وزيرة خارجية فرنسا لـ«الشرق الأوسط»: نعمل مع السعودية لدعم الاستقرار في المنطقة

كولونا أكدت التعاون مع «شركائنا الأوروبيين للتصدي للسلوك الإيراني»

وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا (إ.ب.أ)
وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا (إ.ب.أ)
TT

وزيرة خارجية فرنسا لـ«الشرق الأوسط»: نعمل مع السعودية لدعم الاستقرار في المنطقة

وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا (إ.ب.أ)
وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا (إ.ب.أ)

(حوار سياسي)
في المقابلة التي خصَّت بها «الشرق الأوسط»، قالت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا، التي تقوم بأول زيارة لها لمنطقة الخليج تشمل السعودية والإمارات، إن المنطقة «تعاني من انعدام الاستقرار المزمن والمتصاعد»، وإن تعزيز العلاقات بين فرنسا من جهة، والسعودية وأبوظبي من جهة أخرى، «يمكن اعتباره وسيلة للرد على هذا الواقع».
ورأت الوزيرة أن الشرق الأوسط يعاني من الأزمات، وأن إيران «تعتمد نهجاً تصعيدياً» من خلال أنشطتها المزعزعة للاستقرار، مشيرةً إلى برامج طهران النووية والباليستية والمسيَّرات وإلى تهديداتها المباشرة، فضلاً عن لجوئها إلى وكلائها في المنطقة وأبعد منها، كمشاركتها في الحرب الروسية على أوكرانيا، فضلاً عن القمع الذي تمارسه في الداخل ضد مواطنيها، واعتمادها سياسة احتجاز الرهائن. وأكدت كولونا أن فرنسا «عازمة على الوقوف» في وجه هذه التهديدات، وأنها ستبقى «وفيّة لالتزاماتها تجاه أمن شركائها» في منطقة الخليج، وأنها «ساعية لتعزيز التعاون مع السعودية من أجل إيجاد حلول للأزمات الإقليمية».
وحسب الوزيرة الفرنسية، فإن المنطقة يمكنها «الاستناد إلى السعودية والإمارات بوصفهما قطبي استقرار المنطقة»، وأكدت أن «باريس ترغب في تعزيز العلاقات مع الرياض في المجالات كافة، وأنها تدعم (رؤية 2030)».
وحول أزمات المنطقة والتي منها الملف اللبناني، أكدت كولونا أن اللبنانيين «ضحايا نظام مفلس»، وأن هدف باريس الأول الاستمرار في مساعدتهم ودعم المؤسسات التي تضمن سيادة واستقلال لبنان، مكررةً دعوة بلادها الطبقة السياسية إلى تسهيل انتخاب رئيس للجمهورية، وتسهيل قيام حكومة تعمل على تنفيذ الإصلاحات كخطوة أولى نحو الإنقاذ.
وفي الوقت الذي ستصل الحرب الروسية على أوكرانيا قريباً إلى عتبة عامها الثاني، أكدت كولونا أن موقف باريس «الواضح» يقوم على توفير الوسائل العسكرية التي تحتاج إليها كييف للدفاع عن سيادتها واستعادة السيطرة على كامل أراضيها، وأن باريس «مستمرة» في هذا النهج بما في ذلك الدعم العسكري، وفي ما يلي نص المقابلة:
> معالي الوزيرة، تقومين بأول زيارة للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، فما الرسالة التي تحملينها للمنطقة وشركائها؟
- شكراً لكم، بدايةً دعني أوضح أنني أحمل رسالة بسيطة ألا وهي أنّه يمكن لبلدان هذه المنطقة من العالم، التي اشتدت معاناتها من الأزمات، التعويل على فرنسا، خصوصاً مع عدم الاستقرار المزمن والمتعاظم الذي أصبح واقعاً في المنطقة. ويمثل تعزيز العلاقات مع شركائنا في منطقة الخليج، لا سيّما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، سبيلاً لمواجهة هذا الواقع. وتتحقق مصلحتنا المشتركة في ذلك. واختارت روسيا الاعتداء على أوكرانيا، منذ قرابة عام، وإعادة الحرب إلى القارة الأوروبية. وتتسبب حربها في سقوط عشرات الآلاف من القتلى ودمار يعجز الكلام عن وصفه. ورأيت هذا الدمار بأمّ عيني خلال الزيارة التي أجريتها لأوديسا الأسبوع الماضي. وتتطلب منّا مواجهة هذا الوضع العمل معاً في سبيل إرساء الاستقرار مجدداً في جميع المجالات التي تفتقر إليه، كمجالات الأمن والاقتصاد والطاقة والغذاء. ويجب علينا العودة إلى مبادئ ميثاق الأمم المتحدة المشتركة الواضحة في هذا الصدد، فهي تنص على أنّه لا يحق لأي بلد اجتياح بلد مجاور، ويسري هذ المبدأ في أوروبا وفي الشرق الأوسط وفي جميع أنحاء العالم.
وحقيقةً، منطقة الشرق الأوسط تعاني من الأزمات كذلك، وتواجه المنطقة في المقام الأول التصعيد الذي تتعمد إيران قيادته من خلال الاضطلاع بأنشطة مزعزعة للاستقرار في جميع أنحاء المنطقة. وتفاقِم عدة بؤر توتر مخاطر تعسر الوضع؛ على غرار تعاظم أعمال العنف في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، والفراغ السياسي المستمر في لبنان، وعدم الاستقرار في اليمن وتقلّب الوضع فيه بلا اتفاق وقف إطلاق النار، والفشل في سوريا التي دمّرتها حكومتها وباتت تمثل فريسة لمطامع البلدان المجاورة لها. لذا، أكرر أنّ فرنسا تفي بالتزامها بدعم شركائها في منطقة الخليج وأمنهم، وهي مستعدة لتعزيز التعاون مع المملكة العربية السعودية بغية حل الأزمات الإقليمية ومكافحة بؤر عدم الاستقرار في المنطقة.
ويجب علينا استنفار كل طاقتنا بغية تعزيز الحوار مهما تطلب الأمر، وعلينا انتهاز كل الفرص سعياً إلى حصر رقع الصراعات.
ولا توفر فرنسا جهداً إلا وتبذله لهذه الغاية، وهو ما كان يرمي عقد مؤتمر بغداد الثاني في ديسمبر (كانون الأول) المنصرم بالقرب من البحر الميت إلى تحقيقه. وينطوي التعاون بين بلدان المنطقة على إمكانات عظيمة، لذا يجب تجسيده بأفعال وتحويله إلى واقع. ويجب الحث على التعاون في هذه المنطقة المضطربة بما يحقق مصالح الجميع بصورة عامة، ومن أجل شعوب المنطقة بصورة خاصة. وتتضمن المنطقة مَواطن استقرار، لا سيّما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
وحقيقةً، شرعنا بالفعل مع المملكة العربية السعودية في إقامة شراكة راسخة، ونرغب في تعزيز كل أوجهها في مجالات الاقتصاد والطاقة والثقافة. وتدعم فرنسا «رؤية 2030» التي طرحها ولي العهد، وتسعى منشآتنا إلى تعزيز مواكبتها للمملكة في مشاريع التحوّل الاقتصادي والاجتماعي التي تضطلع بها والانتقال الذي تقوده في مجال الطاقة. ونشيد كذلك بالزخم الاستثنائي الذي يتسم به تعاوننا الثقافي، ويتجسد هذا التعاون الاستثنائي في مثالين بارزين، ألا وهما شراكتنا المتميزة في محافظة العلا وفي مجال البحوث الأثرية.
ونحن نقيم علاقة مع الإمارات عريقة تتميز بزخم فريد مثلما تبلوره الزيارات الرفيعة المستوى الحديثة بين البلدين. ونرغب في تعزيز تعاوننا مع حليفنا وشريكنا على الصعيد الاستراتيجي، الذي ردّت فيه فرنسا فوراً وبالفعل على الهجمات التي ارتُكبت منذ عام على الإمارات، وكذلك على الصعيد الاقتصادي والثقافي وفي مجال الصحة. وسأشدد خلال زيارتي كذلك على خالص تمنياتنا بالتوفيق للإمارات في استضافتها الدورة الثامنة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ في نهاية عام 2023، وسأذكّر باستعداد فرنسا للإسهام في إنجاح هذه الفعالية التي يجب أن ترتقي نتائجها إلى مستوى طموح أهدافنا المشتركة.
وأضيف كذلك أنني سألتقي الأمين العام الجديد لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي تولى مهامه منذ فترة وجيزة. ويثبت محفل مجلس التعاون لدول الخليج العربية قدرة المنطقة على التغلّب على الاختلافات سعياً إلى تحقيق الوحدة والإسهام في إرساء السلام. ويكتسي ذلك أهمية بالغة في فترة الاضطراب التي تواجهها المنطقة.
> هنالك الكثير من المشكلات التي تعانون منها، وكذلك المنطقة، مع سلوك إيران التي لا تنفك عن ممارسة سياسة التصعيد، فما نظرة فرنسا إلى هذا التصعيد المضاعف؟ وما ردكم عليه؟
- بدايةً، نحن نواجه طريقاً مسدودة فيما يتعلق بخطة العمل الشاملة المشتركة كما تعلمون، وتتحمل إيران كامل مسؤولية هذا الوضع. ولم تقتنص إيران فرصة قبول النص الذي قدمه المنسّق الأوروبي، العام المنصرم، بعد عدة أشهر من المفاوضات، بغية استئناف الامتثال لاتفاق عام 2015، مع أنّه كان أفضل اقتراح يمكن تقديمه. وتواصل إيران بموازاة ذلك تصعيدها النووي المثير للقلق الشديد وعرقلة عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ونثابر وشركاؤنا سعياً إلى استنباط حل دبلوماسي للوضع الراهن. وندعو إيران إلى تنفيذ جميع التزاماتها وواجباتها الدولية. ولا نزال عازمين على منع إيران من الحصول على أسلحة نووية.
غير أنّ مصادر قلقنا لا تنحصر في الموضوع النووي، للأسف، فإيران تهدد محيطها الإقليمي وتسعى إلى زعزعة استقراره. وتعمل إيران مباشرةً في البلدان المجاورة لها وعبر وسطاء يحققون مصالحها، وإنّ هذه الأنشطة المزعزعة للاستقرار آخذة في التصاعد. ويتجلى الأمر بوضوح عند النظر في جميع الملفات التي تشمل الملف النووي بطبيعة الحال، وكذلك الزيادة الهائلة في ترسانة الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيَّرة عن بُعد، فضلاً عن استخدامها في حالات حقيقية في العراق على سبيل المثال، ونشر هذه الوسائل بإرسالها إلى روسيا وإلى جهات فاعلة غير الدول في المنطقة. وتُولِّد بذلك إيران بؤرة عدم استقرار واسعة وتحرص عليها.
وأكرر أننا عازمون على التصدي لها، ونتواصل على نحو وثيق مع شركائنا الدوليين والإقليميين في سبيل التصدي لهذا الوضع من خلال التركيز على عمليات نقل الطائرات المسيَّرة عن بُعد والصواريخ التي تضطلع بها إيران انتهاكاً للقرار «2231» الصادر عن مجلس الأمن. وأرغب في التشديد في هذا الصدد على أنّ سلوك إيران إزاء بعض البلدان الشريكة لا يصرف النظر عن وضعها الداخلي الكارثي على الصعيد الاقتصادي وفي مجال الحقوق الأساسية، ثم أود أن أضيف موضوعين أساسيين يثيران القلق:
الأول يتناول المشاركة الإيرانية في جهود الحرب الروسية في أوروبا. ونحن نستنفر طاقتنا بالفعل بغية التصدي لتهديد نقل الطائرات المسيَّرة الإيرانية إلى روسيا. وتوظّف هذه القدرات لدعم هجمات تستهدف السكان والبنى التحتية المدنية الأوكرانية، وقد تعد هذه الهجمات جرائم حرب. وتتواطأ إيران مع روسيا في الحرب العدوانية التي تخوضها في أوكرانيا، والتي تنتهك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وكان رد فعل الاتحاد الأوروبي حازماً، فتمثل في فرض مختلف أنواع الجزاءات على كيانات ضالعة في عمليات النقل هذه وعلى أشخاص مشاركين فيها.
والآخر يتناول سياسة احتجاز الرهائن التي تنتهجها إيران، استهدافاً للأوروبيين بصورة خاصة، وهي تعد موضوعاً مهماً كذلك. ولا يمكن قبول سياسة الاحتجاز التعسفي هذه بغية الضغط على حكوماتنا. وقررنا وشركاؤنا الأوروبيون العمل معاً على صياغة ردود ملائمة في سبيل الإفراج الفوري عن رهائن الدولة هؤلاء، لأننا نعدهم رهائن دولة. ويدل ذلك على وحدتنا وعزمنا، وهو ما يسري على فرضنا عدة رزمات من العقوبات على مسؤولين عن القمع، وهي تشمل وزراء وأعضاء في الحرس الثوري الإيراني.
> البعض لا يرى أي مَخرج للأزمة اللبنانية في المرحلة الراهنة، كيف تعتزمون مساعدة هذا البلد، لا سيّما أنّ رئيس الجمهورية وعد بتقديم «مبادرات» بغية مساعدة لبنان؟
- للأسف يعاني لبنان، البلد الذي يحبه فرنسيون كثيرون، من فراغ رئاسي منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول)، أدخله في أزمة منقطعة النظير، وتتعدد أوجه هذه الأزمة؛ فالنظام المالي انهار في البلد، واقتصاده يعاني أشد المعاناة، وأواصر المجتمع آخذةٌ بالتفكك، وبلغ الوضع السياسي فيه طريقاً مسدودة.
ويتمثل هدفنا الأول في مواصلة دعم السكان، بما أنّ القادة لا يعانون بطبيعة الحال، بل من يعاني بالفعل هو الشعب اللبناني.
وحشدنا، منذ وقوع انفجار المرفأ في الرابع من أغسطس (آب) 2020، بتحفيزٍ من رئيس الجمهورية، وسائل ترتقي إلى مستوى التحديات، فجمعنا مساعدة استثنائية بلغت قيمتها 100 مليون يورو، قدمناها بعد مؤتمر الدعم الذي عُقد في شهر يوليو (تموز) 2021 لدعم مجالات الصحة والأمن الغذائي والتعليم، وقطعنا التزامات مع شركائنا في منطقة الخليج، لا سيّما المملكة العربية السعودية، تجسدت في استحداث آلية إنسانية مشتركة في بداية عام 2022، أتاحت بصورة خاصة تمويل أربعة مشاريع يستفيد منها الشعب اللبناني على نحو مباشر بلغت قيمتها 28 مليون يورو، خُصص 12.5 مليون يورو منها لدعم مستشفى طرابلس الحكومي.
ويعاني اللبنانيون من هذا النظام الفاشل، ويستحق اللاجئون السوريون والفلسطينيون دعماً يتيح لهم العيش بكرامة كذلك. ودأبت فرنسا على مبدأ دعم المؤسسات التي تضمن سيادة لبنان واستقلاله. وأمسى مُلحّاً أن يكفّ المسؤولون اللبنانيون عن تعسير الإصلاحات ومنع استنباط حل يمهّد للانتخابات الرئاسية. واستنفدت الأزمة وقتاً طويلاً بالفعل، ويعاني لبنان من استنزاف مواهبه وأُنهك اقتصاده، وبات البلد أكثر عرضة لتداعيات الاضطرابات الإقليمية والعالمية. ويتجسد الحل ببساطة في انتخاب رئيس إجماع، وتعيين حكومة تعمل من أجل تحقيق مصلحة البلد، وتنفيذ إصلاحات تتيح لصندوق النقد الدولي التدخل. ولا تألو فرنسا جهداً إلا وتبذله في هذا الصدد، وكنت قد ذكّرت بذلك خلال زيارتي للبنان في أكتوبر المنصرم، وننسق تنسيقاً وثيقاً مع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي وشركائنا الأساسيين في المنطقة بغية إحراز تقدم في هذا الملف.
> ما زالت فرنسا على موقفها المعارض بشدة «لتطبيع» العلاقات مع نظام الأسد مع أن الكثير من البلدان الصديقة لكم قامت بذلك... هل من الوارد أن يستمر الوضع على ما هو عليه؟ ماذا تطلبون من الحكومة السورية فعلياً؟
- تعترض فرنسا على البربرية والوحشية، وأسباب العرقلة توجد في دمشق وليست في باريس ولا في بروكسل ولا حتى في نيويورك. ويتعنّت النظام في رفضه مفاوضة أسس السلام المستدام التي طُرحت في القرار «2254» الذي اعتمده مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع في نهاية عام 2015، ولا يتحتم على فرنسا أن «تطبّع» علاقاتها مع نظام أُدين مجدداً الأسبوع الماضي بشن هجوم بالأسلحة الكيميائية في مدينة دوما في 7 أبريل (نيسان) 2018، ومع نظام يكذب ويرفض الاستنتاجات المحايدة المنبثقة عن تحقيقات اضطلع بإجرائها خبراء مستقلون. ويثبت التقرير الذي نشرته منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في 27 يناير (كانون الثاني) الماضي مجدداً أن نظام الأسد لم يتردد في استخدام غاز الكلور ضد المدنيين. وتعدّ هذه المرة التاسعة التي تنسب فيها آليات الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى النظام السوري بصورة محايدة استخدام الأسلحة الكيميائية.
وبذلك ينبغي للنظام أن يطبّع علاقاته مع المجتمع الدولي وشعبه الذي كان وما زال يسعى لتدميره تدميراً منهجياً. وأضيف أن النظام السوري وحلفاءه يضطلعون بقوة بالاتجار في المخدرات بصورة مطّردة، وذلك ما يمثل مصدراً مهماً لعدم الاستقرار في المنطقة. وينبغي لذلك إيجاد حل سياسي لأنه أمر مهم من أجل أمننا المشترك.
ولهذا السبب يطلب مجلس الأمن من النظام السوري أموراً بسيطة، ألا وهي انخراطه في عملية سياسية تتسم بالمصداقية والشمولية برعاية الأمم المتحدة، وذلك على سبيل المثال من خلال كفّه عن معارضة اجتماع اللجنة الدستورية، ووضعه حداً للاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتهديدات الجسدية والتعذيب، وتعاونه مع عائلات المفقودين والإفصاح عن حقيقة مصيرهم، وإتاحة العودة الطوعية والكريمة والآمنة لما يربو على 6 ملايين سوري لاجئ في الدول المجاورة. ونحن، على عكس بشار الأسد، نهتم لأمر الشعب السوري الذي عانى على مدى 12 عاماً أشد المعاناة. وتواصل فرنسا دعمها تلبيةً لاحتياجات الشعب السوري الطارئة، ويبقى الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء أكبر المسهمين في المساعدة الإنسانية الدولية، إذ تخطت مساهماتهم ما قيمته 27.4 مليار دولار منذ عام 2011.
> علاقات فرنسا مع الجزائر والمغرب كانت دوماً «معقَّدة»، ونقرأ هنا وهناك عن وجود توترات بين فرنسا والمغرب، فيما علاقتكم بالجزائر في أفضل حالاتها. لقد زرتم الرباط مؤخراً، فهل ترتبط هذه الزيارة بمسألة الصحراء الغربية؟ وكيف تصفون علاقاتكم بالمغرب؟
- المغرب والجزائر شريكان أساسيان وصديقان لفرنسا. ويرغب رئيس الجمهورية في ترسيخ العلاقات الوثيقة التي تربط فرنسا بكل منهما، إذ نتشارك الكثير من الأمور، وينطوي ذلك على إيلاء أهمية بالغة للشباب الذين يمثلون القلب النابض لعلاقاتنا الثنائية. وذهبت لزيارة المغرب في 15 و16 ديسمبر الماضي. وكانت الزيارة إيجابية جداً، وأتاحت إبراز قيمة الشراكة الاستثنائية التي تربط بلدينا، بعيداً عن الصعوبات التي لا مفرّ من وقوعها في بعض الأحيان نظراً إلى طبيعة العلاقة الوطيدة للغاية بين البلدين. وسبق ورأيتم انخراطنا مع الجزائر في حركية جديدة وباعثة على الأمل وطموحة للغاية ترقى إلى مستوى علاقتنا. وباختصار، أنا أؤمن بأننا سنتطلّع بعزم إلى المستقبل واحتمالاته مع هذين البلدين العزيزين علينا اللذين نشاركهما الكثير من الأمور وبرغبة مشتركة أيضاً.
> قُلتم حديثاً في مقابلة متلفزة إنّه لم يَحن وقت المفاوضات بين أوكرانيا وروسيا وإنّه يجب أن «تتمكن أوكرانيا من تعزيز توازن القوى لمصلحتها واستعادة بعض من أراضيها»... هل يمكنكم تفسير موقفكم بوضوح أكثر لو سمحتم؟
- اتخذت فرنسا موقفاً واضحاً منذ البداية، ويتمثل هدفنا في توفير السبل التي تتيح لأوكرانيا الدفاع عن سيادتها واستعادة سلامة أراضيها. وسنواصل دعم أوكرانيا في جميع المجالات التي تشمل المجال العسكري بغية تحقيق هذه الغاية.
أما فيما يتعلق بمواقف البلدان العربية، فيبلور تصويت أغلبية بلدان المنطقة المؤيِّد لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي صدر في 12 أكتوبر المنصرم ويدين «ضم» روسيا «غير القانوني» للأراضي الأوكرانية، رفض البلدان العربية الواضح للتشكيك بالحدود المعترف بها دولياً بقوة السلاح، ويشدد على التزامها المتجدد من أجل احترام سيادة البلدان الوطنية.
وأدرك تماماً شدة الضرر الذي يعاني منه عدد من بلدان المنطقة من جراء الحرب العدوانية الروسية على أوكرانيا. وأعني بذلك طبعاً انعدام الأمن الغذائي الذي فاقمته الحرب والتداعيات التي قد تؤثر سلباً في الاستقرار الاجتماعي والسياسي في بعض البلدان. وأحرص في هذا الصدد على الإشادة بالدعم متعدد الأوجه والإنساني الذي قُدّم لأوكرانيا في عام 2022، وأدعو مختلف البلدان إلى مواصلة توفير مساعدتها.
وسعينا إلى درء هذه التداعيات والتخفيف من حدتها، فأنشأنا، بمبادرةٍ من فرنسا وعلى نحو جماعي، التحالف العالمي من أجل الأمن الغذائي وآليته «الفعلية» المتمثلة في مهمة تعزيز القدرة على الصمود في مجالَي الغذاء والزراعة، بغية الحفاظ على شفافية الأسواق الزراعية، وتعزيز التضامن مع البلدان الضعيفة الأكثر تضرراً، والاستثمار في الإنتاج المحلي المستدام.
وأُدرك بموازاة ذلك أنّ جزءاً من الرأي العام في البلدان العربية يشعر بأنّ التزام ما تسمى صورة عامة الغرب وحشده يختلف وفقاً للمواضيع. ولا أعتقد أنّ هذا هو النهج السليم بغية تناول الموضوع، فإذا ساد حكم الأقوى في أوكرانيا، ستستنتج قوى عدوانية أخرى في أماكن أخرى في العالم أنه بإمكانها أن تمس أمن البلدان المجاورة لها بلا عقاب. وقامت إيران بالفعل بدعم مجموعات أطلقت صواريخ استهدفت مناطق في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وأعربنا في هذه الحالات عن تضامننا الذي لا يقبل الشك من خلال تزويد الإمارات العربية المتحدة بوسائل عسكرية إضافية. ولا تقوم أفعالنا على ازدواج المعايير، فنحن نسترشد بالقانون.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

السعودية تطلق خدمة التأشيرة الإلكترونية في 7 دول

أطلقت السعودية خدمة التأشيرة الإلكترونية كمرحلة أولى في 7 دول من خلال إلغاء لاصق التأشيرة على جواز سفر المستفيد والتحول إلى التأشيرة الإلكترونية وقراءة بياناتها عبر رمز الاستجابة السريعة «QR». وذكرت وزارة الخارجية السعودية أن المبادرة الجديدة تأتي في إطار استكمال إجراءات أتمتة ورفع جودة الخدمات القنصلية المقدمة من الوزارة بتطوير آلية منح تأشيرات «العمل والإقامة والزيارة». وأشارت الخارجية السعودية إلى تفعيل هذا الإجراء باعتباره مرحلة أولى في عددٍ من بعثات المملكة في الدول التالية: «الإمارات والأردن ومصر وبنغلاديش والهند وإندونيسيا والفلبين».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق «ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

«ملتقى النقد السينمائي» نظرة فاحصة على الأعمال السعودية

تُنظم هيئة الأفلام السعودية، في مدينة الظهران، الجمعة، الجولة الثانية من ملتقى النقد السينمائي تحت شعار «السينما الوطنية»، بالشراكة مع مهرجان الأفلام السعودية ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). ويأتي الملتقى في فضاءٍ واسع من الحوارات والتبادلات السينمائية؛ ليحل منصة عالمية تُعزز مفهوم النقد السينمائي بجميع أشكاله المختلفة بين النقاد والأكاديميين المتخصصين بالدراسات السينمائية، وصُناع الأفلام، والكُتَّاب، والفنانين، ومحبي السينما. وشدد المهندس عبد الله آل عياف، الرئيس التنفيذي للهيئة، على أهمية الملتقى في تسليط الضوء على مفهوم السينما الوطنية، والمفاهيم المرتبطة بها، في وقت تأخذ في

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

مطارات السعودية تستقبل 11.5 مليون مسافر خلال رمضان والعيد

تجاوز عدد المسافرين من مطارات السعودية وإليها منذ بداية شهر رمضان وحتى التاسع من شوال لهذا العام، 11.5 مليون مسافر، بزيادة تجاوزت 25% عن العام الماضي في نفس الفترة، وسط انسيابية ملحوظة وتكامل تشغيلي بين الجهات الحكومية والخاصة. وذكرت «هيئة الطيران المدني» أن العدد توزع على جميع مطارات السعودية عبر أكثر من 80 ألف رحلة و55 ناقلاً جوياً، حيث خدم مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة النسبة الأعلى من المسافرين بـ4,4 مليون، تلاه مطار الملك خالد الدولي في الرياض بـ3 ملايين، فيما خدم مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة قرابة المليون، بينما تم تجاوز هذا الرقم في شركة مطارات الدمام، وتوز

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.