إيطاليا: قراءة في حصيلة الأيام الـ100 من حكم جيورجيا ميلوني

بين المتابعة الأوروبية لأدائها... ومشاغبات «حليفيها» برلوسكوني وسالفيني

ميلوني مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
ميلوني مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
TT

إيطاليا: قراءة في حصيلة الأيام الـ100 من حكم جيورجيا ميلوني

ميلوني مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
ميلوني مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

كثيرة وعميقة هي التطورات التي تعاقبت على المشهد السياسي الإيطالي خلال الأشهر الستة المنصرمة. تطورات حصلت منذ سقوط حكومة ماريو دراغي، والفوز الساحق لائتلاف الأحزاب اليمينية في الانتخابات العامة، بقيادة جيورجيا ميلوني، الزعيمة السابقة للشبيبة الموسولونية ومؤسسة الحزب الذي قام على ركام الحركة الفاشية، وزعيمته. بهذا الفوز وصل اليمين المتطرف إلى قيادة إحدى الدول الأعضاء الوازنة داخل الاتحاد الأوروبي... وتولت امرأة رئاسة الحكومة للمرة الأولى في تاريخ إيطاليا. كذلك، لأول مرة أيضاً في التاريخ الإيطالي الحديث تتمتع الحكومة بأغلبية مريحة في البرلمان، تسمح لها بالبقاء حتى نهاية الولاية الاشتراعية والخروج عن القاعدة التي تشاء ألا يتجاوز متوسط عمر الحكومات الإيطالية 400 يوم. هذا، اللهم إلا إذا قاومت الأحزاب ميولها التقليدية إلى الانتحار السياسي وهواية زعمائها في تدبير المؤامرات والمكائد. بعد مرور مائة يوم على تشكيل ميلوني الحكومة الائتلافية الحالية مع حليفيها «اللدودين» ماتّيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة» اليميني المتطرف، والملياردير سيلفيو برلوسكوني رئيس الوزراء الأسبق وزعيم «فورتسا إيطاليا»، يبدو أن التعقيدات المتوطنة في المشهد السياسي الإيطالي فرضت على ميلوني، ولو مؤقتاً، بعض الاعتدال في ميدان سياسي لا تطول فيه التحالفات كثيراً.

سالفيني (إ.ب.أ)

رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني، التي تعتبر أن بنيتو موسوليني كان زعيماً وطنياً ومن أنجح الزعماء السياسيين الذين أنجبتهم إيطاليا، تنبهّت إلى المصالح العميقة التي تربط بلادها بشركائها في الاتحاد الأوروبي، ومقتضيات تحالفاتها الدولية، خصوصاً، مع الولايات المتحدة. وهذا الواقع، فرض على حكومتها - على الأقل في المرحلة الراهنة - التخلّي عن معظم المبادئ اليمينية المتطرفة التي كانت ترفع لواءها عندما كانت في المعارضة. ليس هذا فقط، بل والسير أيضاً على خطى سلفها ماريو دراغي من أجل تهدئة الخواطر في المحيط الأوروبي الذي يشكّل المجال الحيوي الرئيسي بالنسبة للاقتصاد الإيطالي الرازح تحت أزمة ركود مزمنة منذ أكثر من عشر سنوات.
ما هو شبه مؤكد أن ميلوني أخذت على محمل الجد أيضاً تحذيرات المؤسسات الأوروبية من أنها تملك الوسائل والإجراءات اللازمة لردع البلدان الأعضاء في الاتحاد عن تجاوز المواثيق وانتهاك المبادئ المؤسسة المتوافق عليها للمشروع الأوروبي. والمعروف أنه منذ وصول ميلوني إلى الحكم في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قادت زعيمة حزب «إخوان إيطاليا» اليميني المتطرف حكومتها كما لو أن سلفها البراغماتي المعتدل - دراغي - هو الذي كان يمسك بالمقود. وبالفعل، أصبحت فجأة من أشدّ المدافعين عن العديد من السياسات الأوروبية التي كانت في مرمى سهامها طوال وجودها في المعارضة.

برلوسكوني (أ.ب)

إنجازات الـ100 يوم
ولكن بعد هذه الأشهر الثلاثة التي انقضت منذ وصول ميلوني إلى الحكم - الذي كان يبدو سراباً بعيداً منذ أقل من سنة - وبلوغها نهاية الخريطة التي كان قد رسمها دراغي على الطريق الأوروبية، تجد ميلوني نفسها الآن مضطرة لتحديد مسارها الخاص. والواقع أن هذا المسار ما زال إلى اليوم لغزاً بالنسبة للمراقبين، كما هو بالنسبة للحلفاء الذين تعرف جيداً أنهم يتربصون بها قبل الخصوم.
في أي حال، أبرز الإنجازات التي حققتها حكومة ميلوني خلال هذه الفترة كانت الموافقة السريعة على قانون الموازنة العامة، التي كانت الحكومات السابقة تتعثر طويلاً لتمريرها في البرلمان. وهنا نشير إلى أن حكومة دراغي هي التي كانت قد وضعت إطارها العام وخطوطها العريضة وفقاً للمعايير والشروط الأوروبية، في حين كانت أحزاب الائتلاف الحاكم حالياً تعترض عليها. وقد اضطرت ميلوني لسحب معظم التعديلات التي كانت أجرتها على مشروع الموازنة، بضغط من حلفائها وليس من المعارضة.
من ناحية ثانية، يعترف المسؤولون في المفوضية الأوروبية بأن جميع الخطوات التي أقدمت عليها رئيسة الحكومة الإيطالية حتى الآن، تندرج ضمن الخط الذي كان ينهجه سلفها حريصاً على التزام القواعد والمعايير الأوروبية المشتركة... لا بل إن بعضها لم يكن متوقعاً من حكومة درجت رئيستها على وضع المؤسسات الأوروبية في مرمى سهامها طوال سنوات، وتضمّ حزب «الرابطة». وهو الحزب الذي كان زعيمه سالفيني يدعو إلى الخروج من منطقة اليورو، وما زال لا يوفّر مناسبة من غير أن يطالب بإعادة النظر في الأسس التنظيمية للاتحاد الأوروبي وتغيير آليات اتخاذ القرار في مؤسساته. وبالتالي، لم يعد مستبعداً، في رأي البعض، أن تبادر حكومة ميلوني قريباً إلى الموافقة على اقتراح «آلية الاستقرار الأوروبية» التي كانت تعترض عليها بشدّة بحجة أنها تخدم مصالح بعض الدول، مثل ألمانيا وهولندا، على حساب دول أخرى تواجه صعوبات لاستيفاء الشروط والمعايير المالية؛ مثل إيطاليا.

دراغي (د.ب.أ)

الأزمة مع فرنسا
في المقابل، الأزمة الخارجية الوحيدة التي اصطدمت بها حكومة ميلوني خلال هذه الفترة، كانت مع فرنسا بسبب الخلاف على استقبال المهاجرين غير الشرعيين الذين تنقذهم سفن الإغاثة أمام السواحل الإيطالية. ولقد نشأت هذه الأزمة في الأساس من عثرة دبلوماسية ناجمة عن قلة خبرة ميلوني. إذ حاول حليفها في الحكومة، سالفيني، أن يستغلها للمزايدة في موضوع كان قد بنى عليه شعبيته في الماضي، الأمر الذي أدّى إلى ردة فعل قاسية من فرنسا تسببت في توتر شديد في العلاقات بين البلدين، ما زال يرخي بثقله عليها إلى اليوم.
في هذه الأثناء، استطاعت رئيسة الحكومة الإيطالية أن تحافظ على موقف رسمي متماسك من الحرب الأوكرانية بجانب الحلفاء الغربيين الداعمين لأوكرانيا. وجاء نجاحها على الرغم من المواقف المعروفة والمعلنة لحليفيها في الحكومة من تلك الحرب. إذ يعارض سالفيني وحزبه مواصلة إرسال إيطاليا المساعدات العسكرية إلى الأوكرانيين، في حين يدعو برلوسكوني إلى الحوار مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وإقناع الرئيس الأوكراني زيلينسكي بالتجاوب مع مطالب الرئيس الروسي. وللتذكير، كانت ميلوني قد أعلنت مؤخراً عن أنها ستقوم بزيارة إلى العاصمة الأوكرانية كييف قبل نهاية هذا الشهر بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لاندلاع الحرب. ومن المرجح إجراء هذه الزيارة برفقة رئيس وزراء بولندا ماتيوش ماروفييتسكي، وهو حليفها وشريكها في كتلة المحافظين اليمينيين التي ترأسها في البرلمان الأوروبي. ومن ثم، سيكون لقاؤها رئيس الوزراء البولندي الخطوة الوحيدة، حتى الآن، التي تقوم بها باتجاه مجموعة «فيسغراد»، التي تضمّ كلاً من سلوفاكيا والمجر وبولندا والجمهورية التشيكية، وتشكل جبهة المعارضة للخط العام داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي سياق موازٍ، حرصت ميلوني منذ بداية ولايتها على تحاشي الصدام، الذي كان يتوقعه كثيرون، ببروكسل (قيادة الاتحاد الأوروبي)، بما في ذلك حول ملف الهجرة. إذ اختارت موقفاً وسطيّاً يخرج عن سياسة الحكومة السابقة بمقدار لا يفتح باب المواجهة مع الشركاء الأوروبيين، لكنه يكفي لتطمين القاعدة الشعبية وقطع طريق المزايدة أمام حزب الرابطة، حليفها في الحكومة. وفي هذا الصدد، قررت الإحجام عن إقفال الموانئ الإيطالية في وجه طالبي اللجوء - كما كانت تطالب خلال الحملة الانتخابية - لكنها ألزمت منظمات الإغاثة إرسال سفنها إلى موانئ بعيدة عن المواقع التي تنقذ فيها المهاجرين. وهذه خطوة لا تخالف القواعد الأوروبية المراعاة، ولا قانون البحار الذي تنشط في إطاره هذه المنظمات، مع أنها تضفي صعوبة كبيرة على نشاط هذه المنظمات التي بدأ بعضها يرفض تنفيذها.

ضمور للدور الإيطالي!
مقابل ما سبق، يلاحظ أن الانفراج الذي خيّم على علاقات ميلوني الأوروبية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من ولايتها بفضل التطمينات التي وزعتها في كل الاتجاهات على شركائها في الاتحاد ومـؤسساته - والذي كانت تحتاج إليه كي تنصرف لبرنامجها الداخلي الحافل بالتغييرات – أخذ يتبدد في الأيام الأخيرة. وهو الآن ينذر بضمور طويل الأمد للدور الإيطالي على الساحة الأوروبية، بعدما كان ماريو دراغي قد نجح في إعادة إيطاليا إلى صدارة المشهد الأوروبي.
ولعلّ المقارنة الأكثر دلالة على التغيير السريع الذي طرأ على حضور إيطاليا ودورها في الخارج، هي بين الصورة التي جمعت في الصيف الماضي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس، إلى جانب رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي في القطار الذي حمل الثلاثة إلى العاصمة الأوكرانية، وتلك التي ضمّت فولوديمير زيلينسكي إلى ماكرون وشولتس الأسبوع الماضي في قصر الإليزيه بباريس، هذه حملت رسالة واضحة من المحور الفرنسي الألماني مفادها أن إيطاليا «الجديدة» لم تعد شريكاً مميّزاً لهذا المحور كما كانت على عهد دراغي.
ثم إنه وفي اليوم التالي لذلك اللقاء، كان الاستياء بادياً بوضوح على وجه ميلوني خلال القمة الأوروبية التي استضافت الرئيس الأوكراني للمرة الأولى في بروكسل لتوجيه رسالة حول وحدة الصف الأوروبي في الدعم الذي يقدمه الاتحاد لبلاده. ولم تتردد رئيسة الحكومة الإيطالية عند نهاية تلك القمة في الإعراب عن استيائها من استبعادها من العشاء المقام على شرف الرئيس الأوكراني في قصر الإليزيه. وقالت «ما يهمّ فعلاً، الصورة التي تجمع قادة الدول الأعضاء بفولوديمير زيلينسكي، لأنها الرسالة الأقوى التي يمكن أن تصدر عن الاتحاد. واستباق هذا الحزم الأوروبي باجتماع موجّه للرأي العام الداخلي، من شأنه إضعاف الرأي العام الأوسع وتوجيه رسالة سياسية خاطئة».
في أي حال، الانطباع السائد في الحكومة الإيطالية، التي تدرك جيداً أن خطواتها الداخلية باقية تحت مجهر شركائها في الاتحاد، هو أن العلاقات الأوروبية باتت وسيلة لمعاقبة ميلوني أمام الرأي العام الإيطالي، على غرار ما حصل في مراحل سابقة من التاريخ الحديث. ويقارن المراقبون بين ما حصل مؤخراً خلال القمة الأوروبية في بروكسل، وما شهدته قمة أخرى في عام 2011 من التهكم الساخر الذي دار بين المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي حول رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق برلوسكوني قبل أن يجبر على الاستقالة... عندما كان مسدس الأزمة المالية موجهاً إلى صدغه.
ومرة أخرى، تقف إيطاليا أمام معضلتها الأساسية داخل الاتحاد الأوروبي، وهي أنها رغم كونها القوة الاقتصادية الثالثة في الاتحاد، وكونها عضواً في «مجموعة الدول الصناعية السبع»، فما زالت تتأرجح في معادلة التوازنات الأوروبية بين كتلة الدول المؤثرة في القرارات الكبرى وتلك التي تبحث دائماً عن تحالفات ظرفية للدفاع عن مصالحها.
وبالفعل، بعدما كان دراغي قد نجح، بفضل مكانته الوازنة على الصعيد الأوروبي، في الحصول على «مقعد دائم» لإيطاليا في النادي الألماني الفرنسي، تبيّن أن ذلك لم يكن سوى سراب مؤقت تبخّر بعد سقوطه. وهذا ما أكده إيمانويل ماكرون في ردّه غير المباشر على ميلوني، عندما قال «ألمانيا وفرنسا تلعبان دوراً خاصاً منذ ثماني سنوات في هذه القضية. وهما اللتان تقودان هذه العملية، فضلاً عن أنه يعود للرئيس الأوكراني أن يختار الصيغة التي يريد». ولا شك في أن الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني، وأيضاً الرئيس الأوكراني، يدركون جيداً أنه رغم أن الموقف الرسمي المعلن للحكومة الإيطالية - الذي كررته رئيستها عدة مرات - هو تبنّي الموقف الأوروبي - الأطلسي الداعم لأوكرانيا في مواجهة الاجتياح الروسي، فإن حليفيها برلوسكوني وسالفيني تربطهما علاقة قديمة ببوتين، وهذان يعارضان مواصلة تزويد أوكرانيا بالأسلحة... حتى إن الأول لم يتردد أكثر من مرة في انتقاد الرئيس الأوكراني وتحميله مسؤولية اندلاع الحرب، داعياً إلى الإصغاء لمطالب بوتين.
ومن ثم، عندما حاولت ميلوني التأكيد على موقفها من ذلك اللقاء الثلاثي في قصر الإليزيه بقولها إنها لو دعيت إلى ذلك العشاء لكانت نصحت بألا يقام عشية القمة الأوروبية مع زيلينسكي، فإنها كشفت عن السبب الحقيقي وراء خلافها مع المحور الألماني الفرنسي. إذ إنها قالت «يخطئ من يعتقد أن هناك أعضاء من الدرجة الأولى وأعضاء من الدرجة الثانية في الاتحاد الأوروبي، وعليه أن يتذكر حادثة (التيتانيك)، لأنه عندما تغرق السفينة فلا فرق بين المسافر في الدرجة الأولى والمسافر في الدرجة الثانية».
الواضح إذن، أن تصاعد التوتر بين جيورجيا ميلوني وحلفاء إيطاليا في الاتحاد يهدد بالقضاء - بشكل نهائي - على المحاولات التي بذلتها منذ وصولها إلى الحكم لإضفاء صورة الاعتدال على علاقاتها الدولية. لا بل إنه من المؤكد أن هذا التصعيد الأخير مع الرئيس الفرنسي سيدفعها أكثر باتجاه حلفائها الآيديولوجيين التقليديين في الاتحاد، مثل بولندا أو المجر والجمهورية التشيكية، التي اجتمعت برؤساء حكوماتها في خلوة طويلة بعد صدامها بماكرون.

خيارات اليمين الإيطالي المتطرف... ومحاولات معارضيه
> ما يزيد من احتمالات تشدد موقف جيورجيا ميلوني في مواجهتها المفتوحة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، واندفاعها أكثر نحو حلفائها التقليديين في المعسكر اليميني الأوروبي، نتائج الانتخابات الإقليمية التي أجريت مطلع هذا الأسبوع. في هذه الانتخابات، حصدت رئيسة الحكومة اليمينية الإيطالية انتصاراً تاريخياً رسّخ زعامتها للتحالف اليميني، وعزز موقع حزبها في صدارة المشهد السياسي الإيطالي، ومن ثم، حظوظ حكومتها في البقاء حتى نهاية الولاية الاشتراعية. هذا، ومن شبه المؤكد أن ميلوني لن تفوّت فرصة هذا الانتصار لتصفية حساباتها مع حلفائها في الحكومة وفرض طوق عليهم يقيها من الشطحات التي تضع الحواجز على مسار علاقاتها الخارجية، كتلك التي صدرت مؤخراً عن سيلفيو برلوسكوني بشأن الحرب في أوكرانيا.
بيد أن المتنفّس الرئيسي لحكومة ميلوني يبقى رصيدها الكبير في البرلمان، وحالة الغيبوبة التي تطغى على المعارضة. وهنا في المعارضة، تحاول القوى والأحزاب اليسارية والتقدمية - كعادتها منذ عقود - إعادة تأسيس تشكيلاتها التي نادراً ما تدوم من ولاية اشتراعية لأخرى، وأخذت تظهر بوادر قيام حزب وسطي حول رئيس الوزراء وزعيم الحزب الديمقراطي الأسبق ماتيو رينزي وبعض المنشقين عن برلوسكوني وحركة «النجوم الخمسة». لكن هذا الاطمئنان الذي يؤمنه ضعف المعارضة وتشرذمها، يقابله حذر شديد من المفاجآت والمكائد على الجبهة الداخلية للائتلاف الحاكم. ذلك أنه بقدر ما تتراجع شعبية الحليفين لصالح حزب ميلوني... يزداد التوتر بين الحلفاء، وتزداد معه شهيتهم للمعارضة من الداخل. وفعلاً، بدأت تظهر بوادر هذه المعارضة خلال الأيام الأخيرة بعدما ألمحت رئيسة الحكومة إلى عزمها على إعادة النظر في مشروع الدولة الفيدرالية «المفصّل على مقاس» الأقاليم الغنية، الذي كان قد طرحه حزب «الرابطة» ضمن البرنامج الحكومي.
إلى جانب كل ذلك، يبقى الامتحان الأكبر أمام حكومة ميلوني متمثلا في معالجة الوضع الاقتصادي المتردي منذ سنوات، والذي كانت وعودها الانتخابية بالخروج منه أحد الأسباب الرئيسية لفوزها. وهذا، فضلاً عن أدائها في استخدام الأرصدة الضخمة المخصصة لإيطاليا من صندوق الإنعاش الأوروبي، التي تشكّل فرصة تاريخية فريدة لإجراء الإصلاحات المنتظرة منذ عقود، والتي تتعثّر دائماً في مسالك السياسة الإيطالية المعقدة.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.