الحرب الروسية ـ الأوكرانية... تعميق جديد في هوة أزمة الغذاء العالمي

أربكت الأسواق وقلصت قيمة الأصول ورفعت الأسعار في الاقتصاد الدولي

تعبئة حاوية عملاقة بالقمح الأوكراني في أحد الموانئ وسط تزايد فجوة الأمن الغذائي العالمي (إ.ب.أ)
تعبئة حاوية عملاقة بالقمح الأوكراني في أحد الموانئ وسط تزايد فجوة الأمن الغذائي العالمي (إ.ب.أ)
TT

الحرب الروسية ـ الأوكرانية... تعميق جديد في هوة أزمة الغذاء العالمي

تعبئة حاوية عملاقة بالقمح الأوكراني في أحد الموانئ وسط تزايد فجوة الأمن الغذائي العالمي (إ.ب.أ)
تعبئة حاوية عملاقة بالقمح الأوكراني في أحد الموانئ وسط تزايد فجوة الأمن الغذائي العالمي (إ.ب.أ)

مع نهاية العام الأول ودخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الثاني؛ ما زالت تداعياتها الاقتصادية تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، وتقوده للدخول في اضطرابات كبيرة، والسير نحو مصير مجهول في بعض الدول ذات الاقتصادات المنخفضة، فيما تصدرت سوق الغذاء العالمية بالذات أنشطة المحاصيل الزراعية الأساسية في مدخلات الأغذية الرئيسية أزمة جديدة، زادت من تكلفتها عالمياً، ما يهدد بتفاقم الأزمة وتعميق هوتها مع استمرار أمد الصراع.
وفي الوقت الذي كانت فيه الاقتصادات العالمية، تستعد للتعافي من آثار جائحة فيروس «كورونا»، وبدأت سلاسل الإمداد العالمية في التحرك نحو إعادة ربط دول العالم ببعضها، وإعادة إيصال المنتجات إلى رفوف الأسواق، جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتزيد من معاناة الاقتصادات العالمية، وتضيف لها أزمات جديدة في نقص الغذاء العالمي، وارتفاع أسعار السلع الأخرى، بسبب مكانة الدولتين في سلة الغذاء العالمي، حيث تصدران ثلث الإنتاج العالمي من القمح والشعير، وأكثر من 70 في المائة من زيت دوار الشمس، و12 في المائة من صادرات الذرة عالمياً، فيما تعد روسيا أكبر منتج عالمي للأسمدة.
- تضخم بخانتين
وذكر تقرير صادر عن البنك الدولي مطلع فبراير (شباط) الجاري، استمرار ارتفاع تضخم أسعار الغذاء المحلية في مختلف أنحاء العالم، إذ أشارت معلومات التقرير التي تشمل بيانات عن تضخم أسعار المواد الغذائية، إلى ارتفاع معدلات التضخم في جميع البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل تقريباً، مع ارتفاع مستويات ارتفاع الأسعار بأكثر من 5 المائة في 83.3 في المائة من البلدان منخفضة الدخل، و90.2 في المائة من الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل، و91 في المائة في الشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل، ما أدى إلى أن تشهد غالبيتها معدلات تضخم مكونة من خانتين.
وعزا التقرير استمرار ارتفاع معدلات التضخم، إلى عدة عوامل اقتصادية عالمية، تبرز منها في المقام الأول الحرب الروسية الأوكرانية، وتأثيراتها في سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة والغاز، وتأزم الأسواق العالمية.
- أسعار القمح
وقفزت أسعار القمح إلى مستوى قياسي، بعد أشهر من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، ووصلت الزيادة في مطلع مايو (أيار) 2022 إلى نسبة 40 في المائة، كما شهدت الأسواق العالمية توترات شديدة بسبب عوامل أخرى منها مخاطر الجفاف في جنوب الولايات المتحدة وغرب أوروبا، لتشير التوقعات العالمية الأميركية بانخفاض إنتاج القمح الأوكراني بمقدار الثلث لعام 2022 – 2023.
وتفاقمت أزمة زيادة أسعار القمح، في نهاية مايو 2022، بعد قرار الهند ثاني أكبر منتج للقمح في العالم، حظر تصدير القمح دون إذن حكومي خاص بسبب تراجع إنتاجها جراء موجات القيظ الشديد، ووصلت أسعار القمح إلى 435 يورو (453 دولاراً) للطن في السوق الأوروبية.
- تراجع التصدير
من جانبها، ذكرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) في تقرير إحصائي حديث، أن أوكرانيا ستسجل أكبر معدل انخفاض في صادرات الحبوب خلال موسم 2022 - 2023 بنسبة 47 في المائة لتنخفض صادراتها من 19 مليون طن في الموسم السابق إلى 10 ملايين طن، كما توقع التقرير أن تستمر روسيا في تربعها على عرش مصدري القمح عالمياً، بحجم صادرات يصل إلى 35 مليون طن سنوياً.
- الأمن الغذائي
وفي أعقاب اندلاع الحرب في أوكرانيا، وتخوُّف بعض الدول المصدرة للسلع الغذائية الأساسية، من تفاقم أزمة الغذاء العالمية، تصاعدت السياسات المتصلة بالتجارة التي تفرضها تلك البلدان، وتزايد عدد القيود المفروضة على تجارة الغذاء، بهدف زيادة الإمدادات المحلية وخفض الأسعار، حيث فرضت 19 بلداً 23 قراراً لحظر تصدير المواد الغذائية، كما فرضت 8 بلدان 12 إجراءً للحد من الصادرات. وتوقعت عدة تقارير عالمية حول أزمة الغذاء، أن يواجه ما يصل إلى 205 ملايين شخص في 45 بلداً حول العالم، نقصاً حاداً في الأمن الغذائي والحاجة إلى مساعدات عاجلة.
- خفوت الأصول
وفي قراءة لمشهد الأسواق، فإن الأزمة الأوكرانية أسهمت في ارتباك الأسواق الدولية، وخفضت أداء فئات الأصول العالمية التي شهدت منعطفاً حاداً خلال عام 2022؛ إذ أنهت معظمها العام على انخفاض مضاعف. وأكدت شركة «كامكو» للاستثمار – مقرها الكويت – أن عام 2022 كان استثنائياً؛ حيث شهدت أسواق الأسهم والسندات تراجعات متأثرة بعدة عوامل منها الحرب الروسية - الأوكرانية والتضخم، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، بجانب القضايا الجيوسياسية الدولية.
وحسب رصد التقرير، تراجعت المؤشرات بما يقرب من 20 في المائة خلال العام؛ حيث انخفض مؤشر MSCI للأسواق الناشئة بنسبة 22.4 في المائة، في وقت أظهر تقرير صادر عن فايننشال تايمز أن الأسهم والسندات فقدت ما يقرب من 35 تريليون دولار أميركي من حيث القيمة خلال عام 2022.
وأفاد تقرير «كامكو» بأنه بعد الوصول إلى مستويات قياسية في نهاية عام 2021، سجلت أسواق الأسهم العالمية أول انخفاض لها منذ أربع سنوات خلال عام 2022، ما يعكس المعاناة في معظم الأسواق العالمية، مستدلاً بانخفاض مؤشر MSCI العالمي بنسبة 19.5 في المائة، ليعكس انخفاضاً ثنائي الرقم في معظم الأسواق الرئيسية على مستوى العالم. أما على صعيد الأسواق المتقدمة، فقد كانت الولايات المتحدة هي الخاسر الأكبر؛ حيث تراجع مؤشر S&P 500 بنسبة 19.4 في المائة خلال العام.
- النمو العالمي
من ناحيته، قال صندوق النقد الدولي في نهاية يناير (كانون الثاني) المنصرم إن النمو العالمي سيظل ينخفض إلى 2.9 في المائة في عام 2023، وذلك من 3.4 في المائة في عام 2022، وهنا تشير أحدث توقعات الصندوق حول مستقبل الاقتصاد العالمي إلى تحسُن، مقارنة بتوقعات أكتوبر (تشرين الأول)، التي تنبأت بنمو 2.7 في المائة العام الجاري، مع تحذيرات من أن العالم قد ينزلق بسهولة إلى الركود. وقال كبير الخبراء الاقتصاديين في الصندوق بيير أوليفييه غورينشاس ما نصه: «قد تأتي الاضطرابات الجديدة من تصعيد الحرب في أوكرانيا»، مضيفاً حول توقعات 2023: «علينا أن نكون مستعدين نوعاً ما لتوقع ما هو غير متوقع، لكنه قد يمثل نقطة تحول، مع تراجع النمو إلى أدنى درجاته».
- تريليونا دولار
وحول تكلفة تأثير حرب أوكرانيا في الاقتصاد العالمي، توقّعت منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، وهي منظمة حكومية تضم 38 دولة، وتعد تجمعاً للاقتصادات المتقدمة مقرها باريس، أن تصل تكلفة تأثير الحرب في أوكرانيا في الاقتصاد العالمي إلى نحو 2.8 تريليون دولار بنهاية 2023.
وأشارت إلى تسبُب الحرب في هز الأسواق في جميع أنحاء العالم، وتفاقم الخلل في سلاسل التوريد والإمدادات العالمية، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة، ما أضعف إنفاق الأسر وقوّض ثقة الأعمال التجارية، وتسبب في نقص الغذاء والضروريات الأخرى.
وذكرت أن إطالة أمد الصراع، ستزيد من حالة عدم اليقين التي تلقي بثقلها على الاقتصاد العالمي، وتهدد بمزيد من الأزمات الاقتصادية وتراكم التشوهات في بعض الاقتصادات العالمية، وإجبار عدد متزايد من الشركات إلى خفض أنشطتها.
- اقتصادات
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي عضو مجلس الشورى السعودي فضل بن سعد البوعينين، أن الحرب الروسية الأوكرانية، زعزعت ثوابت الاقتصادات العالمية واقتصادات الدول الأوروبية على وجه الخصوص، مفيداً بأن الاقتصاد العالمي بات من أكبر ضحاياها، لافتاً إلى أن تأثيرها في القطاعات اللوجيستية أسهم في امتداد ذلك التأثير لسلاسل الإمداد، وحدوث تداعيات حادة في اقتصادات الدول.
وأضاف البوعينين أن الحرب تسببت في نشوء أزمات اقتصادية عميقة في جميع القطاعات دون استثناء، ويبرز من أكثر القطاعات المتأثرة بالحرب، أمن الطاقة والأمن الغذائي، ونقص إمدادات الغذاء العالمية، وتضخم الأسعار، متوقعاً أن تتجاوز تكلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، الأرقام التقديرية والتي قدرتها بنحو 2.8 تريليون دولار، «وقد تتخطاها بكثير».
- الهزة العنيفة
وتوقع عضو مجلس الشورى، أن يستمر الركود الاقتصادي خلال العام الجاري، مع تضخم مطرد في الأسواق العالمية، وربما تشهد الأسواق أزمات جديدة، في الإمدادات وسلاسل النقل ونقص الغذاء وارتفاع معدلات البطالة، وقد يمتد تأثيرها لحدوث هزة عنيفة في النظام المالي العالمي، إذا استمرت الحرب، وتطورت أدواتها الحالية، وربما توسعت رقعتها الجغرافية.
مضيفاً أن مستقبل الاقتصاد العالمي في حال استمرار الحرب، ربما سيقود إلى تضخم الديون السيادية لمعظم الدول، وانفجار فقاعتها وانتقالها لمرحلة أكثر دماراً مما هي عليه اليوم، لافتاً إلى أن اقتصادات الدول الأوروبية ستتضرر على المديين البسيط والبعيد بشكل كبير، وربما أسهم ذلك في تفكك الاتحاد الأوروبي تحت ضغط المصالح الوطنية لكل دولة.
- توجهات مستقبلية
من جانبه، قال أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك فيصل السعودية الدكتور محمد بن دليم القحطاني، إن الحرب الروسية الأوكرانية زادت من الأزمات الاقتصادية العالمية، وعجلت بالركود الاقتصادي في بعض دول مجموعة العشرين، مشيراً إلى أن أهم الاقتصادات العالمية ستسجل معدلات نمو متدنية، وربما بالسالب خلال 2023، وهو دليل واضح على المعضلة الكبيرة التي يمر بها الاقتصاد العالمي.
ودعا الدكتور القحطاني، اقتصادات دول مجموعة العشرين إلى أن تتكاتف وتلتف، وأن تزيد من عدد اجتماعاتها خلال هذه السنة؛ من أجل إخراج الاقتصاد العالمي من عنق الزجاجة، وتنشيط المبادرات الاقتصادية التي من شأنها أن تمنع أي انكماش أو ركود اقتصادي مستقبلي.
وحول المآلات المستقبلية للاقتصاد العالمي، في ظل الصراع الروسي الأوكراني، توقّع الدكتور القحطاني، أن تستمر أزمة الاقتصاد العالمي من بينها الغذاء حتى 2028 كحد أدنى، مشيراً إلى أنه حتى لو توقفت الحرب بعد ذلك، فإن اندفاع الاقتصاد العالمي ومحاولته للعودة لمستوياته السابقة قبل الحرب، سيجعلان الوضع صعباً جداً، حيث يتجاوز حجم الاقتصاد العالمي 100 تريليون دولار، ويحتاج لميكنة رقمية ونظم وإجراءات وآليات وأفكار وسنوات لعودته للمستويات السابقة، وانخراط الأسواق في التفاعل مع بعضها البعض.
وشدد الدكتور القحطاني على ضرورة التحرك العالمي، والتعامل بدبلوماسية وذكاء سياسي لإيقاف الحرب الروسية الأوكرانية، والاستفادة من الشراكات والعلاقات الروسية مع الدول الصديقة، لإيجاد حل جيوسياسي لهذه الأزمة العالمية، وإيقاف مسيرة تفاقم الأزمات الاقتصادية وتأثيرها على الأسواق العالمية ودوران عجلة الاقتصاد العالمي.


مقالات ذات صلة

روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

أوروبا سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

حذّرت روسيا من هجمات أوكرانية بطائرات مسيّرة تنطلق من دول البلطيق، مؤكدة أن عضوية «الناتو» لن تمنع الردّ الانتقامي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
رياضة عالمية الفريق الروسي للجمباز حصد ذهبية أولمبياد باريس تحت علم اللجنة الأولمبية الروسية (رويترز)

الاتحاد الدولي للجمباز يدافع عن قراره رفع القيود عن رياضيي روسيا وبيلاروسيا

دافع الاتحاد الدولي للجمباز، الثلاثاء، عن قراره رفع جميع القيود المفروضة على الرياضيين من روسيا وبيلاروسيا.

«الشرق الأوسط» (لوزان (سويسرا))
الاقتصاد يستغرق تسليم شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا لآسيا عادة ما يصل إلى 45 يوماً (رويترز)

بيانات: ناقلة غاز روسية تسلم شحنة إلى الصين بعد 6 أشهر في البحر

أظهرت بيانات تتبع السفن الصادرة عن مجموعة بورصة لندن، أن ناقلة غاز سلّمت شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا إلى الصين بعد أن ظلت ستة أشهر تقريباً في البحر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد منشأة لتخزين الوقود في مركز التصدير الروسي الرئيسي للنفط في ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود (رويترز)

ارتفاع صادرات النفط من الموانئ الروسية الغربية رغم هجمات الطائرات المسيّرة

ارتفعت صادرات النفط وعبوره عبر الموانئ الغربية الروسية بنحو 150 ألف برميل يومياً، أي 9 في المائة تقريباً، في الأسبوعين الأول والثاني من مايو مقارنة بأبريل.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد الرئيسان بوتين وشي يسيران في مقر إقامة الزعيم الصيني تشونغنانهاي في بكين - سبتمبر 2025 (رويترز)

كيف تحوّلت الصين إلى الشريان الحيوي المموِّل لقطاع الطاقة الروسي منذ حرب أوكرانيا؟

رفعت الصين مشترياتها من النفط والغاز الروسي بشكل ملحوظ منذ بدء الصراع في أوكرانيا، في إطار شراكة «بلا حدود» أعلنتها موسكو وبكين قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

تقرير: شي أبلغ ترمب أن بوتين «قد يندم» على غزو أوكرانيا

شي وترمب في بكين خلال الأسبوع الماضي (رويترز)
شي وترمب في بكين خلال الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

تقرير: شي أبلغ ترمب أن بوتين «قد يندم» على غزو أوكرانيا

شي وترمب في بكين خلال الأسبوع الماضي (رويترز)
شي وترمب في بكين خلال الأسبوع الماضي (رويترز)

قال الرئيس الصيني شي جينبينغ للرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال محادثاتهما الأسبوع الماضي، إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يندم في نهاية المطاف على غزو أوكرانيا، وفق تقرير أوردته صحيفة «فاينانشال تايمز».

وحسب أشخاص مطلعين على التقييم الأميركي للقمة التي عُقدت في بكين، جاءت تصريحات شي خلال محادثات موسعة تناولت الحرب في أوكرانيا، وشملت اقتراحاً من ترمب بأن تتعاون الولايات المتحدة والصين وروسيا ضد المحكمة الجنائية الدولية.

وبدت تعليقات شي بشأن قرار بوتين شن الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022 أكثر صراحة من مواقفه السابقة، إذ قال مصدر مطلع على اجتماعاته مع الرئيس الأميركي السابق جو بايدن إن شي لم يكن قد قدم سابقاً تقييماً مباشراً لبوتين أو للحرب.

ويأتي ذلك فيما يستعد بوتين للوصول إلى الصين الثلاثاء لعقد قمة مع شي، بعد أربعة أيام فقط من استضافة الرئيس الصيني لترمب.

وكان بوتين قد أطلق غزوه لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، بعد ثلاثة أسابيع من زيارته إلى الصين وإعلان «شراكة بلا حدود» مع شي. وتأتي زيارته الحالية بعد 25 عاماً من توقيع الرئيس الصيني السابق جيانغ زيمين مع بوتين معاهدة الصداقة الصينية-الروسية.

ولم ترد السفارة الصينية في واشنطن على طلب للتعليق، فيما رفض البيت الأبيض التعليق أيضاً. كما نشرت إدارة ترمب مذكرة حول قمة بكين، لكنها لم تتضمن أي إشارة إلى المحادثات المتعلقة ببوتين أو الحرب في أوكرانيا.

وخلال القمة، اقترح ترمب أيضاً أن تتعاون الولايات المتحدة والصين وروسيا في مواجهة المحكمة الجنائية الدولية، لافتاً إلى أن مصالحها متقاربة، وفقاً للمطلعين على المحادثات.

وسبق لإدارة ترمب أن عبّرت عن معارضتها الشديدة للمحكمة الجنائية الدولية، متهمة إياها بتسييس القضايا وإساءة استخدام السلطة وتجاوز السيادة الأميركية.

وجاءت تعليقات شي بشأن بوتين في وقت تحولت فيه الحرب الروسية على أوكرانيا إلى حالة جمود بعد أربع سنوات، خصوصاً مع تزايد فاعلية الضربات بالطائرات المسيّرة التي تنفذها كييف ضد القوات والأهداف الروسية.

وكانت إدارة بايدن قد اتهمت الصين مراراً بتزويد روسيا بمواد مزدوجة الاستخدام تساعدها في مواصلة حربها على أوكرانيا، فيما أثارت إدارة ترمب المخاوف نفسها ولكن بوتيرة أقل.

وقال النائب الأميركي الديمقراطي بريندان بويل إن الأوكرانيين «أعادوا ابتكار أساليب الحرب بالطريقة نفسها التي غيّرت بها الحرب العالمية الأولى شكل الحروب في القرن الحادي والعشرين»، مضيفاً أن حرب الطائرات المسيّرة أصبحت اليوم القاعدة وتعيد تشكيل مفهوم القتال.

ونفذت أوكرانيا، الأحد، ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع قرب موسكو، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إنها «مبررة بالكامل»، وذلك بعد هجوم جوي روسي قياسي على كييف الأسبوع الماضي.

وجاءت الضربات بعد وقف إطلاق نار لثلاثة أيام كان ترمب قد توسط فيه، مما أتاح لبوتين تنظيم عرض «يوم النصر» السنوي من دون خطر هجمات أوكرانية بالمسيّرات.


بعد «إيبولا» و«هانتا»... خبراء يحذّرون من أزمات صحية أشد خطورة

مسؤول صحي يفحص حرارة أحد المسافرين على معبر بوسونغا الحدودي بين أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
مسؤول صحي يفحص حرارة أحد المسافرين على معبر بوسونغا الحدودي بين أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
TT

بعد «إيبولا» و«هانتا»... خبراء يحذّرون من أزمات صحية أشد خطورة

مسؤول صحي يفحص حرارة أحد المسافرين على معبر بوسونغا الحدودي بين أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
مسؤول صحي يفحص حرارة أحد المسافرين على معبر بوسونغا الحدودي بين أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)

حذر خبراء من أن العالم أصبح أقل قدرة على الصمود في مواجهة تفشي الأمراض المعدية، في وقت تسابق فيه السلطات الصحية في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا الزمن لاحتواء تفشي فيروس «إيبولا».

ووفق تقرير نشرته صحيفة «الغارديان»، قال «المجلس العالمي لمراقبة التأهب»، في تقرير نُشر أمس الاثنين، إن «تفشي الأمراض المعدية لا يصبح أكثر تكراراً فحسب، بل أكثر تدميراً أيضاً»، محذراً من أن مخاطر الجوائح تتسارع بوتيرة تفوق الاستثمارات المخصصة للاستعداد لها، وأن «العالم لم يصبح أكثر أماناً بشكل فعلي بعد».

وأضاف التقرير أن احتمالات تفشي الأمراض تزداد بسبب أزمة المناخ والنزاعات المسلحة، فيما تتقوّض الجهود الجماعية بفعل الانقسامات الجيوسياسية والمصالح التجارية.

ويُعدّ المجلس العالمي لمراقبة التأهب مجموعة خبراء أُنشئت عام 2018 من قِبل البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية عقب أول تفشٍّ واسع النطاق لـ«إيبولا» في غرب أفريقيا، وقبيل جائحة «كوفيد-19».

ويأتي التقرير في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي بتفشي فيروس «هانتا» على متن سفينة سياحية، وبعد يوم من إعلان حالة طوارئ صحية دولية إثر وفاة ما لا يقل عن 87 شخصاً بسبب «إيبولا» في الكونغو الديمقراطية.

«الصحة العالمية»: أزمات تتفاقم عالمياً

وقال المدير العام لـ«منظمة الصحة العالمية» تيدروس أدهانوم غيبريسوس، خلال افتتاح جمعية الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة في جنيف، إن التفشيين «ليسا سوى أحدث الأزمات في عالمنا المضطرب».

وقالت ممثلة منظمة الصحة العالمية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، آن أنسيا، لوكالة «رويترز»، إن المنظمة استنزفت مخزونها من معدات الحماية في العاصمة كينشاسا خلال الاستجابة لتفشي «إيبولا»، وإنها تُعد طائرة شحن لجلب إمدادات إضافية من مستودع في كينيا.

عاملون في منظمة الصحة العالمية يجهزون إمدادات طبية ومعدات الطوارئ لدعم المناطق المتضررة من تفشي «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية (رويترز)

كما أعلنت منظمتا «لجنة الإنقاذ الدولية» و«أطباء بلا حدود» أنهما أرسلتا فرقاً للمشاركة في مواجهة التفشي.

ومن المقرر أن تستضيف منظمة الصحة العالمية اجتماعاً علمياً عاجلاً الجمعة، يجمع كبار الخبراء لتجميع المعلومات المتوافرة عن الفيروس وتحديد أولويات الأبحاث وتطوير اللقاحات والفحوصات والأدوية.

وفي جنيف، قال مدير مركز سياسات وسياسات الصحة العالمية في جامعة جورج تاون، البروفسور ماثيو كافانا، إن خفض المساعدات ربما أسهم في جعل العالم «يحاول اللحاق بمرض بالغ الخطورة».

وأضاف: «لأن الفحوصات المبكرة بحثت عن سلالة خاطئة من (إيبولا)، حصلنا على نتائج سلبية خاطئة وخسرنا أسابيع من وقت الاستجابة. وبحلول الوقت الذي أُطلق فيه الإنذار، كان الفيروس قد انتقل بالفعل عبر طرق نقل رئيسية وعبر الحدود».

وتابع: «هذه الأزمة لم تحدث من فراغ. فعندما تسحب مليارات الدولارات من منظمة الصحة العالمية وتفكك برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية على الخطوط الأمامية، فإنك تدمر نظام المراقبة المفترض أن يكتشف هذه الفيروسات مبكراً. ونحن نشهد الآن العواقب المباشرة والقاتلة للتعامل مع الأمن الصحي العالمي بوصفه نفقات يمكن الاستغناء عنها».

«تقدم غير مسبوق»

وجد تقرير المجلس العالمي لمراقبة التأهب أن التقنيات الجديدة، بما في ذلك منصات اللقاحات الحديثة مثل «الحمض النووي الريبوزي المرسال» (mRNA)، شهدت «تقدماً غير مسبوق»، مع استثمار مليارات الدولارات في الاستعداد للجوائح والاستجابة لها.

لكن التقرير أشار إلى أن العالم «يتراجع» في إجراءات مثل ضمان الوصول العادل إلى اللقاحات والفحوصات والعلاجات. وخلال تفشيات «جدري القردة» الأخيرة، استغرق وصول اللقاحات إلى الدول الأفريقية المتضررة نحو عامين، وهو أبطأ حتى من المدة التي استغرقتها لقاحات «كوفيد-19»، التي بلغت 17 شهراً.

وحذّر المجلس من أن تفشيات الأمراض أضعفت الثقة بالحكومات والحريات المدنية والمعايير الديمقراطية، وهو ما تفاقم بسبب الاستجابات المسيسة والهجمات على المؤسسات العلمية. وأضاف أن آثار ذلك استمرت حتى بعد انتهاء الأزمات، مما جعل المجتمعات «أقل قدرة على الصمود أمام الطوارئ المقبلة».

وقالت الرئيسة المشاركة للمجلس والرئيسة الكرواتية السابقة، كوليندا غرابار كيتاروفيتش: «العالم لا يفتقر إلى الحلول. لكن من دون الثقة والعدالة، لن تصل هذه الحلول إلى الأشخاص الذين هم في أمسّ الحاجة إليها».

إمدادات طبية مكدّسة داخل مستودع تابع لمنظمة الصحة العالمية في نيروبي بكينيا (أ.ب)

وقالت إن «القادة السياسيين والقطاع الصناعي والمجتمع المدني لا يزال بإمكانهم تغيير مسار الجاهزية العالمية، إذا حوّلوا تعهداتهم إلى تقدم ملموس وقابل للقياس قبل وقوع الأزمة المقبلة».

وفشلت الدول في الالتزام بالموعد النهائي لإبرام اتفاقية الجوائح قبل انعقاد جمعية الصحة العالمية هذا الأسبوع في جنيف، بعد خلافات بشأن ضمانات الوصول إلى الفحوصات الطبية واللقاحات والعلاجات مقابل مشاركة المعلومات حول أي مسببات أمراض تظهر داخل أراضيها.

ودعا «المجلس العالمي لمراقبة التأهب» القادة السياسيين إلى إنشاء آلية دائمة ومستقلة لمراقبة مخاطر الجوائح، وإتمام اتفاقية الجوائح لضمان الوصول العادل إلى اللقاحات والفحوصات والأدوية، بالإضافة إلى توفير التمويل اللازم لتعزيز الجاهزية والاستجابة السريعة لتفشي الأمراض.

وقالت الرئيسة المشاركة للمجلس، وزيرة الصحة السابقة في بوتسوانا، جوي فومافي: «إذا استمر تآكل الثقة والتعاون فستصبح جميع الدول أكثر عرضة للخطر عند وقوع الجائحة المقبلة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


المفوضية الأممية للاجئين تسرّح مزيداً من الموظفين

لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)
لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)
TT

المفوضية الأممية للاجئين تسرّح مزيداً من الموظفين

لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)
لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

ذكر مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح أن المفوضية ستضطر إلى تسريح مزيد من الموظفين، وإجراء إصلاحات عاجلة في ظل انخفاض التمويل والمساعدات الخارجية، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال للدول الأعضاء في رسالة اطلعت عليها «رويترز»، إن المفوضية «ليس لديها خيار»؛ لأنها تتوقع أن تقل الأموال المتاحة هذا العام بنحو 15 في المائة عن 2025 لتصل إلى ما يزيد قليلاً على ثلاثة مليارات دولار. وأعلنت المفوضية بالفعل عن إلغاء آلاف الوظائف العام الماضي.

ويأتي هذا الإعلان في الوقت الذي يستمر فيه عدد النازحين بسبب الحروب والاضطهاد حول العالم في الارتفاع. وتعمل المفوضية مع الأشخاص الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم في أوكرانيا والسودان ودول أخرى تعاني من الصراعات.

وقال صالح في الرسالة التي تحمل تاريخ 15 مايو (أيار): «يتضح على نحو كبير أن وضعنا المالي المتوقع لهذا العام يتطلب منا اتخاذ بعض الخطوات العاجلة».