قتلاهم في صنعاء (الشرق الأوسط)

وخلال جولة لـ«الشرق الأوسط» في شارع الستين، أحد أكبر شوارع صنعاء، أمكن رصد انتشار واسع لصور القتلى واللافتات التي تحمل أسماءهم، في مشهد جعل أجزاء من الشارع تبدو كأنها «صالة عزاء كبرى»، مع استمرار إقامة مراسم التشييع في العاصمة ومدن أخرى واقعة تحت سيطرة الجماعة.

وقال أحد المارة إن «الصور أصبحت جزءاً من المشهد اليومي في صنعاء»، مضيفاً أن «كل صورة تحمل خلفها قصة أسرة فقدت أحد أبنائها».

ولا تقتصر هذه المظاهر على صنعاء، وفق شهادات محلية، إذ تتكرر صور القتلى ومواكب التشييع في عدد من المدن الرئيسية الخاضعة للحوثيين، وسط حضور أسر الضحايا وأقاربهم، بما يعكس انتقال آثار القتال من خطوط المواجهة إلى قلب المدن والأحياء.

خسائر تصل إلى البيوت

تقول أم محمد، وهي من سكان حي السنينة وسط صنعاء، إنها فقدت أحد أبنائها في إحدى الجبهات، وإن خبر مقتله غيّر حياة أسرتها.

وتستطرد: «منذ أن وصلنا خبر مقتله، لم يعد البيت كما كان. كنا ننتظر أن يعود، فإذا بنا نستقبله جثماناً». وتضيف: «لم أعد أخاف من خبر الحرب، بل من أن يكون الاسم القادم هو اسم أحد أبنائي الآخرين».

وفي حزيز، جنوب صنعاء، تتحدث امرأة أخرى عن زوجها الذي قُتل في إحدى الجبهات الحوثية، قائلة إن أسرتها لا تزال تفتقر إلى معلومات كافية بشأن ملابسات مقتله.

الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب المزيد من المقاتلين (إكس)

وتقول: «كل ما نريده أن نعرف أين قُتل وكيف. يقولون لنا إنه استشهد، لكننا نريد الحقيقة، نريد أن نفهم ماذا حدث له». وتضيف: «أصعب شيء أن تعود إلى البيت ولا تجده. الأطفال يسألون عنه، ولا تعرف ماذا تقول لهم».

وتثير هذه الشهادات جانباً آخر من ملف القتلى، يتعلق بمحدودية المعلومات التي ترافق بعض إعلانات الجماعة عن مقتل عناصرها، إذ لا تتضمن تلك الإعلانات، في حالات عدة، تفاصيل كافية عن الجبهات التي سقطوا فيها أو الظروف التي أحاطت بمقتلهم.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن تكرار صور القتلى ومواكب التشييع يعكس انتقال الكلفة البشرية للحرب إلى المجتمع، حيث تتحول الخسائر العسكرية إلى مشاهد يومية في الشوارع، وأسر تعيش تبعات الفقد، وأطفال يكبرون في غياب آبائهم.

كما يثير غياب التفاصيل بشأن ظروف مقتل بعض العناصر تساؤلات حول الحجم الفعلي للخسائر التي تتكبدها الجماعة، وطبيعة المعارك التي سقط فيها هؤلاء، خصوصاً مع استمرار التصعيد على عدد من الجبهات.

نزف مستمر

يقول مختصون اجتماعيون في صنعاء إن عودة التصعيد العسكري تستنزف المجتمع اليمني حتى خلال الفترات التي تتراجع فيها حدة المواجهات، ويدعون إلى توثيق أسماء الضحايا وظروف مقتلهم بصورة مستقلة وشفافة.

ويشير هؤلاء إلى أن جزءاً من المقاتلين الذين تزج بهم الجماعة الحوثية في الجبهات من صغار السن، ويحذرون من استمرار تجنيدهم ودفعهم إلى مناطق القتال.

صورة وزعتها الجماعة الحوثية تظهر موكب تشييع في صنعاء (الشرق الأوسط)

وسبق للجماعة الحوثية أن أعلنت، عبر وسائل إعلام تابعة لها خلال يوليو (تموز) الماضي، تشييع ما لا يقل عن 93 من عناصرها في مناطق مختلفة تحت سيطرتها، بينهم 29 شخصاً يحملون رتباً عسكرية، بينما تصدرت محافظة صنعاء القائمة بـ26 حالة تشييع.

واستمرت المشاهد ذاتها خلال أغسطس (آب) الحالي، مع إعلان الجماعة تشييع عشرات من عناصرها، بينهم قادة ميدانيون وضباط عسكريون، في محافظات صنعاء وذمار وعمران وحجة وصعدة والمحويت، من دون تحديد أماكن مقتلهم أو الظروف التي أحاطت بسقوطهم.


ربع أطفال اليمن بلا لقاحات وسط تحريض حوثي

انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)
انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)
TT

ربع أطفال اليمن بلا لقاحات وسط تحريض حوثي

انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)
انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)

لا تزال الجماعة الحوثية تواصل منع حملات التحصين الجماعية للأطفال في مناطق سيطرتها، بالتزامن مع تصاعد خطاب التحريض ضد اللقاحات، في وقت تكشف فيه بيانات دولية عن اتساع فجوة التحصين في اليمن، ووصولها إلى مستويات تنذر بعودة أمراض قاتلة يمكن الوقاية منها.

وتشير البيانات إلى أن نحو ربع الأطفال اليمنيين لم يحصلوا على جميع اللقاحات الموصَى بها، بينما يصنف 17 في المائة منهم ضمن الأطفال الذين لم يتلقوا أي جرعة لقاح على الإطلاق، في واحدة من أكبر فجوات التحصين على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وقال سكان في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، إن العاصمة المختطفة ومدناً أخرى خاضعة للحوثيين تعاني منذ نحو شهرين من انعدام اللقاحات في مراكز رعاية الأمومة والطفولة، موضحين أن بعض اللقاحات ظهرت لاحقاً في صيدليات خاصة بأسعار مرتفعة، رغم أنها تقدم مجاناً ضمن برامج التحصين المدعومة دولياً.

مليون طفل في اليمن لم تصلهم خدمات التحصين الروتينية (الأمم المتحدة)

وأضاف السكان -وبينهم عاملان في المجال الطبي- أن هذا الوضع أثار حالة من الذعر بين الأسر التي تخشى تعرُّض أطفالها للأمراض؛ خصوصاً مع اختفاء اللقاحات من المراكز الصحية الحكومية، بعد أن كانت متاحة بصورة منتظمة.

وكان الحوثيون قد منعوا في وقت سابق حملات التطعيم الجماعية التي كانت تنفَّذ من منزل إلى منزل بتمويل دولي، مبررين ذلك بخطاب تحريضي يصوِّر اللقاحات على أنها جزء من «مؤامرة غربية»، مع السماح في فترة محدودة بتوفيرها داخل مراكز رعاية الأمومة والطفولة في المدن الرئيسية.

تحذير من تفشي الأمراض

وحذَّرت لجنة الإنقاذ الدولية من التداعيات المتزايدة لتراجع خدمات التحصين في اليمن، مشيرة إلى أن أكثر من عقد من الصراع وضع النظام الصحي تحت ضغط شديد، وكانت خدمات التحصين الروتيني من بين أكثر الخدمات تضرراً.

وقالت المنظمة إنها بدأت منذ عام 2024، ومع تنامي الحملة العدائية ضد اللقاحات، تنفيذ استراتيجية للتغيير الاجتماعي والسلوكي تقوم على مسارين؛ أولهما تزويد أفراد المجتمع الموثوق بهم بالمعلومات اللازمة، وإشراك مقدمي الرعاية في أدوات عملية تعزز الثقة باللقاحات، والثاني مساعدة المانحين على الوصول إلى مزيد من الأطفال.

وأظهرت دراسة مسحية أجريت لمصلحة المنظمة في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية، أن الأطفال كانوا يكملون جدول التطعيم بدرجة أكبر عندما يثق مقدمو الرعاية باللقاحات، ويعتقدون أنها تحمي الأطفال، بما يؤكد أهمية الثقة في رفع معدلات التحصين.

وتراجعت تغطية لقاح الحصبة في اليمن إلى 41 في المائة عام 2025، مقارنة بـ63 في المائة عام 2012، وهو انخفاض انعكس بصورة مباشرة على تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

منع الحوثيين حملات التطعيم ساهم في عودة أمراض يمكن الوقاية منها (إعلام محلي)

وسجَّل اليمن خلال تفشي الحصبة عام 2024 نحو 27 ألفاً و517 إصابة، إضافة إلى 260 وفاة، وهي من بين أعلى حصائل الإصابات المسجلة عالمياً خلال ذلك العام. واستمرت معدلات الإصابة المرتفعة لاحقاً؛ إذ سجلت البلاد 11 ألفاً و354 حالة بين أكتوبر (تشرين الأول) 2025 ومارس (آذار) 2026، وهو ثاني أعلى عدد إصابات في أي بلد حول العالم خلال تلك الفترة.

مليون طفل بلا تحصين

ولم تقتصر التداعيات على الحصبة؛ إذ سجل اليمن منذ عام 2021 نحو 452 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال المتحور، وكان 98 في المائة من المصابين من الأطفال دون الخامسة.

وتقدر «يونيسف» أن 17.8 مليون شخص في اليمن، غالبيتهم من الأطفال، يفتقرون إلى الوصول الكافي إلى الرعاية الصحية، بينما تشير تقديرات بداية العام الحالي إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية لم تكن تعمل، أو كانت معرضة لخطر الإغلاق بسبب نقص التمويل، وتقليص الشركاء الإنسانيين عملياتهم.

وتشير البيانات إلى أن نحو مليون طفل في اليمن لم تصل إليهم خدمات التحصين الروتينية على الإطلاق، بينما يمثل اليمن، إلى جانب السودان وسوريا، نحو 87 في المائة من جميع الأطفال الذين لم يتلقوا أي جرعة لقاح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تغطية لقاح الحصبة في اليمن تراجعت إلى 41 % عام 2025 (الأمم المتحدة)

وتضع هذه الأرقام اليمن باستمرار ضمن الدول التي تضم أعلى نسبة من الأطفال الذين لم يحصلوا على أي جرعة لقاح عالمياً، إلى جانب نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وترى «الإنقاذ الدولية» أن معالجة فجوة التحصين لا تتطلب مواجهة خطاب التشكيك باللقاحات فحسب، وإنما تحتاج أيضاً إلى استثمارات مباشرة في المراكز الصحية وسلاسل الإمداد والقوى العاملة الطبية، بما يضمن وصول اللقاحات إلى الأطفال بصورة منتظمة.

وتكشف نتائج الدراسة عن 4 أنماط رئيسية وراء التردد في التطعيم، تشمل المعتقدات الفردية وقرارات الأسرة وتأثير المجتمع، إضافة إلى المخاوف من الآثار الجانبية قصيرة المدى.

وأوضحت المنظمة أن بعض الأسر تركز على أعراض ظاهرة وفورية، مثل الحمى أو التورم أو صعوبة الحركة المؤقتة، بينما تبقى الفوائد بعيدة المدى للَّقاحات غير مرئية، ولا تظهر إلا مع مرور الوقت. كما يسهم تناقل قصص فردية عن أعراض جانبية في تضخيم المخاوف؛ خصوصاً عندما لا يحصل مقدمو الرعاية على إرشادات كافية بشأن التعامل مع تلك الأعراض.

وتحذِّر هذه المعطيات من أن استمرار تعطيل حملات التحصين وتراجع الخدمات الصحية قد يوسع دائرة الأمراض التي كان يمكن السيطرة عليها، ويضع ملايين الأطفال اليمنيين أمام مخاطر صحية متزايدة، في بلد أنهكته سنوات الحرب، وتراجع التمويل، وانهيار جزء كبير من بنيته الصحية.


«تثبيت الفائدة» في مصر... هل يحد من موجة التضخم؟

متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)
متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)
TT

«تثبيت الفائدة» في مصر... هل يحد من موجة التضخم؟

متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)
متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)

أثار قرار تثبيت سعر الفائدة في مصر للشهر الرابع على التوالي تساؤلات حول التضخم الذي تشهده البلاد.

ويرى خبراء أن «إجراءات البنك المركزي المصري تستهدف محاصرة نسبة التضخم على المستوى القصير»، وتوقعوا «ارتفاع نسب التضخم في نهاية العام الحالي بسبب تأثير الاضطرابات الإقليمية على أسعار الطاقة».

وقررت لجنة السياسة النقدية بـ«البنك المركزي»، مساء الخميس، «الإبقاء على أسعار العائد الأساسية دون تغيير»، ووفق إفادة لـ«المركزي» يتم تثبيت سعري العائد، الإيداع والإقراض، لليلة واحدة، وسعر العملية الرئيسية عند 19 في المائة و19.5 في المائة و20 في المائة على الترتيب، إلى جانب «الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 19.5 في المائة».

وهذه المرة الرابعة التي يقرر فيها «المركزي» تثبيت سعر الفائدة منذ أبريل (نيسان) الماضي، وتعقد لجنة السياسات النقدية بـ«البنك المركزي» اجتماعها الدوري كل ستة أسابيع (45 يوماً)، ويتبقى لها ثلاثة اجتماعات خلال العام الحالي، في ظل ترقب الأسواق لتطورات التضخم وسعر الصرف وأسعار الطاقة العالمية.

وبحسب بيان «المركزي» جاء القرار «انعكاساً لتقييم لجنة السياسيات النقدية لآخر تطورات التضخم وتوقعاته».

وشهد المعدل السنوي للتضخم العام ارتفاعاً طفيفاً في يوليو (تموز) الماضي ليبلغ 14.9 في المائة مقابل 14.3 في المائة في يونيو (حزيران) الماضي، بينما سجل المعدل الأساسي للتضخم 14.7 في المائة في يوليو مقابل 14.3 في المائة عن الشهر السابق له، وفق «المركزي»، الذي أشار إلى أن «التطورات الشهرية للأسعار أظهرت استقراراً مع انخفاض أسعار بعض السلع والخدمات».

البنك المركزي المصري قرر تثبيت سعر الفائدة (رويترز)

ويقول عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع» وليد جاب الله: «كان من المتوقع أن يتخذ البنك المركزي قرار تثبيت أسعار الفائدة مرة أخرى». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الفارق بين سعر الفائدة ونسب التضخم يسمح للبنك المركزي باتخاذ قرار التثبيت، ذلك أن الزيادة في نسب التضخم جاءت طفيفة وليست بنسب عالية».

وعدّ قرار التثبيت «تشديداً نقدياً تتخذه الحكومة في ظل حالة عدم اليقين التي يعيشها الاقتصاد العالمي».

ووفق بيان «البنك المركزي» فإن «النشاط الاقتصادي على الصعيد العالمي شهد تباطؤاً طفيفاً متأثراً بالتقلبات الجيوسياسية، وضعف الطلب، في حين لا يزال التضخم مرتفعاً بشكل عام، مع تفاوت الضغوط التضخمية عبر الاقتصادات، ما أدى لتباين قرارات السياسة النقدية للبنوك المركزية».

وأشار البيان إلى أن «آفاق الاقتصاد العالمي تتسم بعدم اليقين ولا تزال عرضة لمجموعة من المخاطر، من أهمها استمرار التوترات الإقليمية لفترة أطول، وتجدد اضطرابات سلاسل الإمداد».

ولا يعني استمرار تثبيت أسعار الفائدة، قدرة الاقتصاد المصري على الحد من نسب التضخم، وفق جاب الله، مضيفاً أنه «من الصعب انخفاض مستويات التضخم في ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة».

ورجح «ارتفاع نسب التضخم مع نهاية العام الحالي إلى نسب أقل من 17 في المائة، في ظل استمرار الاضطرابات الجيوسياسية»، مشيراً إلى أن «البنك المركزي فضل التريث بتثبيت أسعار الفائدة لترقب التطورات والأوضاع العالمية خصوصاً على صعيد أسعار الطاقة».

الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة يوضح أن «إجراءات البنك المركزي الحالية تستهدف محاصرة التضخم على المستوى القصير»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «من المتوقع زيادة معدلات التضخم مع بداية العام المقبل خصوصاً مع عدم انخفاض أسعار البترول بسبب الاضطرابات الإقليمية».

الحكومة المصرية تكثف الرقابة على الأسواق لضبط أسعار السلع (وزارة التموين المصرية)

و«تعرضت أسواق الطاقة مجدداً لضغوط تصاعدية وازدادت تقلباتها وسط تزايد حدة التوترات الإقليمية، كما اتجهت أسعار السلع الزراعية نحو الارتفاع نتيجة للمخاوف المتعلقة بالإمدادات الناجمة عن التوترات الجيوسياسية»، وفق بيان «المركزي» المصري.

بدرة يلفت إلى أن «استمرار الأوضاع الإقليمية بالوضع الحالي سيترتب عليه ارتفاع في معدلات التضخم، وبالتالي سينعكس ذلك على ارتفاع سعر الفائدة مع نهاية العام الحالي».

كما يشير إلى أنه «حال حدوث أي توتر جديد بالمنطقة وارتفاع سعر برميل البترول عن (94 دولاراً) الحالية سيعني اتخاذ قرارات اقتصادية أكثر تشدداً للتحوط مع الآثار الجديدة».

وتوقع البنك «المركزي» أن «يبلغ متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 5 في المائة في العام المالي (2025-2026)» إلى جانب «مواصلة النشاط الاقتصادي الحقيقي انخفاضه الطفيف في الربع الثاني من العام الحالي وذلك انعكاساً للتأثير السلبي للصراع الإقليمي».