علاجات إلكترونية لالتهاب المفاصل

غرسات تحت الجلد لتحفيز الأعصاب

الغرسة الإلكترونية    ---   تحفيز العصب المبهم
الغرسة الإلكترونية --- تحفيز العصب المبهم
TT

علاجات إلكترونية لالتهاب المفاصل

الغرسة الإلكترونية    ---   تحفيز العصب المبهم
الغرسة الإلكترونية --- تحفيز العصب المبهم

يعكف العلماء الأميركيون على إجراء دراسات معمقة يأملون أن تؤكد أفضلية أداء العلاجات الإلكترونية وتفوقها على العلاجات الدوائية للأمراض الالتهابية.
ويشير الباحثون إلى النجاح الذي حققته السيدة مونيك روبرويك، التي عانت في الماضي من التهاب مفاصلٍ مضنٍ كان يمنعها من السير بسهولة في الغرفة رغم تناولها لأفضل الأدوية. ولكن غرسة إلكترونية زُرعت تحت جلدها قبل عشر سنوات مكّنتها من التخلّص من كلّ الأدوية والاستمرار بحياتها دون آلام حتّى أصيبت أخيراً بمرضٍ فيروسي تسبب في انتعاش التهاب المفاصل لديها من جديد.
ونقلت إيلي دولغن في مقال نشره موقع مجلة جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركية، عن د. فريدا كوبمان، طبيبة متخصصة بالتهاب المفاصل في المركز الطبي الأكاديمي التابع لجامعة أمستردام، وصفها لاستراحة روبرويك الطويلة من المرض بالـ«مثيرة جداً للإعجاب» والنادرة بين مرضى التهاب المفاصل. تسلّط تجربة المريضة الضوء على الإمكانات الهائلة التي يتمتّع بها ما يُعرف بطبّ الإلكترونيات الحيوية، أو العلاجات الإلكترونية، هذا المجال الناشئ لعلاج الأمراض التي كانت غالباً تعالج بواسطة الأدوية التقليدية المتوفرة.
ولكنّ روبرويك كانت مريضة استثنائية أيضاً. ففي تجربة شملت 17 شخصاً قادتها كوبمان لاختبار ما إذا كانت عملية تحوير أنماط الإرسال الكهربائي في النظام العصبي قد تسهم في تخفيف الالتهابات والآلام الناتجة عن التهاب المفاصل، حقّقت روبرويك وحدها تراجعاً ملحوظاً ومستداماً في حدّة مرضها، بحسب ورقة بحثية نُشرت عام 2016.

غرسات إلكترونية

تُزرع غرسة «ست بوينت» SetPoint بجانب العصب المبهم vagus nerve الذي يمتدّ من الدماغ نزولاً حتّى أعصاب الطحال وأعضاء حيوية أخرى.
قد تكون الدراسات التجريبية كالتي أجرتها كوبمان مهمّة، ولكنّ اليقين العلمي يتطلّب تجارب عشوائية تشمل عيّنات كاذبة. وقريباً، سيتمكّن الأطبّاء، وعلماء الأعصاب، ومهندسو البيولوجيا من تكوين فهمٍ أفضل عن أداء الإلكترونيات العلاجية.
ومن المزمع أن تقدّم شركة «ست بوينت ميديكال» التي رعت تجربة كوبمان الأولى، في أواخر هذا العام تقريراً يستعرض النتائج الأولية لدراسة «ريسيت آر آي»، التي تُعدّ أوّل معاينة واسعة النطاق لاستخدام التحفيز العصبي في علاج أحد أمراض المناعة الذاتية. وكما التجربة الأولى، تستهدف دراسة «ريسيت آر آي». العصب المبهم، الموصل الأوّل للاتصال بين الدماغ والجسم، في محاولة لمحاربة الالتهابات.
يمكن القول إنّ التوقعات مرتفعة؛ فرغم أنّ الأجهزة التي تسخّر النبضات الكهربائية باتت منتشرة في عالم الطب، تركّز هذه المنصّات جميعها على الدوائر العصبية التي تؤثر بشكلٍ مباشر على الأنسجة المريضة. وعلى سبيل المثال، تساعد المحفّزات الدماغية العميقة في تخفيف أعراض مرض باركينسون من خلال قرصنة مركز السيطرة الحركية في الدماغ. في مقال علمي نُشر عام 2002. تحدّث كيفن تريسي عمّا أسماه «ردّ الفعل الالتهابي» «inflammatory reflex”، أي الشبكة العصبية التي تنظّم بشكلٍ غير مباشر ردود الأفعال المناعية على الإصابات والأمراض من خلال العصب المبهم والأعضاء المرتبطة به.

تنشيط الأعصاب

وكان تريسي، جرّاح الأعصاب السابق الذي يترأس معاهد فينشتاين للأبحاث الطبية في مانهاست، نيويورك، أوّل من بيّن أنّ تنشيط العصب المبهم في الفئران يمكن أن يثبط إفراز الجزيئات ذات الإرسال المناعي. لاحقاً، ربط جرّاح الأعصاب السابق التأثير بإرسالات العصب المبهم التي تتجه إلى الطحال، وهو عضو الجسم بحجم قبضة اليد موجود في المعدة حيث تنشط الخلايا المناعية. وفي عام 2007. شارك تريسي في تأسيس شركة «ست بوينت» لاستخدام هذا العلاج في العيادات.
أعادت الشركة بداية تحديد هدف غرسة استخدمت في الماضي للسيطرة على النوبات لدى مرضى الصرع. عزّزت «ست بوينت» معايير التحفيز بالاعتماد على دراسات على القوارض قبل إعطاء الأجهزة للمرضى ومنهم روبرويك. حصلت الأخيرة والمشاركون الآخرون في التجربة على مولّد نبضات بحجم الكعكة زُرع جراحياً داخل صدورهم، تفرّع منه سلكٌ امتدّ على طول الجهة اليسرى من العنق حيث التفّ قطبٌ كهربائي حول العصب المبهم. أصدر الجهاز ذبذبات تنشيطية طفيفة لمدّة دقيقة كاملة أربع مرّات كلّ يوم.
في ذلك الوقت، قلق بول بيتر تاك، عالم مناعي ورائد أعمال في مجال التقنيات الحيوية شارك في التجربة مع كوبمان، من رفض مرضى الالتهاب العصبي الخضوع لجراحة وفكرة زراعة غرسة تحت جلدهم. ولكن بعد الإعلان عن الدراسة على التلفزيون الهولندي، انبهر تاك بعدد الطلبات التي قدّمها مرضى تعبوا من الأدوية والحقن. يقول تاك: «لم أخطّط لهذا البحث السوقي. لقد تفاجأت بأنّ الكثير من المرضى يفضلون عملية جراحية واحدة ونهائية».
خرجت الدراسة بنتائج واعدة ولكنّ الجهاز نفسه كان مرهقاً، مما دفع «ست بوينت» إلى تعديل المنصّة وتقليصها إلى ناقلٍ عصبي بحجم حبّة الفستق مجهّز بأقطاب كهربائية مدمجة وبطارية تُشحن لاسلكياً موظّبة جميعها في قالبٍ سيليكوني يستقر مباشرة على العصب المبهم في العنق. من جهته، وصف ديفيد تشرنوف، رئيس القسم الطبي في «ست بوينت»، الأمر «بالانتقال من استخدام سيارة قديمة إلى أخرى من نوع تسلا - لقد أعيد تصميم الجهاز بالكامل».
وثبُتت سلامة استخدام هذا الجهاز في تجربة صغيرة أجريت عام 2018. اليوم، دخلت دراسة «ريست آر آي». التي شملت 250 شخصاً لم يحصل نصفهم على تنشيط كهربائي في أوّل 12 أسبوعاً بعد زرع الغرسة، مرحلة تقييم الفعالية. وإذا ثبتت فعاليتها، قد نشهد تجارب على أمراض مناعية ذاتية أخرى.
تعمل شركات أخرى حالياً على اختبار أجهزة تستهدف أعصاباً أقرب إلى مركز التنشيط المناعي - أي في «الجزء الفعّال من الجسم»، كما وصفها كريستوف فام، رئيس شركة «غالفاني بيو إلكترونيكس» البريطانية. يحاجج فام بأنّ مقاربة تعريض العضو الأساسي للتنشيط العصبي ستفتح المجال أمام تحويرٍ عصبي أكثر دقّة، ولاستهداف المرض دون تأثير تحفيز العصب المبهم على أماكن أخرى غير معنية.
واليوم، يعمل «غالفاني»، في مشروع مشترك بين «ألفابيت» من «غوغل» وشركة «جي إس كي». المتخصصة في الصناعات الدوائية، على تقييم محفّز العصب الطحالي المزروع في عدد محدود من مرضى الالتهاب العصبي. بدورها، تعمل شركة أخرى اسمها «ساكند ويف سيستمز» في مينيابوليس، على اختبار ما إذا كانت الموجات فوق الصوتية الموجّهة على الطحال تستطيع تقديم تأثيرات التسكين المناعي نفسها ولكن دون عبء التدخّل الجراحي. تتوقّع الشركتان الإعلان عن أوّل البيانات البشرية هذا العام.
يقول جين سيفيليكو، عالم متخصص بالتقنيات العصبية في جامعة نورث إيسترن، بوسطن، والذي أشرف سابقاً على جهود بحثية في مجال الإلكترونيات الحيوية في معاهد الصحة الوطنية في الولايات المتحدة: «التعديل العصبي في أوجّه. والتحكّم بالنسيج العصبي بدقّة زمانية ومكانية سيكون الطريق إلى علاج أو تحوير الكثير من الأوضاع المرضية». وتأمل «ست بوينت» ومعها الكثير من الشركات الأخرى أن تثبت صحّة كلامه خلال هذا العام.


مقالات ذات صلة

ماذا يحدث عند شرب شاي الزنجبيل يومياً؟

صحتك كوب من شاي الزنجبيل (بيكسلز)

ماذا يحدث عند شرب شاي الزنجبيل يومياً؟

يُستخدم الزنجبيل منذ قرون، سواء في صورة شاي، أو كتوابل، أو كمكمّل غذائي، لتهدئة المعدة وتخفيف الغثيان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الوجبة المتوازنة في السحور تساعد على استقرار مستوى السكر في الدم (بيكسلز)

كيف تصوم بطريقة صحية؟ نصائح أساسية لشهر رمضان

يُعدّ الصيام جزءاً أساسياً من العديد من التقاليد الدينية، ويمكن ممارسته بأمان في معظم الحالات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك قطعة من الخبز تحتوي على الأفوكادو والطماطم (بيكسلز)

لماذا يُفضَّل دائماً تناول الأفوكادو مع الطماطم؟

تحظى الأطباق التي تجمع بين الطماطم والأفوكادو بشعبية واسعة بفضل مذاقها الشهي وتناسق نكهاتها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك قطع صغيرة من السكر (بيكسلز)

«سبليندا» أم «ستيفيا»: أي مُحلٍّ أفضل لمستوى السكر في الدم؟

يُعد كلٌّ من «سبليندا» (السكرالوز) و«ستيفيا» من المُحلّيات غير المُغذّية التي لا ترفع مستويات السكر في الدم بشكل ملحوظ عند استخدامها بكميات معتدلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الهرم الغذائي الجديد (موقع وزارة الزراعة الأميركية)

جدل حول الهرم الغذائي… عصر «قليل الدهون» قد يكون وراء السمنة والسكري

أثار الهرم الغذائي المقلوب الذي طرحته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جدلاً في أوساط خبراء التغذية، لأنه يمنح وزناً أكبر للألبان واللحوم والأطعمة الدهنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

3 طرق مدعمة علمياً لقياس النزاهة

3 طرق مدعمة علمياً لقياس النزاهة
TT

3 طرق مدعمة علمياً لقياس النزاهة

3 طرق مدعمة علمياً لقياس النزاهة

تُعدّ النزاهة، التي تُفهم على أنها ميلٌ للتصرف بطرق اجتماعية وأخلاقية ومبدئية بدلاً من الطرق الفاسدة أو الأنانية، من أقوى المؤشرات وأكثرها ثباتاً في التأثير على الأداء الوظيفي وعلى فاعلية القيادة. والسبب في ذلك واضحٌ تماماً، كما كتب توماس تشامورو-بريموزيك(*).

القيادة جهد جماعي لا فردي

إن القيادة، مهما كان سياقها، جهدٌ جماعي، إذ لم يتحقق أي هدف ذي قيمة، من بناء الإمبراطوريات إلى إدارة الشركات... بشكلٍ فردي.

وعلى مرّ التاريخ اعتمد التعاون على الثقة أكثر من اعتماده على القوة الغاشمة.

السمعة تقيد السلوك

وازدهرت المجتمعات التجارية القديمة تحديداً لأن السمعة كانت تُقيّد السلوك: فقد اعتمد التجار في المدن الفينيقية، والنقابات في العصور الوسطى، وشبكات طريق الحرير على التفاعلات المتكررة وآليات الإنفاذ غير الرسمية لضمان وفاء الشركاء بالتزاماتهم. أما مَن غشّ، فقد تم استبعاده، وليس مجرد إدانته. وكانت الثقة، في الواقع، بمنزلة آلية مبكرة للتنسيق والتنفيذ.

وينطبق المنطق نفسه على المنظمات الحديثة، إذ يتحسن أداء الفرق عندما يثق أعضاؤها بأن القادة سيتصرفون بنزاهة، ويوفون بوعودهم، ويتجنبون استغلال اختلالات المعلومات أو السلطة، أو عندما يكون تركيزهم منصبّاً على مكاسبهم الشخصية لدرجة أنهم لا يكترثون كثيراً بالإضرار بالمجموعة.

طريقا الحقيقة والكذب متمايزان

القادة غير النزيهين لا يستقطبون المواهب

وبناءً على ذلك، تُظهر الأبحاث أن القادة الذين يُنظر إليهم على أنهم يفتقرون إلى النزاهة يجدون صعوبة في استقطاب المواهب، أو تحفيز الجهود الإضافية، أو الحفاظ على التعاون على المدى الطويل. في المقابل، يستفيد القادة المعروفون بالتزامهم الأخلاقي من تنسيق أسرع، وتكاليف مراقبة أقل، واستعداد أكبر لدى الآخرين لتحمل المخاطر نيابةً عنهم.

تكلفة انعدام الثقة

إذا أُتيحت للناس الفرصة، فإنهم يُفضلون التعاون مع من يثقون بهم، ليس لأنهم ساذجون، بل لأن انعدام الثقة مكلف. فالعمل مع شركاء غير موثوقين أو غير أخلاقيين يزيد من احتمالية الفشل والصراع والإضرار بالسمعة. في مجال الأعمال، قد يعني هذا دعم قادة يُضللون بشأن الأداء أو يُلقون باللوم على غيرهم. وفي السياسة، قد يعني تمكين من يُقوّضون المؤسسات لتحقيق مكاسب شخصية. وفي كلتا الحالتين، لا يتحمل الأتباع وحدهم التكاليف، بل يتحملها النظام ككل.

الفساد المزمن... مؤشر انهيار المؤسسات

لهذا السبب يُعدّ الفساد المزمن أحد أكثر المؤشرات موثوقيةً على انهيار المؤسسات. وكما وثّقت منظمة الشفافية الدولية عاماً بعد عام في مؤشر الفساد، فإن الدول التي تُسجّل أدنى الدرجات في النزاهة والثقة تميل إلى تشاركها بمشكلات شائعة: ضعف سيادة القانون، وتسييس المؤسسات، وهروب رؤوس الأموال، ونقص الاستثمار المستمر، الذي ينتج عادةً عن حكومات طفيلية وقيادة هدّامة.

حوافز لمكافأة السلوك الأخلاقي

في المقابل، تستفيد الدول التي تحتل باستمرار مراكز متقدمة في مقاييس النزاهة والثقة من مؤسسات أقوى، وحوكمة أكثر استقراراً، ومستويات أعلى من التعاون الاجتماعي والاقتصادي. ومن المؤكد أن هذه المجتمعات لا تخلو من المصالح الذاتية أو الطموح؛ بل نجحت في مواءمة الحوافز بحيث يُكافأ السلوك الأخلاقي بينما يتحمل التكلفة اصحاب الفساد، مما يُقيّد المكاسب الفردية الأنانية قصيرة الأجل لصالح المنافع الجماعية طويلة الأجل.

قياس النزاهة

إذن، كيف لنا أن نعرف ما إذا كان الشخص يتمتع بالنزاهة، أو نقيس مدى موثوقيته او جدارته الأخلاقية؟ يكتسب هذا السؤال أهمية بالغة، لا سيما عند تطبيقه على القادة، الذين تُشكّل قراراتهم نجاح الآخرين ورفاهيتهم وآفاقهم المستقبلية. ولحسن الحظ، يُقدّم علم السلوك العديد من الرؤى المفيدة، وإن لم يصل إلى حدّ اليقين التام.

أولاً- لا يُمكن ملاحظة النزاهة بشكل مباشر: فعلى عكس الصفات الجسدية كالطول أو لون الشعر، لا يُمكن رؤيتها أو قياسها بنظرة خاطفة. بل تُستنتج من أنماط السلوك، ومدى ثبات تلك الأنماط مع مرور الوقت، وتوافق الأقوال مع الأفعال. لذا، تُعدّ النزاهة سمةً نسبية وليست صفة يُمكن ملاحظتها مباشرة، مما يجعل تقييمها احتمالياً بطبيعته، وليس قطعياً.

المظهر الأخلاقي يحقق فوائد واضحة

ثانياً- غالباً ما تكون التفاعلات قصيرة الأجل مُضلّلة: فبما أن الظهور بمظهر أخلاقي يُحقق فوائد واضحة (كالثقة والنفوذ وتقليل التدقيق والوصول إلى الموارد)، فإن الناس يُحفّزون على إظهار النزاهة حتى وإن كانوا يفتقرون إليها. وهذا يُفسّر جزئياً لماذا قد تجذب البيئات التي تبدو أخلاقية ظاهرياً أحياناً جهات انتهازية تستغل حسن نية الآخرين وافتراضاتهم.

السمات المظلمة: النرجسية والاعتلال النفسي والمكيافيلية

في المقابل، في البيئات التي يسودها الفساد، يصبح انعدام الثقة هو السائد، حتى إن الأفراد ذوي النيّات الحسنة يُعاملون بشك. فالسياق يُؤثر في السلوك والإدراك على حد سواء.

ويأتي خطٌّ موازٍ ومتزايد القوة من الأدلة من الأبحاث التي تتناول ما تسمى السمات المظلمة: النرجسية، والاعتلال النفسي، والمكيافيلية.

يُقدّم البحث فيما تُسمى السمات المظلمة، كالنرجسية والاعتلال النفسي والمكيافيلية، دليلاً موازياً ومتزايد القوة. ورغم اختلافها المفاهيمي، تشترك هذه السمات في جوهرها المتمثل في ضعف التعاطف، والبرود العاطفي، والميل إلى استغلال الآخرين.

حقيقة أم تزوير؟

مزيج سامّ

ومن منظور النزاهة، يُعدّ هذا المزيج ساماً. فالأفراد الذين يتسمون بهذه السمات أقل تقيداً بالشعور بالذنب أو الاهتمام بالآخرين، وأكثر استعداداً لتجاوز القواعد أو تجاهلها، وأكثر ميلاً لتبرير السلوك غير الأخلاقي بوصفه ضرورياً أو مستحقاً أو ذكياً بدلاً من كونه خاطئاً.

القسوة والخداع والشعور بالاستحقاق

- الاعتلال النفسي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقسوة وعدم الخوف، مما يقلل من الحساسية للعقاب والعاطفة الأخلاقية.

- المكيافيلية تتنبأ بالخداع الاستراتيجي، والتشاؤم بشأن الدوافع الإنسانية، والاعتقاد بأن الغاية تبرر الوسيلة.

- النرجسية، لا سيما في أشكالها الأكثر تضخماً، تضيف شعوراً بالاستحقاق والاستثناء الأخلاقي، أي الاعتقاد بأن القواعد العادية تنطبق على الآخرين دون الذات.

تُنبئ هذه السمات مجتمعةً، وبشكلٍ موثوق، بسلوكيات عملٍ غير مُنتجة، وتجاوزاتٍ أخلاقية، واختلالاتٍ في النزاهة، لا سيما في المناصب التي تُمنح السلطة، والصلاحيات التقديرية، والرقابة الضعيفة. والأهم من ذلك، أن هذا لا يعود إلى افتقار هؤلاء الأفراد للذكاء أو ضبط النفس، بل إلى عدم توافق دوافعهم مع المعايير الاجتماعية الإيجابية. فبينما تعتمد النزاهة على التعاطف، واحترام السلطة، والاهتمام المُتأصل بالنتائج الجماعية، تُوجه السمات السلبية عملية صنع القرار نحو المصلحة الذاتية، والهيمنة، والمكاسب قصيرة الأجل، مما يجعلها من أقوى المؤشرات الشخصية التي تُنذر بمخاطر النزاهة في بيئة العمل.

تقييم الأقران

ثالثاً- على الرغم من استحالة قياس النزاهة بدقةٍ تامة فإنه يُمكن تقييمها بشكلٍ فعّال: تُشير الأبحاث إلى أن تقييمات الأقران تُعد من بين أكثر المؤشرات موثوقية، وذلك تحديداً لأن النزاهة مرتبطة بالسمعة؛ فهي تتجلى في كيفية تصرف الأفراد عندما يعتمد عليهم الآخرون. وتُعد البيانات الطولية، مثل التقييم الشامل 360 درجة، ذات فائدةٍ خاصة.

الضمير الحيّ والإيثار

كما تُنبئ سمات الشخصية، مثل الضمير الحي، والإيثار، وضبط النفس (بما في ذلك القدرة على مراجعة الذات)، بالسلوك الأخلاقي، وكذلك السلوك السابق. غالباً ما تُهمل التقارير الذاتية، لكن المقاييس المصممة جيداً لا تزال قادرة على التمييز بدقة بين الأفراد ذوي النزاهة العالية والمنخفضة.

بناء السمعة يستغرق عمراً بينما لا يتطلب هدمها سوى لحظة

وللسجلات أهمية بالغة، حتى وإن لم تجعل أحداً محصناً ضد الإغراء. وكما لاحظ وارن بافيت الملياردير الشهير، فإن بناء السمعة يستغرق عمراً، بينما لا يتطلب هدمها سوى لحظة.

النزاهة شرط أساسي للتقدم

وأخيراً، للبيئة دورٌ مهم. فالإخفاقات الأخلاقية ليست نتاجاً لأفراد فاسدين فحسب، بل هي أيضاً نتيجة لبيئة فاسدة. يمكن لضعف الحوكمة، واختلال الحوافز، والتسامح مع التجاوزات الصغيرة أن تُضعف النزاهة حتى بين الأفراد ذوي الأخلاق الحميدة، بينما يمكن للأنظمة المصمَّمة جيداً أن تُعزز السلوك الأخلاقي بجعل سوء السلوك مكلفاً والشفافية أمراً لا مفر منه.

يُشير هذان العاملان مجتمعَين إلى أن النزاهة ليست غامضة ولا مضمونة. فسواء في الحكومات أو الشركات أو الفرق، تُعد النزاهة شرطاً أساسياً للتنسيق والتقدم. فعندما تتآكل الثقة، يُكرس الفاعلون جهداً أكبر للمراقبة والتحوط وحماية الذات، مما يُقلل من الطاقة المتاحة للابتكار أو النمو. وبهذا المعنى، لا تُعدّ النزاهة مجرد مثال أخلاقي، بل هي شكل من أشكال البنية التحتية الاجتماعية: غير مرئية إلى حد كبير عندما تكون فعّالة، وواضحة وضوح الشمس عندما تكون غائبة.

* مجلة «فاست كومباني».


علماء الرياضيات يختبرون الذكاء الاصطناعي

علماء الرياضيات يختبرون الذكاء الاصطناعي
TT

علماء الرياضيات يختبرون الذكاء الاصطناعي

علماء الرياضيات يختبرون الذكاء الاصطناعي

قبل أسابيع، راسل أحد طلاب المرحلة الثانوية، عالم الرياضيات مارتن هايرر، المعروف بإبداعاته المذهلة. كان الطالب المراهق يطمح لأن يصبح عالم رياضيات، ولكن الشكوك بدأت تراوده مع صعود الذكاء الاصطناعي، كما كتبت شيوبان روبرتس (*).

هل ستفقد الرياضيات سحرها؟

قال الطالب في رسالته: «من الصعب فهم ما يحدث حقاً. يبدو أن هذه النماذج تتحسن يوماً بعد يوم، وسرعان ما ستجعلنا عاجزين عن العمل».

وتساءل: «إذا كانت لدينا آلة أفضل منا بكثير في حل المشكلات، ألا تفقد الرياضيات جزءاً من سحرها؟».

ويقسم هايرر -الحائز على «ميدالية فيلدز» عام 2014، وهي أرفع جائزة في الرياضيات، و«جائزة بريكثرو» المرموقة عام 2021- وقته بين المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان، وجامعة «إمبريال كوليدج» في لندن. وفي رده على الطالب، أشار إلى أن كثيراً من المجالات تواجه خطر التقادم الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

الباحث مارتن هايرر

​الذكاء الاصطناعي لا يولِّد فكرة ولا يصوغ مفهوماً

قال هايرر: «أعتقد أن الرياضيات في الواقع مجالٌ آمنٌ تماماً». وأشار إلى أن نماذج اللغات الكبيرة، وهي التقنية الأساسية في برامج الدردشة الآلية، أصبحت الآن بارعة في حلّ مسائل مُصطنعة. ولكنه أضاف: «لم أرَ أي مثالٍ مُقنعٍ لنموذج لغة كبير يتوصل إلى فكرة، أو يصوغ مفهوماً جديداً حقاً».

البرهان الأول

ذكر هايرر هذا الكلام في أثناء مناقشة ورقة بحثية جديدة بعنوان «البرهان الأول» (First Proof)، شارك في كتابتها مع عددٍ من علماء الرياضيات، من بينهم محمد أبو زيد من جامعة ستانفورد، ولورين ويليامز من جامعة هارفارد، وتمارا كولدا التي تُدير شركة «ماث ساي. إيه آي» (MathSci.ai) الاستشارية في منطقة خليج سان فرانسيسكو.

قياس الكفاءة الرياضية للذكاء الاصطناعي

وتصف الورقة البحثية تجربة بدأت أخيراً؛ حيث تم جمع أسئلة اختبارٍ حقيقية، مُستقاة من بحوث غير منشورة بعد لهؤلاء المؤلفين، وذلك بهدف توفير مقياسٍ ذي دلالة للكفاءة الرياضية للذكاء الاصطناعي.

يأمل الباحثون أن يُسهم هذا البحث في إضفاء مزيد من الدقة على الخطاب المُبالغ فيه حول قدرة الذكاء الاصطناعي على «حلِّ» مسائل الرياضيات، وأن يُخفف من آثار هذه الضجة، مثل تنفير طلاب الجيل القادم وإبعاد ممولي البحوث.

شكوك في القدرة على حل مسائل رياضية بحثية

وكتب الباحثون: «مع أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التجارية قد وصلت بلا شك إلى مستوى يجعلها أدوات مفيدة لعلماء الرياضيات، فإنه لم يتضح بعد مدى قدرة هذه الأنظمة على حلّ مسائل رياضية بحثية بمفردها، دون تدخل خبير».

تقييم مختلف للشركات المنتجة للذكاء الاصطناعي

وتستخدم شركات الذكاء الاصطناعي ما يصفها بعض علماء الرياضيات بأنها مسائل «مُصطنعة» أو «مُقيّدة» لتقييم أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي، وقياس كفاءتها عند العمل دون مساعدة بشرية. وفي بعض الأحيان يُدعى علماء الرياضيات للمساهمة، ويتقاضون نحو 5 آلاف دولار أميركي لكل مسألة.

الباحث محمد أبو زيد

رفض علماء الرياضيات خدمة الشركات

وتجدر الإشارة إلى أنه لا توجد أي صلة بين مؤلفي مشروع «فيرست بروف» وبين شركات الذكاء الاصطناعي.

في أبريل (نيسان) الماضي، رفض محمد أبو زيد، الحائز على جائزة «آفاق جديدة في الرياضيات» عام 2017، دعوة مماثلة. وقال: «أعتقد أنه ينبغي بذل جهد أوسع نطاقاً؛ جهد مستقل وعلني». وأضاف أن «فيرست بروف» (البرهان الأول) هي المحاولة الأولى.

الباحثة لورين ويليامز

من جهتها، قالت لورين ويليامز، الحاصلة على زمالة «غوغنهايم» و«ماك آرثر» أخيراً: «الهدف هو الحصول على تقييم موضوعي لقدرات الذكاء الاصطناعي البحثية».

اختبارات نماذج الدردشة

في هذه التجربة، ساهم كل مؤلف (يمثلون مجالات رياضية متنوعة) بسؤال اختباري واحد استُخلص من بحث كانوا يعملون عليه ولم ينشروه بعد. كما حددوا الإجابات. وتم تشفير هذه الحلول على الإنترنت حتى نشرها يوم الجمعة المقبل.

وقالت تمارا كولدا، وهي إحدى عالمات الرياضيات القليلات اللواتي انتُخبن عضوات في الأكاديمية الوطنية للهندسة: «الهدف هنا هو فهم الحدود: إلى أي مدى يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتجاوز بيانات التدريب والحلول الموجودة التي يجدها على الإنترنت؟».

أجرى الفريق اختبارات أولية على نموذج «ChatGPT-5.2 Pro» من شركة «أوبن إيه آي» ونموذج «Gemini 3.0 Deep Think» من «غوغل». وكتب الباحثون أنه عند إعطاء النموذج فرصة واحدة فقط للإجابة: «تواجه أفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتاحة للجمهور صعوبة في حل كثير من مشكلاتنا».

«التخمير الأولي لصنع العجينة»

ويقدم الباحثون في مقدمة البحث شرحاً لعنوانه –بمقارنته مع عملية صنع رغيف الخبز- قائلين: «عند صنع الخبز، فإن البرهان الأول -أي عملية التخمير الأولي لمجموع العجينة- تعد خطوة حاسمة؛ حيث تُترك عجينة الخبز بأكملها لتتخمر ككتلة واحدة، قبل تقسيمها وتشكيلها إلى أرغفة».

وبعد نشر فريق البحث المجموعة الأولى من مسائل الاختبار، فإنه يدعو المجتمع الرياضي لاستكشافها. وبعد بضعة أشهر، وبعد تبادل الآراء والأفكار، ستُجرى جولة ثانية أكثر تنظيماً لتقييم الأداء باستخدام مجموعة جديدة من المسائل.

وكان الفريق قد نشر «البرهان الأول» في الوقت المناسب تماماً لـ«يوم أويلر» -7 فبراير (شباط)- الذي سُمّي تيمناً بعالم الرياضيات السويسري ليونارد أويلر من القرن الثامن عشر. يتوافق التاريخ مع «عدد أويلر»، وهو ثابت رياضي متعدد الاستخدامات، مثل «باي-pi » (ط- النسبة الثابتة للدائرة)؛ ويساوي تقريباً 2.71828. ويُرمز له بالحرف (العدد الثابت ه) «e».

ويعتمد تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي القائمة على الشبكات العصبية على تقنية اكتشفها أويلر لحل المعادلات التفاضلية العادية، وتُعرف باسم «طريقة أويلر».

* باختصار، خدمة «نيويورك تايمز».


علاج مناعي جديد يقضي على السرطان من دون إضعاف جهاز المناعة

شكل تصويري بالكمبيوتر لخلية دم بيضاء عند الإصابة باللوكيميا
شكل تصويري بالكمبيوتر لخلية دم بيضاء عند الإصابة باللوكيميا
TT

علاج مناعي جديد يقضي على السرطان من دون إضعاف جهاز المناعة

شكل تصويري بالكمبيوتر لخلية دم بيضاء عند الإصابة باللوكيميا
شكل تصويري بالكمبيوتر لخلية دم بيضاء عند الإصابة باللوكيميا

نجح علاج مناعي جديد طوره باحثو جامعة بنسلفانيا الأميركية في تدمير الخلايا السرطانية بفاعلية تضاهي العلاجات الحالية، لكن من دون التسبب في إضعاف جهاز المناعة، وهو أحد أخطر آثار العلاجات المتوفرة اليوم.

استهداف خلايا الأورام

أظهرت التجارب على فئران مصابة بالسرطان، أن العلاج يستهدف خلايا الأورام بدقة عالية ويترك الخلايا المناعية السليمة دون ضرر، ما يفتح الباب أمام جيل أكثر أماناً من علاجات السرطان. وقد يمهّد أيضاً لاستخدامه مستقبلاً في علاج بعض أمراض المناعة الذاتية.

وتشير النتائج التي نشرت في مجلة «Science Translational Medicine» بتاريخ 4 فبراير(شباط) 2026، إلى أن علاجات السرطان المستقبلية قد تصبح أكثر أماناً ودقة، ما قد يساعد المرضى في تجنّب العدوى الخطيرة التي كثيراً ما ترافق العلاجات الحالية.

نهج جديد في هندسة الخلايا المناعية

يُعدّ «العلاج بالخلايا التائية المستقبلة للمستضدات الخيمرية» المعروف باسم «CAR-T» من أكثر التطورات إثارة في علاج السرطان، إذ يعتمد على أخذ خلايا المناعة الخاصة بالمريض المعروفة بالخلايا التائية (T cells) وإعادة هندستها وراثياً في المختبر، لتصبح قادرة على التعرف إلى الخلايا السرطانية ومهاجمتها بشكل أفضل.

ويزوّد العلماء هذه الخلايا ببروتينات خاصة تُسمّى «مستقبلات المستضدات الخيمرية» chimeric antigen receptors (CARs) تعمل كأنها أجهزة توجيه يساعد الخلايا المناعية في تحديد جزيئات محددة على سطح الخلايا السرطانية وتدميرها.

علاجات اللمفوما واللوكيميا

وقد اعتمد معظم علاجات «CAR-T» خلال السنوات الماضية، على استهداف جزيء يُعرف باسم «CD19» يوجد على سطح الخلايا البائية (B cells)، وهي نوع من خلايا المناعة التي قد تتحول إلى خلايا سرطانية في أمراض الدم مثل اللمفوما (Lymphoma) واللوكيميا (Leukemia). وقد نجح هذا الأسلوب في إنقاذ حياة عدد كبير من المرضى، لكنه لم يخلُ من مشكلة مهمة.

ولا يوجد جزيء «CD19» فقط على الخلايا السرطانية؛ بل يوجد أيضاً على الخلايا البائية السليمة. وهذا يعني أن العلاج يهاجم النوعين معاً فيقضي على الخلايا السرطانية، لكنه يدمّر في الوقت نفسه جزءاً مهماً من جهاز المناعة.

ونتيجة لذلك، قد يبقى المرضى بعد العلاج بجهاز مناعي ضعيف، ويصبحون أكثر عرضة للإصابة بالعدوى لفترات طويلة قد تمتد لسنوات. ولهذا، يؤكد العلماء أن أكبر تهديد صحي بعد الشفاء من اللمفوما، غالباً ما يكون العدوى، وهو ما يدفع الباحثين إلى البحث عن طرق علاجية جديدة أكثر دقة وأماناً.

استهداف السرطان دون إيذاء الخلايا السليمة

ويركّز العلاج الجديد على هدف مختلف هو جين يُسمّى «IGHV4-34»، وهو جين يلعب دوراً في الاستجابة المناعية، ويظهر بمستويات مرتفعة في بعض الخلايا السرطانية، خصوصاً في نوع شائع من سرطانات الدم يُعرف باللمفوما البائية كبيرة الخلايا المنتشرة (diffuse large B-cell lymphoma). والأهم من ذلك أن هذا الجين نادراً ما يوجد في الخلايا السليمة.

وطوّر الباحثون بقيادة إيفان كوهين من مركز العلاجات المناعية الخلوية بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية وآخرون، علاج «CAR-T» جديداً باسم «CART4-34» صُمّم خصيصاً لاستهداف الخلايا البائية التي تحمل هذا الجين. وعند اختباره على فئران معدلة وراثياً مصابة باللمفوما، كانت النتائج لافتة، حيث دمّر العلاج الخلايا السرطانية بفاعلية مماثلة للعلاج التقليدي. ولم يهاجم الخلايا البائية السليمة. وبقي جهاز المناعة سليماً إلى حد كبير؛ وهو ما يعني أن المرضى قد يحصلون مستقبلاً على علاج قوي للسرطان دون فقدان قدرتهم على مقاومة العدوى.

إمكانات تتجاوز علاج السرطان

ولا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على السرطان فقط؛ بل قد تمتد إلى علاج أمراض المناعة الذاتية، حيث يهاجم جهاز المناعة أنسجة الجسم عن طريق الخطأ. ومن أبرز هذه الأمراض «الذئبة الحمراء» (Lupus)، وهي حالة مزمنة قد تؤثر في الجلد والمفاصل والأعضاء. ويُنتج كثير من مرضى الذئبة أجساماً مضادة ضارة مرتبطة بجين «IGHV4-34».

وعند اختبار العلاج الجديد باستخدام خلايا مأخوذة من مرضى الذئبة، تمكّنت الخلايا التائية المهندسة من تدمير الخلايا المسؤولة عن إنتاج هذه الأجسام المضادة، مع الحفاظ على الخلايا المناعية السليمة. ورغم أن العلاج لا يضمن الشفاء من الذئبة حتى الآن، فإنه قد يشكّل جزءاً من استراتيجيات علاجية أكثر دقة في المستقبل.

الطريق ما زال طويلاً

لقد غيّر علاج «CAR-T» حياة بعض المرضى المصابين بسرطانات متقدمة، لكنه لا يزال علاجاً قوياً ومحفوفاً بالمخاطر، إذ يعاني كثير من المرضى من ضعف شديد في المناعة وارتفاع خطر الإصابة بالعدوى وفترات تعافٍ طويلة. لذلك فإن علاجاً يدمّر الخلايا السرطانية دون الإضرار بالخلايا المناعية السليمة قد يُحدث تحولاً كبيراً في جودة حياة المرضى بعد العلاج. كما قد يجعل هذا النوع من العلاج مناسباً لعدد أكبر من المرضى الذين لا يمكنهم حالياً تحمّل مخاطره.

ويؤكد العلماء أن العلاج لا يزال في مراحله المبكرة رغم الحماس، إذ اختُبر حتى الآن على الحيوانات وخلايا بشرية في المختبر فقط. ويستعد الباحثون لإطلاق تجارب سريرية أولية على البشر لاختبار أمان العلاج وتحديد الجرعات المناسبة. كما يشير الخبراء إلى أن العلاج لن يفيد جميع المرضى، لأن جين «IGHV4-34» موجود في نحو 60 في المائة فقط من حالات اللمفوما.

خطوة نحو الطب الدقيق

يرى الباحثون أن هذه التقنية قد تقود إلى إنشاء مجموعة واسعة من علاجات «CAR-T» المخصصة التي تستهدف علامات جزيئية مختلفة في السرطان وأمراض المناعة الذاتية. وقد يتمكن الأطباء في المستقبل من تحليل الورم لدى المريض واختيار العلاج الأنسب من بين مجموعة علاجات مصممة خصيصاً لكل حالة.

ويمثل هذا العلاج مثالاً قوياً على الاتجاه المتزايد نحو الطب الدقيق الذي يهدف إلى استهداف المرض بدقة عالية مع تقليل الأضرار الجانبية. ورغم الحاجة إلى مزيد من الدراسات، فإن النتائج الأولية تبعث على التفاؤل، وقد تمهّد الطريق لعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.