إيطاليا: قراءة في حصيلة الأيام الـ100 من حكم جيورجيا ميلوني

بين المتابعة الأوروبية لأدائها... ومشاغبات «حليفيها» برلوسكوني وسالفيني

ميلوني مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
ميلوني مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
TT

إيطاليا: قراءة في حصيلة الأيام الـ100 من حكم جيورجيا ميلوني

ميلوني مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
ميلوني مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

كثيرة وعميقة هي التطورات التي تعاقبت على المشهد السياسي الإيطالي خلال الأشهر الستة المنصرمة. تطورات حصلت منذ سقوط حكومة ماريو دراغي، والفوز الساحق لائتلاف الأحزاب اليمينية في الانتخابات العامة، بقيادة جيورجيا ميلوني، الزعيمة السابقة للشبيبة الموسولونية ومؤسسة الحزب الذي قام على ركام الحركة الفاشية، وزعيمته. بهذا الفوز وصل اليمين المتطرف إلى قيادة إحدى الدول الأعضاء الوازنة داخل الاتحاد الأوروبي... وتولت امرأة رئاسة الحكومة للمرة الأولى في تاريخ إيطاليا. كذلك، لأول مرة أيضاً في التاريخ الإيطالي الحديث تتمتع الحكومة بأغلبية مريحة في البرلمان، تسمح لها بالبقاء حتى نهاية الولاية الاشتراعية والخروج عن القاعدة التي تشاء ألا يتجاوز متوسط عمر الحكومات الإيطالية 400 يوم. هذا، اللهم إلا إذا قاومت الأحزاب ميولها التقليدية إلى الانتحار السياسي وهواية زعمائها في تدبير المؤامرات والمكائد. بعد مرور مائة يوم على تشكيل ميلوني الحكومة الائتلافية الحالية مع حليفيها «اللدودين» ماتّيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة» اليميني المتطرف، والملياردير سيلفيو برلوسكوني رئيس الوزراء الأسبق وزعيم «فورتسا إيطاليا»، يبدو أن التعقيدات المتوطنة في المشهد السياسي الإيطالي فرضت على ميلوني، ولو مؤقتاً، بعض الاعتدال في ميدان سياسي لا تطول فيه التحالفات كثيراً.

سالفيني (إ.ب.أ)

رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني، التي تعتبر أن بنيتو موسوليني كان زعيماً وطنياً ومن أنجح الزعماء السياسيين الذين أنجبتهم إيطاليا، تنبهّت إلى المصالح العميقة التي تربط بلادها بشركائها في الاتحاد الأوروبي، ومقتضيات تحالفاتها الدولية، خصوصاً، مع الولايات المتحدة. وهذا الواقع، فرض على حكومتها - على الأقل في المرحلة الراهنة - التخلّي عن معظم المبادئ اليمينية المتطرفة التي كانت ترفع لواءها عندما كانت في المعارضة. ليس هذا فقط، بل والسير أيضاً على خطى سلفها ماريو دراغي من أجل تهدئة الخواطر في المحيط الأوروبي الذي يشكّل المجال الحيوي الرئيسي بالنسبة للاقتصاد الإيطالي الرازح تحت أزمة ركود مزمنة منذ أكثر من عشر سنوات.
ما هو شبه مؤكد أن ميلوني أخذت على محمل الجد أيضاً تحذيرات المؤسسات الأوروبية من أنها تملك الوسائل والإجراءات اللازمة لردع البلدان الأعضاء في الاتحاد عن تجاوز المواثيق وانتهاك المبادئ المؤسسة المتوافق عليها للمشروع الأوروبي. والمعروف أنه منذ وصول ميلوني إلى الحكم في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قادت زعيمة حزب «إخوان إيطاليا» اليميني المتطرف حكومتها كما لو أن سلفها البراغماتي المعتدل - دراغي - هو الذي كان يمسك بالمقود. وبالفعل، أصبحت فجأة من أشدّ المدافعين عن العديد من السياسات الأوروبية التي كانت في مرمى سهامها طوال وجودها في المعارضة.

برلوسكوني (أ.ب)

إنجازات الـ100 يوم
ولكن بعد هذه الأشهر الثلاثة التي انقضت منذ وصول ميلوني إلى الحكم - الذي كان يبدو سراباً بعيداً منذ أقل من سنة - وبلوغها نهاية الخريطة التي كان قد رسمها دراغي على الطريق الأوروبية، تجد ميلوني نفسها الآن مضطرة لتحديد مسارها الخاص. والواقع أن هذا المسار ما زال إلى اليوم لغزاً بالنسبة للمراقبين، كما هو بالنسبة للحلفاء الذين تعرف جيداً أنهم يتربصون بها قبل الخصوم.
في أي حال، أبرز الإنجازات التي حققتها حكومة ميلوني خلال هذه الفترة كانت الموافقة السريعة على قانون الموازنة العامة، التي كانت الحكومات السابقة تتعثر طويلاً لتمريرها في البرلمان. وهنا نشير إلى أن حكومة دراغي هي التي كانت قد وضعت إطارها العام وخطوطها العريضة وفقاً للمعايير والشروط الأوروبية، في حين كانت أحزاب الائتلاف الحاكم حالياً تعترض عليها. وقد اضطرت ميلوني لسحب معظم التعديلات التي كانت أجرتها على مشروع الموازنة، بضغط من حلفائها وليس من المعارضة.
من ناحية ثانية، يعترف المسؤولون في المفوضية الأوروبية بأن جميع الخطوات التي أقدمت عليها رئيسة الحكومة الإيطالية حتى الآن، تندرج ضمن الخط الذي كان ينهجه سلفها حريصاً على التزام القواعد والمعايير الأوروبية المشتركة... لا بل إن بعضها لم يكن متوقعاً من حكومة درجت رئيستها على وضع المؤسسات الأوروبية في مرمى سهامها طوال سنوات، وتضمّ حزب «الرابطة». وهو الحزب الذي كان زعيمه سالفيني يدعو إلى الخروج من منطقة اليورو، وما زال لا يوفّر مناسبة من غير أن يطالب بإعادة النظر في الأسس التنظيمية للاتحاد الأوروبي وتغيير آليات اتخاذ القرار في مؤسساته. وبالتالي، لم يعد مستبعداً، في رأي البعض، أن تبادر حكومة ميلوني قريباً إلى الموافقة على اقتراح «آلية الاستقرار الأوروبية» التي كانت تعترض عليها بشدّة بحجة أنها تخدم مصالح بعض الدول، مثل ألمانيا وهولندا، على حساب دول أخرى تواجه صعوبات لاستيفاء الشروط والمعايير المالية؛ مثل إيطاليا.

دراغي (د.ب.أ)

الأزمة مع فرنسا
في المقابل، الأزمة الخارجية الوحيدة التي اصطدمت بها حكومة ميلوني خلال هذه الفترة، كانت مع فرنسا بسبب الخلاف على استقبال المهاجرين غير الشرعيين الذين تنقذهم سفن الإغاثة أمام السواحل الإيطالية. ولقد نشأت هذه الأزمة في الأساس من عثرة دبلوماسية ناجمة عن قلة خبرة ميلوني. إذ حاول حليفها في الحكومة، سالفيني، أن يستغلها للمزايدة في موضوع كان قد بنى عليه شعبيته في الماضي، الأمر الذي أدّى إلى ردة فعل قاسية من فرنسا تسببت في توتر شديد في العلاقات بين البلدين، ما زال يرخي بثقله عليها إلى اليوم.
في هذه الأثناء، استطاعت رئيسة الحكومة الإيطالية أن تحافظ على موقف رسمي متماسك من الحرب الأوكرانية بجانب الحلفاء الغربيين الداعمين لأوكرانيا. وجاء نجاحها على الرغم من المواقف المعروفة والمعلنة لحليفيها في الحكومة من تلك الحرب. إذ يعارض سالفيني وحزبه مواصلة إرسال إيطاليا المساعدات العسكرية إلى الأوكرانيين، في حين يدعو برلوسكوني إلى الحوار مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وإقناع الرئيس الأوكراني زيلينسكي بالتجاوب مع مطالب الرئيس الروسي. وللتذكير، كانت ميلوني قد أعلنت مؤخراً عن أنها ستقوم بزيارة إلى العاصمة الأوكرانية كييف قبل نهاية هذا الشهر بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لاندلاع الحرب. ومن المرجح إجراء هذه الزيارة برفقة رئيس وزراء بولندا ماتيوش ماروفييتسكي، وهو حليفها وشريكها في كتلة المحافظين اليمينيين التي ترأسها في البرلمان الأوروبي. ومن ثم، سيكون لقاؤها رئيس الوزراء البولندي الخطوة الوحيدة، حتى الآن، التي تقوم بها باتجاه مجموعة «فيسغراد»، التي تضمّ كلاً من سلوفاكيا والمجر وبولندا والجمهورية التشيكية، وتشكل جبهة المعارضة للخط العام داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي سياق موازٍ، حرصت ميلوني منذ بداية ولايتها على تحاشي الصدام، الذي كان يتوقعه كثيرون، ببروكسل (قيادة الاتحاد الأوروبي)، بما في ذلك حول ملف الهجرة. إذ اختارت موقفاً وسطيّاً يخرج عن سياسة الحكومة السابقة بمقدار لا يفتح باب المواجهة مع الشركاء الأوروبيين، لكنه يكفي لتطمين القاعدة الشعبية وقطع طريق المزايدة أمام حزب الرابطة، حليفها في الحكومة. وفي هذا الصدد، قررت الإحجام عن إقفال الموانئ الإيطالية في وجه طالبي اللجوء - كما كانت تطالب خلال الحملة الانتخابية - لكنها ألزمت منظمات الإغاثة إرسال سفنها إلى موانئ بعيدة عن المواقع التي تنقذ فيها المهاجرين. وهذه خطوة لا تخالف القواعد الأوروبية المراعاة، ولا قانون البحار الذي تنشط في إطاره هذه المنظمات، مع أنها تضفي صعوبة كبيرة على نشاط هذه المنظمات التي بدأ بعضها يرفض تنفيذها.

ضمور للدور الإيطالي!
مقابل ما سبق، يلاحظ أن الانفراج الذي خيّم على علاقات ميلوني الأوروبية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من ولايتها بفضل التطمينات التي وزعتها في كل الاتجاهات على شركائها في الاتحاد ومـؤسساته - والذي كانت تحتاج إليه كي تنصرف لبرنامجها الداخلي الحافل بالتغييرات – أخذ يتبدد في الأيام الأخيرة. وهو الآن ينذر بضمور طويل الأمد للدور الإيطالي على الساحة الأوروبية، بعدما كان ماريو دراغي قد نجح في إعادة إيطاليا إلى صدارة المشهد الأوروبي.
ولعلّ المقارنة الأكثر دلالة على التغيير السريع الذي طرأ على حضور إيطاليا ودورها في الخارج، هي بين الصورة التي جمعت في الصيف الماضي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس، إلى جانب رئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراغي في القطار الذي حمل الثلاثة إلى العاصمة الأوكرانية، وتلك التي ضمّت فولوديمير زيلينسكي إلى ماكرون وشولتس الأسبوع الماضي في قصر الإليزيه بباريس، هذه حملت رسالة واضحة من المحور الفرنسي الألماني مفادها أن إيطاليا «الجديدة» لم تعد شريكاً مميّزاً لهذا المحور كما كانت على عهد دراغي.
ثم إنه وفي اليوم التالي لذلك اللقاء، كان الاستياء بادياً بوضوح على وجه ميلوني خلال القمة الأوروبية التي استضافت الرئيس الأوكراني للمرة الأولى في بروكسل لتوجيه رسالة حول وحدة الصف الأوروبي في الدعم الذي يقدمه الاتحاد لبلاده. ولم تتردد رئيسة الحكومة الإيطالية عند نهاية تلك القمة في الإعراب عن استيائها من استبعادها من العشاء المقام على شرف الرئيس الأوكراني في قصر الإليزيه. وقالت «ما يهمّ فعلاً، الصورة التي تجمع قادة الدول الأعضاء بفولوديمير زيلينسكي، لأنها الرسالة الأقوى التي يمكن أن تصدر عن الاتحاد. واستباق هذا الحزم الأوروبي باجتماع موجّه للرأي العام الداخلي، من شأنه إضعاف الرأي العام الأوسع وتوجيه رسالة سياسية خاطئة».
في أي حال، الانطباع السائد في الحكومة الإيطالية، التي تدرك جيداً أن خطواتها الداخلية باقية تحت مجهر شركائها في الاتحاد، هو أن العلاقات الأوروبية باتت وسيلة لمعاقبة ميلوني أمام الرأي العام الإيطالي، على غرار ما حصل في مراحل سابقة من التاريخ الحديث. ويقارن المراقبون بين ما حصل مؤخراً خلال القمة الأوروبية في بروكسل، وما شهدته قمة أخرى في عام 2011 من التهكم الساخر الذي دار بين المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي حول رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق برلوسكوني قبل أن يجبر على الاستقالة... عندما كان مسدس الأزمة المالية موجهاً إلى صدغه.
ومرة أخرى، تقف إيطاليا أمام معضلتها الأساسية داخل الاتحاد الأوروبي، وهي أنها رغم كونها القوة الاقتصادية الثالثة في الاتحاد، وكونها عضواً في «مجموعة الدول الصناعية السبع»، فما زالت تتأرجح في معادلة التوازنات الأوروبية بين كتلة الدول المؤثرة في القرارات الكبرى وتلك التي تبحث دائماً عن تحالفات ظرفية للدفاع عن مصالحها.
وبالفعل، بعدما كان دراغي قد نجح، بفضل مكانته الوازنة على الصعيد الأوروبي، في الحصول على «مقعد دائم» لإيطاليا في النادي الألماني الفرنسي، تبيّن أن ذلك لم يكن سوى سراب مؤقت تبخّر بعد سقوطه. وهذا ما أكده إيمانويل ماكرون في ردّه غير المباشر على ميلوني، عندما قال «ألمانيا وفرنسا تلعبان دوراً خاصاً منذ ثماني سنوات في هذه القضية. وهما اللتان تقودان هذه العملية، فضلاً عن أنه يعود للرئيس الأوكراني أن يختار الصيغة التي يريد». ولا شك في أن الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني، وأيضاً الرئيس الأوكراني، يدركون جيداً أنه رغم أن الموقف الرسمي المعلن للحكومة الإيطالية - الذي كررته رئيستها عدة مرات - هو تبنّي الموقف الأوروبي - الأطلسي الداعم لأوكرانيا في مواجهة الاجتياح الروسي، فإن حليفيها برلوسكوني وسالفيني تربطهما علاقة قديمة ببوتين، وهذان يعارضان مواصلة تزويد أوكرانيا بالأسلحة... حتى إن الأول لم يتردد أكثر من مرة في انتقاد الرئيس الأوكراني وتحميله مسؤولية اندلاع الحرب، داعياً إلى الإصغاء لمطالب بوتين.
ومن ثم، عندما حاولت ميلوني التأكيد على موقفها من ذلك اللقاء الثلاثي في قصر الإليزيه بقولها إنها لو دعيت إلى ذلك العشاء لكانت نصحت بألا يقام عشية القمة الأوروبية مع زيلينسكي، فإنها كشفت عن السبب الحقيقي وراء خلافها مع المحور الألماني الفرنسي. إذ إنها قالت «يخطئ من يعتقد أن هناك أعضاء من الدرجة الأولى وأعضاء من الدرجة الثانية في الاتحاد الأوروبي، وعليه أن يتذكر حادثة (التيتانيك)، لأنه عندما تغرق السفينة فلا فرق بين المسافر في الدرجة الأولى والمسافر في الدرجة الثانية».
الواضح إذن، أن تصاعد التوتر بين جيورجيا ميلوني وحلفاء إيطاليا في الاتحاد يهدد بالقضاء - بشكل نهائي - على المحاولات التي بذلتها منذ وصولها إلى الحكم لإضفاء صورة الاعتدال على علاقاتها الدولية. لا بل إنه من المؤكد أن هذا التصعيد الأخير مع الرئيس الفرنسي سيدفعها أكثر باتجاه حلفائها الآيديولوجيين التقليديين في الاتحاد، مثل بولندا أو المجر والجمهورية التشيكية، التي اجتمعت برؤساء حكوماتها في خلوة طويلة بعد صدامها بماكرون.

خيارات اليمين الإيطالي المتطرف... ومحاولات معارضيه
> ما يزيد من احتمالات تشدد موقف جيورجيا ميلوني في مواجهتها المفتوحة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، واندفاعها أكثر نحو حلفائها التقليديين في المعسكر اليميني الأوروبي، نتائج الانتخابات الإقليمية التي أجريت مطلع هذا الأسبوع. في هذه الانتخابات، حصدت رئيسة الحكومة اليمينية الإيطالية انتصاراً تاريخياً رسّخ زعامتها للتحالف اليميني، وعزز موقع حزبها في صدارة المشهد السياسي الإيطالي، ومن ثم، حظوظ حكومتها في البقاء حتى نهاية الولاية الاشتراعية. هذا، ومن شبه المؤكد أن ميلوني لن تفوّت فرصة هذا الانتصار لتصفية حساباتها مع حلفائها في الحكومة وفرض طوق عليهم يقيها من الشطحات التي تضع الحواجز على مسار علاقاتها الخارجية، كتلك التي صدرت مؤخراً عن سيلفيو برلوسكوني بشأن الحرب في أوكرانيا.
بيد أن المتنفّس الرئيسي لحكومة ميلوني يبقى رصيدها الكبير في البرلمان، وحالة الغيبوبة التي تطغى على المعارضة. وهنا في المعارضة، تحاول القوى والأحزاب اليسارية والتقدمية - كعادتها منذ عقود - إعادة تأسيس تشكيلاتها التي نادراً ما تدوم من ولاية اشتراعية لأخرى، وأخذت تظهر بوادر قيام حزب وسطي حول رئيس الوزراء وزعيم الحزب الديمقراطي الأسبق ماتيو رينزي وبعض المنشقين عن برلوسكوني وحركة «النجوم الخمسة». لكن هذا الاطمئنان الذي يؤمنه ضعف المعارضة وتشرذمها، يقابله حذر شديد من المفاجآت والمكائد على الجبهة الداخلية للائتلاف الحاكم. ذلك أنه بقدر ما تتراجع شعبية الحليفين لصالح حزب ميلوني... يزداد التوتر بين الحلفاء، وتزداد معه شهيتهم للمعارضة من الداخل. وفعلاً، بدأت تظهر بوادر هذه المعارضة خلال الأيام الأخيرة بعدما ألمحت رئيسة الحكومة إلى عزمها على إعادة النظر في مشروع الدولة الفيدرالية «المفصّل على مقاس» الأقاليم الغنية، الذي كان قد طرحه حزب «الرابطة» ضمن البرنامج الحكومي.
إلى جانب كل ذلك، يبقى الامتحان الأكبر أمام حكومة ميلوني متمثلا في معالجة الوضع الاقتصادي المتردي منذ سنوات، والذي كانت وعودها الانتخابية بالخروج منه أحد الأسباب الرئيسية لفوزها. وهذا، فضلاً عن أدائها في استخدام الأرصدة الضخمة المخصصة لإيطاليا من صندوق الإنعاش الأوروبي، التي تشكّل فرصة تاريخية فريدة لإجراء الإصلاحات المنتظرة منذ عقود، والتي تتعثّر دائماً في مسالك السياسة الإيطالية المعقدة.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».