آلاف العراقيين يهجرون الأهوار نهائياً

بسبب تغيُّر المناخ وقلّة المياه

مزارع عراقي على مركبه في ذي قار بالأهوار (أ.ف.ب)
مزارع عراقي على مركبه في ذي قار بالأهوار (أ.ف.ب)
TT

آلاف العراقيين يهجرون الأهوار نهائياً

مزارع عراقي على مركبه في ذي قار بالأهوار (أ.ف.ب)
مزارع عراقي على مركبه في ذي قار بالأهوار (أ.ف.ب)

توصَف أهوار العراق على أنها مهدٌ للحضارات، ففي هذه المنطقة انتقل البشر من حياة الصيد وجمع الثمار إلى الزراعة والاستقرار قبل 12 ألف عام. وما يميّز الأهوار عن غيرها من الأراضي الرطبة نظامها البيئي والهيدرولوجي الفريد، الذي كان عبر التاريخ نابضاً بالحياة، وموطناً لسكنى البشر والكثير من الأنواع الحيّة النباتية والحيوانية.
لوقت قريب كانت الأهوار في مرحلة التعافي من التدمير المنهجي، الذي لحق بها خلال تسعينيات القرن الماضي. ولكن مع دخول الجفاف في المنطقة عامه الرابع، وتراجع تدفق المياه بسبب بناء السدود في تركيا وإيران، عادت الأهوار إلى التلاشي من جديد، وبدأ السكان نزوحاً قسرياً ودائماً هذه المرة.
مع غلبة المناخ الصحراوي الجاف والقليل الأمطار، يُمثّل نهرا دجلة والفرات المصدر الرئيسي لمياه الأهوار، التي يغذيها أيضاً نهر الكرخة الآتي من إيران. وتُطلق تسمية «الأهوار» على أراضي العراق المنخفضة التي تغمرها المياه في جميع أيام السنة، وهي تضم مناطق ضحلة وأخرى عميقة نسبياً بحسب مواسم السنة. وتتباين مساحة الأهوار، فبعضهم يحصرها بالأراضي المغمورة دائماً بالمياه التي تبلغ مساحتها نحو 7 آلاف كيلومتر مربع، فيما يلحظ آخرون الأراضي المجاورة لها مما يجعل مساحتها تصل إلى 35 ألف كيلومتر مربع.
وتجمع الأهوار بين خصائص السهول الفيضية لأحد أكبر أنظمة الدلتا الداخلية في العالم، وخصائص الواحة الغنية في بيئة شديدة الحرارة والجفاف. وهذا ما يجعلها موطناً مفضلاً لـ22 نوعاً مهدداً بالانقراض على مستوى العالم، ولنحو 200 نوع من الطيور المحلية والمهاجرة مثل البط والإوز ومالك الحزين والهدهد والحذاف والحسّون والحُر.
وتمتاز الأهوار بغطائها النباتي الكثيف الذي يغلب عليه القصب والبردي والعديد من النباتات الطافية والغاطسة التي تؤوي أكثر من 40 نوعاً من الأسماك. كما استثمرت أراضيها في زراعات متطلبة للماء مثل رز العنبر العراقي الشهير، إلى جانب الذرة البيضاء وقصب السكر. وتُربّى فيها أنواع المواشي المختلفة، لا سيما الجواميس.
ولتنوُّعها البيولوجي وأهميتها الثقافية، أدرجت الأمم المتحدة في عام 2016 أهوار العراق ضمن قائمة مواقع التراث العالمي. ويشمل الإدراج أهوار الحويزة والأهوار الوسطى والحمّار الشرقي والحمّار الغربي، بالإضافة إلى المدن الأثرية أوروك وأور وإريدو، التي ازدهرت على ضفاف دجلة والفرات بين الألفيتين الرابعة والثالثة قبل الميلاد.
على مر التاريخ، كانت الأهوار وسكانها عرضة للمخاطر المختلفة، كالفيضانات المدمّرة التي سجّلتها الأساطير، والأوبئة القاتلة التي حملتها الحشرات والقوارض. وفي محيطها دارت العديد من المعارك، وكانت ملجأ للمطارَدين، مما جرّ عليها الكثير من الويلات. ومن ذلك ما فعله هولاكو ثم تيمورلنك من تدمير متعمد لشبكة السدود التي بناها هارون الرشيد لاستصلاح أراضي الأهوار، والحملات العسكرية المتتالية التي كانت ترسلها الدولة العثمانية إلى المنطقة لمعاقبة «المشاغبين العرب».
وخلال تسعينيات القرن الماضي، شهدت الأهوار عملية تجفيف ممنهجة خفّضت مستويات المياه فيها بنسبة 90 في المائة، وتسببت في القضاء على واحدة من أكبر المجمعات المائية العذبة في العالم، وانقراض مجموعة من الحيوانات المتوطّنة، وحصول تغيُّرات كبيرة في المناخ المحلي وانخفاض في الرطوبة الجويّة وزيادة العواصف الترابية.
- نازحون بسبب قلة الموارد
وبعد حرب العراق، بدأت الحكومة الجديدة وعرب الأهوار بهدم الإنشاءات التي أعاقت تدفق المياه، وبدعم من الأمم المتحدة جرت استعادة رقعة المياه السطحية والنباتات إلى ما نسبته 58 في المائة من حجمها الأصلي بحلول عام 2006. ومع ذروة تعافيها في 2020. عاد نحو 250 ألفاً من عرب الأهوار إلى موطنهم واستعادوا نمط معيشتهم القائم على جني القصب وزراعة المحاصيل ورعي الجاموس وصيد الأسماك.
تغطي الأهوار والمناطق المحيطة بها حالياً ما يقرب من 4 آلاف كيلومتر مربع، ولكن المكاسب البيئية التي تحققت خلال السنوات الأخيرة عرضة للخطر مع دخول العراق عامه الرابع من الجفاف. ويقترن الجفاف مع السدود وأعمال تحويل المجرى، التي نفذتها تركيا وإيران على الأنهار التي تزوّد العرّاق بمعظم مياهه.
وكانت الحكومة العراقية أعلنت خلال الصيف المنصرم أن مخزونها المائي انخفض بنسبة 60 في المائة، مقارنة بالعام الماضي. وتسبب انحسار المياه في تجفيف مساحات شاسعة من المستنقعات، لا سيما في أهوار الحويزة التي أخذت تشهد فترات طويلة من الجفاف منذ عام 2009 عندما أكملت إيران بناء حاجز أعاق تدفق المياه إليها.
وتسبب تراجع تدفقات المياه العذبة ضمن الأهوار في تسلل مياه الخليج المالحة إلى عمق الأراضي الرطبة بمسافة تصل إلى نحو 190 كيلومتراً. ونتيجة ذلك أصبح 24 ألف هكتار من الأراضي غير صالح للزراعة، كما مات أكثر من 30 ألف شجرة. ومع قلّة المياه العذبة، ارتفعت تراكيز الملوّثات من المنصرفات الزراعية ومخلّفات النفط والغاز ومياه الصرف الصحي.
وتمثّل قلّة الموارد المائية مشكلة مزمنة في العراق، والبلدان العربية بشكل عام. ويعيش حالياً أكثر من 200 مليون شخص في العالم العربي في ظروف تتسم بندرة المياه، في حين يعاني 160 مليوناً من «ندرة المياه المطلقة». وبحلول 2030، ستؤثر التغيُّرات المناخية سلباً على الأمن المائي العربي، ومن المتوقع أن تقلل الموارد المائية المتجددة بنسبة 20 في المائة.
ويشهد العراق انخفاضاً قياسياً في هطول الأمطار منذ سنوات وارتفاعاً في درجات الحرارة، مما يسرّع التبخّر من الخزّانات والجداول. ووفقاً لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، يأتي العراق في المرتبة الخامسة بين الدول الأكثر عرضة لتأثيرات تغيُّر المناخ، حيث من المتوقع استمرار ارتفاع درجات الحرارة سنوياً، وتناقص هطول الأمطار، وازدياد الجفاف وندرة المياه، وتكرار العواصف الرملية والترابية والفيضانات المفاجئة.
- السياسات المائية الخاطئة
ومما يزيد الطين بلة السياسات المائية في البلدان المجاورة، التي قلّصت مصادر المياه الحيوية، إلى جانب النمو السكاني السريع والتوسع الحضري غير المنظّم والإسراف في استهلاك المياه للأغراض الزراعية والصناعية. ويزيد سوء الإدارة من خسائر المياه الفادحة، فأغلب أقنية الري لم تجرِ صيانتها أو تحديثها من فترة طويلة، مما يؤدي إلى ضياعات كثيرة.كما يعوق انقطاع التيار الكهربائي ضخ المياه وتخزينها. وفي كثير من الحالات، يروي المزارعون حقولهم بطريقة الغمر بدلاً من استخدام طرق الري الحديثة التي ترشّد استهلاك المياه. وتساهم الآبار العشوائية في نضح المياه الجوفية وتحويل المياه خارج الحوض المائي لمنطقة الأهوار.
وفي نهاية عام 2021. سجّلت المنظمة الدولية للهجرة نزوح ما يقرب من 20 ألف شخص بسبب ندرة المياه وارتفاع الملوحة وتدني جودة المياه في جميع أنحاء العراق. وتُشير المنظمة إلى أن سكان الأهوار، الذين اعتادوا التنقل دائماً داخل الأراضي الرطبة، ينظرون إلى نزوحهم الحالي على أنه قسري ودائم، حيث لم يعد بإمكانهم الاعتماد على الأراضي الرطبة للحفاظ على سبل العيش.
ويشعر من بقي في الأهوار بحالة الغبن من توزيع الموارد المائية في البلاد، حيث يستحوذ القطاع الزراعي على نحو 75 في المائة من مياه العراق، بينما يُخصص 18 في المائة للاستخدام الصناعي والبلدي والأهوار، ويذهب الباقي لتربية الأسماك والمواشي. ويخشى البعض من أن تؤدي الهجرة والبطالة والصراع لكسب العيش إلى أزمات عميقة، في بلد يعاني أصلاً من كثرة النزاعات.
كما طال الجفاف الأخير التنوُّع البيولوجي في منطقة الأهوار، إذ تسبب في تناقص أعداد سمك البني، الذي يعدُّ مصدر دخل رئيسياً لصيادي الأسماك في المنطقة، وقلّت مشاهدات البط الرخامي وطائر القصب المهددين بالانقراض. كما ترك انخفاض منسوب المياه تأثيره المدمّر على مربّي الجواميس، التي نفقت بسبب المرض وسوء التغذية.
وتعمل الحكومة العراقية، بالتعاون مع المنظمات الدولية، على تخفيف وطأة الجفاف من خلال تشجيع المزارعين على استخدام أنظمة الري الحديثة، ومنع الإفراط في ضخ المياه الجوفية، وترويج زراعة أنواع الحبوب المقاوِمة للملوحة. ويستمر العراق في عملية مفاوضات عسيرة مع إيران وتركيا لزيادة تدفق المياه عبر الحدود، لكن من دون جدوى حتى الآن. وفي الوقت ذاته، يبدو موسم الأمطار هذه السنة غير مبشِّر، مما يعزز المخاوف من آثار تغيُّر المناخ وسوء إدارة الموارد المائية على مستقبل الأهوار والمجتمعات التي تعتمد عليها.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

ماكرون يدعو إسرائيل إلى محادثات «مباشرة» مع لبنان... ويعرض استضافتها في باريس

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يدعو إسرائيل إلى محادثات «مباشرة» مع لبنان... ويعرض استضافتها في باريس

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (السبت)، إسرائيل إلى القبول بإجراء «محادثات مباشرة» مع الحكومة اللبنانية ومختلف مكونات المجتمع، معرباً عن استعداده لتسهيلها واستضافتها في باريس.

وكتب ماكرون في منشور بالعربية عبر منصة «إكس»: «يجب بذل كل ما من شأنه الحيلولة دون انزلاق لبنان إلى الفوضى. على (حزب الله) أن يوقف فوراً نهجه التصعيدي. وعلى إسرائيل أن تتخلى عن أي هجوم واسع النطاق، وأن توقف غاراتها المكثفة، في وقتٍ فرّ فيه بالفعل مئات الآلاف من السكان من القصف».

وأشار ماكرون إلى أنه أجرى محادثات الجمعة مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه برّي.


ضربات غامضة تطول قيادات فصائلية في بغداد

موظفو سفارة الولايات المتحدة في بغداد يتفقدون الأضرار التي تسبب فيها تفجير ببغداد يوم 14 مارس 2026 (أ.ب)
موظفو سفارة الولايات المتحدة في بغداد يتفقدون الأضرار التي تسبب فيها تفجير ببغداد يوم 14 مارس 2026 (أ.ب)
TT

ضربات غامضة تطول قيادات فصائلية في بغداد

موظفو سفارة الولايات المتحدة في بغداد يتفقدون الأضرار التي تسبب فيها تفجير ببغداد يوم 14 مارس 2026 (أ.ب)
موظفو سفارة الولايات المتحدة في بغداد يتفقدون الأضرار التي تسبب فيها تفجير ببغداد يوم 14 مارس 2026 (أ.ب)

شهدت بغداد فجر السبت سلسلة تطورات أمنية متسارعة، بدأت بضربة استهدفت منزلاً يضم قيادياً بارزاً في «الحشد الشعبي»، قبل أن تمتد لاحقاً إلى استهداف سيارة تقل قيادياً في «حركة النجباء»، وتنتهي بهجوم مركب بالصواريخ والطائرات المسيّرة على السفارة الأميركية داخل المنطقة الخضراء، في واحدة من أكثر الليالي توتراً في العاصمة العراقية منذ أشهر.

ماذا حدث؟

بحسب مصادر أمنية متعددة، فإن الضربة الأولى وقعت قبيل منتصف الليل بقليل، عندما استُهدف منزل في أحد أحياء بغداد، كان يقيم فيه قيادي بارز في «الحشد الشعبي». وحتى الآن لا يوجد تأكيد رسمي بشأن مصير ذلك القائد، لكن المعلومات الأولية تشير إلى أنه كان داخل المنزل لحظة الاستهداف.

وقالت المصادر إن الروايات داخل الأوساط الأمنية تضاربت لاحقاً بشأن مصيره؛ إذ تحدثت معلومات أولية عن مقتله، في حين أفادت روايات لاحقة بأنه أصيب بجروح ونُقل على وجه السرعة إلى منزل آخر في غرب بغداد لتلقي العلاج بعيداً عن الأنظار. وتشير وسائل إعلام محلية إلى أن القيادي هو على الأغلب أحمد محسن فرج الحميداوي، المعروف بـ«أبو حسين الحميداوي»، وهو الأمين العام لـ«كتائب حزب الله» العراقية.

وأضافت المصادر أن فرق الدفاع المدني التي وصلت إلى الموقع المستهدف أخرجت ثلاث جثث متفحمة من تحت الأنقاض. غير أن فصيلاً مسلحاً حضر إلى المكان وتسلم الجثث فوراً من عناصر الدفاع المدني، ونقلها إلى جهة غير معلومة، من دون الكشف عن هويات الضحايا أو إصدار أي بيان بشأنهم، ما زاد من الغموض حول ما جرى في الموقع.

وبعد نحو ساعتين من تلك الضربة، وقع هجوم ثانٍ في منطقة البلديات شرقي بغداد. وأفادت مصادر أمنية بأن سيارة كانت تقل ثلاثة أشخاص تعرّضت لاستهداف مباشر، مرجحة أن أحد ركابها قيادي في «حركة النجباء»، أحد الفصائل المسلحة المنضوية في «الحشد الشعبي».

وبحسب المعلومات المتداولة في الأوساط الأمنية، فإن الهجوم أدى إلى مقتل ركاب السيارة الثلاثة، من دون ورود تقارير عن ناجين، في حين لم يصدر أي تأكيد رسمي من الفصيل بشأن هوية الضحايا.

الدخان يتصاعد من مبنى سفارة الولايات المتحدة في بغداد فجر السبت 14 مارس 2026 (أ.ب)

استهداف السفارة الأميركية

لم تمضِ ساعة تقريباً على ذلك الهجوم حتى اتسعت دائرة التصعيد لتشمل المنطقة الخضراء، حيث تعرضت السفارة الأميركية في بغداد إلى هجوم مركب استُخدمت فيه صواريخ وطائرات مسيّرة.

وأفاد مصدر أمني مسؤول بأن الهجوم أدى إلى تدمير منظومة اتصالات فضائية داخل مجمع السفارة، كانت مخصصة لتأمين تبادل البيانات عبر الأقمار الاصطناعية للكوادر الدبلوماسية والموظفين العاملين داخل المبنى.

وأضاف المصدر أن منظومة الدفاع الجوي الأميركية «C-RAM» الموجودة داخل المجمع لم تتمكن من اعتراض إحدى الطائرات المسيّرة التي نفذت الهجوم، رغم اقترابها من موقع الاستهداف، ما سمح لها بإصابة منظومة الاتصالات بشكل مباشر.

وفي السياق نفسه، ذكرت «أسوشييتد برس» أن حريقاً اندلع داخل المجمع عقب الضربة، مع تصاعد أعمدة الدخان من محيط السفارة، مشيرة إلى أن أحد الصواريخ أصاب مهبط المروحيات داخل المجمع بشكل مباشر، ما تسبب في أضرار مادية في الموقع.

ووصف سكان في محيط المنطقة الخضراء الهجوم بأنه من أعنف الهجمات التي تعرضت لها السفارة منذ سنوات؛ إذ سُمع دوي عدة انفجارات قوية هزت الأبنية القريبة، في حين تحدث شهود عن اهتزاز واضح في المباني السكنية المحيطة بالمجمع الدبلوماسي.

القوات العراقية نشرت المزيد من عجلات «همفي» لتأمين محيط السفارة الأميركية في بغداد (أ.ب)

جاءت هذه التطورات في وقت طالبت فيه وزارة الخارجية الأميركية الحكومة العراقية باتخاذ إجراءات عاجلة لتفكيك الميليشيات الموالية لإيران في البلاد «بشكل نهائي»، ووقف الهجمات التي تستهدف المصالح الدولية والمحلية، بما في ذلك إقليم كردستان.

وقال متحدث باسم الوزارة إن الولايات المتحدة «تدين بشدة الهجمات الإرهابية التي شنتها إيران والميليشيات المدعومة منها ضد البنية التحتية في العراق وإقليم كردستان»، محمّلاً طهران والجماعات المتحالفة معها المسؤولية المباشرة عن هذا التصعيد.

وأشار المتحدث إلى أن وزير الخارجية الأميركي أجرى في التاسع من مارس (آذار) اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، بحث خلاله التطورات الميدانية في المنطقة، مؤكداً ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة لمنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لتهديد الولايات المتحدة أو أمن المنطقة.

وتأتي هذه الليلة المضطربة في ظل تصاعد واضح للتوتر الأمني في العراق خلال الأيام الأخيرة، بعد هجمات طالت القنصلية الأميركية في أربيل، إضافة إلى استهدافات أخرى طالت مصالح نفطية وبنى تحتية، ما يضع الحكومة العراقية أمام اختبار صعب في ضبط نشاط الفصائل المسلحة، ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة على أراضيها.


تقرير: إسرائيل تستعد لعملية برية واسعة بلبنان... وتتجه لتكرار سيناريو غزة

جنود إسرائيليون يعملون على أحزمة دباباتهم في منطقة تجمع بالجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يعملون على أحزمة دباباتهم في منطقة تجمع بالجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
TT

تقرير: إسرائيل تستعد لعملية برية واسعة بلبنان... وتتجه لتكرار سيناريو غزة

جنود إسرائيليون يعملون على أحزمة دباباتهم في منطقة تجمع بالجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يعملون على أحزمة دباباتهم في منطقة تجمع بالجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

تخطط إسرائيل لتوسيع عمليتها البرية في لبنان بشكل كبير، بهدف السيطرة على كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، وتفكيك البنية العسكرية لـ«حزب الله»، وفق ما نقل موقع «أكسيوس» الأميركي عن مسؤولين إسرائيليين وأميركيين.

وقال مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى لـ«أكسيوس»: «سنفعل ما فعلناه في غزة»، في إشارة إلى هدم المباني التي تقول إسرائيل إن «حزب الله» يستخدمها لتخزين الأسلحة وشن الهجمات.

أكبر توغل بري محتمل منذ 2006

قد تشكل هذه العملية أكبر توغل بري إسرائيلي في لبنان منذ عام 2006، ما قد يضع البلاد في قلب التصعيد الإقليمي المتزايد المرتبط بالحرب مع إيران.

وحسب الموقع، فإن عملية بهذا الحجم قد تؤدي إلى احتلال إسرائيلي طويل الأمد لجنوب لبنان.

وتبدي الحكومة اللبنانية قلقاً عميقاً من أن تؤدي الحرب المتجددة التي اندلعت بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل، إلى تدمير واسع في البلاد.

بالمقابل، قالت «أكسيوس» إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدعم عملية إسرائيلية كبيرة لنزع سلاح «حزب الله»، ولكنها تضغط في الوقت نفسه للحد من الأضرار التي قد تلحق بالدولة اللبنانية، كما تدفع نحو إجراء محادثات مباشرة بين إسرائيل ولبنان للتوصل إلى اتفاق بعد الحرب.

تحوُّل في حسابات إسرائيل

ووفق مسؤولين إسرائيليين، كانت الحكومة الإسرائيلية تحاول حتى أيام قليلة احتواء التصعيد في لبنان، من أجل الحفاظ على تركيزها على المواجهة مع إيران.

غير أن هذه الحسابات تغيّرت الأربعاء، عندما أطلق «حزب الله» أكثر من 200 صاروخ في عملية سماها «العصف المأكول»، في هجوم منسق واسع بالتزامن مع إيران التي أطلقت عشرات الصواريخ.

وقال مسؤول إسرائيلي كبير للموقع: «قبل هذا الهجوم كنا مستعدين لوقف إطلاق النار في لبنان، ولكن بعده لم يعد هناك طريق للعودة من عملية واسعة».

التحركات العسكرية

وكان الجيش الإسرائيلي قد نشر 3 فرق مدرعة ومشاة على الحدود اللبنانية منذ اندلاع الحرب مع إيران، بينما نفَّذت بعض القوات توغلات محدودة خلال الأسبوعين الماضيين.

وأعلن الجيش، الجمعة، إرسال تعزيزات إضافية إلى الحدود، واستدعاء مزيد من قوات الاحتياط، استعداداً لتوسيع العملية البرية.

وقال مسؤول إسرائيلي لـ«أكسيوس»، إن الهدف هو «السيطرة على مناطق، ودفع (حزب الله) شمالاً بعيداً عن الحدود، وتفكيك مواقعه العسكرية ومستودعات أسلحته داخل القرى».

إسرائيل تتشاور مع واشنطن «حالة بحالة»

وأمس، طلبت الإدارة الأميركية من إسرائيل عدم قصف مطار بيروت الدولي أو منشآت الدولة اللبنانية خلال العملية. ووافق الجانب الإسرائيلي على تجنب استهداف المطار، ولكنه لم يلتزم بشكل كامل بحماية بقية البنية التحتية الحكومية.

والجمعة، قصف الجيش الإسرائيلي جسراً في جنوب لبنان قال إن «حزب الله» يستخدمه لنقل قواته وأسلحته.

وأوضح مسؤول إسرائيلي لـ«أكسيوس»، أن إسرائيل ستتشاور مع واشنطن «حالة بحالة»، مضيفاً: «نشعر بأن لدينا دعماً أميركياً كاملاً لهذه العملية».

من جهته، صرح مسؤول أميركي للموقع، بأن «على الإسرائيليين أن يفعلوا ما يرونه ضرورياً لوقف قصف (حزب الله)».

نتنياهو يكلِّف رون ديرمر

إلى ذلك، كلَّف نتنياهو الوزير السابق رون ديرمر بإدارة الملف اللبناني خلال الحرب، وفق «أكسيوس» الذي أوضح أن ديرمر سيتولى التواصل مع إدارة ترمب وإدارة أي مفاوضات محتملة مع الحكومة اللبنانية، إذا بدأت محادثات مباشرة خلال الأسابيع المقبلة.

وواشنطن تكلِّف بولس

وعلى الجانب الأميركي، يتولى إدارة الملف مستشار الرئيس ترمب، والمبعوث الأميركي إلى أفريقيا، مسعد بولس، وهو من أصول لبنانية.

وذكرت «أكسيوس» أن بولس أجرى اتصالات في الأيام الأخيرة مع مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين وعرب، لمحاولة تسهيل إجراء محادثات مباشرة بين إسرائيل ولبنان.

وفي الأيام الأخيرة، أشارت الحكومة اللبنانية إلى استعدادها لإجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل حول شروط وقف إطلاق النار.

ووفق أكسيوس، تأمل إدارة ترمب في استخدام هذه المفاوضات كأساس لاتفاق أوسع قد ينهي رسمياً حالة الحرب بين إسرائيل ولبنان، المستمرة منذ عام 1948، وفق «أكسيوس».

وأمس أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون أنه لم يتلقَّ ردّاً على عرض التفاوض مع إسرائيل الذي اقترحه هذا الأسبوع، في إطار مبادرة لوقف حربها المستمرة مع «حزب الله».

والثلاثاء، نقل موقع «أكسيوس» الأميركي، عن مصادر، أن إسرائيل رفضت المقترح اللبناني، وأشارت إلى أن الردود الأميركية والإسرائيلية كانت «باردة، ومشككة إلى حد بعيد».