أسمهان على خشبة مسرح «الأتينيه» في باريس... مجدداً

قلب المغنية كان على طرف شفتيها

جانب من مسرحية «القلب على طرف الشفاه» مسرح «الأتينيه» في باريس (موقع المسرح)
جانب من مسرحية «القلب على طرف الشفاه» مسرح «الأتينيه» في باريس (موقع المسرح)
TT

أسمهان على خشبة مسرح «الأتينيه» في باريس... مجدداً

جانب من مسرحية «القلب على طرف الشفاه» مسرح «الأتينيه» في باريس (موقع المسرح)
جانب من مسرحية «القلب على طرف الشفاه» مسرح «الأتينيه» في باريس (موقع المسرح)

أكثر ما يثير العجب في هذه المسرحية هو التشابه الغريب بين ضيا ليان وبين موضوع الحكاية: المغنية السورية أسمهان التي غابت عن دنيانا منذ 79 عاماً. اسم المسرحية «القلب على طرف الشفاه». وقد جاء عرضها على مسرح «الأتينيه» في باريس بمثابة تحية لفنانة ذات حنجرة ذهبية لم يترك لها القدر فرصة استكمال نجاحها فماتت عن 31 عاماً في حادث غرق سيارتها في ترعة قرب طلخا بمصر.
باللغتين الفرنسية والعربية، تخاطب ضيا ليان، الممثلة والكاتبة والمخرجة ذات الأصول اللبنانية والسورية، جمهورها باللهجة المصرية، قائلة: «إحنا بقالنا قرون بنعمل ده. مش حييجي وقت ونوقف. ونحمد ربنا لسه ودانا بتسمع كويس. وفي كل كلمة بنغنيها نحط حتة من قلبنا». إن لها عيني أسمهان، وتسريحتها، وشفتيها، ونعومة صوتها، من دون أن تمتلك الخامة الذهبية ذاتها. وهي لم تتعرف على المغنية منذ صغرها بل تصادف ذات يوم من عام 2015 أن عثرت في مكتبة موسيقية بمدينة ستراسبورغ على أسطوانة رقمية تحمل صورة امرأة ذات نظرات ساحرة. وهي لم تكن قد سمعت باسمها من قبل. شعرت بأن صاحبة الصورة ملكة أو أميرة. ولم تعرف أنها بالفعل أميرة من عائلة الأطرش في جبال سوريا. اقتنت الأسطوانة واستمعت إليها في بيتها. كانت الأغنية الأولى من نوع التانغو الشرقي مع صوت يخترق القلب: «يا حبيبي تعال الحقني شوف اللي جرالي... من بعدك».
تلك كانت بداية الشغف. فتشت الفنانة المقيمة في فرنسا على أسمهان في المواقع الإلكترونية ووجدت أن اسمها الحقيقي أمل الأطرش، وأنها أميرة حقاً، قادتها موهبتها الاستثنائية إلى القاهرة واشتغلت في الغناء، متحدية تقاليد العائلة، وعاشت حياة حافلة رغم قصرها، ورحلت تاركة محبيها يبحثون عن السبب الحقيقي وراء مصرعها، حتى اليوم.

جانب من المسرحية (موقع المسرح)

درست ضيا ليان التمثيل في المدرسة الوطنية للمسرح في ستراسبورغ، شرق فرنسا. وكانت قبل ذلك قد تخصصت في التاريخ والعلوم السياسية. وهي قد عملت مع مخرجين لهم وزنهم، أمثال فالك ريختر، وستانيسلاس نوردي، وجوليان غوسلان. وأهم أدوارها كليوباترا الذي أدته في الموسم الماضي على مسرح المركز الوطني للدراما في مدينة بيزونسون. أما دور أسمهان في المسرحية التي كتبتها وأخرجتها بنفسها، فإنها استعانت فيه بالممثل سيمون سيغر ليقوم بدور صحافي يحاور المغنية التي تتحدث عن أهم محطات حياتها وتعرض عليه صوراً من أرشيفها. وسيغر هو من تولى التوليف الموسيقي للعرض. وبهذا فإنها مسرحية من شخصين مع جهاز مذياع يشاركهما الحكاية ويقدم مقاطع من أشهر أغاني أسمهان.
تجلس الممثلة على الأرض قرب الراديو المضاء ويدخل الصحافي ليحاورها. تدير الجهاز فينطلق صوت أسمهان مالئاً فضاء المسرح. بينما تعرض شاشة خلفية مشاهد من أفلامها. تنسحب وراء حاجز وتعود مرتدية فستاناً مثيراً للسهرة. تتزين أمام المرآة وتلتفت إلى الجمهور فإذا بها وكأنها أسمهان الحقيقية من شدة الشبه. وخلال ذلك يكون الصحافي مشغولاً بنصب الكاميرا لكي يصورها. نراها والكأس بيد والسيجارة باليد الأخرى، تخفي عينيها وراء نظارة سوداء بينما يتهدل طرف ثوبها حول مجلسها. إن فكرة المقابلة هي الطريقة التي اختارتها المخرجة لتقديم حياة أسمهان استناداً لمقابلة كان قد أجراها معها صديقها الصحافي المصري محمد التابعي عام 1944 قبل فترة وجيزة من رحيلها. هل كانت مقابلة حقيقية أم حيلة إخراجية؟ فمن المعروف أن المغنية كانت تتهرب من الصحافة.

ضيا ليان الممثلة والكاتبة والمخرجة في دور أسمهان (موقع المسرح)

تقول ضيا ليان: «أحب كثيراً الحوارات الصحافية مع الفنانين الذين فارقونا. وفي العرض حاولت أن أعطي للشخصية قوة وأجعلها تتكلم عن إيمانها بالفن والموسيقى وعن شكوكها وأفكارها السياسية وتحولاتها العاطفية. ثم هناك حشمتها كامرأة شرقية، وصعوبة ما تشعر به وهي تتكلم بحرج عن نفسها وتشرح كيف اخترقت الحياة العامة وهي في السابعة والعشرين، تعيش دوامة من الرغبات والملذات المتناقضة، كل ذلك كان مقروناً بحبها للمغامرة وبحثها عن المطلق وتوزعها بين حبها الشديد لوالدتها ولأخيها الفنان فريد الأطرش، وبين غواية القاهرة وجمهورها ومسارحها والكباريهات التي كانت منتشرة فيها. مغنية عاشت الفردوس والجحيم معاً، حاولت أن تضع حداً لحياتها. ثم جاءتها النهاية على حين غفلة».
لا شك أن الجمهور الفرنسي يجد في حياة أسمهان مادة تجمع ما بين المتعة الموسيقية والتشويق. فقد تضاربت الاتهامات في أسباب حادث موتها، ما بين علاقاتها بمخابرات أجنبية وقناصل دول غربية كبرى، وما بين غضب عائلتها منها، أو غيرة أم كلثوم من نجاحها الصاعق، وكلها تخمينات لم تخرج عن نطاق الشكوك. وقد تحلت المخرجة وبطلة المسرحية بالكثير من الجرأة لكي تنقل كل تلك الأحداث ونجحت في مغامرتها إلى حد كبير.


مقالات ذات صلة

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

يوميات الشرق جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

تبدأ عروض مسرحية «كذبة بيضا» في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

ودّع الوسط الفني بمصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الجسد حاملاً ما لا يمكن تركه خلفه (الشرق الأوسط)

«الأرض الحرام»: الإقامة في منطقة التعليق

«الأرض الحرام» أو «No Man’s Land»، هي مساحة تُفتَح حين تُغلَق المعابر ويتحوَّل الحدّ إلى قَدَر، فيصبح الإنسان مضطرّاً إلى العيش بين أمرين لا يملكهما.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق علي منيمنة وضياء منصور في أحد المشاهد المضحكة (الشرق الأوسط)

«خليني خبّرك ليه؟»... الحب الصادق يُنقذ الزواج بمقالب مضحكة

يحاول صُنَّاع المسرح مؤخراً نقل أعمالهم بقالب ترفيهي يخفِّف من وطأة الحياة اللبنانية المثقلة بالأزمات. فتغدو الضحكة هدفاً أساسياً يساهم في الترويح عن النفس.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق جانب من لقاء لإطلاق مشروع حماية وصون الأراجوز (وزارة الثقافة المصرية)

«اليونسكو» تدشن مشروعاً لحماية وصيانة فن الأراجوز في مصر

أطلقت مصر مشروع «صون التراث وبناء القدرات للتراث الثقافي غير المادي لفن الأراجوز للدمى اليدوية التقليدية في مصر»، بالتعاون مع منظمة اليونسكو.

محمد الكفراوي (القاهرة )

«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
TT

«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)

ذكرت شركة «هندالكو إندستريز» الهندية، أنها أوقفت إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب نقص الغاز في أعقاب انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط.

وأظهر إشعار أن الشركة المملوكة لمجموعة «أديتيا بيرلا» أعلنت حالة القوة القاهرة لجميع عملاء منتجات الألمنيوم المبثوق في 11 مارس (آذار)، حسبما ذكرت «رويترز» نقلاً عن إشعار ومصادر مطلعة.

ويستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية.

وتعاني الهند من أسوأ أزمة غاز منذ عقود، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ إذ خفضت الحكومة الإمدادات للصناعات، لتجنيب الأسر أي نقص في غاز الطهي.

وقالت الشركة في الإشعار: «اتخذت (هندالكو) وتواصل اتخاذ جميع الخطوات المعقولة للتخفيف من تأثير حالة القوة القاهرة».

وقال المصدران اللذان طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إن مصاهر الألمنيوم التابعة لشركة «هندالكو» تواصل العمل بشكل طبيعي.


تأجيل سباق قطر للدراجات النارية إلى نوفمبر المقبل

كان من المقرر أن تستضيف حلبة لوسيل الدولية الجولة الرابعة أبريل المقبل (أ.ف.ب)
كان من المقرر أن تستضيف حلبة لوسيل الدولية الجولة الرابعة أبريل المقبل (أ.ف.ب)
TT

تأجيل سباق قطر للدراجات النارية إلى نوفمبر المقبل

كان من المقرر أن تستضيف حلبة لوسيل الدولية الجولة الرابعة أبريل المقبل (أ.ف.ب)
كان من المقرر أن تستضيف حلبة لوسيل الدولية الجولة الرابعة أبريل المقبل (أ.ف.ب)

أعلنت بطولة العالم للدراجات النارية، اليوم (الأحد)، تأجيل سباق «جائزة قطر الكبرى» الذي كان من المقرَّر إقامته الشهر المقبل؛ بسبب الصراع الدائر في الشرق الأوسط.

وكان من المقرَّر أن تستضيف حلبة لوسيل الدولية الجولة الرابعة من بطولة 2026 في الفترة من 10 إلى 12 أبريل (نيسان)، لكن المنظِّمين ذكروا أنَّها تأجَّلت إلى الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني).

أثرت الهجمات الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران على الدول في جميع أنحاء الخليج؛ مما تسبب في تعطيل حركة السفر في بعض من أكثر المطارات ازدحاماً في العالم، والاضطرار إلى إلغاء كثير من الأحداث الرياضية.

وجاء في البيان: «تؤكد بطولة العالم للدراجات النارية أن سباق جائزة قطر الكبرى، الذي كان مقرراً في أبريل، تأجَّل إلى الثامن من نوفمبر؛ بسبب الوضع الجيوسياسي القائم في الشرق الأوسط».

وأضاف: «بعد دراسة دقيقة وتحليل شامل للجدول الزمني، تمَّ اختيار الموعد الجديد لضمان الحد الأدنى من التأثير على جدول سباقات بطولة العالم للدراجات النارية».

وقال المنظمون إن سباق جائزة البرتغال الكبرى سيُقام في 22 نوفمبر، ويقام السباق الختامي للموسم في فالنسيا يوم 29 من الشهر ذاته.

ويتصدَّر ماركو بتسيكي، متسابق فريق أبريليا، بطولة العالم بعد الجولة الأولى في تايلاند.


كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
TT

كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)

بينما تثير التوترات في الشرق الأوسط مخاوف عالمية من ركود اقتصادي، يبرز الدولار الأميركي استثناءً مثيراً للجدل؛ إذ أدت الصدمة الحالية في إمدادات الطاقة إلى ارتفاع قيمته بنحو 2.5 في المائة وفقاً لمؤشر الدولار؛ مما يضع العملة الأميركية في موقع المستفيد الأول من نيران الحروب. هذا الصعود، الذي قد يبدو للوهلة الأولى منافياً للمنطق في ظلِّ الأزمات، يرتكز على معادلة اقتصادية معقَّدة جعلت من «العملة الخضراء» ملاذاً إجبارياً في وجه العواصف.

الدولار عملة ملاذ... ومحرك للأسواق

في جوهر هذا الصعود، تبرز طبيعة الدولار بوصفه عملة ملاذ آمن لا يُنافَس في أسواق المال العالمية. ففي أوقات عدم اليقين، وتحديداً حينما تلوح مخاطر إغلاق ممرات حيوية، يبادر المستثمرون عالمياً إلى التخلص من الأصول عالية المخاطر والتحوط بالسيولة الدولارية. وبالتالي، فإن من شأن عقلية الحفاظ على النقد هذه أن تحول الدولار إلى وجهة إجبارية لأموال ذعرت من تقلبات الأسواق، مستمدةً قوتها من عمق النظام المالي الأميركي، وقدرته الفائقة على استيعاب الصدمات مقارنة بأي اقتصاد آخر.

رجل يسير على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

لكن القصة لا تقف عند حدود الملاذ الآمن النفسي، بل تمتد إلى طبيعة التجارة الدولية ذاتها. فالدولار يظلُّ العملة المرجعية لتسعير النفط والغاز عالمياً؛ ومع كل قفزة في أسعار الطاقة الناتجة عن الصراع، يرتفع تلقائياً حجم الطلب العالمي على العملة الأميركية، حيث تضطر الدول المستوردة للطاقة - مثل الاقتصادات الآسيوية والأوروبية - إلى زيادة مشترياتها من الدولار لتسوية فواتير استيرادها المرتفعة، مما يخلق ضغطاً شرائياً مستمراً يرفع من قيمة العملة الخضراء مقابل عملات تلك الدول التي تعاني أصلاً من استنزاف احتياطاتها.

لغز الذهب

في مقابل صعود الدولار، شهدت أسواق الذهب «لغزاً» مربكاً؛ إذ فشل المعدن الأصفر في استغلال الاضطراب الجيوسياسي لتعزيز مكاسبه. فبعد صعوده عقب بدء العمليات العسكرية مباشرة من 5296 دولاراً إلى 5423 دولاراً للأونصة، تعرَّض لعمليات بيع مكثفة هبطت بسعره إلى 5085 دولاراً.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

يوضح روس نورمان، الرئيس التنفيذي لـ «ميتالز دايلي» لشبكة «سي إن بي سي»، أن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة سحبا البساط من تحت الذهب؛ فالمستثمرون باتوا يجدون في الأصول الأميركية ذات العائد جاذبية أكبر من الذهب غير المُدر للدخل في ظلِّ بيئة فائدة مرتفعة.

وأضاف نورمان أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تضخم مطوّل وربما ارتفاع أسعار الفائدة، في ظلِّ سعي البنوك المركزية لاحتواء تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي للنفط والغاز.

وتميل أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة جاذبية الأصول ذات العوائد، مثل السندات الحكومية، مقارنةً بالمعادن النفيسة التي لا تدرّ عوائد، مثل الذهب.

وقال نورمان: «تبدو تحركات أسعار الذهب والفضة ضعيفة في الوقت الراهن، ولكن ربما يكون هذا هو الشعور الطبيعي بعد بعض التحركات الهائلة التي شهدناها خلال الأشهر القليلة الماضية».

يُعزى تفسير آخر إلى أنَّ النزاعات تُثير موجة بيع مذعورة بين المستثمرين، مما يُسبب «تدفقاً مفاجئاً» يُجبر المتداولين على بيع مراكزهم مع انخفاض الأسعار، وفقاً لعامر حلاوي، رئيس قسم الأبحاث في شركة «الرمز».

وأضاف، في حديثه لـ«سي إن بي سي»: «في حال حدوث أزمة سيولة، سيتم بيع كل شيء حتى يستوعب الناس الوضع، وتُعاد توجيه الاستثمارات نحو الأصول المناسبة».

الفائدة من بين أسباب ارتفاع الدولار

من جهتها، تستعرض «وكالة الصحافة الفرنسية» الأسباب الكامنة وراء صعود العملة الأميركية أمام منافساتها في ظلِّ هذه الظروف، ووفقاً للوكالة، يرتكز هذا الصعود على 3 ركائز:

  • السيولة والملاذ الآمن: يظل الدولار الوجهة الأولى للمستثمرين الباحثين عن ملاذ آمن عالي السيولة، حيث يظل العملة الأكثر تفضيلاً في التجارة الدولية واحتياطات المصارف المركزية.
  • الاستقلال الطاقي الأميركي: الولايات المتحدة بمنأى عن أزمة الإمدادات كونها المنتِج الأكبر للخام عالمياً، حيث لا تستورد سوى 8 في المائة فقط من احتياجاتها من الخليج، مقارنة بثلثي احتياجاتها من كندا. هذا يجعل الاقتصاد الأميركي مصدّراً صافياً للمنتجات النفطية والغاز، مما يعزِّز ميزانه التجاري ويمنح الدولار حصانة مقارنة بالعملات الأوروبية والآسيوية التي تتلقى ضربات أقوى نتيجة اعتمادها المفرط على نفط الخليج.
  • توقعات الفائدة: من شأن ارتفاع تكاليف الطاقة أن يغذي مخاوف التضخم، مما يضطر «الاحتياطي الفيدرالي» لإبطاء وتيرة خفض الفائدة، وهو ما يعزِّز جاذبية الدولار على حساب الأصول الأخرى.
مضخة نفط في حقل مهجور شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

بين سياسة ترمب وواقع الحرب

هذه التطورات تتعارض مع أهداف إدارة ترمب التي تعهَّدت بخفض أسعار الغاز ودعم صادرات «دولار ضعيف». وفي هذا السياق، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في نهاية يناير (كانون الثاني) 2026 تمسك الإدارة بـ «سياسة الدولار القوي»، موضحاً أن جوهر هذه السياسة يكمن في تهيئة بيئة اقتصادية داعمة للنمو عبر سياسات ضريبية وتجارية وتنظيمية تجعل من الولايات المتحدة أفضل وجهة لرأس المال في العالم، وذلك رغم التذبذبات الأخيرة في قيمة العملة.

يسير الناس قرب الأراضي الزراعية المجاورة لحقل الزبير النفطي في البصرة بالعراق (رويترز)

وفي الوقت الذي يرى فيه خبراء أن آراء الإدارة تبدو «متخبطة»؛ بسبب التناقض بين تصريحات ترمب المرحبة بضعف الدولار وسياسات بيسنت، تحذِّر المحللة المالية كاثلين بروكس من أن جاذبية الدولار قد تتضاءل إذا تفاقم العجز في الموازنة الأميركية نتيجة الإنفاق العسكري المتوقع للأشهر المقبلة، مما يضع الإدارة أمام معضلة حقيقية في إدارة التوازن بين القوة الاقتصادية والواقع الجيوسياسي.