لماذا يصعب هز شباك نيوكاسل تحت قيادة إيدي هاو؟

المدير الفني تطور كثيراً ولم يعد يعتمد على أفكار قديمة في عالم التدريب

لم يعد نيوكاسل يعتمد على الهجمات المرتدة السريعة كما كان يحدث مع بينيتيز (أ.ف.ب)
لم يعد نيوكاسل يعتمد على الهجمات المرتدة السريعة كما كان يحدث مع بينيتيز (أ.ف.ب)
TT

لماذا يصعب هز شباك نيوكاسل تحت قيادة إيدي هاو؟

لم يعد نيوكاسل يعتمد على الهجمات المرتدة السريعة كما كان يحدث مع بينيتيز (أ.ف.ب)
لم يعد نيوكاسل يعتمد على الهجمات المرتدة السريعة كما كان يحدث مع بينيتيز (أ.ف.ب)

أقرّ إيدي هاو مدرب نيوكاسل يونايتد مؤخراً أن مكانة الفريق الجديدة بوصفه منافساً شرساً في الدوري الإنجليزي الممتاز، ستصعّب من قدرته على التعاقد مع لاعبين من منافسيهم المباشرين في المستقبل. لعل وصول نيوكاسل إلى هذه المكانة تحت قيادة هاو، يعود إلى أسباب معينة نسردها على النحو التالي:

- إتقان الحيل الكروية
شعر المدير الفني الإنجليزي إيدي هاو ببعض الخجل عندما قيل له إنه يتحول إلى «دييغو سيميوني الجديد»! فخلال الفترة التي ابتعد فيها هاو عن التدريب بعد رحيله عن بورنموث، قضى فترة معايشة مع المدير الفني الأرجنتيني لنادي أتليتكو مدريد، دييغو سيميوني، وعاد بعد ذلك بأفكار جديدة، وتخلى تماماً عن أفكاره التقليدية السابقة. ولكي ندرك ذلك يجب أن نشير إلى أن قائد نيوكاسل، جمال لاسيليس، ورغم أنه قضى معظم فترات هذا الموسم على مقاعد البدلاء، فإنه قد حصل على إنذارين لعرقلة المنافسين أثناء محاولتهم تنفيذ رمية تماس في وقت متأخر من المباريات كان من الممكن أن تشكل خطورة على فريقه.
وخلال المباراة التي فاز فيها نيوكاسل على فولهام، وجَّه مساعد هاو، جيسون تيندال، رسالة إلى نيك بوب، ليسقط حارس المرمى على الأرض بعد ذلك بدقيقتين ويدعي الإصابة، دون أن يلمسه أي لاعب، ومن المؤكد أن الهدف من ذلك كان يتمثل في امتصاص حماس الفريق المنافس، ومنح زملائه بعض الوقت من أجل التقاط الأنفاس. وأثناء تلقي بوب «العلاج»، تم إيقاف اللعب، وهو ما مكّن هاو من توجيه تعليمات تكتيكية جديدة للاعبيه، كما رأينا لاعب الفريق جويلنتون، وهو يتنصت على الرسالة التي يوجهها المدير الفني لفولهام، ماركو سيلفا، للاعبيه!
ربما أخطأ هاو في أنه لم يطلب من حارس المرمى البديل مارتن دوبرافكا أن يجري عمليات الإحماء لتصبح هذه الحيلة متكاملة، وربما يرى سيميوني أن هاو كان ساذجاً لأنه لم يفعل ذلك! لكن هاو، الذي ينسق بشكل وثيق مع الظهير الأيمن السابق لأتليتكو مدريد، كيران تريبيير، لا يزال يتعلم هذه المهارات والحيل الكروية التي يتقنها سيميوني تماماً. وبالتالي، لم يكن من الغريب أن نرى لافتة ضخمة لمشجعي نيوكاسل في مدرجات ملعب «سانت جيمس بارك»، الشهر الماضي تحمل العبارة التي تعكس الطريقة التي يفكر بها هاو، حيث كتب عليها: «لسنا هنا لنكون محبوبين؛ نحن هنا لننافس».

إيدي هاو وحامي عرين نيوكاسل نيك بوب (رويترز)

- ماذا عن الخطط التكتيكية؟
يقول مدافع نيوكاسل السابق ستيفن تايلور: «كان إيدي يعلم أنه يجب عليه أن يتغير بعد تجربته مع بورنموث. لقد أصبح نيوكاسل تحت قيادته فريقاً صعباً للغاية على جميع المنافسين. إنه أفضل فرق الدوري الإنجليزي الممتاز من حيث اللياقة البدنية، كما أن الشراسة التي يلعبون بها تجعل من الصعب للغاية على المديرين الفنيين للفرق المنافسة إيجاد خطط مناسبة لكيفية إيقافهم». وربما يعود جزء من ذلك إلى الفترة التي قضاها هاو في إسبانيا خلال ابتعاده عن التدريب، وهذه المرة لقضاء فترة معايشة مع أندوني إيراولا، المدير الفني لنادي رايو فاليكانو، الذي يعتمد بشكل كبير على الضغط المتواصل على حامل الكرة. وفي بورنموث، كان هاو يعتمد على طريقة 4 - 4 - 2. لكنه الآن يعتمد على طريقة 4 - 3 - 3 التي يرى أنها مثالية للضغط العالي على المنافسين، بدءاً من الثلث الأخير من الملعب.
يلعب خط وسط نيوكاسل بشراسة هائلة في كثير من الأحيان، وينقض على المنافس، ويستغل أخطاءه، ويندفع إلى الأمام من أجل تقديم الدعم اللازم للخط الأمامي. ورغم أن لاعبي نيوكاسل يمررون الكرات ويتحركون بشكل رائع، فإنهم قادرون في الوقت نفسه على اللعب المباشر والسريع، في حال تطلب الأمر ذلك. ويقول تايلور إنه شعر ببعض الإحباط عندما رأى هاو في التدريبات للمرة الأولى، ويضيف: «في البداية يمكنك أن تشعر بأن ما يفعله بسيط للغاية، لكنك سرعان ما تدرك أن الحصة التدريبية ستكون شاقة جداً. هذه الشراسة تأخذ الأمور إلى مستوى مختلف».
وعندما يكون لاعبو نيوكاسل بحاجة إلى التقاط الأنفاس، فإنهم بارعون للغاية في اللجوء إلى الحيل، التي تساعدهم على ذلك، لدرجة أن تحليلاً حديثاً لإضاعة الوقت في الدوري الإنجليزي الممتاز - يركز على عدد الدقائق الفعلية التي تُلعب فيها الكرة أثناء المباريات - أظهر أن ليدز يونايتد هو الفريق الوحيد الذي لعب «دقائق فعلية أقل» من نيوكاسل هذا الموسم.

- الابتعاد عن الخطط السابقة لبينيتيز وبروس
تحت قيادة رافائيل بينيتيز، كان نيوكاسل يعتمد بشكل مثالي على الهجمات المرتدة السريعة، حيث كان يلعب بطريقة 3 - 4 - 3 ويتكتل في الخلف ثم ينطلق إلى الأمام بسرعة هائلة بمجرد الاستحواذ على الكرة. ثم سار ستيف بروس على النهج نفسه، حيث قال: «يتعين علينا أن ندافع بعمق، ونأمل أن ننفذ الهجمات المرتدة السريعة بشكل جيد بعد ذلك. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا اللعب بها». ومع ذلك، يجب الإشارة إلى أن الاستحواذ على النادي بقيادة المملكة العربية السعودية في أواخر عام 2021 ساعد هاو على إنفاق نحو 250 مليون جنيه إسترليني على التعاقد مع لاعبين جدد، لكن المدير الفني الإنجليزي نجح أيضاً في تطوير أداء العديد من اللاعبين القدامى مثل فابيان شير، وجويلينتون، وشون لونغستاف، وميغيل ألميرون.
وتتمثل الفكرة الأساسية لهاو في: «القوة هي هويتنا». وكُتبت هذه الرسالة عبر الجدران في ملعب التدريب الذي تم تجديده، وعاد الفريق للاعتماد على أربعة لاعبين في الخط الخلفي، وقد تم تدعيم ذلك بقوة، ليس فقط من خلال التعاقد مع الحارس المتميز بوب، الذي حافظ على نظافة شباكه مؤخراً في 10 مباريات متتالية، ولكن أيضاً من خلال التعاقد مع تريبير، واثنين من المدافعين الرائعين الذين يجيدون اللعب بالقدم اليسرى، وهما سفين بوتمان، ودان بيرن فارع الطول، الذي يصل طوله إلى 1.98 متر. وقد ساعدت هذه الصلابة الدفاعية المدافع السويسري فابيان شير، الذي يلعب بقدمه اليمنى، على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من تمريراته المتقنة ورؤيته الذكية للملعب.

- التواصل مع اللاعبين مهم للغاية
من المعروف عن هاو أنه بارع في التواصل مع اللاعبين، وأنه يجيد اختيار الكلمات التي يوجهها للاعبيه في كل مناسبة. وعلاوة على ذلك، فإنه يقضي ساعات طويلة في تحليل مقاطع الفيديو الخاصة بالفرق المنافسة، ثم يوجه تعليماته إلى اللاعبين بكلمات سهلة يمكنهم فهمها. يقول تايلور: «غالباً ما يتوقف لاعبو كرة القدم عن الاستماع بعد مرور ثماني دقائق، لكن إيدي هاو بارع في قول كل شيء مهم في خمس دقائق فقط، كما أنه بارع للغاية في تكوين علاقات قوية بلاعبيه».
يتفق جو ويلوك، لاعب آرسنال السابق ونجم خط وسط نيوكاسل حالياً، مع هذا الرأي، قائلاً: «إنه يجعل اللعبة بسيطة وواضحة حقاً، ويجعلك تفهم بسهولة ما يتعين عليك القيام به داخل المستطيل الأخضر. كما ساعدني على الوصول إلى أفضل مستوياتي البدنية على الإطلاق». ورغم أن العمل الجماعي شاق، فإن هاو يعرف جيداً كيف يتعامل مع كل لاعب على حدة. يقول ويلوك: «لقد جعلني أثق به تماماً، وقد ساعدني كثيراً. عندما تكون قادراً على التحدث مع المدير الفني على المستوى الشخصي فإن هذا يحدث فارقاً كبيراً».

- ماذا عن تقديم كرة قدم ممتعة؟
تم تعيين هاو على رأس القيادة الفنية لنيوكاسل من أجل إعادة حقبة «المتعة»، التي كان يقدمها نيوكاسل في التسعينيات من القرن الماضي، والتي بدأها كيفن كيغان، لكن هاو أصبح يلعب بطريقة عملية للغاية منذ ذلك الحين، ولم يعد ذلك المدير الفني الذي كان عاجزاً عن تنظيم خط دفاع فريقه عندما كان يتولى قيادة بورنموث. يقول المدير الفني البالغ من العمر 45 عاماً، وهو يشعر بالفخر بالطريقة التي تطور بها مستوى اللاعب البرازيلي غيماريش مع نيوكاسل: «لقد تغيرت قليلاً، فلدي أفكار جديدة وتطورت. لقد أصبحت مختلفاً بعض الشيء، لكنني ما زلت في الأساس المدير الفني نفسه، بالمبادئ والمعتقدات نفسها. لا يزال الهدف يتمثل في تقديم كرة القدم الممتعة التي كان يقدمها كيغان، فنحن نريد أن يأتي مشجعونا إلى المباريات لكي يستمتعوا. لذا فالأمر يتعلق بتقديم كرة قدم هجومية ممتعة، لكن يجب تحقيق الفوز أيضاً».
ومن الملحوظ للجميع، أن هاو نجح في تحويل جويلنتون من مهاجم غير قادر على القيام بمهامه الهجومية كما ينبغي، إلى لاعب خط وسط مقاتل، أو مهاجم يميل إلى اللعب على الأطراف، وهو الأمر الذي ساعد نيوكاسل على تحقيق الفوز في عدد كبير من المباريات. وأصبح من السهل أن نفهم لماذا وصف جوليان ناغيلسمان، المدير الفني السابق لجويلنتون في هوفنهايم، اللاعب البرازيلي بأنه عبارة عن «آلة» - ولماذا يشير المديرون الفنيون للفرق المنافسة إلى قوة العمل الجماعي لنيوكاسل، إذ يقول سيلفا: «نيوكاسل لديه لاعبون جيدون للغاية، لكنه أيضاً فريق قوي جداً من الناحية البدنية، ويمتاز عدد كبير من لاعبيه بالطول الفارع. إنهم خطيرون للغاية في الكرات الثابتة».


مقالات ذات صلة


هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟
TT

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

تتجه أنظار عشاق الساحرة المستديرة يوم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، ليس لمتابعة القمة المونديالية المرتقبة بين البرازيل والمغرب فحسب، بل لرصد ولادة شرارة النجومية الحقيقية لفتى السامبا الذهبي إندريك.

ومع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، عاد إلى الأذهان شريط ذكريات مونديال 1994 على الأراضي الأميركية ذاتها، عندما حطّ الفتى النحيل رونالدو نازاريو رحاله كبديل واعد، قبل أن يُصبح المهاجم الأسطوري الأكثر رعباً في تاريخ اللعبة.

اليوم، يجد إندريك نفسه تحت المجهر ذاته، يحمل إرث القميص الأصفر الثقيل وآمال أمة لا ترضى بغير الذهب، وسط تساؤلات ملحة: هل يملك الشاب الموهوب مقومات إعادة زمن «الظاهرة» الجميل؟

إندريك تحت مجهر «المستر»: صناعة البطل بأسلوب أنشيلوتي

لا يمكن فصل الانفجار الكروي المنتظر لإندريك عن وجود المحنك الإيطالي كارلو أنشيلوتي على رأس القيادة الفنية للسيليساو. أنشيلوتي، الذي يشتهر بقدرته الفائقة على ترويض المواهب الشابة وتحويلها إلى قوى ضاربة دون حرق المراحل، يمثل الأب الروحي المثالي لإندريك في هذه المرحلة الحرجة. الفيلسوف الإيطالي يعلم جيداً حجم الضغوطات الإعلامية التي تقارن الفتى برونالدو أو بيليه، لذلك ينتهج معه سياسة «الهدوء الذكي»، مانحاً إياه مساحات حرة للتعبير عن غريزته التهديفية الفطرية دون قيود تكتيكية صارمة قد تكبل موهبته.

يرتكز رهان أنشيلوتي على عقلية إندريك الانضباطية ونضجه المبكر الذي أظهره في فترات الحسم، إذ يرى فيه المهاجم العصري المتكامل القادر على التحرك بين الخطوط، والربط مع أجنحة مرعبة مثل فينيسيوس جونيور ورافينيا. ومع غياب نيمار جونيور عن التشكيل الأساسي في ضربة البداية، تتهيأ المساحة تماماً أمام إندريك ليكون الورقة الرابحة والوجه الجديد للهجوم البرازيلي.

بين عمر الفتى وذكريات «الظاهرة»

يخوض إندريك غمار مونديال 2026 وهو في سن التاسعة عشرة (ولد في 21 يوليو / تموز 2006)، ليُعيد إلى الأذهان شريط ذكريات الأسطورة رونالدو «الظاهرة» الذي وطئت قدماه الملاعب الأميركية في مونديال 1994 وهو ابن 17 ربيعاً فقط. ومع ذلك، تفترق المقارنة الفنية عند عتبة المشاركة الفعلية، فرونالدو تُوّج باللقب العالمي آنذاك دون أن يطأ المستطيل الأخضر لدقيقة واحدة في ظل سطوة الثنائي روماريو وبيبيتو، بينما يدخل إندريك البطولة الحالية كركيزة أساسية مرتقبة وورقة هجومية حاسمة يعول عليها كارلو أنشيلوتي لكسر التكتلات الدفاعية.

التوهج الأوروبي: أرقام الموهبة في الملاعب الفرنسية

رغم أن ملكيته الأصلية تعود لعملاق إسبانيا ريال مدريد، فإن إندريك صقل موهبته هذا الموسم عبر بوابة الإعارة مع نادي أولمبيك ليون الفرنسي منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث بصم على أرقام لافتة تعكس جاهزيته للمونديال، إذ خاض 16 مباراة، نجح خلالها في تسجيل 5 أهداف وصناعة 7 أهداف أخرى (إجمالي 12 مساهمة) في الدوري الفرنسي. لتكون الحصيلة الإجمالية 8 أهداف و8 تمريرات حاسمة في جميع المسابقات بعد تدوينه لهدفين في كأس فرنسا وهدف في الدوري الأوروبي، وكان أبرزها زيارته لشباك باريس سان جيرمان وثنائيته التاريخية الأولى في أوروبا.

ميزان الخصائص: هل يتطابق الفتى مع «الظاهرة» الأصلي؟

حين نضع الخصائص الفنية والظروف التاريخية للنجمين في ميزان المقارنة، نجد تبايناً مثيراً يرسم معالم «الظاهرة الجديدة»، فرغم أن رونالدو نازاريو استُدعي لمونديال 1994 بعمر 17 عاماً فقط حين كان لاعباً في كروزيرو البرازيلي، فإنه ظل حبيساً لدكة البدلاء طوال البطولة دون أن يشارك في أي دقيقة. في المقابل، يدخل إندريك مونديال 2026 وهو في سن 19 عاماً متسلحاً بخبرة الملاعب الأوروبية مع أولمبيك ليون الفرنسي (معاراً من ريال مدريد)، كركيزة أساسية ينتظرها دور محوري. وتكتيكياً، تميز رونالدو الأصلي بالسرعة الانفجارية الخارقة والمراوغة في المساحات الضيقة مع إنهاء أسطوري بالقدمين مستنداً إلى ثقة مطلقة وهدوء بارد أمام المرمى منذ صغره، بينما يمتاز إندريك بالقوة البدنية الهائلة، ودقة التسديد بعيد المدى، والذكاء الحاد في التموقع، مدفوعاً بنضج عائلي كبير وشغف جارف لإثبات ذاته وكتابة مجده الخاص.

طريق الخلود الكروي: شباك «الأسود» بوابته الأولى

إن كتابة الاسم بأحرف من ذهب في تاريخ الكرة البرازيلية تبدأ من ترويض المواعيد الكبرى، وسيكون الدفاع المغربي الحديدي غداً هو الاختبار الحقيقي الأول لإندريك. يدرك المهاجم الشاب أن مواجهة منظومة دفاعية قائدها أشرف حكيمي، ويحرسها ياسين بونو، تتطلب ما هو أكثر من مجرد المهارة، تتطلب دهاءً وحسماً من نصف فرصة. إذا نجح إندريك في فك الشفرة المغربية وقيادة السامبا لمنصات التتويج في هذا المونديال، فلن يكون مجرد «رونالدو جديد»، بل سيصنع سلالته الخاصة كظاهرة كروية خالدة تنطلق من أميركا لتسيطر على العقد المقبل.


صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»
TT

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

تتجه أنظار الملايين من عشاق كرة القدم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026

صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي

، الذي يحتضن قمة نارية مبكرة في دور المجموعات (المجموعة الثالثة) لمونديال 2026 بين المنتخبين المغربي والبرازيلي. لا تمثل هذه المواجهة صراعاً بين النجوم داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل هي معركة تكتيكية معقدة على مقاعد البدلاء تجمع بين مدرستين وفلسفتين متباعدتين يقودهما المغربي البلجيكي محمد وهبي

والإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي

.

أنشيلوتي وعباءة «التاريخ»: رحلة البحث عن سداسية السامبا

يمر أنشيلوتي بلحظة تاريخية فارقة، إذ يُعد أول مدرب أجنبي يقود منتخب البرازيل في نهائيات كأس العالم. منذ توليه القيادة في مايو (أيار) 2025 بعد مسيرة أسطورية مع نادي ريال مدريد الإسباني، نجح «المستر» في إعادة الهدوء والاستقرار إلى غرف ملابس «السيليساو» بعد فترة اضطرابات فنية طويلة.

الإيطالي كارلو أنشيلوتي مدرب منتخب البرازيل (أ.ب)

فلسفة أنشيلوتي لا تعتمد على التعقيد، بل على «إدارة المشاعر» ومنح النجوم الحرية المطلقة لإبراز مواهبهم الفطرية، وهو ما يفسر اعتماده على ترسانة هجومية ضاربة قوامها فينيسيوس جونيور ورافينيا ورودريغو. ورغم افتقاد التشكيلة للعمق في مراكز الأظهرة، وغياب نيمار جونيور عن المواجهة الافتتاحية بداعي الإصابة، لكن خبرة أنشيلوتي العريضة في المواعيد الكبرى تمنح البرازيل ثقلاً تكتيكياً قادراً على تفكيك أعقد الدفاعات.

وهبي وهندسة البناء: إرث «الركراكي» وطموح جيل جديد

على الطرف الآخر يدخل المدير الفني للمنتخب المغربي محمد وهبي

اللقاء تحت مجهر النقاد، بعد تسلمه المهمة في مارس (آذار) الماضي خلفاً لمهندس الإنجاز التاريخي في قطر وليد الركراكي.

وهبي، الذي بنى سمعته الأكاديمية وصنع ربيعه التدريبي في أروقة الفئات السنية لنادي أندرلخت البلجيكي

قبل قيادة شباب المغرب للقب العالمي، يجد نفسه أمام الاختبار الأقوى في مسيرته الاحترافية الأولى مع المنتخبات الأولى.

محمد وهبي (أ.ف.ب)

يرتكز أسلوب وهبي على التوازن والواقعية الصارمة، فهو يسعى للحفاظ على الهوية الدفاعية الصلبة التي جعلت من «أسود الأطلس» رابع العالم في قطر، مع محاولة ضخ مرونة هجومية أسرع مستغلاً تحركات إبراهيم دياز ومهارات عز الدين أوناحي.

ورغم الهزات والغيابات المقلقة التي ضربت معسكره مؤخراً بإصابة نايف أكرد وعبد الصمد الزلزولي، يعتمد وهبي على اللعب الجماعي المنظم وروح التحدي لإثبات أن الكرة المغربية قادرة على تكرار التفوق، بعد أن هزم المغرب البرازيل ودياً في طنجة شمال المملكة عام 2023

بنتيجة 2 - 1.

التفوق الأقوى وطريق التتويج: لمن تبتسم الأرض؟

المواجهة ستكون صراعاً علنياً بين التفوق الهجومي البرازيلي الكاسح

والتنظيم الدفاعي المغربي المستميت

. تكمن قوة البرازيل الأكبر في الحلول الفردية الخارقة في الثلث الأخير، بينما يراهن المغرب على حرمان الخصم من المساحات وتكثيف العمق الدفاعي أمام الحارس ياسين بونو.

الفائز في هذه المعركة لن يضمن فقط صدارة المجموعة الثالثة لتفادي مواجهات معقدة مبكرة ضد قوى مثل فرنسا أو إسبانيا في الأدوار الإقصائية، بل سيرسل إشارة قوية ومباشرة للمنافسين على لقب المونديال. هل ينجح دهاء أنشيلوتي في فك الشفرة المغربية، أم يكتب وهبي فصلاً جديداً من فصول العقدة الأفريقية للسامبا؟ الإجابة ستكتبها أقدام اللاعبين على عشب ميتلايف.

Your Premium trial has ended


«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»
TT

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

عندما يلتقي المنتخبان المغربي والبرازيلي في كأس العالم 2026، فإن المواجهة لن تكون مجرد مباراة في دور المجموعات، بل ستكون امتداداً لمسار كروي بدأ قبل نحو ثلاثة عقود. فمنذ اللقاء الودي الأول عام 1997 وحتى الصدام المرتقب في المونديال، شهدت كرة القدم المغربية تحولات عميقة نقلتها من موقع الباحث عن إثبات الذات إلى دائرة المنافسة مع كبار اللعبة. وفي المقابل، ظلت البرازيل حاضرة بصفتها المرجع التاريخي لكرة القدم العالمية، بما تملكه من إرث ثقيل وخبرة تراكمت عبر أجيال متعاقبة من النجوم.

البرازيل تدخل البطولة وهي تحمل إرث خمسة ألقاب عالمية وسمعة المنتخب الأكثر تأثيراً في اللعبة، في حين يصل المغرب بصفته صاحب أكبر إنجاز عربي وأفريقي في تاريخ كأس العالم بعد بلوغه نصف نهائي نسخة «قطر 2022».

وإذا كانت المواجهات السابقة تميل تاريخياً لصالح البرازيل، فإن الفارق الذي كان شاسعاً في التسعينات تقلص بصورة لافتة مع تطور المشروع الكروي المغربي، وهو ما يجعل مواجهة 2026 الأكثر توازناً بين المنتخبين منذ أول لقاء جمعهما قبل 29 عاماً.

بيليم 1997... عندما واجه المغرب أبطال العالم القادمين

في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) 1997، حل المنتخب المغربي ضيفاً على البرازيل في مدينة بيليم ضمن استعدادات المنتخبين لكأس العالم 1998.

كان المغرب بقيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال يعتمد على جيل ذهبي يضم الحارس مصطفى الشاذلي، والمدافع نور الدين النيبت، وصانع الألعاب مصطفى حجي، والمهاجم صلاح الدين بصير، وهي الأسماء التي ستصنع لاحقاً واحداً من أفضل المنتخبات المغربية في تاريخ كأس العالم.

في المقابل كانت البرازيل بقيادة المدرب الأسطوري ماريو زاغالو تعج بالنجوم. ضمت التشكيلة أسماء مثل رونالدو، أفضل لاعب في العالم آنذاك، وروماريو، ودينيلسون، وكافو، وروبرتو كارلوس، ودونغا.

صمد المغرب طويلاً أمام الضغط البرازيلي، قبل أن يظهر دينيلسون في الدقائق الأخيرة مسجلاً هدفي الفوز. ورغم الخسارة، خرج المتابعون بانطباع إيجابي عن المنتخب المغربي الذي نجح في مجاراة أحد أقوى منتخبات العالم لأكثر من ثمانين دقيقة.

فرنسا 1998... رونالدو يقود البرازيل لتأكيد التفوق

بعد أقل من ثمانية أشهر، التقى المنتخبان مجدداً في الجولة الثانية من دور المجموعات في كأس العالم بفرنسا.

دخل المغرب المباراة تحت قيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال بتشكيلة ضمت نور الدين النيبت وعبد الجليل هدا (كماتشو) ويوسف شيبو ومصطفى حجي وصلاح الدين بصير، وهي أسماء صنعت واحدة من أكثر الفترات إشراقاً في الكرة المغربية.

لكن البرازيل امتلكت، آنذاك، ما يمكن عدّه أحد أقوى خطوط الهجوم في تاريخ المونديال. فقد لعب رونالدو أساسياً إلى جانب بيبيتو، فيما قاد ريفالدو صناعة اللعب، مع وجود كافو وروبرتو كارلوس على الأطراف.

افتتح رونالدو التسجيل، وأضاف ريفالدو الهدف الثاني، قبل أن يختتم بيبيتو الثلاثية. ورغم النتيجة، أظهر المغرب شخصية قوية في البطولة، قبل أن يحقق لاحقاً فوزه الشهير على اسكوتلندا بثلاثية نظيفة ويغادر المسابقة بصورة أثارت كثيراً من الجدل بسبب نتائج المجموعة.

طنجة 2023... المغرب ينتصر لأول مرة

إذا كانت مواجهتا 1997 و1998 جسّدتا الفارق التقليدي بين المنتخبين، فإن مباراة طنجة في مارس (آذار) 2023 حملت صورة مختلفة تماماً.

المغرب بقيادة المدرب المغربي وليد الركراكي كان يعيش أفضل لحظاته التاريخية بعد أشهر قليلة من احتلال المركز الرابع عالمياً في مونديال قطر، في حين وصلت البرازيل في مرحلة انتقالية بعد رحيل المدرب تيتي.

وضمت التشكيلة المغربية أسماء أصبحت من نخبة كرة القدم العالمية؛ مثل ياسين بونو وأشرف حكيمي ونايف أكرد وسفيان أمرابط وحكيم زياش.

أما البرازيل فاعتمدت على كاسيميرو وفينيسيوس جونيور ورودريغو ورافينيا، لكنها افتقدت خدمات نيمار بسبب الإصابة.

في تلك الليلة، لم يكن الانتصار المغربي بنتيجة 2-1 مجرد فوز ودي، بل كان إعلاناً بأن المنتخب المغربي لم يعد يخوض المباريات الكبرى من أجل التعلم، بل من أجل الانتصار.

مقارنة بين جيل 1998 وجيل 2026

أحد أهم الفوارق بين المنتخب المغربي في التسعينات ونظيره الحالي يتمثّل في نوعية الخبرة الدولية.

جيل 1998 كان يضم مواهب استثنائية مثل مصطفى حجي والنيبت وبصير، لكنه كان يعتمد على عدد محدود من اللاعبين المحترفين في البطولات الأوروبية الكبرى.

أما الجيل الحالي فيضم لاعبين أساسيين في أندية النخبة الأوروبية. فحكيمي قادماً من باريس سان جيرمان، وبونو من كبار حراس العالم، وأكرد وأمرابط وزياش يمثلون جيلاً اعتاد اللعب في أعلى المستويات القارية.

في المقابل، لم تتغير هوية البرازيل كثيراً. فكما امتلكت رونالدو وريفالدو وروبرتو كارلوس في التسعينات، تمتلك اليوم فينيسيوس جونيور ورودريغو وبرونو غيمارايش وأليسون وإيدير ميليتاو.

من يملك الأفضلية في 2026؟

منتخب البرازيل خلال حصة تدريبية قبل بدء كأس العالم (إ.ب.أ)

على مستوى القيمة السوقية والأسماء الفردية، لا تزال البرازيل تتفوق بوضوح. فهي تمتلك لاعبين مرشحين سنوياً للمنافسة على الكرة الذهبية، وفي مقدمتهم فينيسيوس جونيور.

لكن كرة القدم الحديثة أثبتت أن البطولات الكبرى لا تُحسم بالأسماء فقط. فالمغرب يملك اليوم واحداً من أكثر المنتخبات تنظيماً في العالم، بالإضافة إلى خبرة نفسية اكتسبها من الانتصارات على بلجيكا وإسبانيا والبرتغال في مونديال قطر.

لاعبو المنتخب المغربي ومعنويات مرتفعة في حصة تدريبية قبل مواجهة البرازيل (أ.ف.ب)

ولهذا يرى كثير من المحللين أن البرازيل تدخل المباراة مرشحة بنسبة تقارب 60 في المائة مقابل 40 في المائة للمغرب، وهي نسبة تعكس حجم التطور الذي حققه «أسود الأطلس» مقارنة بفترة التسعينات عندما كانت الأفضلية البرازيلية شبه مطلقة.

بين رونالدو وفينيسيوس... وبين حجي وحكيمي

إذا كان رونالدو قد مثّل رمز التفوق البرازيلي في مونديال 1998، فإن فينيسيوس جونيور يمثّل اليوم الوجه الجديد لكرة القدم البرازيلية. وعلى الجانب المغربي، انتقلت الراية من مصطفى حجي، صاحب الكرة الذهبية الأفريقية عام 1998، إلى أشرف حكيمي الذي يُعد أحد أفضل الأظهرة في العالم.

وبين هذَين الجيلين تُختصر قصة المواجهات المغربية البرازيلية نفسها: منتخب برازيلي يحاول الحفاظ على مكانته التاريخية، ومنتخب مغربي يسعى إلى تحويل إنجازاته الأخيرة إلى واقع دائم. لذلك فإن مواجهة 2026 تبدو أكثر من مجرد مباراة، إذ تُعدّ اختباراً حقيقياً لمعرفة ما إذا كان المغرب قادراً على الاقتراب أكثر من النخبة العالمية، أم أن البرازيل ستؤكد أن التاريخ لا يزال يقف إلى جانبها.