لماذا صمدت بلدة إرزين أمام الزلزال في هاتاي؟

رئيس البلدية أرجع السبب إلى صرامة تطبيق قوانين البناء... وخبراء تحدثوا عن عوامل أخرى

بلدة إرزين الناجية من الزلزال المدمر في هاتاي (الموقع الرسمي لبلدية إرزين)
بلدة إرزين الناجية من الزلزال المدمر في هاتاي (الموقع الرسمي لبلدية إرزين)
TT

لماذا صمدت بلدة إرزين أمام الزلزال في هاتاي؟

بلدة إرزين الناجية من الزلزال المدمر في هاتاي (الموقع الرسمي لبلدية إرزين)
بلدة إرزين الناجية من الزلزال المدمر في هاتاي (الموقع الرسمي لبلدية إرزين)

أثار التباين بين المناطق؛ تدمير بعضها بشكل كامل أو شبه كامل، وبقاء البعض صامداً، في مواجهة زلزالي 6 فبراير (شباط) الحالي المدمرين في تركيا، العديد من التساؤلات حول الأسباب وراء انهيار بعض المواقع وصمود بعضها في المنطقة الواحدة، وصولاً إلى صمود بعض المباني دون غيرها ووقوفها سليمة بين حطام واسع.
أبرز تلك الحالات التي لفتت انتباهاً واسعاً كانت في ولاية هاتاي، إحدى الولايات العشر المتضررة من الزلزال في جنوب تركيا، حيث صمدت بلدة إرزين وأصبحت ملاذاً للمتضررين من الدمار الهائل في أنطاكيا وإسكندرون، وكذلك صمد حي إيكنجي الذي توجد به مبان شاهقة وسط الدمار الذي لحق بأنطاكيا، التي لم يكد ينجو فيها مبنى واحد من الدمار أو التصدع الشديد، ولم تتضرر مباني الحي باستثناء بعض التصدعات الخفيفة في أسقف بعضها.
لم ينجُ بيت أو مسجد أو مستشفى أو مبنى حكومي بشكل كامل من الزلزال المدمر في أنطاكيا، وفقد الآلاف حياتهم تحت الأنقاض، وتم إنقاذ البعض على مدى 12 يوماً، وتشكل صدع عملاق بعمق 30 متراً وعرض نحو 200 متر قسم حقلاً للزيتون مساحته 53 فداناً كما قسم إحدى القرى إلى قريتين.
وفي إسكندرون اتخذت السلطات إجراءات، بعد ارتفاع منسوب البحر عقب زلزالي 6 فبراير اللذين بلغت قوتهما 7.8 و7.6 ووقع مركزهما في كهرمان ماراش بجنوب البلاد. وتجاوز منسوب المياه المرافق الواقعة على الساحل لتمتد إلى شوارع وأحياء البلدة، ما دفع السلطات إلى إخلاء المجمعات السكنية والبنوك ومراكز الأعمال.
وحدها أصبحت بلدة إرزين حديث العامة ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في تركيا، وفجأة ظهر رئيس بلديتها، أوككيش إلماس أوغلو، كأنه بطل كشفت عنه الكارثة، بفضل الإجراءات الصارمة التي أعلن أنه طبقها في البلدة، وفرضه الالتزام بقواعد البناء بلا أي استثناءات، ولذلك لم تحدث حالة وفاة أو إصابة واحدة نتيجة الزلزال في البلدة.
وتسابقت وسائل الإعلام للوصول إلى رئيس البلدية، المحامي الشاب إلماس أوغلو، في محاولة لمعرفة أسباب الصمود، وفي مداخلة مع قناة «فوكس»، قال إنه لم يسمح بأي بناء غير قانوني في المدينة، لدرجة أنه أصدر قرار إزالة لبناء مخالف مملوك لأحد أقاربه ما جعله يواجه مشكلات مع عائلته، مضيفاً أن عدم تهاونه في شروط البناء جعل كثيراً من المواطنين يقاطعونه ويرفضون مصافحته في الشارع أو الحديث معه.
ولفت إلى أن هناك بعض المزايا الخاصة في البلدة، منها المناطق السكنية الجيولوجية. فالبلدة مليئة بالمنازل من طابق واحد، إضافة إلى عدم التساهل تجاه البناء غير القانوني، وعدم تراجعه، ولجوئه إلى النيابة العامة لتنفيذ قرارات هدم المنازل المخالفة.
ويعود تاريخ بلدة أرزين إلى مئات السنين، وكانت أول عملية بناء فيها عند سفح جبال أمانوس المحيط بالمنطقة، وتوسعت مع مرور الوقت، حيث تم تشييد مبان جديدة بعيداً عن الجبال. واليوم يبلغ عدد سكان البلدة نحو 42 ألف نسمة، وهي تبعد 55 كيلومتراً عن إسكندرون، و150 كيلومتراً عن كهرمان ماراش (مركز الزلزالين المدمرين). ولم يشعر سكانها بالزلزال بقوة، وغادروا المنازل على الفور.
كما أن عدد المباني الشاهقة في إرزين قليل، كما أن ارتفاع المباني الشاهقة لا يزيد على 6 أو 8 طوابق. في المقابل، يُعد عدد المنازل المكونة من طابق واحد مرتفعاً للغاية. ومعظم المباني في البلدة لا يزيد ارتفاعها على 4 طوابق.
ويقدر سكان البلدة الحساسية الشديدة التي تعامل بها رؤساء البلدية الحالي والسابقون مع معايير البناء. وتسلم رئيس البلدية الحالي إلماس أوغلو، منصبه قبل 4 سنوات فقط، لكن غالبية المباني في البلدة عمرها أكبر من ذلك بكثير، ومنها ما يعود إلى أكثر من 60 عاماً لكنها متينة. وقاوم رؤساء البلدية السابقون إنشاء مبانٍ بارتفاع يزيد على 4 طوابق. لكن هل يعود صمود إرزين في مواجهة زلزالين من أعتى الزلازل على مدى قرن من الزمان إلى الالتزام الصارم بقوانين البناء فقط، أم أن هناك أسباباً أخرى؟
يؤكد خبراء زلازل وأساتذة جيولوجيا ومهندسون أن ذلك ليس هو السبب الوحيد، فطبيعة التربة ووجود سلسلة جبال أمانوس حول البلدة حدت أيضاً من تأثير الزلزالين المدمرين. كما أن بُعد المنطقة التي تقع بها البلدة عن خط الصدع، كلها عوامل حاسمة في عدم تضررها وليس فقط قواعد البناء.
وذهب عالم الجيولوجيا خبير الزلازل التركي ناجي غرور، إلى أنه مع الوضع في الاعتبار مسألة تمسك البلدية بقواعد البناء، وهو أمر مهم، إلا أن السمات الجيولوجية تلعب الدور الأكبر. واعتبر غرور لـ«الشرق الأوسط»، أن ما قاله رئيس البلدية صحيح، على اعتبار أن أفضل إعداد لاستقبال الزلزال هو جعل المناطق مقاومة للزلازل، كما أن للهيكل الجيولوجي والموقع التكتوني والسمات الجيولوجية تأثيراً كبيراً أيضاً لأنها توفر حماية طبيعية من الزلزال.
ولفت خبير الزلازل أوكان تويسز، إلى عدم حدوث تحرك في خطوط الصدع قرب بلدة إرزين، مشيراً إلى أنه توجد خطوط صدع على مسافة 30 إلى 40 كيلومتراً منها، لكن توجد بينها كتلة جبلية كبيرة تسمى أمانوس، مضيفاً أنه على الأرجح لم تحدث هزات كبيرة في إرزين التي تُعد أرضاً ضعيفة، حيث تقع البلدة على الطمي الذي نقلته الأنهار من الأمانوس. وأضاف أن أرزين القديمة تقع باتجاه أطراف الجبال، والمنازل هناك متبعثرة وتتكون من طابق واحد، مشيراً إلى أن العديد من البلدات في هاتاي مثل أنطاكيا وكريكهان وإسكندورن وصمان داغ تعرضت لدمار كبير بسبب ظروف الأرض السيئة، لكن المنازل الواقعة على متحدرات أنطاكيا لم تتعرض لمثل هذا الضرر، وهو ما ينطبق أيضاً على إرزين.
ولفت خبير الزلازل عضو هيئة التدريس في جامعة إسكشهير، أوزكان جودت أوزداغ، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن مدناً مثل إسكندرون وأنطاكيا تعرضت للدمار وتحول جزء كبير منها إلى أنقاض لأنه تم بناؤها فوق طبقات الرمل والطمي والطين في مجرى نهر قديم، أو على أرض ساحلية ناعمة، وهذه الرواسب اللينة والمليئة بالمياه تجعل المدن والقرى معرضة بشكل أكثر لخطر التدمير بفعل الزلازل، فعندما يضرب أحدها هذه الأرض «تتحرك مثل الموجة». من جهته، أوضح مدير مركز تطبيقات وأبحاث الزلازل بجامعة أفيون كوجاتبه الدكتور تشاغلار أوزكايماك، أن بلدة إرزين بنيت أعلى من سطح البحر على أرض صلبة تتكون من صخور ورمال خشنة.


مقالات ذات صلة

زلزال بقوة 6.6 درجة يضرب وسط تشيلي

أميركا اللاتينية صورة تُظهر جانباً من مدينة سانتياغو في تشيلي (رويترز-أرشيفية)

زلزال بقوة 6.6 درجة يضرب وسط تشيلي

قال المركز الألماني لأبحاث علوم الأرض إن زلزالاً بقوة 6.6 درجة ضرب وسط تشيلي، يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (سانتياغو)
آسيا مرشد سياحي في منطقة باهالغام بالشطر الهندي من كشمير (أرشيفية - أ.ب)

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

لقي شخص حتفه وانهارت منازل عدة بعدما ضرب زلزال بقوة ست درجات ‌كشمير بشمال ‌باكستان، الاثنين، ⁠حسبما ​أفاد ‌مسؤول والمركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أميركا اللاتينية لم ترد على الفور أي معلومات عن وقوع خسائر محتملة أو أضرار ناجمة عن الزلزال (رويترز)

زلزال بقوة 5.6 درجات يضرب جنوب المكسيك

أفادت الهيئة الوطنية المكسيكية لرصد الزلازل، الجمعة، بوقوع زلزال بقوة 5.6 درجات على مقياس ريختر بولاية كينتانا رو جنوب المكسيك.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو)
المشرق العربي العاصمة الأردنية عمان (أرشيفية - بترا)

هزة أرضية بقوة 4.1 درجة تضرب الأردن

وقعت هزة أرضية بقوة 4.1 درجة على مقياس ريختر، شعر بها سكان مناطق مختلفة من الأردن، منها محافظتا عمان والبلقاء، صباح اليوم.

«الشرق الأوسط» (عمان)
شؤون إقليمية عناصر من الجيش الإسرائيلي (أ.ب)

تفعيل صافرات الإنذار في إسرائيل عقب زلزال بجنوب البلاد

أعلن الجيش الإسرائيلي تفعيل صافرات الإنذار في مدينة عراد بجنوب البلاد، وفي البحر الميت، نتيجة لوقوع زلزال، اليوم (الخميس).

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended