ناجيات من «داعش» يقنعن مسلمات بريطانيات بعدم الالتحاق بالتنظيم الإرهابي

البارونة نيكلسون لـ«الشرق الأوسط»: طريقة تلقين الديانات في بريطانيا خاطئة

البارونة إيما نيكلسون تتحدث إلى نازحات إيزيديات في مخيم خانكى قرب دهوك بإقليم كردستان («الشرق الأوسط»)
البارونة إيما نيكلسون تتحدث إلى نازحات إيزيديات في مخيم خانكى قرب دهوك بإقليم كردستان («الشرق الأوسط»)
TT

ناجيات من «داعش» يقنعن مسلمات بريطانيات بعدم الالتحاق بالتنظيم الإرهابي

البارونة إيما نيكلسون تتحدث إلى نازحات إيزيديات في مخيم خانكى قرب دهوك بإقليم كردستان («الشرق الأوسط»)
البارونة إيما نيكلسون تتحدث إلى نازحات إيزيديات في مخيم خانكى قرب دهوك بإقليم كردستان («الشرق الأوسط»)

«الإسلام بريء من التطرف والدموية.. ولو ظهرت (داعش) في حقبة زمنية مختلفة لوصفوا بعبدة الشيطان وإبليس.. لا بالمسلمين». هكذا أعربت البارونة البريطانية وعضوة البرلمان الأوروبي إيما نيكلسون عن استنكارها الشديد لمن يربطون أنشطة «داعش» الدموية وآيديولوجيتهم الهدامة بالإسلام والمسلمين. وتصدّرت البارونة ومؤسسة «عمار» الخيرية التي ترأسها عناوين الصحافة البريطانية والعالمية في الأيام الماضية، من خلال تنظيمها لزيارة 3 بنات إيزيديات هربن من قبضة داعش إلى مدن بريطانية، في إطار حملة توعوية في المدارس والأكاديميات البريطانية حول خطورة التنظيم الإرهابي وآلياته الترويجية.
أكدت نيكلسون في حديث مطول مع «الشرق الأوسط» في العاصمة البريطانية أن الهدف من تنظيم هذه الزيارة، إلى جانب التوعية بوحشية ممارسات التنظيم الإرهابي، هو تعزيز الجهود المبذولة على مختلف المستويات الحكومية والمجتمعية لمقاومة آلية «داعش» الإعلامية التي وجدت في مواقع التواصل الافتراضي أرضًا خصبة لتبرير العنف والتطرف، وحصد التعاطف في بعض الأوساط الشبابية سريعة التأثر.
وبدأت نيكلسون، من خلال مؤسسة «عمار» الخيرية، أنشطة دعم ضحايا إرهاب داعش في العراق منذ سقوط الموصل في يونيو (حزيران) 2014. وتوضّح نيكلسون: «توجه عدد كبير من الضحايا إلينا طالبين مساعدات غذائية وطبية ونفسية بعد أن فقدوا منازلهم وأقاربهم ومصادر رزقهم. ولم يقتصر الأمر على النساء والفتيات فحسب، بل استقبلنا الجميع؛ من فتاة 14 ربيعًا فقدت ساقيها في انفجار مروع، إلى أمهات وشباب ورجال في حاجة إلى عمليات جراحية ورعاية طبية ومتابعة نفسية».
وفي هذا السياق، افتتحت «عمار»، بعد حملة جمع تبرعات في لندن، مركزًا صحيًا في أحد مخيمات اللاجئين في محافظة دهوك في إقليم كردستان العراق، في أوائل شهر فبراير (شباط) الماضي، حيث بلغ عدد المرضى 450 يوميًا، جلهم إيزيديون. وتقول نيكلسون: «التقيت خلال إحدى زياراتي لهذا المخيم بثلاث بنات إيزيدات لم يكن يعرفن بعضهن من قبل، لكنهن مررن بالتجربة نفسها، وتوجهن إليّ بالطلب نفسه».
وتوضح عضوة مجلس اللوردات البريطاني أن الفتيات التي تبلغ أعمارهن 16 و19 و21 سنة، هربن من قبضة «داعش» بأعجوبة بعد أشهر من الاحتجاز، كنّ خلالها في حكم «سبايا» لمقاتلي التنظيم. وطلبت الفتيات الثلاث فرصة للإدلاء بشهاداتهن والتبليغ عن العذاب الذي مررن به خلال فترة الاحتجاز..
وفي الوقت الذي فشلت فيه المقاربة الأمنية التي انتهجتها السلطات البريطانية في الشهور الماضية لردع المتعاطفين مع «داعش» عن الالتحاق بصفوف القتال، سعت جهات في المجتمع المدني تشمل أكاديميات ومدارس ومجلس مسلمي بريطانيا ومؤسسات خيرية وغيرها إلى البحث عن حلول بديلة. وتدخل زيارة الفتيات الثلاث، نور وبشرى ومنيرة، إلى أكاديميات بريطانية مسلمة - أو ذات أغلبية مسلمة - في سياق هذه الجهود. والتقت الفتيات الثلاث، بعد أن توّجت مجهودات البارونة نيكلسون لإحضارهن إلى بريطانيا بالنجاح، بتلميذات مسلمات في أكاديمية مدينة بريستول وأكاديمية «سالتلي» في مدينة بيرمينغهام التي شهدت أحد أعلى مستويات انضمام شباب وشابات مسلمات دون سن 25 إلى «داعش» في سوريا والعراق.
وكان اللقاء بين الفتيات الثلاث وتلميذات الأكاديمية عاطفيا ومؤثرا إلى حد كبير، خصوصا بعد أن استمعت الأخيرات إلى شهادات الناجيات الثلاث. قالت ناصرة أحمد (18 سنة)، وهي إحدى تلميذات الأكاديمية التي لا تزال على اتصال بالبريطانية يسرى حسين (15 سنة) التي التحقت بـ«داعش» منذ أشهر، إن حسين أكدت لها أن أعضاء «داعش» وفروا لها «بيتا، وزوجا، ومالاً.. كل ما قد تحلم به فتاة في هذا العمر». الشيء الذي أدّى إلى انفعال وغضب الفتيات، حيث شدّدت نور: «كل ذلك كذب. حياة (داعش) حياة من الاغتصاب اليومي، بل مرات كثيرة في اليوم، والضرب المبرح والقتل والبيع إلى رجال آخرين (من التنظيم)». وأضافت: «لا تذهبوا! كل ذلك كذب. إنهم مجرمون».
وحكت الفتيات الثلاث قصصهن في الأكاديمية واحدة تلو الأخرى بـ«شجاعة وكرامة لم أرَ لها مثيلا»، وفق ما قالته نيكلسون، مشيرة إلى أن «شجاعة هذه الفتيات نادرة للغاية.. فعادة لا تتجرّأ النساء على الحديث عن حوادث الاغتصاب الأليمة». كما استحضرت الفتيات تفاصيل هجوم «داعش» على قراهن وتعذيبهن للأهالي، كما تحدّثن عن التعذيب اليومي الذي تعرّضن له من طرف «رجال في 60 من عمرهم أحيانا».
في شهادتها المؤلمة، قالت نور (21 سنة): «قاموا بتفريق الرجال عن النساء، وأطلقوا النار على الرجال. لدي 7 إخوة، واحد فقط استطاع الهرب ولم أسمع خبرا عن الستة الآخرين. أخذوا أمي برفقة نحو 70 امرأة أخرى بعيدًا. سمعنا دوي طلقات نار، ورأينا آلة حفر. لم يحتفظوا (أي مقاتلي داعش) إلا بالنساء الشابات».
وأضافت منيرة (16 سنة) إلى حديث نور الذي صدم المستمعات في الأكاديمية: «تتراوح أعمار قائدي (داعش) بين 50 و70 سنة. كنت في الـ15 من عمري عندما اختارني أحد قائدي (داعش). قال إن الصغيرات (في العمر) أحسن وأجمل من الباقيات. ثم (مل) مني بعد أسابيع وباعني إلى أبو عبد الله الذي باعني بعد انقضاء أسابيع من الإساءة والاغتصاب المتواصل إلى عماد».
لم تقضِ الفتيات الثلاث إلا أيامًا معدودة في بريطانيا، إذ إن زيارتهن كانت مشروطة بعدم طلبهن حق اللجوء السياسي من السلطات والعودة إلى العراق مباشرة، على حد قول البارونة نيكلسون. لكن نيكلسون أفصحت لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة الألمانية بدأت عملية منح الإقامة للفتيات الثلاث. وتقول بهذا الصدد إن «ألمانيا قامت بعمل رائع، فقد استقبلت في بلادها ما يقارب 100 ألف لاجئ إيزيدي خلال السنوات الماضية». وتتابع: «لو نقارن ذلك مع بريطانيا، فإنها لم تقبل إلا 50 إيزيديا.. ولم تمنح حق الإقامة إلا لشخص واحد من سوريا على حد علمي.. لدينا مشكلة حقيقية».
وتعليقًا على أسباب انتشار التطرف في بعض الأوساط البريطانية، أفادت نيكلسون: «السبب الأول هو عامل الجهل. فالفتيات في الأكاديميات صدمن بحكايات الفتيات الناجيات الثلاث». وتردف: «من الواضح أننا نواجه تهديد التطرف في بريطانيا. وقد يكمن أحد الأسباب في تجاهل المجتمع أهمية الدين في حياتنا اليومية وتقاعس المناهج التعليمية في تلقين الديانات للتلاميذ بشكل مناسب». كما أوضحت البارونة نيكلسون أن التطرف ليس حكرًا على الإسلام، وتقول: «إن ننظر إلى الديانات الأخرى، نجد عناصر متطرفة وإن لم تكن بنفس دموية ما يعرف بـ(داعش). إنه فعلا لحظ سيئ أن هؤلاء الدمويين اتخذوا كعلامة تجارية لعنفهم دين الإسلام». وتتابع: «ينبغي تغيير طريقة تلقين الديانات في بريطانيا، وضمان اختلاط التلاميذ من كل الديانات مع غيرهم بشكل يومي». أما العامل الأخير الذي ذكرته مبعوثة رئيس الوزراء البريطاني المكلفة بالتجارة في العراق هو «ذكاء (داعش) في استغلال قنوات التواصل الاجتماعي». فكل طفل اليوم قادر على ولوج الإنترنت بسهولة. وقارنت نيكلسون صعوبة محاربة آلية «داعش» الإعلامية بصعوبة مكافحة «دعارة الأطفال على الإنترنت».
وأسست «عمار» عام 1991 بعدما زارت البارونة، التي كانت آنذاك رئيسة المجموعة البرلمانية البريطانية لدعم الكويت، أحد مخيمات اللاجئين عقب انتفاضة البصرة، وأدركت الحاجة الملحّة للمساعدات الغذائية والطبية في المخيم. وتوسعت أنشطة المؤسسة الخيرية منذ ذلك الحين لتشمل إنشاء مستوصفات ثابتة ومتنقلة وتغطية احتياجات جميع المخيمات الصحية، حيث بلغ عدد المرضى المتكفل بهم نصف مليون.
أما الجانب الآخر لأنشطة المؤسسة، فيتعلق بدعم التعليم في مخيمات اللاجئين وخارجها، إذ أنشأت «عمار» عددا من المدارس لأبناء وبنات اللاجئين، ويبلغ عدد التلاميذ المستفيدين 60 ألفا وفق ما أكدته نيكلسون. كما قامت المؤسسة بالتنسيق مع منظمة «اليونيسكو» الأممية من خلال توفير مناهج دراسية موحدة لجميع المدارس وقامت بمنح شهادات معترف بها دوليا لطلبة هذه المدارس. وعلى عكس باقي المؤسسات الخيرية في منطقة الشرق الأوسط التي تستند على الكفاءات الأجنبية لتحقيق أهدافها، تنهج المؤسسة استراتيجية حيث تسعى إلى الاستفادة من قدرات ومهارات المواطنين العراقيين في العراق واللبنانيين في لبنان سواء كانت طبية أو تعليمية أو تقنية. أما فيما يتعلق بتمويل المؤسسة، فأكدت نيكلسون أن «عمار» تعتمد على المساهمات الفردية وعلى الدعم المؤسساتي من الأمم المتحدة، ومن المفوضية الأوروبية، وشركة «شل» و«بي دبليو سي» وغيرها إذا تعلق الأمر بمشاريع محددة.



ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.


5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

TT

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)
اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)

أسفر اصطدام قطارين، صباح الخميس، في الدنمارك، على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال كوبنهاغن، عن إصابة 18 شخصاً؛ 5 منهم في «حالة حرجة»، وفق السلطات الأمنية.

وأكدت الشرطة أنها غير قادرة حالياً على تقديم أسباب وقوع هذا الحادث في منطقة غابات بشمال مدينة هيليرود.

وقالت الشرطة، في بيان، عند منتصف النهار، نقلاً عن «الخدمات الصحية»: «أصيب 18 شخصاً في الحادث؛ بينهم 5 في حالة حرجة».

وأوضحت الشرطة المحلية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها تلقت الإنذار في الساعة الـ06:29 (الـ04:29 بتوقيت غرينيتش).

وبيّن رئيس قسم الأطباء في خدمات الطوارئ بمنطقة كوبنهاغن، آندرس دام هييمدال، في وقت سابق، خلال مؤتمر صحافي: «تخيلوا قطارين يصطدمان وجهاً لوجه. هذا يسبب إصابات كثيرة؛ إذ يُقذف الناس في كل الاتجاهات».

وقد تسبب هذا الاصطدام الأمامي في أضرار جسيمة بمقدمة القطارين ذَوَيْ اللونين الأصفر والرمادي، حيث دُمرت غرف القيادة بالكامل وسُحقت بفعل قوة الاصطدام، كما تحطم الزجاج الأمامي والنوافذ تماماً، وفق ما أفادت به صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية» من المكان، وما أظهرته صور وسائل الإعلام المحلية. ولم يخرج القطاران ولا قاطرتاهما عن السكة.

فرق الإنقاذ بموقع اصطدام قطارين في الدنمارك (رويترز)

وأوضحت الشرطة في تحديث لاحق للمعطيات أن إجمالي عدد الركاب الذين كانوا على متن القطارين بلغ 37 راكباً.

ونُقل جميع الجرحى إلى مستشفيات المنطقة، فيما كانت فرق الإنقاذ قد أنهت عملها في منتصف الصباح، بعد تعبئة كبيرة شاركت فيها الشرطة وخدمات الإسعاف.

وقد خصصت بلدية هيليرود خدمة مرافقة ودعم لاستقبال الأشخاص غير المصابين وذويهم.

وقال منسّق عمليات الإنقاذ في البلدية، مايكل يورغن بيدرسن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «21 شخصاً حضروا إلى المركز، جاء معظمهم من القطار الآتي من الشمال ومن المتجهين إلى عملهم... كانوا في حالة صدمة مما حدث».

وتُجري الشرطة حالياً تحقيقات فنية في الموقع، وقد جرى تأمين محيط المنطقة بالكامل.


حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

منذ اندلاع الحرب في إيران، برز السؤال الأكبر حول تداعياتها المحتملة على روسيا وملفات العلاقة الروسية الغربية، خصوصًا في سياق استعصاء التسوية الأوكرانية، وتبدُّل أولويات الإدارة الاميركية في التعامل مع الملفات المطروحة على أجندة العلاقة مع موسكو. انصبَّ التركيز في الأسابيع الماضية على الفرص التي وفَّرتها المواجهة القائمة للكرملين، لا سيما على صعيدَي تكثيف الهجمات في أوكرانيا، وتسريع محاولات تكريس وقائع ميدانية جديدة، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب الجارية في الشرق الأوسط، فضلاً عن انتعاش آمال قطاعَي النفط والغاز بتخفيف جزئي أو كامل للعقوبات المفروضة على روسيا لتعويض النقص الحاصل في الأسواق. لكن في المقابل، بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على مدخل قصر «الإليزيه» 13 مارس 2026 (أ.ب)

خسائر في حوض قزوين

يقول خبراء روس إنَّ حرب إيران، ومهما كان سيناريو التوصُّل إلى تسوية نهائية حولها، لعبت دورًا مهماً في تكريس واقع جديد في العلاقات الدولية، يقوم على تأجيج نزعات التسلح وإعلاء مبدأ استخدام القوة. وفي حين أنَّ موسكو كانت حذَّرت مرارًا في وقت سابق من أنَّ أوروبا تعمل على عرقلة التسوية في أوكرانيا، وتستعد بشكل حثيث لمواجهة مستقبلية محتملة مع روسيا، فإنَّ هذا المسار وفقاً لمحللين مقربين من الكرملين اتخذ منحى تصاعدياً سريعاً بعد صدمة المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط.

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

في هذا الإطار، لم يعد الحديث في موسكو يقتصر على التداعيات السلبية لـ«إضعاف» إيران على المصالح الروسية في منطقة حوض قزوين مثلاً، التي بالإضافة إلى البعد الجيوسياسي كون منطقة جنوب القوقاز تُشكِّل الخاصرة الرخوة لروسيا تاريخياً، فهي تُشكِّل عقدةً مهمةً للغاية للإمدادات الروسية وعمليات نقل البضائع، بصفتها جزءًا أساسيًا من ممرات النقل شمالي جنوب. ورغم ذلك، فإنَّ الخسائر الروسية المحتملة في هذه المنطقة لا تكاد تذكر بالمقارنة مع تأثيرات التمدد العسكري حول روسيا من جهة الغرب.

الاتحاد الأوروبي... كتلة عسكرية

عندما أطلق نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف تحذيره القوي قبل أسابيع قليلة من أنَّ الاتحاد الأوروبي يتحوَّل سريعاً إلى كتلة عسكرية تكاد تكون أخطر على روسيا من حلف شمال الأطلسي، تعامل كثيرون مع التحذير بوصفه نوعًا من التصريحات النارية المتكرِّرة التي أطلقها السياسي الروسي المتشدد، والتي كان بينها التلويح بالقوة النووية مرارًا لحسم المعركة في أوكرانيا.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أنَّ موسكو بدأت تتعامل بجدية مع تصاعد التهديدات على حدودها الغربية، بشكل يعيد رسم العلاقة بشكل كامل على المدى البعيد مع الاتحاد الأوروبي الذي كان حتى سنوات قريبة مضت الشريك الاقتصادي الأول لروسيا. وهذا يعني أنَّ المشكلة التي كانت محصورة فقط، في التعامل مع أسس التسوية الأوكرانية غدت أكثر اتساعًا وأبعد تأثيرًا؛ لأنَّ، وكما يقول سياسيون مقربون من الكرملين، «الصراع المقبل سيكون أطول عمراً بكثير من الصراع في أوكرانيا وحولها».

في هذا الإطار، جاءت التحذيرات الروسية المتتالية من تداعيات زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وتحوُّل أولويات القارة نحو المواجهة، وتبني سياسات واستراتيجيات جديدة تضع روسيا مصدر تهديد محتمل، وعدوًا رئيسيًا.

صورة من قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط بمرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

استراتيجية عسكرية ألمانية

وفي أحدث تجلٍّ لهذا التحوُّل، رأى الكرملين أنَّ إعلان ألمانيا استراتيجيتها العسكرية الجديدة التي تبنَّت للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية مبادئ تعدّ روسيا التهديد الأساسي لأمن أوروبا يضع القارة أمام استحقاق جديد وخطير يذكر بمراحل المواجهة الكبرى مع ألمانيا النازية.

وكان وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، رأى في أثناء عرضه المفهوم الدفاعي الشامل لبلاده في برلين: «تستعد روسيا لمواجهة عسكرية مع حلف (الناتو) وتواصل التسلح، كما تعدّ استخدام القوة العسكرية أداةً مشروعةً لتعزيز مصالحها». وقال إن موسكو تهدف إلى تدمير حلف «الناتو» بقطع الروابط الأوروبية الأميركية، وتسعى إلى توسيع نفوذها.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)

وأضاف: «نحن بصدد تحويل الجيش الألماني إلى أقوى جيش نظامي في أوروبا»، بينما قوات الاحتياط جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، وسيتم تزويد الجيش بالأسلحة والمعدات اللازمة. وتنصُّ عقيدة برلين الجديدة على تجنيد 460 ألف فرد على الأقل، بما يساعد «بالتعاون مع الحلفاء على التصدي لأي عدوان محتمل من روسيا».

كما نقلت وسائل إعلام حكومية روسية أنَّ شركة «راينميتال»، وهي أكبر مجمع للصناعات الدفاعية في ألمانيا، تعتزم تزويد الجيش الألماني، مستقبلًا بطائرات مسيّرة انقضاضية.

العقيدة النووية الفرنسية

قبل ذلك مباشرة، كانت موسكو أكدت أنها تدرس آليات عملية للرد على العقيدة النووية الفرنسية الجديدة، التي تنصُّ على التعاون مع بلدان أوروبية لنشر أسلحة نووية في القارة، وتنفيذ مناورات مشتركة لمواجهة تعاظم الخطر المقبل من روسيا.

وفي تصعيد جديد يعكس احتدام المواجهة غير المباشرة بين موسكو وأوروبا، حذَّرت وزارة الدفاع الروسية من أنَّ التوسُّع الأوروبي في إنتاج الطائرات المسيّرة لصالح أوكرانيا يمثل خطوةً خطيرةً تدفع القارة نحو «انزلاق تدريجي إلى الحرب»، عادّةً أنَّ هذه السياسات تحول الدول الأوروبية إلى عمق لوجستي واستراتيجي لدعم العمليات العسكرية ضد روسيا.

وقالت الوزارة إنَّ قرار عدد من الدول الأوروبية زيادة إنتاج وتوريد المسيّرات لكييف جاء على خلفية الخسائر البشرية ونقص الأفراد في الجيش الأوكراني، مشيرة إلى أنَّ التمويل المتزايد للمشروعات «الأوكرانية» و«المشتركة» داخل أوروبا يهدف إلى رفع وتيرة الهجمات على الأراضي الروسية باستخدام طائرات دون طيار هجومية ومكوناتها. وشدَّدت على أنَّ هذه الخطوات لا تعزز الأمن الأوروبي، بل تجر القارة إلى مواجهة أوسع ذات عواقب غير محسوبة.

الحدود البيلاروسية - البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

وفي هذا السياق، كشفت موسكو قائمة مفصلة تتضمَّن عناوين شركات ومراكز إنتاج مرتبطة بصناعة المسيّرات في دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا وبريطانيا وبولندا والتشيك، إضافة إلى شركات تعمل في تصنيع مكونات حساسة مثل المحركات وأنظمة الملاحة. وأثار هذا الكشف ردود فعل غاضبة في برلين، التي اتهمت موسكو بمحاولة «ترهيب الشركات» وخرق قواعد الأمن.

ومع تهديد موسكو باستهداف أي مواقع أو منشآت تنطلق منها تهديدات على روسيا حتى لو كانت خارج أراضي أوكرانيا يتخذ التطور، الآخذ في الاتساع، بعداً أكثر خطورة.

ويرى مراقبون أنَّ دخول ألمانيا بقوة إلى سباق إنتاج المسيّرات، إلى جانب شركات أوروبية أخرى، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدَّ إلى بنية التصنيع العسكري في أوروبا.

حصار كالينينغراد

في هذا التوقيت بالتحديد برز تطوران مهمان، الأول إعلان البدء بصرف مساعدات عسكرية أوروبية لأوكرانيا تصل قيمتها إلى 90 مليار دولار، بعد تجاوز «الفيتو» الذي كانت هنغاريا قد وضعته سابقاً. والثاني إطلاق مناورات أطلسية واسعة الأربعاء، قرب جيب كالينينغراد الروسي.

وكما قال نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشك، فإنَّ المناورات التي تُجرى تحت رعاية المملكة المتحدة، يتم خلالها التدرب على سيناريوهات لحصار بحري كامل لمنطقة كالينينغراد. بهذا كما يقول السياسيون الروس فإنَّ الحلف الأطلسي يعمل على «تأجيج المواجهة في هذا الجزء من أوروبا».

اللافت أنَّ المناورات الجديدة شكَّلت تتويجًا لمسار إحكام تطويق روسيا عسكرياً بعدما أسفر انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي عن تحويل بحر البلطيق إلى «بحيرة أطلسية» بشكل كامل تقريبًا، ولم تتبقَّ لروسيا إلا إطلالة صغيرة على هذا البحر. وقبل أيام، أعلن نائب وزير الخارجية الليتواني السابق، داريوس يورغليفيتشوس، أنَّ الحلف لديه سيناريو جاهز لحصار كالينينغراد في حال حدوث مواجهة مباشرة مع موسكو.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف في بكين يوم 15 أبريل (إ.ب.أ)

وقبل ذلك، كان قائد القوات البرية لحلف «الناتو»، الجنرال كريستوفر دوناهو، قد أكد أنَّ دول الحلف خطَّطت لكبح جماح القدرات الدفاعية للقوات الروسية بسرعة. وقد حذَّر الرئيس فلاديمير بوتين مرات عدة خلال العام الأخير، من أنَّ أي حصار محتمل لمنطقة كالينينغراد سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، وأنَّه سيتم القضاء على جميع التهديدات التي تواجه المنطقة.

اللافت أنه في هذه الأجواء عادت أوساط روسية للتحذير من مخاطر التصعيد المتواصل حول روسيا. وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية: «هذه ليست مزحة، تتضمَّن النسخة الجديدة من العقيدة النووية الروسية بنوداً تتعلق مباشرةً بضمان أمن منطقة كالينينغراد. يُسمح الآن باستخدام الأسلحة النووية في حال وجود تهديد لسلامة أراضي البلاد ومحاولة لعزل مناطقها عن بقية البلاد براً وبحراً وجواً. لذلك، فإنَّ الاستفزازات في بحر البلطيق لا تؤدي فقط إلى تصعيد، بل إلى تصعيد نووي».