تعليم الفلسفة للأطفال في بعض التجارب الدولية

دول اعتمدتها وأعدت مدرسين وحققت تقدمًا وراكمت خبرات

تعليم الفلسفة للأطفال في بعض التجارب الدولية
TT

تعليم الفلسفة للأطفال في بعض التجارب الدولية

تعليم الفلسفة للأطفال في بعض التجارب الدولية

مع انتعاش النقاش حول تدريس الفلسفة للأطفال، يزداد اليقين لدى البعض أنه لا بد من خوض تجارب لمراكمة ما يمكن مراكمته من خبرات، في أفق توسيع دائرة المهتمين بهذا النوع من التدريس. كما يزداد اليقين لدى البعض الآخر، بكون هذا التدريس لا يمكنه أن يتحقق نظرا لمجموعة من الاعتبارات.
من الأسئلة البديهية والأولية التي تطرح في كل نقاش حول تدريس الفلسفة للأطفال: هل يمكن للطفل أن يتفلسف؟ ما هي المداخل الممكنة لضمان تعليم فلسفي للأطفال؟ هل يتعلق الأمر بتدريس مفاهيم، كما هو الحال في المستويات التعليمية الأخرى، أم أن الأمر يتعلق بتبسيط موضوعات فلسفية للطفل؟ هل للطفل أسئلة فلسفية ووعيه الذاتي لم يتشكل بعد؟ هل يشترط التفلسف وعيا بالذات؟ ألا يمكن أن تكون لهذا التعليم انعكاسات سلبية على الطفل؟ كيف يمكن ضمان عدم أدلجة تعليم الطفل؟ ألا يستهدف تعليم الفلسفة للأطفال ترويضهم لخدمة أهداف سياسية؟
في حقيقة الأمر وبعيدا عن الديماغوجية، لا نرى مانعا في الدفاع عن حق الطفل في التفلسف، إذا اعتبرنا أن التفكير الفلسفي هو تفكير نقدي ينبني على التساؤل، ويعزز القدرات النقدية في التفكير وإعمال العقل، خاصة في عالم اليوم، حيث غذت النزعة الاستهلاكية شرا لا بد منه، وحيث يتم تلقين الإنسان مبادئ السوق الحرة منذ الطفولة. ذلك أن آليات التنشئة الاجتماعية صارت معقدة للغاية، وتغلغلت إليها مبادئ كانت بالأمس القريب، مرفوضة تماما. في الوقت نفسه، نجد أن للفكر الفلسفي حضورا قويا خارج المؤسسات، بفضل تنامي المقاهي الفلسفية، والجامعات الشعبية، وتغلغل الفلاسفة الجدد (فيما يشبه نجوم الفن) إلى وسائل الإعلام، وحيث وجدت الفلسفة أنصارا ومريدين لها في مجالات أخرى شتى.
أمام حضور الفلسفة هذا، صار البحث عن توسيع دائرة المهتمين بتدريس الفلسفة للأطفال أمرا ملحا. فالأصوليات الجديدة اخترقت كل المجالات، وهيمنت على مؤسسات التربية والتعليم، وخاصة مؤسسة تربية الناشئة وتكوينها. ونقصد تحديدا، الأصولية النيوليبرالية (الرأسمالية ونظام السوق الحرة)، والأصولية الدينية. فهل يمكن السكوت أمام هذا الزحف؟
لم يكن تدريس الفلسفة للأطفال عتيقا جدا، بحيث لم تظهر هذه الفكرة إلا في نهاية الستينات من القرن الماضي، في أميركا بفضل جهود ماثيو ليبمان. وخطوة خطوة حذت دول أخرى في مختلف بقاع العالم حذو هذه المبادرة.

الفلسفة للأطفال في أميركا

كان ماثيو ليبمان يبحث عن طريقة لتبسيط الفكر المنطقي لطلابه في المرحلة الجامعية. وفكر في أنه من المستحسن، تدارك ذلك في حداثة سنهم. ولهذا السبب كتب روايته القصيرة المعنونة بـ«اكتشاف هاري سوتلمير»La découverte d’Harry Sottlemeier، الموجهة للأطفال، ما بين سن العاشرة والثانية عشرة، حيث يمكن لمجموعة أطفال البحث عن قواعد التفكير السليم. وبالتعاون مع أنا مارغريت شارب، كتب روايات أخرى، على منوال منهج المناقشة السقراطية (التوليد) بين التلاميذ، حول الاتيقا (التسليم بجملة من المبادئ أو الأوامر المحددة لكيفية التعامل بين الأفراد، وحسن تدبير شؤون الحياة) والجماليات والسياسة، والابستمولوجيا. وهو ما شكل في مجموعه برنامجا للفلسفة خاصا بالأطفال ما بين سن الخامسة والثالثة عشرة. ترتكز منهجية ليبمان، الأكثر شهرة في العالم، على ثلاث وسائل:
- تطوير ثقافة السؤال في المدرسة، من خلال الانطلاق من أسئلة الأطفال نفسها. ­ حث الأطفال على كتابة نصوص سردية تتمحور حول انتماء الطفل إلى شخصيات وحالات (تستحضر البعد الانثربولوجي). ­
تخصيص حيز للكلام والتبادل في القسم للمشاكل العالمية: البيئة، الفقر، اللامساواة. وتكون المناقشة حرة، شريطة استحضار النقد والدليل والحجة.
فلسفة لأطفال الأرجنتين

بدأت تجارب تدريس الفلسفة للأطفال في الأرجنتين سنة 1989، داخل مدرسة خصوصية في بونيس أيرس. وظهر المركز الأرجنتيني لتعليم الفلسفة للأطفال سنة 1993 في جامعة المدينة. حيث ترجم برنامج ليبمان ونشر، ونشرت معه بعض المعدات الموجهة لتدريس الفلسفة للأطفال. وهي التجربة التي دفعت إلى انطلاق تجارب أخرى في مدن أخرى، من قبيل مدينة كاتامارا، ودعم المبادرة في مدارس أخرى، إلى جانب تخصيص برنامج إعداد مدرسين في هذا التخصص في مدارس الأساتذة.

البرازيل

لقي نموذج ماثيو ليبمان نجاحا باهرا في البرازيل، حيث نشأ معهد تدريس الفلسفة للأطفال سنة 1989 بساو باولو. وجرى إعداد آلاف الأساتذة لتدريس الفلسفة للأطفال، في برنامج ليبمان، قبل انطلاق التجربة في كل ربوع البلاد. ويمكن أن نؤكد وجود ما يقارب الـ10 آلاف مدرس و100 ألف طفل يعيشون تجارب مختلفة في تدريس الفلسفة في المدارس العمومية والخاصة.
تأخر بريطاني

لا توجد أي مبادرة لتدريس الأطفال في بريطانيا قبل سنة 1990. ولكن كانت هناك مجموعة صغيرة من المربين، ومن ضمنهم روبير فيشر الذي يشغل منصب مدير برنامج مهارات التفكير في جامعة برونيل، وهو مهتم بتدريس الفلسفة للأطفال. ولقد أثار مشروعه الانتباه وأخذ بالاعتبار، بعد الشريط الوثائقي الذي بتثه قناة بي بي سي BBC البريطانية سنة 1990. تحت عنوان «سقراط لأطفال السنة السادسة من العمرSocrates for 6 - years old»، الذي لقي إقبالا واسعا جدا، حيث جرى سنة 1991. إنشاء مؤسسة النهوض بالفلسفة في التعليم، بهدف تعزيز تجربة الفلسفة للأطفال. بعد ذلك بثلاث سنوات، دشنت المؤسسة تجربة إعداد أساتذة لتدريس الفلسفة للأطفال، بنيت على نموذج ماثيو ليبمان، وقد انطلقت التجربة بالفعل.

أستراليا

لا نملك الكثير من المعطيات حول هذا البلد، غير أنه تم دمج تجربة تدريس الفلسفة للأطفال في المدارس الابتدائية.

اليابان

اشتغل الأستاذ تاكارا والأستاذ إيفا مارسال، بشكل مكثف، منذ سنة 2003. على مشروع بحث دولي، تحت عنوان: «Das Spielals Kulturtechnik»، ويعالج في جانب منه، تدريس الفلسفة للأطفال. وهناك مبادرة بحث ألمانية - يابانية (DJFPK) تخص تدريس الفلسفة للأطفال، انطلقت في أغسطس (آب) من سنة 2006. بدعم من المدرسة العليا للتربية بكارلسروه Karlsruhe، والغرض من هذه المبادرة هو خلق أرضية نظرية صلبة تخص تدريس الفلسفة للأطفال، حول فلاسفة الغرب من أمثال: سقراط، هيوم، غوته، روسو، كانط، نيتشه وغيرهم. كذلك حول فلاسفة الشرق من أمثال: تاكاجي، هياشي، تسو كوكي، والمربي توشياكي أوز. والغرض من هذه المبادرة، هو تقريب المفاهيم الانثربولوجية عند أطفال اليابان والألمان معا. ومما لا شك فيه أن هذه التجربة هي تجربة نوعية جدا بالنظر إلى أهدافها الكبرى، حيث تجدد اللقاء مرة بين الشرق والغرب حول الفلسفة، ومن المؤكد أن كلا البلدين يعي جيدا حجم المبادرة.

طرق أخرى

ليست طريقة ليبمان وحدها المنتشرة والمعروفة في هذا المجال، بل هناك طرق أخرى أهمها:
1 - طريقة أوسكار برينيفييهOscar Brenifier
ترتكز طريقة أوسكار برينيفييه وأسلوبه على التوليد السقراطي، بحيث يقدم للأطفال مفاهيم فلسفية: الرأي، الحقيقة، الوعي... بأسلوب مبسط يتوخى حصول التجريد في ذهن المتعلمين الصغار. وتقدم هذه المفاهيم في سلسلة رسوم مصورة، تمثل وضعيات تسمح للطفل بالتعبير عن رأيه، أو دهشته، أو رفضه، أو قبوله لبعض الأفكار أو الوضعيات المعروضة. ولقد لقيت هذه الطريقة بدورها إقبالا واسعا في العالم الفرنكفوني.
2 - طريقة جاك ليفين Jacques Lévine:
وتعتمد هذه الطريقة على مقاربة التحليل النفسي، وتستهدف تعميق حالات الذات المفكرة، حيث يطرح الأستاذ على التلاميذ في مرحلة أولى، مشاكل عامة ستعنيهم مباشرة في مراحل متقدمة من عمرهم من قبيل: البلوغ والرشد وغيرهما، ويطالبهم بإبداء آرائهم في الموضوع من دون أن يتدخل في نقاشاتهم.
ويتمكن التلاميذ في مرحلة ثانية، من التعبير عن رأيهم الخاص. ويسجل ذالك في شريط لمدة 10 دقائق لكل تلميذ. وفي النهاية (المرحلة الثالثة)، يتم عرض الشريط لمناقشته حرة، مع إمكانية توقيفه في أي لحظة لتعميق النقاش. وهي طريقة ترتكز أساسا على مبدأ التعبير الحر، من دون تدخل المدرس.



تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

(Jermy Black، A History of the Modern World: from 1950 to the Present Day (Arcturus Publishing Ltd، London، 2026

للوهلة الأولى يتساءل المرء: هل يمكن لكتاب واحد لا يتجاوز طوله 254 صفحة أن يلم بأحداث 76 عاماً كانت من أحفل الأعوام بأحداث جليلة شكلت تصوراتنا للحياة عقب الحرب العالمية الثانية؟ الإجابة أن مؤلف الكتاب - وهو أستاذ للتاريخ بجامعة إكستر البريطانية - ينجح في بلوغ هذا الهدف شبه المستحيل وذلك من خلال تركيزه على الانفجار السكاني العالمي، وتغيرات المناخ والاحتباس الحراري، وانتشار قيم ليبرالية جديدة بخصوص الأقليات، ودخول التلفزيون كل بيت تقريباً، وعصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية الدولية، والاكتشافات في مجال الفضاء، والتقدم الطبي والتكنولوجي.

يقسم المؤلف كتابه إلى فصول تحمل هذه العناوين: البيئة، الإنسانية، المجتمع، التقنيات، الاقتصاد، الثقافة، السياسة العالمية، السياسة القومية - النظر إلى المستقبل. وأقتصر هنا، في ضوء الحيز المكاني المتاح، على عرض جانب واحد من هذه الجوانب هو الجانب الثقافي.

جان بول سارتر

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين معسكرين: المعسكر الشرقي ويمثله الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، والمعسكر الغربي الرأسمالي وتمثله الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. اعتنق المعسكر الأول مبدأ «الواقعية الاشتراكية» في الفن والأدب، بينما مال المعسكر الثاني إلى التجريب الحر شكلاً ومضموناً. وانعكس الصراع بين هذين القطبين المتقابلين على الكثير من بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كما في الجدال الذي ثار في أكثر من قطر عربي حول عقيدة «الفن للفن» وعقيدة «الفن للمجتمع».

ومع بداية الألفية الثالثة جنحت الثقافة - مع الاقتصاد والاجتماع - إلى العولمة نتيجة لمحو الأمية (كما حدث في الصين) وارتفاع نسبة المتعلمين في العالم الثالث والدخول في عصر الرقمنة. وتجلى ذلك في عدة مجالات: الرياضة البدنية، والسينما، والتلفزيون، وفلسفات ما بعد الحداثة، والموسيقى الدارجة، والفن التشكيلي، والعمارة.

فالرياضة البدنية - خصوصاً كرة القدم - أصبحت وثيقة الارتباط بالسياسة. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة عديد من الدول لجنوب أفريقيا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري بين البيض والسود، ثم في فترة أحدث ما ثار من خلاف حول مشاركة روسيا في دورة 2024 الأولمبية بعد غزوها لأوكرانيا.

وفي مجال الفن السينمائي أكد النموذج الأميركي وجوده بافتتاح عدة مدن ترفيهية على نسق «ديزني لاند» في كاليفورنيا وفلوريدا ثم في طوكيو وباريس (استقبل هذا الأخير في عام 2022: 375 مليون زائر).

ولكن الفيلم الأميركي لم يكن الوحيد في الساحة فقد نافسته السينما الإيطالية بأفلام «الواقعية الجديدة» منذ أواخر الأربعينات، وفرنسا بأفلام «الموجة الجديدة» في أواخر الخمسينات، والسينما الألمانية الجديدة (من أعلامها فيرنر هرتزوج) في الفترة 1962- 1982، والسينما الهندية (بوليود) غزيرة الإنتاج، والسينما النيجيرية (المعروفة باسم نوليود)، أما السينما الصينية فظلت موثقة إلى عجلة النظام السياسي. وظهرت أفلام جريئة في نقدها للسياسات الأميركية، مثل فيلم «يوم القيامة الآن» (1979) وهو إدانة لحرب أميركا في فيتنام.

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي

وأدى انتشار التلفزيون إلى تراجع نسبي في عدد متابعي الإذاعة والسينما، وارتفاع ممثلي الشاشة الصغيرة إلى شهرة لا تقل عن شهرة أبطال الأفلام السينمائية. وكثرت المسلسلات التي تتناول الحياة الاجتماعية فضلاً عن الحلقات الفكاهية والبوليسية. وتزايدت ساعات الإرسال وظهرت قنوات فضائية جديدة. ومن المسلسلات التي حظيت بنسبة مشاهدة عالية مسلسلات تركية وبعض مسلسلات عربية.

فإذا جئنا إلى مجال الفلسفة والأفكار وجدنا أن الوجودية التي أرسى قواعدها كيركغارد الدنماركي وهايدغر الألماني وسارتر الفرنسي كانت قوية التأثير في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع مسرح العبث الذي كتبه صمويل بكيت ويوجين يونسكو وأرتور أداموف. ولكن ظل الوجودية بدأ ينحسر مع ظهور البنيوية على أيدي فرنان دى سوسير وكلود ليفي ستراوس ورولان بارت. وأعقبتها مذاهب ما بعد الحداثة مثل التفكيكية (جاك دريدا) وفلسفات ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير وهي ترتوي من الأنظمة الفكرية للماركسية والتحليل النفسي الفرويدي.

على أن هذه ظلت في الأغلب الأعم فلسفات أوروبية وغربية لم تترك أثراً يذكر في العالم الإسلامي وفي الصين. وفي العالم العربي كان الجدل يدور أساساً بين النظرة إلى العالم من منظور ديني والنظرة من منظور علماني.

وفي مجال الرواية أفسحت روايات الحداثة عميقة المحتوى (مثل روايات جيمس جويس وأندريه جيد وتوماس مان وفرانز كافكا) الطريق لأعمال أكثر مبيعاً وأعظم رواجاً مثل روايات أجاثا كريستي التي ترجمت إلى أكثر من مائة لغة، وحظيت الأفلام المأخوذة عن رواياتها مثل «جريمة في قطار الشرق السريع» (1974) و«موت على النيل» (1984) بملايين المشاهدين.

وتتكامل الصورة مع الكلمة في كتاب جيرمي بلاك فنجد فيه، إلى جانب الخرائط والرسوم البيانية، عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية لشخصيات وأحداث وأماكن شتى تجتمع على رسم صورة حية لأجواء العصر الحديث في عقل القارئ ومخيلته.


هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟
TT

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم. والكتاب مرافعة متعددة المداخل ضد الغباء، ضد أبرز أشكاله وتجلياته منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وضد من يقف وراء تعميمه من أجل تحويل الناس إلى أغبياء بكل الطرق الممكنة، وحتى عبر القراءة.

يتكون الكتاب من 15 فصلاً، تعالج موضوع القراءة من منظور ثقافي، وتطرح العديد من التساؤلات حولها، بوصفها أساساً للمعرفة، وبوصفها قد تكون أحياناً موضوعاً لإنتاج الغباء، فهي ليست دائماً وسيلة للتقدم، بل قد تصبح إحدى وسائل إعادة إنتاج التخلف، الذاتي والجمعي، ليست القراءة فقط، بل الكتابة أيضاً. وهو ما يتبدّى في عناوين بعض الفصول، مثل «الكتابة من أجل المال لا تنتج غير الهراء»، و«الكاتب النجم، والكاتب النيزك»، في إشارة إلى أن بعض الكتّاب يُضيئون سريعاً وينطفئون سريعاً. كما يناقش في فصول أخرى موضوعات ثقافية ملحة في الواقع الثقافي والأدبي العربي، مثل «صناعة الثقافة والخداع الجماهيري»، و«هل أصبحت الرواية أفيون الشعوب؟».

ولنادر كاظم، الذي يعمل حالياً أستاذاً للدراسات الثقافية في جامعة البحرين، العديد من الإصدارات، منها «تمثيلات الآخر»، و«الهوية والسرد»، و«استعمالات الذاكرة»، و«خارج الجماعة»، و«الشيخ والتنوير»، و«كراهيات منفلتة»، وغيرها من الكتب المعنية بالنظرية النقدية والدراسات الثقافية.

من أجواء الكتاب نقرأ:

«يُروى أن بليني الأكبر (23م - 79م)، عالم الطبيعة الروماني، كان مهووساً بالقراءة، وأنه كان يقرأ باستمرار، وفي كل مكان؛ على المائدة، وفي الرحلات والسفر، وفي الحمام عندما يدلك الخدم بدنه ويجففونه، بل كان الرجل يُحمل في أرجاء روما على كرسي من أجل أن يتفرّغ للقراءة، حتى إنه وبّخ، مرة، ابن أخيه، بليني الأصغر، لأنه كان يمشي على قدميه ويُهدِر وقته بلا فائدة. كان الرجل يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب جيدة أو رديئة. على الضد من هذا، كان آرثر شوبنهاور يشمئز من هوس بليني الأكبر الغريب بالقراءة، بل اعتبر هذا الهوس علامةً على الغباء، وكأنّ الرجل كان (يفتقر بشدة إلى أفكاره الخاصة، لدرجة أنه كان لا بد من نقل أفكار الآخرين إليه باستمرار، تماماً كما يُعطى الحساء الصافي لمريض السل لإبقائه على قيد الحياة). كان بليني الأكبر، بحسب شوبنهاور، عاجزاً عن التفكير الذاتي، فعوّض هذا العجز بكثرة القراءة. وماذا تفعل كثرة القراءة؟ إنها تشل تفكيرنا، وتجعلنا أغبياء أكثر مما كنا، فهل هذا صحيح؟».


36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
TT

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)

أعلن منظمو مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن)، الأربعاء، أن كندا ستشارك لأول مرة في المسابقة إلى جانب 35 دولة أخرى على الأقل في نسخة العام المقبل، فيما ستغيب آيرلندا وهولندا عن الحدث بسبب مشاركة إسرائيل، مع ترقب قرار إسبانيا وسلوفينيا وآيسلندا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن 36 هيئة بثّ سترسل ممثليها الوطنيين إلى الدورة 71 من المسابقة التي ستقام بمدينة بورغاس في بلغاريا في مايو (أيار)، بزيادة مشارك واحد عن عام 2026.

وقاطعت كل من إسبانيا وهولندا وآيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا المسابقة هذا العام، التي جذبت جمهوراً عالمياً بلغ 130 مليون مشاهد، بعد أن دعت إلى طرد إسرائيل بسبب حملتها العسكرية على غزة في أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وذكرت إسرائيل حينها أن هناك حملة تشويه عالمية ضدها.

وأكدت هيئة البثّ العامة الإسرائيلية (راديو كان) مشاركتها، بينما أكدت آيرلندا وهولندا أنهما ستتغيبان مرة أخرى عن مسابقة عام 2027.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن هيئة الإذاعة العامة الإسبانية (آر تي في إي) وهيئة البث الوطنية السلوفينية (آر تي في إس إل أو) أمامهما مهلة حتى ديسمبر (كانون الأول) لتأكيد مشاركتهما. وألمح مجلس إدارة هيئة البثّ العامة في آيسلندا (آر يو في) في سبتمبر (أيلول) إلى احتمال عدم المشاركة، مع عدم اتخاذ قرار نهائي بعد.

كتب مارتن غرين، مدير مسابقة «يوروفيجن»، في بيان: «في عالم يتزايد فيه الشعور بالانقسام، تجمع المسابقة الجماهير عبر الموسيقى، متجاوزة الحدود واللغات والثقافات، وهذا أمر مهم الآن أكثر من أي وقت مضى».

وإلى جانب مشاركة كندا لأول مرة، تضم قائمة المشاركين في المسابقة مقدونيا الشمالية، التي تعود إلى المسابقة للمرة الأولى منذ عام 2022، وبلغاريا المضيفة، بالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وأستراليا.