10 أطعمة تحتوي على مستويات غير آمنة من المعادن الثقيلة

10 أطعمة تحتوي على مستويات غير آمنة من المعادن الثقيلة
TT

10 أطعمة تحتوي على مستويات غير آمنة من المعادن الثقيلة

10 أطعمة تحتوي على مستويات غير آمنة من المعادن الثقيلة

لقد عرفنا المخاطر الصحية للرصاص وغيره من المعادن الثقيلة السامة لعقود من الزمن. لكن التقدم في القضاء عليها من إمداداتنا الغذائية لا يزال يلحق بالركب. ففي الشهر الماضي فقط، أصدرت إدارة الأدوية الفيدرالية (FDA) مسودة إرشادات جديدة لمستويات الرصاص المقبولة في أغذية الأطفال. تأتي هذه الخطوة بعد قرابة عامين من صدور تقرير صادم للكونغرس الأميركي، وجد أن منتجات أغذية الأطفال من سبع شركات مختلفة تحتوي على مستويات كبيرة من العناصر السامة، بما في ذلك الزرنيخ والرصاص والكادميوم والزئبق.
وفي محاولتها لحماية السكان الأكثر تضررًا من سمية المعادن الثقيلة، اقترحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية حدًا للمعادن الثقيلة يبلغ 10 أجزاء من المليار (ppb) في أغذية الأطفال و20 جزءا من المليار في المنتجات الأخرى التي يستهلكها الأطفال الصغار بشكل متكرر.
ووفق الدكتور دين فالكون كبير المسؤولين العلميين بشركة الزراعة المائية العمودية «كروب وان»، فانه «لا يمكن أن نقول ان التوازن الجيد يجب أن يكون صفرا لأن ذلك سيؤدي فعليا الى وقف إنتاج الغذاء! فما هو يا ترى المستوى المطلوب منها وما هو المنخفض؟»، وذلك حسب تقرير جديد نشره موقع «eat thin not that» الطبي المتخصص.

ما هي كمية المعادن الثقيلة التي يمكن أن تستهلكها بأمان؟

هذا السؤال صعب، لأن الأبحاث أظهرت أنه لا يوجد مستوى «آمن» لاستهلاك المعادن الثقيلة. يمكن للبالغين على الأقل تحمل كميات منخفضة من التعرض لهذه العناصر، ولكن بالنسبة للأطفال تكون التأثيرات أكثر حدة، خاصة فيما يتعلق بنمو الدماغ. يمكن أن تنجم الاضطرابات الإدراكية العصبية وضعف نمو الدماغ وانخفاض معدل الذكاء وغيرها من الاضطرابات السلوكية عن كميات صغيرة من المعادن السامة بمرور الوقت لدى الشباب.
وعندما يتعلق الأمر بمساءلة الشركات المصنعة، لا يزال أمام إدارة الغذاء والدواء طريق طويل لتقطعه.
ويوضح فالكون «أعتقد أن مجرد الوعي سيكون مهمًا للغاية. إذا كان المزيد من الناس على دراية، يمكن أن يبدأ المزيد من المستهلكين في البحث ويمكنهم وضع هذه المتطلبات على الصناعات التنظيمية. وفي النهاية على المزارعين».

ما هي تأثيرات استهلاك المعادن الثقيلة؟

ليس الرضع والأطفال الصغار فقط هم من يتأثرون سلبًا بالمعادن الثقيلة التي تظهر في طعامنا. يمكن أن يعاني البالغون أيضًا من عواقب صحية خطيرة. حتى عند المستويات الصغيرة. فقد ارتبط الاستهلاك التراكمي للمعادن السامة بارتفاع ضغط الأكسدة على الجسم، ما يؤدي إلى تلف الأعضاء الرئيسية بما في ذلك الدماغ والرئتان والكلى والكبد، وفقًا للدكتورة إيمي شابيرو مؤسسة ومديرة «Real Nutrition NYC»، التي تؤكد «يمكن أن يؤدي التعرض طويل الأمد إلى تقدم تدريجي للعمليات التنكسية الجسدية والعضلية والعصبية التي تحاكي الأمراض مثل التصلب المتعدد ومرض باركنسون ومرض ألزهايمر والحثل العضلي؛ فالمركبات الموجودة في المعادن الثقيلة تعمل أيضًا على أنها مادة مسرطنة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الإصابة ببعض أنواع السرطان».

كيف يمكن تقليل تناول المواد الثقيلة؟

في حين أنه ليس من العملي تجنب المعادن السامة في طعامك تمامًا، إلا أن هناك طرقًا لتقليل تعرضك لها.
تقدم شابيرو بعض النصائح للمستهلكين. إن معرفة بعض الأطعمة التي من المحتمل أن تحتوي على مستويات عالية من المعادن الثقيلة يمكن أن تساعد في تقليل مخاطر التعرض لذلك «فهو أمر بالغ الأهمية لأنه لا يمكن بسهولة إزالة المعادن السامة من جسمك».
من جهتها، تقول الخبيرة الباحثة جين هوليهان لشبكة «سي إن إن هيلث» «مع المعادن الثقيلة والسموم الأخرى، تتراكم المخاطر مدى الحياة. لذا حتى لو تم تقديم بعض هذه الأطعمة لطفل في عيد ميلاده حتى الثاني، فإن البدء من هناك إلى انخفاض التعرض للسموم سيزداد. كل خيار مهم».
ويلاحظ الدكتور فالكون أن التغيير الإيجابي يلوح في الأفق، قائلا «معظم الناس لا يدركون عمومًا أن المشكلة موجودة. عندما يكون لديك أطفال تصبح فجأة أكثر وعياً بما يوجد في طعامك. نحن في نقطة تحول؛ لذلك لدينا التكنولوجيا للتحكم بأنظمة النمو. المرحلة التالية في الإنتاج الزراعي هي جودة أعلى وقيمة مغذية أعلى عبر الصناعة». ووفق شابيرو، ضع في اعتبارك هذه الأطعمة العشرة الأكثر عرضة للتلوث بالمعادن الثقيلة. قد تكون هناك طرق للعثور على مصادر عالية الجودة بمستويات أقل من هذه السموم . لكن الأهم هو الحفاظ على نظام غذائي متوازن. لذلك توصي شابيرو بعدم تناول هذه الأطعمة عالية الخطورة يوميًا من أجل تقليل التراكم المحتمل للملوثات:

1- أغذية الأطفال
في عام 2021 كشفت التقارير أن العلامات التجارية الشهيرة لأغذية الأطفال تحتوي على أعلى بكثير من الحد الموصى به للمعادن الثقيلة، بما في ذلك «91 ضعف مستوى الزرنيخ و 177 مرة مستوى الرصاص، و69 مرة مستوى الكادميوم، و5 أضعاف مستوى الزئبق».

2 - عصير الفاكهة
نصت مسودة المبادئ التوجيهية التي نُشرت في أبريل (نيسان) 2022 على توصية إدارة الغذاء والدواء الأميركية بأن عصير التفاح يجب ألا يتجاوز مستويات الرصاص فوق 10 أجزاء من المليار، وأن لا تتجاوز العصائر الأخرى 20 جزءا من المليار. ومع ذلك، يقول بعض الخبراء إن الحد الموصى به ليس منخفضًا بما يكفي لحماية الأطفال.
وتقول الدكتورة ليندا بيرنبوم مديرة المعهد الوطني لعلوم الصحة البيئية «يتضح من كثرة الأبحاث أنه لا يوجد مستوى آمن للتعرض للرصاص».

3 - الأرز
أشارت تقارير المستهلك في دراسة أجريت عام 2021 إلى أن «المنتجات المصنوعة من الأرز، وخاصة الحبوب، كانت المصادر الرئيسية للمعادن الثقيلة، وخاصة الزرنيخ غير العضوي». هناك حبوب أخرى يمكنك استبدالها كخيارات أفضل، مثل الحنطة السوداء والدخن والبرغل والشعير والفارو.
عندما تأكل الأرز، يمكنك تقليل حوالى 30 % من تلوث الزرنيخ عن طريق شطف الأرز قبل الطهي، وكذلك استخدام نسبة 6 إلى 1 من الماء للأرز عند الطهي. كما حددت تقارير المستهلك أيضًا نظام «7 نقاط في الأسبوع» لمساعدة الأطفال والبالغين على تنظيم كمية الزرنيخ التي يتناولونها من الأرز بشكل منتظم.

4- الشوكولاته الداكنة
في عام 2022 وجدت تقارير المستهلك أن هناك العشرات من منتجات الشوكولاتة الداكنة الشهيرة بمستويات من الرصاص والكادميوم تجاوزت الحدود التي وضعتها كاليفورنيا. ومن خلال الدراسة، حدد الباحثون عددًا قليلاً من ألواح الشوكولاتة الداكنة «الأكثر أمانًا» والتي تحتوي على مستويات أقل نسبيًا من هذه المعادن السامة.

5 - مسحوق البروتين
أظهرت دراسة أجريت عام 2018 بواسطة مشروع «Clean Label» أن بعض مساحيق البروتين النباتي تحتوي على ضعف كمية الرصاص، إلى جانب مستويات الزرنيخ والكادميوم والزئبق.
من جانبه، أوضح مدير مختبر الاختبار شون كالان «قد يكون هذا بسبب المواقع التي يتم فيها الحصول على مكونات نباتية لمصنعي مسحوق البروتين بعد تلوث التربة. وهذا صحيح بشكل خاص في الولايات المتحدة، فقد يكون هناك معدل أعلى من المعادن الثقيلة في تربة بعض المناطق».
ومع القليل من البحث، لا يزال بإمكانك العثور على مساحيق بروتين عالية الجودة بمكونات ضارة أقل.

6 - الخضار الورقية
في كانون الأول (ديسمبر) 2021 كشفت محاولة مجموعة «As You Sow» غير الربحية «لتعزيز المسؤولية البيئية والاجتماعية للشركات» عن مستويات خطيرة من الكادميوم في السبانخ التي يبيعها كبار تجار التجزئة.

7 - الخضار الجذرية
وفقًا لتقارير المستهلك، ذكرت شبكة «سي إن إن هيلث» أن شراء منتجات طبيعية أو عضوية لا يحدث فرقًا كبيرًا أيضًا، لأن طرق الزراعة العضوية تستخدم أيضًا التربة والمياه.
يمكن أن تكون كمية المعادن السامة غير متسقة إلى حد كبير؛ فقد وجدت الشبكة أن حبة بطاطا واحدة تحتوي على عشرة أضعاف ما تحتويه بطاطا حلوة تم شراؤها من المتجر، وقد يكون من الصعب تحديد العوامل التي تؤثر على هذا التناقض.
وتوضح خبيرة التغذية آمي كيتنغ انه «لا تزال فكرة دمج هذه الأطعمة فكرة جيدة، لأنها توفر فوائد صحية. فالجزر والبطاطا الحلوة مصدران للعناصر الغذائية المهمة مثل البيتا كاروتين والبوتاسيوم والألياف. يمكنك إطعامها لطفلك بالتناوب مع الخضار الأخرى. المهم هو تناول أطعمة متوازنة صحية».

8- البهارات
اختبرت تقارير المستهلك مجموعة من المنتجات من كبار تجار التجزئة ورأت أن ما يقرب من ثلثها يحتوي على كميات خطيرة من الزرنيخ والرصاص والكادميوم. لحسن الحظ، لم تتجاوز غالبية التوابل حدود الاختبار، لذا فهي ليست درجة توصي بالتخلص من التوابل تمامًا. فقط لتوخي الحذر. لذلك توصي تقارير المستهلك بالبحث عن ملصق اختبار تابع لجهة خارجية للتأكد من عدم تلوثها بالرصاص قبل إضافتها إلى نظامك.

9- السمك
أظهرت إحدى الدراسات أنه من بين 89 شخصًا في الولايات المتحدة، كان 89 % لديهم زئبق مفرط في دمائهم.
ووفقًا لـ «Healthline»، تشمل الآثار الجانبية لتناول الكثير من الزئبق الإعاقات العصبية؛ وعلى الرغم من مزاياها الصحية، فإن معظم المستهلكين يدركون أنه لا يمكن تناول الأسماك يوميًا. وبسبب التلوث، يتراكم مركب الزئبق المسمى ميثيل الزئبق في مصادر المأكولات البحرية بكميات خطيرة محتملة.
وانه لجني فوائد أوميغا 3 الصحية للقلب والبروتين الموجود في المأكولات البحرية، تجنب تناول أنواع الأسماك التي يتراكم فيها الزئبق بشكل متكرر (أصفر الذيل وسمك أبو سيف وسمك القرميد) واختر الأنواع التي تميل إلى انخفاض مستويات الزئبق (سمك السلمون السوكي والأطلسي والرنجة والسردين المعلب).

10- مرق العظام
وجدت دراسة أجريت عام 2013 أنه حتى في المصادر العضوية، يمكن رؤية الرصاص بمستويات عالية بشكل ملحوظ في مرق العظام. صحيح أن مرق العظام مفيد لصحتك، لذلك إذا كنت ترغب في دمجه بنظامك الغذائي لدعم صحة الجهاز العضلي الهيكلي والجهاز الهضمي، فالتزم بشربه بكميات محدودة.


مقالات ذات صلة

تعرّف على فوائد حمية اليويو

صحتك لم تعد حمية اليويو تُعتبر مجرد تجربة فاشلة بل يمكن النظر إليها بوصفها جزءاً من رحلة طويلة نحو تحسين الصحة (بيكسلز)

تعرّف على فوائد حمية اليويو

تشير أبحاث حديثة إلى أن هذه حمية اليويو أو تقلّب الوزن، قد تحمل بعض الفوائد الصحية المهمة، حتى في حال استعادة الوزن لاحقاً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك الثوم يحتوي على كميات أكبر من بعض الفيتامينات والمعادن مقارنةً بالزنجبيل (بيكسباي)

الثوم أم الزنجبيل: أيهما أفضل لصحتك ويدعم مناعتك أكثر؟

يُعدّ كلٌّ من الثوم والزنجبيل من أكثر المكونات الطبيعية استخداماً في المطابخ حول العالم، ليس فقط لنكهتهما المميزة، بل أيضاً لفوائدهما الصحية المحتملة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الشوكولاته الساخنة تحتوي على كمية أقل بكثير من الكافيين مقارنة بالقهوة (بيكسلز)

ماذا يحدث عند شرب الشوكولاته الساخنة بدلاً من القهوة صباحاً؟

إذا مللت من الاعتماد على القهوة لبدء صباحك، فقد يكون كوب من الشوكولاته الساخنة خياراً يستحق التجربة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك  نقص النوم يؤثر في قدرة جهاز المناعة على مقاومة العدوى (بيكسلز)

من أمراض القلب إلى السرطان… ثمن السهر باهظ

قد يظن البعض أن السهر لعدة ساعات إضافية أمر يمكن تعويضه لاحقاً لكن الحرمان المتكرر من النوم لا يمرّ من دون ثمن صحي 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سرطان الكبد من أكثر أنواع السرطان خطورة وانتشاراً في العالم (جامعة فلوريدا)

اختبار للدم يكشف عن أمراض الكبد الخفية

طوَّر باحثون في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، اختباراً للدم يُساعد في تحديد أمراض الكبد الخفية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)
اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)
TT

«غابة الحرّية»... مارون الحكيم يرسم إمكان استعادة البداية

اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)
اللون يتقدّم خطوة ثم يترك للأثر أن يكمّل المسار (الشرق الأوسط)

يضع مارون الحكيم في معرضه «غابة الحرّية» («ريبيرث بيروت»)، المُتلقّي أمام تجربة تشكيلية تُبنَى تدريجياً حول مفهوم الحرّية كما يصوغه في لوحاته. المُتأمِّل في اللوحات يُدرك أنّ الحرّية فعل يوميّ يتجدَّد وقرار يُصاغ مع كلّ ضربة فرشاة، وربما طريق يعبُر الطبيعة والمدينة والجسد والذاكرة.

يتشكّل فضاء يحتفي بالحياة ويترك للعين اكتشاف مساراتها الخاصة (الشرق الأوسط)

منذ الانطباع الأول، تستوقف المُتلقّي اندفاعة لونية كثيفة. فالرشقات متعدِّدة الطبقات، والبقع سميكة تُشبه انكسارات ضوء، والمساحات تتبدَّل بين الضبابيّ واللامع. هذا الأثر التقني جزء من بناء المعنى. فالنصّ الفرنسي المُرافق لكاتالوغ المعرض يقرأ كلّ ضربة فرشاة على أنها قرار يَفتح ممرّاً غير متوقَّع داخل مساحة لم تكن موجودة قبل الفنان، ويقترح أنَّ ما يظهر على القماش هو ولادة حرّية مُمكنة في كلّ مرّة. تتقاطع الفكرة مع ما يكتبه مارون الحكيم في نصّه العربي عن اللون الذي يراه «سليل الضوء» وروح اللحظة، وعن الانفعال وهو دافع أوليّ يُخرج العمل من إطار الحرفة إلى منطقة الحياة بتقلّباتها.

التكوين يولد من توازن دقيق بين الصرامة والانفتاح (الشرق الأوسط)

تقود الطبيعة المشهد من دون أن تُختَزل في منظريّة تقليدية. عناوين مثل «رياض الألوان»، «تنهدات التراب»، «استراح الظلّ، انهمر النور»، «غيمة تمتلئ سرّاً بالمطر»، «سرير الغيوم»، و«موج الزبد الملوّن»... تُقيم قاموساً يُجاور الحسّ الشاعري مع حسّ رصين في بناء الصورة. اللوحات تؤكد هذه الروح عبر حقول تشتعل بنقاط لونية، وطبقات من الأزرق والذهب تتحرَّك بخفَّة مُتموِّجة، وبقع خضراء وحمراء تتدلَّى على السطح مثل أوراق رطبة أو ثمار لا تبحث عن شكل نهائي. الطبيعة عند مارون الحكيم تقيم داخل اللوحة كأنها قوة مولَّدة تُعطي المعنى من جوهر اللون وتمنح التكوين طبقات دلالية تتجاوز المشهد الظاهر.

إلى جانب هذا المسار، تظهر المدينة مثل جرح مستمرّ ومحاولة مستمرّة أيضاً. أعمال مثل «المدينة الصابرة»، «حرّاس المدينة الجريحة»، «المدينة المهدّمة»، «أهوال تعصف بهذه الأرض»... تستحضر الواقع اللبناني داخل البنية البصرية من دون أن تُفقد العمل توازنه الفنّي. الحكيم يكتب عن الخوف الناتج عن عدم الاستقرار والحروب، وعن صبر وتحدٍّ وإيمان يواجه المصاعب. هذه المفردات تتجلّى بصرياً عبر كتل مُتكسّرة وخطوط تحمل أثر عمران متداعٍ، ثم تعود الحياة إلى السطح عبر نقاط لونية تشقُّ العتمة. اللوحات تظهر المدينة مثل مربَّعات متراصّة داخل إطار حادّ، وفوقها مساحة صفراء كبيرة تُشبه شمساً قريبة أو سقفاً من نور، كأنَّ اللوحة تقترح عمارةً جديدة داخل المُخيّلة قبل أن تتكرَّس على الأرض.

حضور الجسد الإنساني، وخصوصاً الأنثوي، يفتح محوراً ثالثاً في «غابة الحرّية». أعمال «ولادة حوّاء»، «جنّة عدن»، «دوّامة الحبّ والحرّية»، و«أجساد تكتب قصائدها»... تضع المرأة في مركز الفضاء وتُصوّرها طاقة بدء وتجدُّد. يُصرِّح مارون الحكيم بأنّ الجسد الإنساني لديه حقيقة مُطلقة ورمز للبراءة الأولى، بعيداً عن سياقه الاجتماعي المباشر وقريباً من أصله الأسطوري الأول. في إحدى اللوحات، تبدو الأجساد ظلالاً واقفة تحت غابة من الألوان، تتلقَّى المطر اللونيّ ولا تذوب فيه، كأنَّ الجسد يتعلَّم كيف يحيا داخل الفَيْض ويحفظ حدوده من غير انغلاق.

الضوء عبر الطبقات يمنح السطح عمقاً يتجاوز النظر الأول (الشرق الأوسط)

الغابة في المعرض مساحة كثيفة تلتقي فيها الطبقات والآثار، وتتقاطع فيها الرغبة مع الخوف والذاكرة مع التطلُّع. لهذا تظهر عناوين مثل «مهرجان الضوء والماء»، «أحيك أريج الألوان»، «إبحار في وساعة الحلم»، و«فرح لا يعرف الاختباء»... علامات على فلسفة قوامها الانفعال والتخيُّل الذي هو «البصمة الشخصية» للعمل. التخيُّل عند مارون الحكيم تقنيّة ووعي وإتقان، يمرّ عبر التحكُّم بالسطح وبالصدمة البصرية وبالإيقاع الداخلي للنقاط واللطخات.

طبقات من اللون تتقدّم بثقة كأنَّ كلّ ضربة فرشاة أثرُ قرار لا رجعة فيه (الشرق الأوسط)

دعم الدكتور طوني كرم للمعرض ينعكس في نصّ إنجليزي يُقدّم الحكيم ركناً من أركان الفنّ اللبناني، مع تركيز على البُعدين النفسي والعاطفي في عمله، وانتقاله بين التصوير والنحت وبين المجاز والتجريد. هذه القراءة تلائم ما يقترحه المعرض الذي يتحرَّك على محور داخلي - خارجي يتقدَّم عبره الجسد بثقله الرمزي، وتنشغل المدينة بإعادة بنائها، وتضبط الطبيعة الإيقاع وتخفّف الاضطراب، فتتَّضح فكرة الهدنة التي يُسمّيها الفنان شرطاً للخلق، وتتراءى على هيئة لحظة سكينة ضرورية لتمتدَّ اليد نحو ما عاشته من حزن وقلق، ثم تعود لتلبس التجربة رداءها النهائي المبني على المعرفة والوعي الفنّي.

علامات تتراكم ثم تتراجع في حركة تُشبه إعادة التفكير في المعنى (الشرق الأوسط)

المعرض يُقدّم الحرّية على أنها شيء يُصنع ويُستعاد ويُجرَّب مرّة تلو مرّة. حرّية تخرج من اللوحة لتضع المتلقّي أمام تساؤل مارون الحكيم القديم المتجدِّد: «ما الفرح؟ ما المعاناة؟»، ثم تتركه يمشي داخل الجواب.


«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)
TT

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفلبيني بي. آر. مونينسيلو باتيندول إن فيلمه الروائي الطويل الأول «كبرتُ بوصةً عندما مات أبي» يخرج من رحم سؤالٍ إنساني بسيط، لكنه موجع، وهو: ماذا يتبقى للأطفال حين يفقدون آباءهم؟ موضحاً أن العمل لا ينشغل بواقعة القتل في حد ذاتها، بقدر ما يتأمل أثرها العميق في نفسَي شقيقين يجدان نفسيهما فجأة أمام فقدٍ معقَّد، وحرية ملتبسة، وصداقة تبدو مستحيلة ظاهرياً مع ابن قاتل والدهما.

وحصد الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «روتردام السينمائي»، جائزة نتباك (NETPAC)، التي تُمنح لأفضل فيلم روائي طويل من منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وقال باتيندول لـ«الشرق الأوسط» إن فيلمه لم يبدأ حلماً بصناعة فيلم عن جريمة، بل بدأ سؤالاً بسيطاً عن الصداقة، وعن قدرة الأطفال على تجاوز ما يعجز الكبار عن احتماله، لافتاً إلى أن «الفكرة وُلدت خلال تصوير فيلمي القصير السابق حين عدت إلى بلدتي في جزيرة ليتي بعد غياب يقارب العقدين، مدفوعاً برغبة في إعادة اكتشاف المكان الذي خرجت منه شاباً».

وأوضح أنه خلال جائحة «كورونا» كان عالقاً بين فترات الإغلاق في مانيلا، فبدأ يختبر كاميرا هاتفه المحمول، مصوِّراً تفاصيل يومية في شقته لأنه كان يعرف في داخله أنه إذا عاد إلى المقاطعة فلن يملك سوى هذا الهاتف كأداة للتصوير، مشيراً إلى أنه في عام 2021 قرر العودة فعلاً، لكنه وجد نفسه غريباً في مكانه الأول، لا يعرف الناس ولا يعرفونه، فاستعان بوالديه لجمع بعض شباب القرية الذين لديهم فضول تجاه السينما.

المخرج الفلبيني بي. آر. مونينسيلو باتيندول (الشرق الأوسط)

وقال إن «الفريق بدأ بخمسة فقط، يخرجون يومياً ساعتين أو أربع ساعات إلى ضفة النهر، ينتظرون الغروب، يتسلقون سفح الجبل، من دون سيناريو مكتوب، فقط فكرة عامة وإيمان بأن الشرارة ستأتي»، لافتاً إلى أن الشرارة جاءت مصادفة، حين لاحظ بعض أفراد فريقه يضايقون صبياً كان يسبح في النهر. وعندما سأل عن السبب، قيل له إن الطفل هو ابن رجل قتل رجلاً آخر في شجارٍ بين أبَوين مخمورين أثناء الجائحة.

وتابع: «ما أثار دهشتي أن ابن القتيل كان يلعب في المكان نفسه، وأن الصبيين بقيا صديقين رغم الدم الذي يفصل بين عائلتيهما»، مشيراً إلى أن هذا المشهد ظل يطارده، وتساءل كيف يمكن للصداقة أن تصمد وسط هذا الإرث من العنف؟ ومن هنا، كما أكد، «بدأ الفيلم ينمو».

ولفت المخرج الفلبيني إلى أنه لم يكن مهتماً بإعادة تمثيل الجريمة، بل بتصوير ما بعدها: الصمت، والغضب، والحيرة، والشعور بالذنب الذي قد يحمله الأبناء عن آبائهم، لافتاً إلى أنه تعمَّد ألا يقترب من القصة الحقيقية مباشرة احتراماً لأصحابها، بل خلق حكاية مستقلة تنبع من السؤال نفسه.

وعن طريقة العمل، أوضح أنه كان صانع الأفلام المحترف الوحيد في الموقع، وأن جميع الممثلين وأفراد الطاقم تقريباً من أبناء بلدته، وأنهم لم يعملوا وفق نظام تصوير تقليدي، بل اعتمدوا على اللعب والتجريب، من دون ضغط لإنهاء عدد محدد من المشاهد يومياً. مؤكداً أن غياب الضغط جعله لا يشعر بتحديات بالمعنى المعتاد، لأنهم لم يكونوا يسابقون الوقت أو السوق، بل ينتظرون اللحظة الصادقة.

صور المخرج الفيلم في مسقط رأسه (الشركة المنتجة)

وعن الصعوبات التي واجهوها، قال: «أصعب ما واجهنا كان تقلبات الطقس المفاجئة، التي كانت تربك استمرارية الإضاءة، لكنني كنت أفضّل التوقف والانتظار حفاظاً على سلامة الفريق، خصوصاً الأطفال»، موضحاً أنه في أحيان كثيرة كان يسمح لهم باللعب تحت المطر أو السباحة، ثم يحوِّل تلك اللحظات العفوية إلى مادة بصرية داخل الفيلم، لأن روح العمل، كما قال، قائمة على الحرية.

وعن اختيار الممثلين، قال إنه فكَّر أولاً في توأمين لأداء دوري الشقيقين، لكنه لم يجد من يوافق، فتذكر طفلاً شاهده سابقاً يلعب تحت المطر في النهر، ورغم صغر سنه تحمس لاختياره، ثم انضم قريبُه وصديقه إلى المشروع، ليتحول الفيلم إلى مبادرة مجتمعية حقيقية.

وفيما يخص صناعة السينما المستقلة في الفلبين، أقرَّ بأنها شاقة، موضحاً أن «الحصول على تمويل ليس أمراً سهلاً في ظل محدودية المنح وكثرة صناع الأفلام، ومن ثم أنتجنا الفيلم على نفقتي الخاصة بمساعدة من والدي قبل أن أحصل لاحقاً على دعم في مرحلة ما بعد الإنتاج».

وعن مشاركة الفيلم في مهرجان «تورونتو»، قال المخرج الفلبيني إنه لم يكن يتوقع الاختيار بعد تلقيه اعتذارات عِدَّة من مهرجانات أخرى، مما جعل رسالة القبول من المهرجان أول خبر سار يصله بعد أشهر من الانتظار، لدرجة أنه تأثر بشدة حتى دمعت عيناه، مؤكداً أن الفوز بجائزة «نتباك» منحه وفريقه ثقة بأن هذا النوع من السينما الشخصية يمكن أن يجد صدى عالمياً.


«السيرة الهلالية» تغزو مترو القاهرة في رمضان

الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
TT

«السيرة الهلالية» تغزو مترو القاهرة في رمضان

الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)
الجمهور يتحلق حول راوي السيرة الهلالية بالمترو (وزارة الثقافة)

في خطوة تهدف إلى دمج الفن في الفضاءات العامة بمصر، أطلقت وزارة الثقافة مبادرة لتقديم الفنون في الأماكن العامة، كان من أبرز فعالياتها عروض حية للسيرة الهلالية في مترو الأنفاق بالقاهرة، والتي شهدت تفاعلاً جماهيرياً واسعاً وردود فعل كبيرة على منصات التواصل الاجتماعي.

انطلقت العروض، يوم الثلاثاء، في محطة مترو جمال عبد الناصر (وسط القاهرة)، وأعادت أجواء السامر الشعبي إلى قلب العاصمة؛ حيث لاقت صورها ومقاطع الفيديو التي تُظهر مقاطع من السيرة الهلالية مصحوبة بعزف حي على الربابة تداولاً وتفاعلاً واسعاً.

وتداول عدد من رواد المنصات الرقمية مقاطع فيديو وصوراً من الفعالية، مشيدين بالفكرة، ومؤكدين أن مثل هذه المبادرات تقرّب التراث من الناس، وتتيح لهم فرصة التعرف على أحد أبرز عناصر الهوية الثقافية المصرية، وفق بيان لوزارة الثقافة.

وأكدت وزيرة الثقافة، جيهان زكي، أن هذه الفعاليات ضمن خطة يجري تنفيذها بالتعاون مع وزارة النقل وعدد من الجهات المعنية لنقل الفنون إلى مساحات الحياة اليومية، معربة عن سعادتها بالتفاعل الجماهيري مع الفعاليات، وموجهة الشكر لكل الداعمين للمبادرة، وعلى رأسهم وزارة النقل والهيئة القومية لمترو الأنفاق.

عروض السيرة الهلالية شهدت إقبالاً جماهيرياً في المترو (وزارة الثقافة)

وترى الدكتورة الشيماء الصعيدي، مدير «أطلس المأثورات الشعبية المصرية»، أن «عروض السيرة الهلالية في مترو الأنفاق خطوة مهمة لاستعادة فكرة الثقافة الجماهيرية»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «مهمة الثقافة الحقيقية أن تذهب للجمهور في مكانه؛ في عمله أو في الشارع أو في وسائل المواصلات، وعروض المترو تحقق هذا الأمر».

ولفتت إلى أهمية الفعاليات الفنية المشابهة، موضحة أن «تقديم هذه الفنون المصرية الأصيلة في وسائل المواصلات والمترو والشارع من شأنه أن يزيد الوعي ويُحقق قيمة الثقافة بوصفها قوى ناعمة قادرة على تغيير عدد من الأنماط السلبية والارتقاء بذوق المجتمع».

وكانت منظمة «اليونيسكو» قد ضمنت السيرة الهلالية لقائمة التراث الإنساني غير المادي عام 2006، وتم إنشاء متحف للسيرة الهلالية تحت اسم «متحف ومركز الأبنودي للسيرة الهلالية»، بوصفه أول متحف متخصص في مصر لتوثيق التراث الشفاهي لملحمة السيرة الهلالية، أسسه الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي عام 2015 في مسقط رأسه بقرية أبنود بمحافظة قنا. ويضم المتحف مقتنيات نادرة، من بينها أشرطة تسجيل لكبار الرواة.

وبينما يرحب الباحث في الفنون والأدب الشعبي بأكاديمية الفنون، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، بالفكرة، عادّاً إياها مهمة وتحمل جانباً إيجابياً يتمثل في «إيصال السيرة إلى الناس من خلال الذهاب إليهم بدل انتظار قدومهم، وهو أمر جوهري للحفاظ على السيرة الهلالية، التي تعد السيرة الوحيدة التي ما زال لها رواة شفاهيون أحياء»، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط»، لكنه أشار أيضاً إلى جانب آخر للعرض، بوصفه «يقدم السيرة في فضاء متقلب يبعدها عن بيئتها الطبيعية بوصفها تراثاً شفهياً له سياق اجتماعي كامل، يشمل الرواة والسمر والزمن الممتد، وجمهوراً يستمع».

ودعا الحجراوي إلى ضرورة «البناء على هذه المبادرة لتأسيس سياسات ثقافية مستدامة تحمي فن الرواية الشفاهية، وتدعم رواته مادياً ومؤسسياً، مثل تخصيص بيوت لرواة السيرة الهلالية مثلاً بحيث لا تكون مجرد حدث موسمي».

جانب من السيرة الهلالية في المجلس الأعلى للثقافة (وزارة الثقافة)

في هذا السياق، أقام المجلس الأعلى للثقافة في مصر أمسية فنية تراثية تحت عنوان «بعد المديح في المكمل»، امتدت يومي الثلاثاء والأربعاء من هذا الأسبوع، ضمن خطة المجلس لإحياء وصون التراث الشعبي المصري. وتهدف الأمسية إلى تسليط الضوء على أحد أعرق أشكال الإبداع الشفهي الذي ازدهر في الليالي الرمضانية، حين كانت المقاهي والساحات تمتلئ بأصوات الرواة ومنشدي السيرة الهلالية وهم يروون قصص البطولة والفروسية.

وتضمّن برنامج الأمسية عرضاً غنائياً تقليدياً بمصاحبة أنغام آلة الربابة، استحضر أجواء السيرة كما تناقلتها الأجيال؛ قدّمته فرقة الريس عزت السوهاجي، وصاحبه شرح وتعقيب للدكتور خالد أبو الليل، أستاذ الأدب الشعبي بجامعة القاهرة، الذي أشار إلى أن «السيرة الهلالية تمثل في جوهرها ملحمة الوجدان العربي كما صاغها الخيال الشعبي وتداولها الرواة عبر القرون، وقد وجدت في مصر بيئتها الأخصب؛ حيث أعاد المنشد المصري تشكيلها وفق حساسيته الثقافية، فجعل منها مرآة لقيم الشرف والبطولة والحكمة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended