إطلاق مرجعية وطنية لحوكمة البيانات الجيومكانية السعودية

«ليب 23» يختتم أعماله داعياً إلى تعزيز حلول التقنية في المدن الذكية لتدعم توجهات خفض الانبعاثات الكربونية

الإعلان عن تأسيس مركز وطني متخصص في البيانات الجيومكانية السعودية خلال آخر أعمال مؤتمر «ليب 23» (واس)
الإعلان عن تأسيس مركز وطني متخصص في البيانات الجيومكانية السعودية خلال آخر أعمال مؤتمر «ليب 23» (واس)
TT

إطلاق مرجعية وطنية لحوكمة البيانات الجيومكانية السعودية

الإعلان عن تأسيس مركز وطني متخصص في البيانات الجيومكانية السعودية خلال آخر أعمال مؤتمر «ليب 23» (واس)
الإعلان عن تأسيس مركز وطني متخصص في البيانات الجيومكانية السعودية خلال آخر أعمال مؤتمر «ليب 23» (واس)

في وقت أعلنت فيه السعودية عن مبادرة إطلاق المركز الجيومكاني ليكون مرجعية وطنية لحوكمة البيانات في القطاع المساحي، أكد خبراء في مؤتمر «ليب 23»، الذي أنهى أعماله أمس بالرياض، أن مستقبل المدن الذكية يعتمد على الحلول التقنية والتشريعات القانونية وخفض الانبعاثات الكربونية، مبينين أن هناك أكثر من 4.5 مليار سيارة في العالم تؤثر سلباً على كوكب الأرض.

مرجعية جيومكانية
نيابة عن الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز وزير الدفاع رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للمساحة والمعلومات الجيومكانية، وبحضور نائب وزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس هيثم بن عبد الرحمن العوهلي، ومحافظ هيئة الحوكمة الرقمية المهندس أحمد بن محمد الصويان، دشن رئيس الهيئة العامة للمساحة والمعلومات الجيومكانية، الدكتور محمد بن يحيى آل صايل، المركز الجيومكاني الوطني، إحدى مبادرات الهيئة الوطنية، في مؤتمر «ليب 23»، عبر منصة جناح السعودية الرقمية.
ويُعد المركز مرجعية وطنية لحوكمة البيانات الجيومكانية، ووضع المعايير والضوابط لتحقيق الاستخدام التكاملي لمنظومة المعلومات، وتنظيم آلية جمع المعلومات وتبادلها ومشاركتها وحفظها وتحديثها وصيانتها ونشرها عبر المنصة، وفق أسس حفظ ونشر سهلة آمنة وقابلة للتحديث والنمو، لا سيما أن المعلومات الجيومكانية داعمة وممكنة لتحقيق أهداف برنامج «رؤية 2030» وعنصر أساس لصناعة القرارات الذكية المبنية على المعلومات.

الأثر الاقتصادي
ويستهدف المركز القطاعين الحكومي والخاص والقطاع الأكاديمي والأفراد، ويسهم في توفير معلومات حديثة لكامل المملكة، كما يعزز الأمن الوطني بما يدعم أعمال الاقتصاد والتنمية المستدامة.
وتُعد المعلومات الجيومكانية أحد أهم العوامل المحفزة للاستثمار، حيث تشير الدراسات إلى أن الأثر الاقتصادي للبيانات الجيومكانية على الناتج المحلي للمملكة يتراوح ما بين 20 و40 مليار ريال تتوزع على قطاعات السلامة والصحة العامة والبنية التحتية والطاقة والتعليم والتجارة وإدارة المخاطر والكوارث.
ومعلوم أن الهيئة، وفق تنظيمها، تعمل على تنظيم قطاع المساحة والمعلومات الجيومكانية والارتقاء به والإشراف عليه ومراقبته بما يحقق الجودة وتحسين الأداء.

إنهاك الأرض
من جانب آخر، أكد تافي رويفاس، رئيس وزراء إستونيا السابق رئيس شركة «أوفي» التقنية، أن معظم الدول الأوروبية بعيدة عن التقدم الذي حققته المملكة في الخدمات الرقمية، مشيراً إلى أن مستقبل التنقل سيكون ما بين السيارات الكهربائية، والطيران، وسيارات التحكم الذاتي، مبيناً أن السيارات ذاتية القيادة التي تعمل بالهيدروجين، تتحدى الظروف المناخية المختلفة، وأوضح أنهم يعملون على زيادة سرعتها بشكل أكبر.
وشدد رويفاس على أن 20 في المائة من حوادث الطرق بسبب الأخطاء البشرية، مؤكداً أن السيارات الإلكترونية ذاتية القيادة تُعد الحل الأمثل للتنقل في المستقبل؛ كونها تتيح للأشخاص التنقل بسهولة داخل المرافق ذات المساحات الكبيرة، مثل الجامعات والمجمعات السكنية والمراكز التجارية والطرق المختلفة، إلى جانب أنها ليست لديها مشكلات في الحركة.
وبيَّن في جلسة حوارية، بمؤتمر «ليب 23»، أمس، أن شركته أنتجت أول سيارة هيدروجين ذاتية القيادة في العالم، مفيداً بأن هناك أكثر من 4.5 مليار سيارة في العالم تؤثر سلباً على كوكب الأرض، مؤكداً أهمية إيجاد حل لهذا العدد الكبير، من خلال التفكير خارج الصندوق.
ولفت رويفاس إلى أن طائرات الركاب ذاتية القيادة، من واقع دراسته للطيران، مخيفة جداً، وتخلق كثيراً من الضوضاء، وتحتاج كذلك إلى وقت أطول حتى تكون متاحة بشكل أكبر، إلى جانب احتياجها إلى تشريعات جديدة، لا سيما أنه ليس من السهل تغيير «القانون الدولي للطيران» سريعاً، مضيفاً أنها ستكون مفيدة وسريعة في نقل السلع والخدمات لإيصالها إلى الأماكن التي يصعب الوصول إليها بسهولة بواسطة السيارات.

قدرات أفريقيا
من جهته، شدد كاشيفو إينوا عبد الله، المدير العام والرئيس التنفيذي لـ«الوكالة الوطنية النيجيرية لتطوير تقنية المعلومات»، على ضرورة تنمية المواهب، مقدِّراً نقصاً فيها بنسبة 35 في المائة، متوقعاً أن تحقق المملكة في هذا الجانب نمواً بنسبة 25 في المائة، في حين تتجه الهند لإعداد مليون من الأشخاص الموهوبين، بينما تحتاج أفريقيا لقرابة 8.3 تريليون دولار لتعزيز قدرات الموهوبين.
وأكد كاشيفو، خلال جلسة حوارية ضمن أعمال اليوم الأخير لـ«المؤتمر الدولي للتقنية» (ليب 23)، أن القيادة السعودية أرست نموذجاً يُحتذى به في تطوير الأعمال، خصوصاً في مجال السيارات ذاتية القيادة، وكيفية إدارة الازدحام لتقليل الحوادث وتسريع إنجاز الأعمال، مؤكداً على أن مستقبل المدن الذكية يعتمد على الحلول التقنية والتشريعات القانونية وتعزيز الممارسات الآمنة في الجوانب المتعلقة بالتنقل الآمن وخفض الانبعاثات الكربونية.

المدن الذكية
من ناحيته، رجح لورانس إيتا الرئيس الرقمي ومسؤول التحليلات في «الهيئة الملكية للعلا»، أن تشهد المملكة، خلال الخمسة أعوام المقبلة، نشوء عدد من المدن الذكية تضعها في طليعة دول العالم، مشيراً إلى أن الموازنة بين الخيال والواقع تعتمد بشكل كبير على التشريعات واللوائح التي تضعها الدول، ما سيُمكّن بدوره من بناء المدن الخضراء وتقديم الخدمات الرقمية.
ودعا إلى أهمية حماية الخصوصية للأفراد عن طريق التأكد من المعايير الآمنة للبيانات والمعلومات، وتوفير البنية التحتية المادية والبشرية الجاذبة للاستثمار، والعمل على تنمية مهارات الشباب وتوفير الإلهام الدافع لهم للمساهمة في تطوير وتنمية المدن الذكية؛ سواء في مجال السيارات ذاتية القيادة أو أي مجالات أخرى.

مستقبل الطلب
إلى ذلك، أبان فازار خالد الرئيس التنفيذي لشركة «نون»، في جلسة ضمن جلسات «ليب 23»، أمس، أن البراغماتية أداة مهمة وفاعلة في تنمية الاقتصاد، وتسريع وتيرة إحلال التقنيات الذكية وبناء المدن والمجتمعات الرقمية، ومن ثمَّ الاستفادة من البيانات لتقديم جميع الخدمات بمسؤولية وأمان.
وشدد على أن نمو الاستهلاك الغذائي في المملكة يحفز بناء ورسم العديد من السيناريوهات التي تواكب مستقبل الطلب من خلال المدن الذكية التي سيتم بناؤها، والاستفادة من مركز البيانات لإجراء الاختبارات والفحص والمطابقة لتقديم جميع أنواع الحماية، وتمكين السيارات ذاتية القيادة من مواكبة تلك المراحل لتلبية الاحتياج بأعلى معدلات الكفاءة والموثوقية.

عنصر الإبداع
من جهتها، أكدت هيلين بان، المدير العام لـ«شركة أبولو للقيادة الذاتية»، على ضرورة التدريب والتأهيل خلال كل المراحل، إضافة لتنمية عنصر الإبداع، لتوفير أعلى معدلات الأمن والسلامة عبر وسائل النقل الذكي، وفي مقدمتها سيارات القيادة الذاتية، موضحة أن الصين والولايات المتحدة حققتا تقدماً كبيراً في هذه الجوانب وتصلح نماذج هذا التقدم للتطبيق أو التطوير في مواقع أخرى من العالم.
وشددت، في جلسة بـ«ليب 23»، أمس، على أن ضمان سرية وخصوصية البيانات والمعلومات للأشخاص يعتمد على التشريعات والحوكمة الفعالة، ما يسمح بتعدد نماذج الابتكار التي يجب استلهامها وتطبيقها لتحقيق أقصى درجات الأمان.
وكشف نزار التويجري، الرئيس التنفيذي لشركة «STC Pay»، عن خطط الشركة لدعم النمو الصناعي والتنموي في جميع المجالات، من خلال تعاونهم مع «البنك المركزي السعودي» وبنوك وشركات رقمية، وتعزيز نظام المدفوعات الإلكترونية، ودعم الادخار والاقتصاد الرقمي، وتحسين مدفوعات الأفراد، بهدف تغطية نحو 63 في المائة من الاحتياج في المرحلة الحالية.
وأفصح عن خطة لإعادة تشكيل البنية الأساسية للشركات الناشئة، عبر منصة رقمية تعتمد التمكين الرقمي مكوناً أساسياً لتقديم الخدمات المالية المبتكرة، مبيناً أنهم يسعون لفهم أعمق لعقليات المستهلكين وتطوير المنتجات والخدمات والتركيز على مرونة العمليات، بالاعتماد على حلول الذكاء الاصطناعي ونظم تعلم الآلة.

تسخير التقنية
من ناحيته، أكد الدكتور محمد الجاسر رئيس «البنك الإسلامي للتنمية»، أن المملكة تمتلك تجربة نموذجية في تسخير التقنية لخدمة المجتمع، ما جعل 99 في المائة من سكانها لديهم الإنترنت، ويستفيدون من خدمات الحكومة الرقمية، مبيناً أنهم سيعملون على نقل هذه الخدمات للدول الأعضاء لسد الفجوة الرقمية التي تعاني منها.
وتحدث الجاسر، في جلسة «دور التقنية في الاستدامة»، دور الجهات المانحة في المساهمة بتحسين جودة الحياة عبر التقنية، وأن العمل الكبير الذي قامت به المملكة في التحول الرقمي جعلها أكبر سوق رقمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وشدد على أن البنك يتعاون مع الدول الأعضاء للسير في هذا الاتجاه، والعمل على ربطها جميعاً بالكابلات البحرية، للاستفادة من خدمات الإنترنت بشكل أفضل، كاشفاً عن تقديمهم تمويلاً لمشروعات في هذا الخصوص بقيمة 44 مليون دولار لبنغلاديش، و6.5 مليون دولار لجيبوتي.
وأكد رئيس «البنك الإسلامي للتنمية» على أثر التقنية في التجارة العالمية، والتعليم عبر الدراسة عن بُعد، والخدمات الصحية، مشدداً على دورها في التعافي الاقتصادي من آثار جائحة «كورونا»، وتحويل الاقتصاد التقليدي إلى الرقمي.
ولفت إلى أن جائحة «كورونا» سبَّبت فقراً في التعليم بالدول النامية التي ليست لديها بنية تحتية رقمية قوية، وحرمت أكثر من مليار طفل في العالم من التعليم، الأمر الذي جعلهم يعملون مع الدول الأعضاء لدعم التحول الرقمي، وتوفير البنية الأساسية، والمساعدة في تقديم الحلول ومواجهة التحديات.

مؤشر ذكاء أعمال في قطاع البيئة والمياه والزراعة السعودي
> من جانب آخر، أطلق نائب وزير البيئة والمياه والزراعة، المهندس منصور المشيطي، على هامش أعمال «المؤتمر الدولي التقني» (ليب 23)، أمس، مؤشرات ذكاء الأعمال ودعم اتخاذ القرار، عبر منصة «نما» الإلكترونية، لتحسين جودة البيانات في قطاعات الوزارة، واتخاذ الإجراءات الاستباقية لمعالجة التحديات، وزيادة الشفافية والمشاركة الرقمية.
وتستهدف الخدمة القيادات ومتخذي القرار والأفراد وقطاع الأعمال والباحثين وطلاب الجامعات، عبر مجموعة من المؤشرات والإحصاءات الرقمية المرتبطة بقطاعات البيئة والمياه والزراعة، لدعم صناع القرارات، وتمكينهم من الاطلاع على مناطق القوة والضعف، وتوفير البيانات ذات الأهمية للاقتصاد الوطني، والقيام بالإجراءات المناسبة لتحسين الأعمال والبيانات والخدمات المقدمة للمستفيدين، ورفع نسبة الرضا والشفافية والمشاركة الإلكترونية، إضافة إلى مشاركة الدارسين والباحثين البيانات والإحصاءات، لتعظيم الاستفادة من نتائج البحوث، ودعم وتنفيذ مبادرات ومشاريع التحول الرقمي، وزيادة القدرة على عرض النتائج وتحليلها ومشاركتها، بجانب دعم الإجراءات الاستباقية لمواجهة التحديات التي تواجه قطاعات منظومة البيئة والمياه والزراعة.
وتعمل الخدمة على إصدار أكثر من 150 لوحة معلومات تتضمن أكثر من 600 رسم بياني بشكل يومي لدعم اتخاذ القرار، بجانب إتاحة نحو 800 مجموعة مفتوحة من البيانات، وتوحيد بيانات أكثر من 15 نظاماً في منصة واحدة، ويُتوقع أن تسهم في تحسين دقة القرارات المتخذة في قطاعات الوزارة بنسبة تتجاوز 50 في المائة.


مقالات ذات صلة

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد مقر «المجموعة السعودية» في مركز الملك عبد الله المالي (الشرق الأوسط)

«السعودية للأبحاث والإعلام»: مواصلة إعادة هيكلة الأصول ودعم التوسع الاستثماري

أعلنت «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG) نتائجها المالية لعام 2025، حيث بلغت إيراداتها 2.673 مليار ريال (712.8 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
الاقتصاد الرميان يتحدث خلال مشاركته في قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الرميان: «صندوق الاستثمارات» يرسّخ استراتيجية طويلة الأجل ويستعد لمرحلة جديدة

أكد محافظ صندوق الاستثمارات العامة، ياسر الرميان، أن الاقتصاد السعودي يواصل الحفاظ على متانته واستقراره، مدعوماً بسياسات مالية وهيكلية قوية.

مساعد الزياني (ميامي)
خاص عدد من المركبات تستكمل إجراءات العبور في جسر الملك فهد الرابط بين السعودية والبحرين (واس)

خاص السعودية تكسر حصار مضيق هرمز بمنظومة ربط عابرة للقارات

كشفت السعودية عن تفوق منظومتها للنقل التي تحولت إلى رئة بديلة وشريان حياة يضمن استدامة تدفق التجارة العالمية في مواجهة تعطل مضيق هرمز الحيوي.

ساره بن شمران (الرياض)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.