جاهدة وهبي لـ «الشرق الأوسط»: أخاف على موروثنا من زمن العولمة

تحيي أمسية ضمن موسيقى الجاز في أبوظبي

وهبي تغني مواويل نادرة لجبران خليل جبران بالمحكية (خاص)
وهبي تغني مواويل نادرة لجبران خليل جبران بالمحكية (خاص)
TT

جاهدة وهبي لـ «الشرق الأوسط»: أخاف على موروثنا من زمن العولمة

وهبي تغني مواويل نادرة لجبران خليل جبران بالمحكية (خاص)
وهبي تغني مواويل نادرة لجبران خليل جبران بالمحكية (خاص)

قد تكون الفنانة جاهدة وهبي واحدة من المطربات القليلات اللاتي عُرفن بقدرتهن على الغناء من دون ميكروفون. فصاحبة الصوت الرخامي والمجاهدة في سبيل الفن الأصيل، ليس عن عبث اختارتها جامعة كامبريدج البريطانية في عام 2013 لتكون من ضمن 2000 شخصية مثقفة في القرن الحالي.
صاحبة لقب «كاهنة المسرح» مثلت لبنان رسمياً في أهم المؤتمرات والمهرجانات والمناسبات الفنية والثقافية، وجالت العالم مغنية القصائد والموروث الموسيقي الشرقي منشدة الحب الأرض والإنسان وقيم الحق والجمال. فطبعت موروث الموسيقى الشرق عربية، بإضافات مختلفة من صوتها. ونسجت للأغنية منزلة لا تشبه غيرها على الساحة، فاستعانت بقصائد لكبار الشعراء العرب والأجانب، من بينهم جبران خليل جبران، وجلال الدين الرومي، وغونتر غراس، وسعيد عقل، وبابلو نيرودا، وأبو فراس الحمداني، ومحمود درويش وغيرهم.
وفي 25 فبراير (شباط) الحالي، تطل وهبي ودائماً من باب الفن التثقيفي العريق، ضمن أمسية فنية تحييها في المجمع الثقافي في أبوظبي، في حفل يقام لليلة واحدة فقط، وبدعوة من دائرة الثقافة والسياحة هناك بموسيقى الجاز.

الفنانة جاهدة وهبي

يحمل الحفل عنوان «الليلة 352»، يستمع خلاله الجمهور لحكاية الأميرة زمردة من قصص «ألف ليلة وليلة»، ويشارك فيه الملحن العراقي أسامة عبد الرسول وأوركسترا «بروكسل للجاز». وخلال الأمسية هناك تلاوة وغناء لقصائد شكسبير، والمتنبي وجبران خليل جبران، وبدر شاكر السياب، وبلند الحيدري وغيرهم.
في حديث لـ«الشرق الأوسط» تعلق وهبي: «اختيرت هذه القصائد بعناية شديدة كي تواكب قصة الأميرة زمردة، وأعاد كتابتها حازم كمال الدين، وهو مفكر ومسرحي عربي له مؤلفات عديدة في مجال اللغة العربية. جرى توليف القصة وصياغتها بحيث تولد الأميرة من رحم (ألف ليلة وليلة) لتخوض حياة جديدة تواكب اليوم. وستسرد القصة بالغناء وبارتجالات فنية. فتجربة الجاز صعبة وجديدة في آن. وقد لحنها أسامة عبد الرسول، وتولى توزيعها بعض أعضاء فريق الأوركسترا».
ومن الآلات التي سيعزف عليها القانون ليبرز، هذا التمازج بين الموروث الموسيقي الشرق عربي مع آلات نفخ أخرى أساسية في موسيقى الجاز. وتستضيف هذه الأمسية موسيقيين عالميين أمثال فرنسوا تايلفير وهو عازف إيقاعات شرقية وغربية.
تتضمن الأمسية نحو 8 قصائد إضافةً إلى واحدة ستتوج خاتمتها بطلب من منظمي الحفل «لا تمضِ إلى الغابة» للألماني غونتر غراس التي ترجمتها أمل الجبوري.
«كما تعرفون فإن هذه الأغنية من ألحاني وقد تمسكت إدارة المهرجان بها لتشكل مسك الختام لهذه الأمسية. وسيتخلل الحفل قصائد لشكسبير (أكون أو لا أكون) الشهيرة. وسأعرج في سياق القصة على أغنيات من موروثنا الشرق عربي. فأغني (يا يما أنطيني الدربيل) و(فوق إلنا خل). كما أؤدي أخرى باللغة المحكية وهي كناية عن مواويل نادرة (أبو الزلف) كتبها جبران خليل جبران. وهذا التنوع في الموسيقى الذي يسود الأمسية يعود إلى طبيعة القصة. فالأميرة زمردة ستتنقل في جولاتها على أنواع موسيقى مختلفة بينها موروثنا العربي».
وتقيم وهبي على هامش هذه الأمسية ورشة عمل لطلاب الغناء في موسيقى الصوت وفن الأداء. وستحل أيضاً ضيفة على برنامج «أمير الشعراء» الذي يسهم في الكشف عن مواهب جديدة في مجال الشعر.
وتشير وهبي إلى أننا اليوم بأمس الحاجة للعمل بجهد من أجل الحفاظ على موروثنا الثقافي الشرق عربي. وتتابع: «إن العالم اليوم هو كناية عن قرية واحدة في زمن العولمة والاتصال الإلكتروني. وبما أننا نعد من ضمن الأمم الضعيفة في المجال الإلكتروني، أشعر بالخوف على موروثنا هذا. وتهزني فكرة إمكانية اجتياحه من قبل ثقافات أخرى، سيما أننا نعاني من مشكلة توثيقه. ونلاحظ في الوقت نفسه نوعاً من الانحياز إلى فنون لا تشبه موروثنا. ولذلك أتمسك بموروثنا حتى لو غلفته موسيقى الجاز، فما يهمني أن أغرف من أدبنا الوافر للحفاظ على هويتنا».
وتشعر وهبي حسب قولها، بالمسؤولية تجاه شباب اليوم، لأنهم أقرب من الفنون التي تهمش ثقافاتنا من تلك التي تغنيها. «هذا النوع من الأمسيات التي نحييها في أبوظبي اليوم، من شأنها أن تحفظ هذا التواصل بين جيل اليوم وثقافتنا. فالانجراف مع العولمة قد يبتلعنا». وتختم لـ«الشرق الأوسط»: «ربما أكون مثالية إلى حد كبير في كلامي هذا، ولكنني لا أستطيع إلا أن أشبه نفسي، هكذا تربيت ودرست وتعلمت».



سيدات القادسية أبطالاً لكأس السلة

لاعبات القادسية يحتفلن بكأس البطولة (الشرق الأوسط)
لاعبات القادسية يحتفلن بكأس البطولة (الشرق الأوسط)
TT

سيدات القادسية أبطالاً لكأس السلة

لاعبات القادسية يحتفلن بكأس البطولة (الشرق الأوسط)
لاعبات القادسية يحتفلن بكأس البطولة (الشرق الأوسط)

توّج فريق القادسية للسيدات بلقب البطولة السعودية لكرة السلة بنسختها الأولى، وذلك بعد مباراة مثيرة جمعته بنظيره العلا على صالة المدينة المنورة، وانتهت بنتيجة (60-66).

وخطف القادسية الفوز بعد تقدم العلا في الشوط الأول بنتيجة (36-22)، ليعود في الدقائق الإضافية من الشوط الثاني ويكسب لقاء النهائي.

وهنّأ رئيس مجلس إدارة اتحاد اللعبة، غسان طاشكندي، الأندية الفائزة، عبر حسابه الرسمي في منصة «إكس»، قائلاً: «ألف مبروك لنادي القادسية فوزه بالنسخة الأولى من البطولة السعودية لكرة السلة، كما أُبارك لنادي العلا حصوله على المركز الثاني، وفريق جدة يونايتد على المركز الثالث، بداية موسم قوية لبطولات كرة السلة للسيدات».

واستطاعت القادسية والعلا الوصول إلى النهائي، بعد تصدر مجموعتيهما في الدور التمهيدي بلا خسارة.

وفي الترتيب النهائي للبطولة، جاء العلا وصيفاً، وجدة يونايتد في المركز الثالث، وجدة أثيليتس رابعاً، وجيم ماستر في المركز الخامس، ونادي جدة الرياضي في المركز السادس.


مصر لتطوير تعاونها مع قبرص واليونان

وزراء خارجية مصر وقبرص واليونان في مؤتمر صحافي بالقاهرة (الخارجية المصرية)
وزراء خارجية مصر وقبرص واليونان في مؤتمر صحافي بالقاهرة (الخارجية المصرية)
TT

مصر لتطوير تعاونها مع قبرص واليونان

وزراء خارجية مصر وقبرص واليونان في مؤتمر صحافي بالقاهرة (الخارجية المصرية)
وزراء خارجية مصر وقبرص واليونان في مؤتمر صحافي بالقاهرة (الخارجية المصرية)

أكدت مصر أهمية مواصلة تطوير «تعاونها الثلاثي» مع قبرص واليونان، وتعزيز الشراكة في قطاعات حيوية للدول الثلاث بينها الطاقة والغاز والتجارة والاستثمار.

واستضافت القاهرة، الأحد، مشاورات سياسية لوزراء خارجية مصر واليونان وقبرص في إطار آلية التعاون الثلاثي القائمة منذ 10 سنوات. وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، «خصوصية العلاقات التي تجمع القاهرة بأثينا ونيقوسيا، ما أسهم في توافق الرؤى حول تأسيس آلية القمة الثلاثية بينهم»؛ وعدّ الآلية «نموذجاً يحتذى به في علاقات التعاون والتكامل الإقليمي»، حسب إفادة لوزارة الخارجية المصرية.

ودشنت مصر وقبرص واليونان آلية للتعاون الثلاثي على مستوى القمة؛ وعُقد الاجتماع الأول لها بالقاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، وتناوبت الدول الثلاث استضافة اجتماعاتها بشكل دوري سنوياً، وعُقدت الجولة العاشرة منها في يناير (كانون الثاني) 2025 بالقاهرة.

وأشار عبد العاطي إلى ضرورة مواصلة تطوير العلاقات الثلاثية في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والسياحية، إلى جانب العمل على إتاحة مزيد من الفرص للقطاع الخاص لتحقيق مزيد من التعاون الاقتصادي والتجاري، لافتاً إلى أن الشراكة بين الدول الثلاث تتضمن قطاعات محورية وحيوية، في مقدمتها الطاقة والغاز والربط الكهربائي. ودعا إلى «توسيع وتنويع أطر التعاون الثلاثي بما يشمل مجالات جديدة، وعلى رأسها التكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي».

وشدد وزير الخارجية على أهمية تفعيل مختلف أوجه العلاقات على المستوى الثلاثي، إلى جانب «التنسيق بين وفود الدول الثلاث داخل الأمم المتحدة والمحافل الدولية، اتصالاً بالقضايا الإقليمية والدولية المختلفة»، مشيداً بمواقف قبرص واليونان الداعمة لمصر داخل الاتحاد الأوروبي، وداعياً إلى مواصلة التنسيق خلال فترة رئاستهما للاتحاد الأوروبي.

مشاورات سياسية لوزراء خارجية مصر وقبرص واليونان بالقاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

من جهته، قال وزير الخارجية القبرص كونستانتينوس كومبوس، إن «أولوية بلاده خلال رئاستها للاتحاد الأوروبي أن يتم ربطها بالعالم».

وتناولت المشاورات السياسية تطورات القضية الفلسطينية وخطوات الانتقال للمرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في قطاع غزة، وأكد الوزير القبرصي أن بلاده ترحب بإطلاق المرحلة الثانية من خطة ترمب للسلام في غزة.

كما تناولت المحادثات الأوضاع في ليبيا وسوريا ولبنان واليمن والسودان والصومال، وأكد وزراء الدول الثلاث «ضرورة الحفاظ على وحدة وسلامة وسيادة الدول، وضمان أمن البحر الأحمر، وتعزيز التعاون والتنسيق لمواجهة تلك التحديات»، وفق بيان «الخارجية» المصرية.

وأكد وزير الخارجية اليوناني، جيورجوس جيرابيتريتيس، أن آلية التعاون الثلاثي «تمثل نموذجاً ناجحاً للتعاون الإقليمي، القائم على التفاهم والمصالح المشتركة»، وشدد على «ضرورة تنفيذ عملية سياسية شاملة في سوريا، تضم جميع مكونات الشعب السوري»، إلى جانب «ضرورة خفض التصعيد في إيران، وتغليب الحلول السياسية لتجنب مزيد من التوترات».

ونجح التعاون الثلاثي لمصر وقبرص واليونان في فتح آفاق واسعة للتعاون في عدد من المجالات الحيوية، وفق عبد العاطي الذي أكد في مؤتمر صحافي مع نظيريه القبرصي واليوناني، حرص بلاده على مواصلة التنسيق والتشاور الوثيق مع أثينا ونيقوسيا، في إطار الشراكة الاستراتيجية التي تجمع القاهرة بالاتحاد الأوروبي.

ووفق الأمين العام لوحدة «الشراكة المصرية - الأوروبية» السابق، السفير جمال بيومي، فإن التعاون في مجال الطاقة يُعدّ أولوية في الشراكة بين الدول الثلاث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الثلاث حققت اكتشافات عديدة في الفترة الأخيرة، ما يجعل التعاون في مجال الطاقة بصدارة القطاعات الحيوية بينهم».

وتابع قائلاً إن مصر تستهدف تطوير التعاون في مشروعات الطاقة، مع قبرص واليونان، بما يسهم في تصدير الغاز والكهرباء إلى الاتحاد الأوروبي عبر الدولتين.

وعلى مدار السنوات الأخيرة، عززت «الآلية الثلاثية» من التعاون المصري مع الجانبين القبرصي واليوناني في مجالات عدة، في مقدمتها قطاع الطاقة؛ حيث وقَّعت مصر في أغسطس (آب) 2020، اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية مع اليونان، بينما يعود اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع قبرص إلى عام 2003، إلى جانب مشروع الربط الكهربائي إلى أوروبا. ودفعت شراكة الدول الثلاث إلى تدشين «منتدى غاز شرق المتوسط» عام 2019.

اجتماع بالقاهرة لوزراء مصر وقبرص واليونان الأحد (الخارجية المصرية)

وقال مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير يوسف الشرقاوي: «تُشكل آلية التعاون الثلاثي في شرق المتوسط نافذة سياسية للقاهرة لتعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي»، موضحاً أن مصر تعوّل على الشراكة الثلاثية مع قبرص واليونان بوصفها إحدى أهم دوائر التحرك الإقليمي والدولي خلال السنوات الأخيرة، بما يدعم سياستها الخارجية».

وأضاف الشرقاوي لـ«الشرق الأوسط»، أن التعاون بين الدول الثلاث «يسهم في خفض التصعيد والتوترات الإقليمية، خصوصاً مع تنسيق المواقف بينهم بشأن القضايا الإقليمية»، لافتاً إلى أن هناك عدة مجالات حيوية تسهم في تطوير التعاون الثلاثي.

ويبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر واليونان نحو 2.1 مليار يورو، ومع قبرص نحو 217 مليون دولار، وفق «هيئة الاستعلامات» المصرية.

وأكد وزراء الدول الثلاث، الأحد، «أهمية تنسيق المواقف وتعزيز التعاون، بما يحقق المصالح المشتركة ويعزز الأمن والاستقرار بمنطقة شرق المتوسط».

وقال عبد العاطي إن التعاون في مجال الهجرة يشكل أحد المجالات المهمة للشراكة بين الدول الثلاث، لافتاً إلى أن «التحديات الراهنة من الهجرة غير المشروعة، واستضافة مصر لأكثر من 10 ملايين أجنبي من مختلف الجنسيات، تفرضان ضرورة أن يقترن التعاون بتيسيرات للهجرة الشرعية والنظامية».


كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟
TT

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى».

إجابة ماركيز تبدو صادمة جداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير برواية تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كلياً حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟

من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سؤال يشبه ما قاله ماركيز عن كبرياء الفرنسي العقلاني الذي رفض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركان العالم العقلي الذي بناه ديكارت للفرنسيين لـ«حمايتهم من الوهم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه».

بالنسبة لنا كقراء في ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الفرنسية في كل شيء، أُعجبنا بأعمال ماركيز جميعها. لقد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الكتاب بيننا وما زلنا نقرأها. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل أضافت روايات ماركيز على أقل تقدير إيقاعاً جديداً على أعمال روائية تكتب وتنشر عندنا؟ أو بعبارة أكثر دقة: هل استفدنا من الواقعية السحرية في تغيير وجهة نظر الروائي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبياً في فرنسا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار رواية الواقعية السحرية بين القراء، ومن ضمنهم كتاب روائيون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الرائد، أعني هل لدينا نماذج روايات استلهمت الواقعية السحرية وقربت لنا الواقع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعجاب بماركيز واستلهام تراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماماً قليلاً بمنهج الواقعية السحرية كفن يحاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هذا يسعى الروائي الذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهذا أحد أهداف الواقعية السحرية المهمة.

ولو كان ماركيز متابعاً للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة التأثر بهذا النوع من الأدب. لا أعرف كيف سيفسر ماركيز هذه الظاهرة الغريبة التي تندرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فما زلنا نفكر بالعالم وكأنه كتلة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي.

لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمامه؟ أليست هذه هي رسالة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟

بهذا الوعي تنفتح الواقعية السحرية على عالم الأشياء، وهنا في إطار هذا الإحساس الشفاف بالعالم تخضع التقنية لوجهة نظر الروائي فتندمج بها وتذوب بشكل كامل. التقنية مرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظهاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تساؤلي بعد كل ما قلت: هل لدينا عائق ما من حدوث التغير الجمالي الذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تسامحاً؟ هل مرت عاصفة روايات ماركيز دون أن تحدث التغير المطلوب في طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟

ليست الواقعية السحرية تكتيكاً سردياً يستخدمه الروائي للتأثير في القراء، كما أنها ليست نقلاً مباشراً للواقع كما نراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجة يختفي الحد الفاصل بينهما. وهنا يتشابه الروائي ذو الخيال الأكثر نقاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحساس المتكرر بالعالم من حولنا وكأننا نقوم بالدور نفسه كل يوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجهة نظر محددة طرحها الناقد فاضل ثامر في كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي». الحقيقة أحسست بأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذرياً عن الواقعية السحرية التي أشار ماركيز إليها في بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية.

فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والواقعي السحري ظناً منه أنها كلمات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقاً بينها لا بد من إيضاحه، فما يستخدم في مجال النقد هو «Magico»؛ أي الواقعية السحرية، وهذا المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداماً في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية.

أما الغرائبي فهي مفردة تشير إلى ما هو غريب عن الواقع، وهي ليست أفضل من كلمة «الفانتازي»؛ هذه الكلمة المعربة التي تعني الوهم، ولا علاقة لهاتين الكلمتين بالواقعية السحرية. ولو عدنا إلى ماركيز فقد حاول تببين وجهة نظره التي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء.

إذن استخدام هذه الكلمات الثلاث مترادفاتٍ خطأ نقدي لا بد من الانتباه له. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتقاد أن الواقعية السحرية هي مجرد أسلوب أدبي يمكن تعلمه بل هي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويفرض عليه طابعاً واحداً. إن قوة الرواية تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه.

لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فسنرى أن الواقعية السحرية شيء آخر يختلف كثيراً عما قدمه ماركيز، وما تحدث عنه. وفاضل ثامر يضرب مثلاً للواقعية السحرية بماركيز نفسه.

أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فاضل ثامر هو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خضع لمنطق السبب والنتيجة، إذ لعبت الظروف في دفع الروائي إلى اللجوء لسرد غير تقليدي تماشياً مع تغييرات العصر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قادراً على تصوير معاناة الإنسان في عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية التي كان معتاداً عليها، خاصة بعد أن راح هذا الإنسان يتعرض لسلسلة من الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها أو مواجهتها» (ص 2).

هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كما يسهم هذا المنحى في تحرير السرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة والفنية» (ص 3).

إذن هناك سبب فني أيضاً دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلى النقطة الأخيرة التي يقول فيها فاضل ثامر: «إضافة إلى ما تقدم فإن هذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والموروث السردي والحكائي العربي القديم» (4).

الواقعية السحرية هي منحى أدبي لجأ إليه الروائي ليتمكن من وصف واقعه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تصوير الواقع بشكل أفضل كما بينا. لكن هل هذه الأسباب كل ما جعلت ماركيز هو ماركيز؟ هل هذه هي كل أسرار الواقعية السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟

أين الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنها أكثر رحابة وأكثر جمالاً؟ أين الصدمة التي تعرض لها ماركيز وهو يلمس في لحظة قصيرة فناء ماكوندو مدينته الأثيرة عنده؟

أسئلة أخرى لن نجد أجوبتها في الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج السردي الرائع الذي أجد فيه صرخة ضد عقلانية الاحتمال الواحد.

ثم كيف نفسر إصرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذوراً لواقعية سحرية قديمة. ولو أن الناقد فاضل ثامر عرف لنا الخيال، ولو أنه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هناك مسافة كبيرة بين السرد الحكائي الموروث وسرد الواقعية السحرية. أظن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افتقار ثقافتنا للاهتمام بعنصر الخيال قبل كل شيء. إننا نجيد معركة الجدل والاستنتاج والبحث عن حقيقة وحيدة ومطلقة. وكل هذا يطبع وعينا ويجعله لا يهضم عملاً لماركيز أو بورخيس.

لست متفقاً مع الناقد في أن هناك بذوراً للواقعية السحرية في أنماط سردية قديمة يعددها الناقد فاضل ثامر مثل «ألف ليلة وليلة»، والسير والمغازي وسيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية. وهنا أتساءل كيف لم تترك هذه السرديات المتنوعة فناً خاصاً بنا له ملامح واقعية سحرية قرأناها في أعمال أدبية شهيرة. فكل هذه الأنماط من السرد تضم ملامح واقعية ساذجة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعاً معيناً وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولاً بتحديد المصطلحات ثم دراسة وجهة النظر النقدية الخلاقة التي تعلمنا إياها رواية حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية.