أزمات الطاقة تفتح أبواب استكشافات الغاز في المنطقة العربية

محللون لـ«الشرق الأوسط»: الطلب سيتفاقم في 2023 والأسعار مرشحة للارتفاع

استمرار استكشافات الغاز خارج القارة الأوروبية وفي الصورة عامل يربط أنبوب نقل غاز بين بلغاريا وصربيا (إ.ب.أ)
استمرار استكشافات الغاز خارج القارة الأوروبية وفي الصورة عامل يربط أنبوب نقل غاز بين بلغاريا وصربيا (إ.ب.أ)
TT

أزمات الطاقة تفتح أبواب استكشافات الغاز في المنطقة العربية

استمرار استكشافات الغاز خارج القارة الأوروبية وفي الصورة عامل يربط أنبوب نقل غاز بين بلغاريا وصربيا (إ.ب.أ)
استمرار استكشافات الغاز خارج القارة الأوروبية وفي الصورة عامل يربط أنبوب نقل غاز بين بلغاريا وصربيا (إ.ب.أ)

دفع النقص العالمي في إمدادات الطاقة، لا سيما في الغاز الطبيعي نتيجة الأزمات الجيوسياسية، وتحديداً الحرب الروسية في أوكرانيا، عدداً من الدول العربية وبلدان المنطقة، إلى فتح الأبواب أمام استكشاف الغاز تحت أراضيها، من أجل الاستفادة من الطلب المرتفع في الوقت الراهن على الغاز، وحاجة دول أوروبا الغربية بالذات إلى أسواق جديدة لتغطية احتياجاتها من الطاقة بدلاً من اعتمادها على الطاقة الروسية، مع تصاعد ضغوطات محاصرة روسيا بسقوف سعرية.
وبرز في عام 2022 مع حالة الصراع الروسي الأوكراني، توجه الدول الأوروبية للبحث عن بديل للغاز الروسي، حتى لو بأسعار مرتفعة، متزامناً مع تخفيف الصين للقيود الصارمة التي فرضتها لمكافحة جائحة «كوفيد - 19». وقلة المعروض العالمي، حيث ساهمت تلك الأزمات مجتمعة، في ارتفاع الطلب العالمي على الغاز الطبيعي.
وتتنبأ التوقعات والمؤشرات الاقتصادية بارتفاع الطلب على الغاز الطبيعي خلال 2023 مقارنة بمستويات عام 2022، في وقت سرعت عدة دول عربية وشرق أوسطية من جهودها في استكشاف الطاقة والغاز تحت أراضيها، حيث تكللت جهودها في استكشاف عدد من الحقول الغنية بإمدادات الطاقة، قد تغير من بوصلة تصدير وإنتاج الغاز خلال العقد القادم، وتستعرض «الشرق الأوسط» جزءاً من تلك الاستكشافات وأهميتها لمواكبة الطلب العالمي المتزايد على الغاز عالمياً.
- 7 حقول جديدة
ونجحت السعودية خلال 2022 في استكشاف 7 حقول جديدة للغاز الطبيعي على أراضيها، كان آخرها اكتشاف حقلين في المنطقة الشرقية هما «أوتاد» و«الدهناء» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لينضما إلى 5 حقول جديدة تم اكتشافها في العام نفسه، توزعت بين المنطقة الوسطى ومنطقة الربع الخالي ومنطقة الحدود الشمالية والمنطقة الشرقية. كما دشنت السعودية في 2021 أعمال تطوير حقل الجافورة للغاز غير التقليدي (شرق السعودية)، أحد أكبر حقول الغاز على المستوى الدولي، بهدف إنتاج يقدر بملياري قدم مكعبة يومياً من الغاز بحلول 2030. لتصبح البلاد ثالث أكبر منتج عالمي للغاز الطبيعي بنهاية العقد الحالي.
- توسع الاستكشافات
من جانبه، أكد وزير البترول المصري المهندس طارق الملا، في تصريحات إعلامية خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، توجهات الدولة المصرية نحو تعظيم البحث والتنقيب عن الغاز الطبيعي والتوسع فيه، مشيراً إلى خطة التوسع في أنشطة البحث والاستكشاف، التي شملت حتى ديسمبر (كانون الأول) الماضي، طرح 10 مزايدات بإجمالي 105 قطاعات، وتوقيع 108 اتفاقيات بترولية شملت الالتزام بحفر 409 آبار، والتزام باستثمارات بحد أدنى 22 مليار دولار، ومنح توقيع بنحو 1.3. مليار دولار.
يأتي ذلك، فضلاً عن ترسية مناطق بحث واستكشاف بالمنطقة الغربية للبحر المتوسط لأول مرة، وكذلك بالبحر الأحمر لأول مرة، ودخول كبرى الشركات العالمية مثل «إكسون موبيل» و«شيفرون».
وفي آخر اكتشافاتها لحقول الغاز، أعلنت مصر، أخيراً، عن كشف غازي جديد في المنطقة البحرية بالمتوسط، في البئر «نرجس1»، حيث أوضحت شركة الحفر الأميركية «شيفرون» أن تقديراتها للبئر تتراوح بين 3 تريليونات و4 تريليونات قدم مكعب من الغاز.
وحققت مصر رقماً قياسياً في صادرات الغاز الطبيعي، لتصل إلى 8 ملايين طن في عام 2022، مقابل 7 ملايين طن خلال عام 2021. وذلك من 50.6 مليون طن إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي خلال عام 2022.
وبلغت قيمة ما تم تصديره من الغاز الطبيعي خلال العام الماضي، نحو 4.‏8 مليار دولار، بالمقارنة بـنحو 5.‏3 مليار دولار خلال عام 2021 أي بنسبة زيادة 171 في المائة عن 2021، وذلك بسبب زيادة أسعار تصدير الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
وشهد مطلع فبراير (شباط) الحالي موافقة مجلس الوزراء المصري على 13 مشروعاً لاتفاقيات التزامات نفطية للهيئة المصرية العامة للبترول، والشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية، وعدد من الشركات العالمية، وذلك تمهيداً لاستكمال الإجراءات التشريعية لاستصدار القوانين المقترحة الخاصة بها، ومن ثم بدء التنقيب عن النفط والغاز.
- ارتفاع الإنتاج
وعلى ضفاف الخليج وبحر العرب، ارتفع إنتاج عمان من الغاز الطبيعي خلال النصف الأول من 2022 إلى 24.84 مليار متر مكعب، محققة نسبة نمو بلغت 4.4 في المائة، مقارنة بالمدة نفسها من 2021.
ووفقاً لبيانات وزارة الطاقة العمانية، صعد إنتاج البلاد من الغاز المصاحب خلال المدة سالفة الذكر إلى 4.88 مليار متر مكعب، كما ارتفع إنتاج الغاز غير المصاحب إلى 19.96 مليار متر مكعب، بزيادة سنوية 8 في المائة و4 في المائة على الترتيب، كما بلغت كمية استهلاك الغاز في عمان خلال الستة أشهر الأولى من 2022 نحو 142.4 مليون متر مكعب يومياً.
وفي آخر اكتشافاتها من حقول الغاز، أعلنت شركة «شل عُمان» لحلول الغاز المتكاملة التابعة لشركة شل العالمية، يوم الأربعاء الماضي، بدء إنتاج الغاز من حقل «مبروك»، متوقعة أن يصل حجم إنتاج الحقل إلى 500 مليون قدم مكعبة يوميَّاً من الغاز الطبيعي بحلول منتصف عام 2024.
- 40 ملياراً للتنقيب
وفي شمال أفريقيا، رصدت الجزائر ميزانية ضخمة تقارب 40 مليار دولار، لزيادة حجم الإنتاج والتنقيب والبحث عن البترول والغاز، خلال الفترة من 2022 إلى 2026. وفق بيانات وزارة الطاقة الجزائرية، مبينة أنها حققت «رقماً قياسياً» في عام 2022 في صادرات الغاز الطبيعي بعد ارتفاع الصادرات بنحو 56 مليار متر مكعب.
وأشارت الوزارة إلى أن خطتها الاستراتيجية تستهدف زيادة الإنتاج لتأمين الطلب المحلي المتنامي وزيادة الصادرات، كما أنها تخطط لبرنامج استثماري طموح للغاية في مجال المحروقات يقدر بأكثر من 40 مليار دولار، سواء في الاستكشاف أو الإنتاج أو البنية التحتية للنقل، لافتة إلى أن استثماراتها في قطاع النفط والغاز، ستسمح بالحفاظ على مستوى إنتاج الغاز الطبيعي لأكثر من 110 مليارات متر مكعب سنوياً؛ منها أكثر من 50 في المائة ستوَجه للتصدير.
- موريتانيا للتنقيب
وحتى دولة موريتانيا، انطلقت في الاتجاه ذاته، للتنقيب مع مقدرات البلاد من الغاز، إذ منحت مؤخراً شركة «توتال إنيرجي» حقوق التنقيب عن النفط والغاز بالحوض الساحلي، ضمن استراتيجيتها لتطوير مواردها الهيدروكربونية.
وقالت وزارة البترول والمعادن والطاقة إن مجلس الوزراء وافق، على مشروع قانون يقضي بالمصادقة على الاستكشاف والإنتاج المتعلق بالمربع سي 15 من الحوض الساحلي.
- غاز غير عربي
وبعيداً عن أرض العرب، لكن في المنطقة، أعلنت تركيا ديسمبر (كانون الأول) الماضي استكشافات جديدة لحقول من الغاز الطبيعي في البحر الأسود، ووصل الحجم الإجمالي للغاز الطبيعي المكتشف إلى 710 مليارات متر مكعب بعد العثور على حقل جديد بحجم 58 مليار متر مكعب في حقل شايجوما - 1، بالإضافة إلى الاكتشاف السابق في حقل صقاريا والمقدر بـ652 مليار متر مكعب. ووفق بيانات وزارة الطاقة التركية، رفعت الاكتشافات الجديدة احتياطات البلاد في البحر الأسود بمقدار 170 مليار متر مكعب إلى 710 مليارات متر مكعب، مشيرة إلى أنها على مسار بدء الإنتاج من حقل صقاريا في 2023.
وفي شرق آسيا، دخلت إندونيسيا على الخط، في سعيها لتسجيل اكتشافات جديدة في استخراج النفط والغاز من تحت أراضيها، وأعلنت مؤخراً هدفها للاستثمار في أعمال التنقيب واستخراج النفط والغاز بقيمة 15.5 مليار دولار العام الحالي 2023. مقارنة بـ12.3 مليار دولار في 2022. وفق ما قالته الجهة المنظمة لخدمات النفط والغاز في البلاد، والمعروفة باسم «إس كيه كيه ميجاس»، في بيان لها.
- العالم يحتاج المزيد
من جهته، قال مستشار الطاقة الدولي الدكتور محمد الصبان، إن العالم بحاجة إلى مزيد من إمدادات الغاز في ظل الأزمة العالمية للطاقة، مبيناً أن هذه الأزمة ستتفاقم في الفترة المقبلة، نتيجة للتحيز العالمي ضد النفط بحجة مساهمته في زيادة درجة حرارة الغلاف الجوي وفرض ضرائب على المنتجات النفطية باسم الضرائب الكربونية مقابل إعفاء الفحم من تلك الضرائب، وهو أشد تلويثاً للبيئة، وكذلك نقص الاستثمارات في الوقود الأحفوري.
وأضاف الدكتور الصبان، أن أسعار الغاز والطلب العالمي مرشحة أن تأخذ منحنى مرتفعاً خلال الفترة المقبلة، مهما حاولت الدول المنتجة، رفع طاقتها الإنتاجية من الغاز، لافتاً إلى أن حاجة الدول الأوروبية بالذات من الغاز أعلى من الطاقة الإنتاجية للدول المنتجة الحالية، ولن تكفيها خصوصاً في ظل الشتاء القارس، الذي تمر به دول الاتحاد الأوروبي، واصفاً القرار الأوروبي بحظر الغاز الروسي، بأنه خطأ اقتصادي وسيؤثر سلباً على دول الاتحاد الأوروبي، ولن تستطيع الحصول على حاجتها والكميات الكافية من الغاز والطاقة.
- أسواق بديلة
وتابع الصبان، أنه في ظل بحث الدول الأوروبية عن أسواق بديله للغاز والطاقة، إلا أنها لن تصل للاكتفاء، بسبب تزايد الطلب على الطاقة، ورفع القيود المتعلقة بـ«كوفيد - 19» في الصين، وعودة عجلة الاقتصاد الصيني مرة أخرى للانتعاش، وكذلك ارتفاع النمو الاقتصادي في الهند وعدد من الدول الأخرى، لافتاً إلى أن محدودية الاستكشافات الحالية ومحدودية المعروض العالمي سيؤدي إلى وجود نقص حقيقي في إمدادات كل من الغاز والنفط وارتفاع أسعارهما عالمياً خلال العام الحالي.
وأرّجع الصبان، توجه عدد من الدول نحو استكشاف المزيد من الغاز تحت أراضيها، إلى تزايد الطلب على الغاز في الفترة المقبلة، لكونه أقل انبعاثاً لغازات الاحتباس الحراري، مقارنة بالفحم في توليد الكهرباء، وكذلك تزايد الطلب عليه بشكل كبير، في كل دول العالم بما فيها الدول الأوروبية والأميركية والصين والهند. مشيراً إلى أن زيادة عدد الاستكشافات في السعودية عبر حقول الجافورة، ومدين، وضبا، وغيرها، تُعد عوامل مبشرة بالنسبة لتحول السعودية إلى مصدر للغاز، وتحولها من سد حاجتها على اللقيم الأساسي للبتروكيماويات إلى مصدر مستقبلي للغاز مثل قطر والجزائر وغيرها.
- تعبئة المخزون
من جانبه، يرى خبير اقتصاديات الطاقة الدكتور فهد بن جمعة، أن الطلب على الغاز سيرتفع في النصف الثاني من العام الحالي 2023 مع إعادة تعبئة المخزونات، مشيراً إلى أنه سوف تنخفض كميات الغاز خلال هذا الشتاء، مما سيدعم ارتفاع أسعاره في الأسواق العالمية.
وعدّ ابن جمعة، الأزمة الروسية الأوكرانية بأنها أكبر مسببات ارتفاع الطلب على الغاز وارتفاع الأسعار، مضيفاً أنها تسببت في حظر نفط أكبر مورد للغاز إلى أوروبا وبأقل التكاليف، لافتاً إلى أن توجه الدول الأوروبية إلى موردين آخرين، فرصة ثمينة للدول المنتجة، وسيعزز من مكانة دول مثل السعودية، وقطر، وعمان، والعراق، والجزائر، وغيرها في التوسع من إنتاج الغاز وتوجيهه إلى أوروبا.
ووصف ابن جمعة، الحظر الأوروبي على الغاز الروسي ومحاولتها عدم الاعتماد على مورد واحد، بأنه فرصة كبيرة للدول المنتجة للغاز، بأن تزيد استثماراتها وطاقاتها الإنتاجية لتزويد هذه الدول بالمزيد من الغاز، مما سيعظم عوائدها الاستثمارية عند أسعار مرتفعة.


مقالات ذات صلة

هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

خاص مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)

هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

يعكس هدوء الأسعار في القطاع السكني بالسوق العقارية السعودية تحوّلاً لافتاً نحو مرحلة أكثر توازناً واستدامة، بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد إحدى طائرات «طيران الرياض» تحلّق في سماء العاصمة السعودية (الشركة)

«طيران الرياض» يضم 3 وجهات جديدة إلى شبكة رحلاته

أعلن «طيران الرياض» عن إضافة ثلاث وجهات جديدة إلى شبكة رحلاته، تشمل مدينة جدة، ومدينة مدريد الإسبانية ومدينة مانشستر في المملكة المتحدة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير الاقتصاد السعودي مع رئيس «بلاك روك» (وزارة الاقتصاد)

وزير الاقتصاد السعودي يبحث فرص الاستثمار مع رئيس «بلاك روك»

عقد وزير الاقتصاد السعودي، فيصل الإبراهيم، اجتماعاً مع الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، لاري فينك، لبحث فرص الاستثمار في المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

تراجع القطاع السكني يُهبط بأسعار العقار في السعودية في الربع الأول

تراجع الرقم القياسي لأسعار العقارات في السعودية بنسبة 1.6 في المائة خلال الربع الأول من هذا العام.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (صندوق النقد الدولي)

محافظ «المركزي السعودي»: نموذجنا الوطني حصّن الاقتصاد ضد الصدمات

قال محافظ البنك المركزي السعودي (ساما)، أيمن السياري، إن الاقتصاد السعودي بات اليوم نموذجاً للمرونة والقدرة على مواجهة الأزمات من موقع قوة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)
مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)
TT

هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)
مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)

يعكس هدوء الأسعار في القطاع السكني بالسوق العقارية السعودية تحوّلاً لافتاً نحو مرحلة أكثر توازناً واستدامة، بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة، وذلك بعد أن كشفت أحدث البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء عن تراجع في الرقم القياسي لأسعار العقارات بنسبة 1.6 في المائة خلال الربع الأول من عام 2026، وذلك مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، نتيجةً لانخفاض القطاع السكني. فالتراجع المسجّل خلال الربع الأول من عام 2026، جاء كمؤشر على إعادة تصحيح طبيعية للأسعار، تسهم في تعزيز كفاءة السوق ومواءمتها مع مستويات الطلب الفعلي.

وفي الوقت الذي يقود فيه القطاع السكني هذا التحول، تواصل القطاعات الأخرى إظهار قدر من التماسك، ما يعزز من صورة سوق عقارية أكثر نضجاً وقدرة على الاستقرار في مواجهة المتغيرات الاقتصادية. ويؤكد مختصون في حديثهم إلى «الشرق الأوسط»، أهمية هذا التراجع في رفع نسبة تملك المسكن الأول للمواطن، مع إتاحة العقارات بأسعار متوازنة في السوق المحلية، موضحين أن العرض يستمر في الارتفاع أمام الطلب، متوقعين في الوقت ذاته أن تشهد المنظومة تراجعاً خلال الفترة المقبلة.

تأثيرات قرارات ولي العهد

وأوضح المختص في الشأن العقاري رئيس «مجموعة أماكن الدولية» خالد الجاسر، لـ«الشرق الأوسط»، أن قرارات ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان كان لها تأثير مباشر وغير مباشر على القطاع، وأسهمت في هذا الانخفاض، ما يعكس مرحلة تصحيح وتنظيم.

وكشف عن أبرز تأثيرات قرارات ولي العهد في ضبط أسعار الأراضي البيضاء والحد من الاحتكار، ورفع كفاءة السوق وتقليل المضاربات، والتوجيه نحو التملك الحقيقي بدلاً من الاستثمار العشوائي، بالإضافة إلى تشديد بعض السياسات التمويلية للحد من التضخم العقاري، وأشار إلى أهمية مشاريع الإسكان الحكومية والخاصة، التي أسهمت في رفع عدد الوحدات المتاحة، وفرض رسوم الأراضي البيضاء، ما أسهم في تقليل تخزينها دون تطوير، إلى جانب زيادة تكلفة التمويل العقاري، ما يقلل من الطلب. وبيّن الجاسر أن التوجه الحكومي في الانخفاض كان «مقصوداً جزئياً» لدعم المواطن، ومن أهم تلك المحفزات: برامج مثل «سكني» التي تقدم دعماً مباشراً، وتسهيلات التمويل المدعوم من الدولة، وزيادة الخيارات بأسعار تنافسية، وأيضاً ضبط السوق لمنع تضخم الأسعار غير المبرر.

نمو متوازن

ويرى أن الأسعار أصبحت أقرب للقيمة الحقيقية، وأقساط أقل نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة، وأن هناك فرصاً أكبر لامتلاك أول مسكن مع تقليل المخاطر المالية طويلة المدى.

وتوقع رئيس «مجموعة أماكن الدولية» أن تميل الأسعار إلى الاستقرار في الفترة المقبلة مع نمو متوازن وليس ارتفاعات حادة، وكذلك استمرار المشاريع الكبرى (مثل مشروع نيوم وغيره)، ما يدعم الطلب، وأن السوق ستتجه نحو الجودة بدل الكمية. وأكد الجاسر أن هذا الانخفاض في المؤشر العقاري سينعكس على معدل التضخم في السعودية.

الحد من ارتفاع الأسعار

من جهته، قال الرئيس التنفيذي لشركة منصات العقارية خالد المبيض، لـ«الشرق الأوسط»، أن انخفاض الرقم القياسي لأسعار العقارات بنسبة 1.6 في المائة خلال الربع الأول من العام الحالي يعد إشارة إلى دخول السوق مرحلة أكثر توازناً، خصوصاً في القطاع السكني الذي قاد التراجع بنسبة 3.6 في المائة. وواصل المبيض أن هذه المؤشرات لا تعني ضعفاً عاماً في السوق، بقدر ما تعكس إعادة تموضع للأسعار بعد موجات ارتفاع سابقة، بينما يظل القطاع التجاري والزراعي في مسار مختلف وأكثر تماسكاً.

الأراضي السكنية

وشهد القطاع السكني انخفاضاً سنوياً بنسبة 3.6 في المائة في الربع الأول. وتعود أسباب هذا التراجع إلى انخفاض أسعار مكونات رئيسية في هذه المنظومة، وهي:

- الأراضي السكنية: سجَّلت انخفاضاً بنسبة 3.9 في المائة.

- الفلل: شهدت التراجع الأكبر في هذا القطاع بنسبة 6.1 في المائة.

- الشقق: انخفضت أسعارها بنسبة 1.1 في المائة.

الأدوار السكنية: خالفت الاتجاه العام للقطاع وسجَّلت ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.6 في المائة.

العقارات التجارية والزراعية

في المقابل، أظهرت العقارات التجارية والزراعية صموداً ونمواً خلال الفترة نفسها. وسجَّل القطاع التجاري ارتفاعاً إيجابياً بنسبة 3.4 في المائة، مدعوماً بارتفاع أسعار قطع الأراضي التجارية 3.6 في المائة، والعمائر 2.6 في المائة، في حين تراجعت أسعار المعارض والمحلات 3.5 في المائة. أما القطاع الزراعي، فحافظ على وتيرة نمو قوية بلغت 11.8 في المائة، متأثراً بشكل مباشر بارتفاع أسعار الأراضي الزراعية بنفس النسبة.

المناطق الإدارية

أظهرت المناطق الإدارية تبايناً كبيراً في مستويات الأسعار، حيث حقَّقت المنطقة الشرقية أعلى ارتفاع في الأسعار بنسبة 6.9 في المائة، تلتها نجران 3.5 في المائة، ثم تبوك وعسير.

وبالنسبة إلى المناطق المنخفضة، سجَّلت الباحة أكبر تراجع بنسبة 9.2 في المائة، تلتها حائل 8.0 في المائة، والحدود الشمالية 6.6 في المائة. وفي المدن الكبرى، سجلت منطقة الرياض انخفاضاً بنسبة 4.4 في المائة، بينما كان التراجع في مكة المكرمة طفيفاً بنسبة 0.7 في المائة. وعلى أساس ربع سنوي مقارنة بالربع الرابع من عام 2025، سجَّل المؤشر العام انخفاضاً طفيفاً بنسبة 0.2 في المائة.


مع تشديد الحظر... الصين تُقلّص صادرات الوقود دون حظرها

ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)
ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)
TT

مع تشديد الحظر... الصين تُقلّص صادرات الوقود دون حظرها

ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)
ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)

تُقلّص الصين صادرات الوقود المكرر بدلاً من حظرها، حيث تستقبل دول من بينها ماليزيا وأستراليا، الإمدادات حتى بعد أن مددت بكين القيود المفروضة الشهر الماضي إلى أبريل (نيسان)، وذلك وفقاً لبيانات الشحن والتجار.

كان خفض الصادرات في أبريل أعمق مما كان عليه في مارس (آذار)، وفقاً لشركة «فورتيكسا» المتخصصة في تتبع ناقلات النفط، حيث بلغ إجمالي شحنات الديزل ووقود الطائرات والبنزين إلى وجهات أخرى غير هونغ كونغ 320 ألف طن متري في الأسبوعين الأولين من هذا الشهر؛ أي سدس مستويات العام الماضي فقط.

ولطالما فرضت الصين، رابع أكبر مُصدّر للوقود النظيف في آسيا، قيوداً على صادراتها من الوقود عبر نظام الحصص. وجاءت هذه القيود عقب اندلاع الحرب مع إيران، في وقتٍ خفّضت فيه مصافي التكرير في آسيا والشرق الأوسط إنتاجها بسبب صعوبة تأمين النفط الخام، مما زاد من شحّ الإمدادات في أسواق الوقود.

ووفقاً لبيانات شركة «فورتيكسا»، شملت شحنات الصين في أبريل 234 ألف طن مُجمّعة إلى فيتنام وإندونيسيا وماليزيا وأستراليا والفلبين، بالإضافة إلى 82 ألف طن إلى جنوب آسيا عبر سنغافورة.

في الوقت نفسه، حافظت مصافي التكرير على مستويات شحن عالية إلى هونغ كونغ، مستفيدةً من هوامش الربح التي ارتفعت نتيجة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وفقاً لتجار وبيانات الشحن.

وفي منتصف مارس، أصدرت بكين قراراً بحظر صادرات الوقود لإعطاء الأولوية لإمداداتها المحلية، حسبما أفادت به مصادر في ذلك الوقت. وتستثني القيود، التي لم تعلنها الصين رسمياً، هونغ كونغ وماكاو، بالإضافة إلى تزويد الطائرات بالوقود للرحلات الدولية وبيع وقود السفن للشاحنين في الرحلات الدولية.

صادرات مارس

وأفادت مصادر بأن الصين مدَّدت قيودها إلى أبريل لتعويض خفض الإنتاج في مصافي التكرير المملوكة للدولة بشكل رئيسي، مع استثناءات لكميات صغيرة للمشترين الإقليميين الذين طلبوا المساعدة لتخفيف نقص الوقود. وبينما سارعت مصافي التكرير في شحن بعض البضائع قبل صدور أمر مارس، تخضع صادرات أبريل لتدقيق أشد، وفقاً لتجار ومحللين.

وقال مدير تجارة الوقود في شركة مملوكة للدولة لوكالة «رويترز»، رافضاً الكشف عن اسمه نظراً لحساسية الموضوع، إن بكين ستتولى «ترتيب جميع الشحنات» في أبريل باستثناء تلك المتجهة إلى هونغ كونغ، مما سيؤدي إلى انخفاض حاد في الصادرات مقارنةً بشهر مارس.

وفي مارس، بلغت صادرات أنواع الوقود الثلاثة إلى أسواق تشمل سنغافورة وماليزيا والفلبين وأستراليا وفيتنام وبنغلاديش 436 ألف برميل يومياً، بانخفاض قدره 20 في المائة عن 551 ألف برميل يومياً في فبراير (شباط)، وفقاً لشركة «فورتيكسا».

وأظهرت بيانات شركة «كيبلر» انخفاض الصادرات من خارج هونغ كونغ بمقدار الثلث لتصل إلى 250 ألف برميل يومياً في مارس، مقارنةً بـ375 ألف برميل يومياً في فبراير. ولا تتطابق بيانات جهات التتبع دائماً بسبب اختلافات محتملة في التصنيف.

وقال المحلل زمير يوسف، من شركة «كيبلر»: «ظلت التدفقات إلى ماليزيا وفيتنام قريبة من مستويات ما قبل الحظر، مما يشير إلى أن بكين تتخذ قرارات تخصيص مدروسة بدلاً من فرض قيود شاملة». ويتسق هذا مع استعداد وزارة الخارجية المعلن للتعاون مع دول جنوب شرق آسيا المجاورة في مجال أمن الطاقة.

وأظهرت حساباتٌ مبنيةٌ على بياناتٍ جمركيةٍ نُشرت يوم السبت، أن صادرات شهر مارس من الديزل والبنزين ووقود الطائرات مجتمعةً -بما في ذلك إلى هونغ كونغ- كانت ثابتةً مقارنةً بشهر فبراير، لكنها انخفضت بنسبة الربع عن العام السابق لتصل إلى 2.58 مليون طن، حيث تراجع البنزين بنسبة 68 في المائة خلال الشهر، وانخفض وقود الطائرات بنسبة 13.1 في المائة. بينما حافظ الديزل على استقراره. وتشمل الأرقام الجمركية شحنات البضائع والمبيعات من المستودعات الجمركية لتزويد الطائرات بالوقود وتزويد السفن بالوقود.

تدفقات هونغ كونغ مستقرة

وأظهرت بياناتٌ من مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية وشركة «فورتيكسا» أن الشحنات الصينية من كيروسين الطائرات والديزل إلى هونغ كونغ لم تشهد تغييراً يُذكر، حيث بلغت 166 ألف برميل يومياً في مارس.

وقال تجارٌ إن مصافي التكرير التي حافظت على تدفقات هونغ كونغ مرتفعةً، حققت هوامش ربحٍ تصديريةً قوية.

واستقرت هوامش معالجة الديزل ووقود الطائرات في آسيا عند مستويات تزيد على ضعف وثلاثة أضعاف مستويات ما قبل النزاع، حيث بلغت نحو 45 دولار و56.50 دولار للبرميل على التوالي، في 20 أبريل، بعد أن سجلت مستويات قياسية في نهاية مارس.


إدارة ترمب تعيد 127 ملياراً من الرسوم الجمركية غير المشروعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

إدارة ترمب تعيد 127 ملياراً من الرسوم الجمركية غير المشروعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

فتحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، بوابة إلكترونية جديدة لتمكين الشركات من المطالبة باسترداد الرسوم الجمركية التي دفعتها بسبب سياسات أبطلتها المحكمة العليا الأميركية في وقت سابق من هذا العام. وتتجاوب هذه الخطوة مع الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا بعدم دستورية الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترمب بُعيد بدء رئاسته الثانية وبموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية بغية «جعل أميركا غنيّة مجدداً». ويتوقع أن تُتاح استردادات بقيمة 127 مليار دولار في المرحلة الأولى، علماً بأن الاستردادات يمكن أن تصل إلى أكثر من 166 مليار دولار في وقت لاحق.

وعلى الرغم من أن المستهلكين لن يتلقوا شيكات استرداد مباشرة، فإن البعض قد يسترد أمواله من خلال شركات التوصيل مثل «فيديكس»، بالإضافة إلى الدعاوى القضائية الجماعية الجارية التي تستهدف كبرى متاجر التجزئة، مثل «كوستكو» و«راي بان» و«إيسيلور لوكسوتيكا» و«كاواساكي موتورز». وأمرت المحكمة العليا بأكثرية ستة أصوات مقابل ثلاثة أصوات في 20 فبراير (شباط) الماضي بأن الرئيس ترمب قد تجاوز صلاحيات الكونغرس في تحديد الضرائب عندما فرض معدلات ضريبية جديدة على واردات المنتجات من كل دول العالم تقريباً، مُشيرة إلى العجز التجاري الأميركي بصفته حالة طوارئ وطنية. وقرر قاضٍ في محكمة التجارة الدولية الأميركية لاحقاً أن الشركات الخاضعة لهذه الرسوم الجمركية يحق لها استردادها. وخلص تقرير صادر عن مؤسسة الضرائب في فبراير أيضاً إلى أن الرسوم هذه تُعادل زيادة ضريبية قدرها ألف دولار لكل أسرة. وتقتصر أهلية المرحلة الأولى على المستوردين الذين دفعوا هذا النوع من الرسوم الجمركية، على أن يكون المتقدم هو المستورد المسجل أو وسيط الجمارك المرخص الذي قدم البيان الجمركي.

• 330 ألف مستورد

وأفادت إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في ملفات المحكمة بأن أكثر من 330 ألف مستورد دفعوا زهاء 166 مليار دولار أميركي رسوماً على 53 مليون شحنة. مع ذلك، لا تستوفي كل هذه المدفوعات شروط استرداد المرحلة الأولى. ومن 330 ألف مستورد دفعوا الرسوم، لم يُكمل سوى 56497 مستورداً التسجيل في نظام الدفع الإلكتروني التابع لهيئة الجمارك وحماية الحدود حتى 14 أبريل (نيسان) الماضي، مما يجعلهم مؤهلين لاسترداد رسوم جمركية بقيمة إجمالية قدرها 127 مليار دولار، شاملة الفوائد. وسيتم التعامل مع باقي المستوردين والشحنات في مراحل لاحقة. وتعهدت «فيديكس»، التي كانت تجمع الرسوم مباشرة من المستهلكين، بإعادة المبالغ المستردة إلى العملاء الذين دفعوها. وأفادت في بيان بأن «هدفنا واضح: إذا تم إصدار أي مبالغ مستردة لـ(فيديكس)، فسنرد رسوم قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية المدفوعة إلى الشاحنين والمستهلكين الذين تحملوا هذه الرسوم».

وكانت الشركة توقفت عن تحصيل الرسوم بعد يومين من قرار المحكمة العليا. وكانت شركة «كوستكو» رفعت دعوى قضائية فيدرالية في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، طعنت فيها بكل رسوم قانون سلطات الطوارئ بوصفها غير قانونية، مطالبة بإصدار أمر برد كامل المبالغ المدفوعة، بما فيها الفوائد. والتزمت الشركة بتحويل أي مبالغ مستردة تتلقاها مباشرة إلى أصحابها.

ونقلت صحيفة «بيوجت ساوند بيزنس جورنال» عن الرئيس التنفيذي لـ«كوستكو» رون فاكريس قوله: «كما فعلنا في السابق، عندما نجحت الطعون القانونية في استرداد الرسوم التي تم تمريرها بشكل أو بآخر إلى أعضائنا، فإن التزامنا هو إيجاد أفضل طريقة لإعادة هذه القيمة من خلال خفض الأسعار». ورفعت شركات كبرى أخرى دعاوى قضائية مماثلة، بما في ذلك شركات تصنيع النظارات «راي بان» و«إيسيلور لوكسوتيكا» و«كاواساكي موتورز».

وتُقدر إدارة الجمارك وحماية الحدود أن تستمر عمليات استرداد الرسوم من 60 إلى 90 يوماً من تاريخ قبول الإقرار. ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن الشريكة في شركة «آيس ميلر» ميغان سوبينو توقعها «حدوث بعض المشاكل» على غرار «أي برنامج إلكتروني». وقالت: «تُعدّ الدقة بالغة الأهمية أيضاً، إذ يمكن رفض الطلبات في حال وجود خطأ في التنسيق أو البيانات، كما أن معلومات الحساب المصرفي غير الصحيحة ستؤدي إلى تأخير أو منع الدفع».