لم تنج الآثار والمعالم التاريخية في تركيا من تأثير كارثة الزلزالين المدمرين في 6 فبراير (شباط) الحالي... امتد الدمار لينال من الكثير من المعالم التي ظلت صامدة قروناً، وبعضها مسجل في قائمة «اليونيسكو» للتراث، لكن منها ما مُحي من الوجود ليصبح هو والعدم سواء، ومنها ما لا يصلح معه الترميم، ومنها ما طالته الأضرار البسيطة.
وفق السلطات التركية، بلغ عدد المباني الأثرية والتاريخية التي جرى فحصها 433 معلماً؛ منها 121 لحقت بها أضرار جسيمة، و66 أصابتها أضرار متوسطة، و57 أصيبت بأضرار طفيفة.
دُمر كثير من المعالم التي كانت ترمز إلى المدن التي ضربها الزلزالان؛ مثل «مسجد حبيب نجار» و«الكنيس اليهودي» في أنطاكيا، وتضررت «قلعة غازي عنتاب»، و«متحف هطاي» الأثري، و«كنيسة القديسين بطرس وبولس»، و«الجامع الكبير» و«السوق التاريخية» في أديامان.
قلعة وأسوار ديار بكر، جنوب شرقي تركيا، المدرجة في قائمة «اليونيسكو» للتراث العالمي، والتي يعود تاريخها إلى نحو 5 آلاف عام، أصيبت بأضرار وتحتاج إلى ترميم، بعد أن تساقطت أحجارها، خصوصاً في الجانب الشمالي من الأسوار، وأقل نسبياً في الجانب الغربي.
تقع قلعة وأسوار ديار بكر على ارتفاع 100 متر فوق وادي نهر دجلة، وتتكون من قلعتين؛ داخلية وخارجية، تكمل كل منهما الأخرى، وهي المثال الوحيد على الزخارف المنحوتة التي تعكس الشخصية المعمارية والأساليب الفنية لنحو 30 حضارة.
وبجانب وجود أدلة على الضرر والإصلاح والتعزيز منذ العصر الروماني، تقدم القلعة والأسوار شهادة بصرية قوية لكثير من فترات تاريخ المنطقة، وتعدّ من أروع وأعظم المباني الأثرية التي شيدتها الأيدي البشرية، وتحوي أهم الوثائق المكتوبة التي تروي قصص فتراتها التاريخية.
كبرى الخسائر كانت في ولاية هطاي جنوب تركيا، التي أزيلت منها بقاع بأكملها كما في أنطاكيا، ومن بين الخسائر الفادحة «جامع حبيب نجار»؛ أقدم مسجد في تركيا، والذي تقول بعض الوثائق التاريخية إن مبناه الأصلي يعود إلى منتصف القرن السابع للميلاد، عندما بُني عقب الفتح الإسلامي لمدينة أنطاكيا.
https://twitter.com/aawsat_News/status/1627966859864670209
وتعود أقدم أجزاء الجامع، التي بقيت قائمة حتى القرن الحادي والعشرين، إلى العصر المملوكي، وكان له فناء ومئذنة مميزة على الطراز الباروكي يعود تاريخها إلى القرن السابع عشر، وكان نقطة جذب رئيسية للسياح، وانهارت قبته بالكامل ولم يعد بالإمكان إقامة الصلاة فيه. «الكنيسة الأرثوذكسية» ببلدة واكيفلي في هطاي، التي كان يقصدها المواطنون من أصل أرميني، والتي بنيت قبل نحو 700 عام، انهارت هي الأخرى تماماً وباتت غير صالحة لإقامة العبادة فيها، بعد أن سقطت جدرانها الخارجية ودمر داخلها أيضاً بشدة.
وتعرضت «قلعة درب ساك»، وهي إحدى القلاع المهمة للإمارة الصليبية في أنطاكيا، و«قبر بايزيد بسطامي» في قرية الأيبيلي ببلدة كيريكهان في هطاي، لأضرار جسيمة. استُخدمت القلعة خط دفاع أمامياً من جانب الصليبيين ضد هجمات السلاجقة والعثمانيين، وكانت تعرف أيضاً باسم «المرتفعات» أو «قلعة الرعاة» خلال الفترة البيزنطية، وكانت موقعاً عسكرياً مهماً للغاية في الماضي.
وشعر كثيرون بالحزن لتدمير «قبر بايزيد البسطامي» رغم أنه دُمر جزئياً.
ودمر كذلك «الكنيس اليهودي» في أنطاكيا، ومات زعيم الجالية اليهودية شاول سينودي أوغلو وزوجته فورتونا، تحت الأنقاض. لحق الدمار الكلي والجزئي بهذه الآثار في زلزالي 6 فبراير.
https://twitter.com/aawsat_News/status/1628450799482175488
وبينما نجا مبنى ولاية أنطاكيا القديم، الذي يعود تاريخه لأكثر من قرن، فإن قسماً منه انهار بعد زلزال بلدة دفنة في هطاي ليل الاثنين الماضي، الذي بلغت قوته 6.4 درجة قرب مدينة أنطاكيا.
وتعرضت أيضاً «كنيسة مريم العذراء» التاريخية، الواقعة في أقصى جنوب هطاي، لأضرار جديدة واسعة النطاق في زلزال الاثنين. وانهار، الاثنين، أيضاً جزء من جسر بني في العصر العثماني يبلغ عرضه 3.77 متر وطوله 36.54 متر ويربط بين 7 قرى في هطاي، وجرى إغلاقه وتحويل الحركة إلى مسارات أخرى.
وكان قد رُمم قبل عام واحد من الزلزال. في كهرمان ماراش، دُمرت «السوق الكبيرة (جراند بازار)»، التي يعود تاريخها إلى القرن الـ16، وهي بناء تاريخي ذو 9 مداخل، ويحوي 495 متجراً، وبينما دُمر بالكامل بعض المحال التجارية المبنية بالخشب والحجر حول السوق، ظهرت شروخ وتصدعات في أخرى، إلى جانب تضرر المتاجر والمتاحف والقصور في الشوارع الضيقة حول السوق والمباني التي جرى ترميمها وتحويلها إلى فنادق ومقاهٍ في السنوات الماضية.
كما دمر الزلزال الأسوار الداخلية والخارجية المحيطة بالقلعة التاريخية في كهرمان ماراش، التي تعدّ من رموز المدينة، بشكل جزئي. وحدث دمار أيضاً في بعض أجزاء القلعة التي يقال إن بناءها يعود إلى القرن الثاني الميلادي، والتي يزورها آلاف السياح كل عام.
ودمر الزلزال جزئياً بعض المعاقل في الأجزاء الشرقية والجنوبية والجنوبية الشرقية من «قلعة غازي عنتاب» التاريخية في منطقة شاهين باي الوسطى، وتناثر الحطام على الطريق.
أسوار قلعة غازي عنتاب (أ.ف.ب)
وأصيب السور الحديدي حول القلعة بأضرار، وانهار الجدار الاستنادي المجاور للقلعة، وتعرض بعض المعاقل لشقوق كبيرة، كما انهارت جزئياً القبة والجدار الشرقي من «مسجد شيرفاني» التاريخي، الذي يقع بجوار القلعة، ويقال إنه بني في القرن السابع عشر.
ونجا «متحف زيوغما للفسيفساء» في غازي عنتاب من الزلزال. وقال مديره أوزغور تشوماك، إنه لم تكن هناك خسائر أو أضرار في المتحف نهائياً، فلم تصب أعمدته بأي ضرر، ولم تتحرك قطعة واحدة من قطع الفسيفساء بداخله.
«الجامع الكبير» في أديامان، الذي يعود تاريخ بنائه إلى ما قبل 5 قرون، كان أحد رموز الولاية، ولم يتبق منه حالياً سوى حائطيه الشمالي والغربي. ومن المعالم الأخرى التي طالها الزلزال، «جامع المصلى» الذي يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر أو الثامن عشر، وجامع «كاب» الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر، وأيضاً «خان طوز»، السوق التاريخية التي بنيت في القرن الثامن عشر.
