إيفرتون يعاني الفوضى... وصفقاته المتعددة مع اللاعبين والمدربين دفعته للتراجع

هل شون دايك أو مارسيلو بيلسا قادران على إخراج النادي من محنته وإنقاذه من الهبوط؟

بيلسا وشون دايك مدرستان مختلفتان فمن منهما المناسب لإنقاذ إيفرتون؟ (غيتي)
بيلسا وشون دايك مدرستان مختلفتان فمن منهما المناسب لإنقاذ إيفرتون؟ (غيتي)
TT

إيفرتون يعاني الفوضى... وصفقاته المتعددة مع اللاعبين والمدربين دفعته للتراجع

بيلسا وشون دايك مدرستان مختلفتان فمن منهما المناسب لإنقاذ إيفرتون؟ (غيتي)
بيلسا وشون دايك مدرستان مختلفتان فمن منهما المناسب لإنقاذ إيفرتون؟ (غيتي)

خسر إيفرتون أمام وستهام بهدفين دون رد، من توقيع جارود بوين، جاء الأول بعد تنفيذ كرة ثابتة فشل الدفاع في التعامل معها بشكل صحيح في الشوط الأول، بينما جاء الهدف الثاني من هجمة مرتدة سريعة في الشوط الثاني، لتكون نهاية مشوار المدرب فرانك لامبارد مع الفريق المتعثر والمهدد بالهبوط من الدوري الممتاز الإنجليزي.
بعد نهاية المباراة قال لامبارد: «جاء الهدف الأول من كرة ثابتة، والثاني من هجمة مرتدة»، وكأن هذه الأمور السلبية أصبحت مألوفة ومعتادة بالنسبة للمدير الفني الشاب! ولو حدث ذلك في أندية أخرى وفي أوقات أخرى، لكانت الانتقادات ستركز على الطريقة التي خسر بها إيفرتون اللقاء، وليس الحديث عن مجرد استقبال هدف من كرة ثابتة أو هجمة مرتدة. دائماً ما كانت الأندية التي يتولى تدريبها لامبارد تستقبل أهدافاً من الضربات الثابتة والهجمات المرتدة، لكن مشكلة إيفرتون كبيرة للغاية، للدرجة التي جعلت مواطن الخلل في التنظيم الدفاعي تبدو تافهة وعادية.
يوم الاثنين الماضي، أعلن نادي إيفرتون إقالة لامبارد من منصبه، وهذا هو بالضبط ما تفعله الأندية في مثل هذه الظروف. ربما كان لامبارد يمثل مشكلة، لكنه ليس المشكلة الحقيقية لما يمر به الفريق في الوقت الحالي. وبالتالي، لا تبدو هناك توقعات حقيقية بتحسن الأمور في إيفرتون قريباً.
وإذا لم يستطع رونالد كومان، وسام ألارديس، وماركو سيلفا، وكارلو أنشيلوتي، ورافاييل بينيتيز، وفرانك لامبارد تحقيق نجاح مع الفريق، فمن يستطيع القيام بذلك؟ لقد تعاقد مجلس إدارة إيفرتون مع جميع أنواع المديرين الفنيين تقريباً (باستثناء مدير فني ألماني شاب وجذاب ومثقف) لكن لم ينجح أي منهم. لكن الحقيقة أن هذا كان جزءاً أساسياً من المشكلة، لأن هؤلاء المديرين الفنيين، بآرائهم وفلسفاتهم المختلفة، كان لهم بعض التأثير على التعاقدات التي أبرمها النادي، وهو ما أدى إلى تكوين فريق غير متماسك وغير متناغم بالمرة.
وتشير تقارير إلى أن مجلس إدارة نادي إيفرتون يسعى للتعاقد مع شون دايك (مدير فني بريطاني، عملي وبراغماتي للغاية، ويعتمد على اللعب المباشر)، أو مارسيلو بيلسا (مدير فني أرجنتيني، يركز على الضغط العالي على المنافس)، وهو ما يوضح حقيقة أن النادي ليست لديه رؤية واضحة ومدروسة جيداً للتعاقد مع المدير الفني الجديد، لكنه يعتمد فقط على الأسماء المعروفة! وعلاوة على ذلك، لم يكن هناك تفكير حقيقي في التعاقد مع مدير فني شاب لامع ينتظره مستقبل جيد، وكان آخر مدير فني تعاقد معه النادي، رغم أنه لم يقد أي نادٍ في الدوري الإنجليزي الممتاز، هو ديفيد مويز في عام 2002.

لامبارد آخر ضحايا نتائج إيفرتون السيئة (أ.ف.ب)

وخلال المواسم الخمسة الماضية، تعاقد النادي مع العديد من اللاعبين، إدريسا غانا غاي، وجيمس تاركوفسكي، ونيل موباي، وديماراي غراي، وديلي آلي، وأندريس تاونسند، وسمير بيغوفيتش، وآندي لونيرغان، وسالومون روندون، ودوني فان دي بيك. وواصل التعاقد بضم عبد الله دوكوري، وجيمس رودريغيز، وثيو والكوت، وجوش كينغ، وأليكس إيوبي، وأندريه غوميز، وجان فيليب غبامين، وفابيان ديلف، وغبريل سيديبي، وجوناس لوسل، وريتشارليسون، وياري مينا، ولوكاس ديني، وبرنارد.
هذا لا يعني انتقاد أي من هؤلاء اللاعبين بشكل فردي، ولا يعني أن أياً من هؤلاء اللاعبين سيء، أو أن أي صفقة من هذه الصفقات كانت سيئة بشكل فردي، لكن هذا يعني أنه حتى لو كانت هناك رغبة هائلة لدى كل هؤلاء اللاعبين لتقديم مستويات جيدة، وحتى لو لم يكن أي منهم يعاني إصابات متراكمة، فإن التعاقد مع 25 لاعباً في هذا الوقت القصير سوف يخلق الكثير من المشكلات المالية للنادي.
ربما أدرك النادي هذه الحقيقة متأخراً، خلال الصيف الماضي، بسبب وجود مدير كرة القدم الجديد كيفن ثيلويل. ومن الناحية النظرية، يمكن للنادي بيع أمادو أونانا ودوايت مكنيل وجيمس غارنر بمقابل مادي أعلى في المستقبل، لكن مشكلة الخطط هي أنها تستغرق وقتاً طويلاً من أجل تنفيذها على أرض الواقع.
من الواضح أن إيفرتون بحاجة ماسة إلى لجنة تعاقدات أفضل، وتنفيذ فلسفة تعتمد على الكشف عن الهدف من كل قرار يتخذه النادي، والبدء في التركيز أكثر على اكتشاف المواهب مبكراً، لكن هناك عقبتين رئيسيتين أمام ذلك. ربما بدأ حل المشكلة الأولى من خلال الشعور بوجود أزمة حقيقية داخل النادي. وعندما ننظر إلى الأمور من حيث عدد مرات الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز، سنجد أن إيفرتون هو رابع أنجح فريق في تاريخ إنجلترا، كما أنه، وعلى عكس أندية مثل سندرلاند ونيوكاسل وشيفيلد وينزداي، وأندية أخرى في المراكز العشرة الأولى من حيث عدد مرات الفوز بالدوري، قد فاز بلقب الدوري خلال نصف القرن الماضي. من المؤكد أن هذا يخلق بعض التوقعات المرتفعة، وعلى عكس أستون فيلا، الذي يقع في فئة مماثلة، لم يتم تخفيف هذه التوقعات بعد الهبوط لدوري الدرجة الثالثة، أو حتى دوري الدرجة الثانية منذ عام 1954.
يبدو أن إيفرتون يرفض فكرة أن يكون في منتصف جدول الترتيب، وكأنه يقول: لماذا يكون إيفرتون، الفائز بلقب الدوري الإنجليزي تسع مرات، مركز إعداد للاعبين الجيدين لينتقلوا في نهاية المطاف إلى أندية مانشستر سيتي أو تشيلسي أو توتنهام، التي حصلت على لقب الدوري مرات أقل من إيفرتون؟ ويبدو أن إيفرتون لا يدرك أن هذه هي كرة القدم الحديثة بعد التغيرات التي طرأت عليها من الناحية المالية.
ويكمن الخطر في أن نادي إيفرتون يتعاقد مع اللاعبين أصحاب الأسماء البارزة الذين يعززون صورته الذاتية، وليس اللاعبين الذين يساعدونه على تحقيق نتائج أفضل. في الحقيقة، كان من الأفضل لإيفرتون أن يكون محطة لانطلاق اللاعبين والمديرين الفنيين لأعلى، بدلاً من أن يصبح محطة للهبوط إلى الأسفل.
إذن، ما الذي سيحدث خلال الفترة المقبلة؟ من المؤكد أن النتائج الإيجابية يمكن أن تغير المشهد كله بسرعة كبيرة. ففي نهاية الموسم الماضي، عندما حصل إيفرتون على 14 نقطة من ثماني مباريات، وبلغت الأمور ذروتها بعد العودة الرائعة في النتيجة أمام كريستال بالاس وضمان البقاء في الدوري الإنجليزي الممتاز، كان من الممكن تخيل مستقبل أفضل للنادي.
لكن لم ينجح إيفرتون في استغلال هذا الزخم. وربما أعطت الهزيمة القاسية أمام آرسنال بخمسة أهداف مقابل هدف وحيد في نهاية الأسبوع التالي مؤشراً على الحالة الحقيقية للأمور. ربما يتمكن إيفرتون، في حال القيام ببعض التضحيات ووقوف الحظ إلى جانبه، من تجنب الهبوط، والبقاء في الدوري الإنجليزي الممتاز. وبالنظر إلى أن إيفرتون قد قضى تاريخه بالكامل، باستثناء أربع سنوات فقط، في الدوري الإنجليزي الممتاز، فهذا يعني أنه لن يقبل الهبوط وسيفعل كل ما في وسعه لتجنب ذلك. وبالنظر إلى المنافسة الشرسة في دوري الدرجة الأولى (18 فريقاً لديهم فرصة حقيقية للمنافسة على الصعود للدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم) فمن السذاجة التفكير في الهبوط على أنه مجرد فرصة لالتقاط الأنفاس والعودة إلى الطريق الصحيح بعد ذلك.
قد يكون هذا صحيحاً بشكل خاص بالنسبة لإيفرتون، لأن العقوبات المفروضة على الروسي عليشر عثمانوف، الممول الأكبر للنادي، كان من الممكن أن تؤدي إلى تعقيد الأمور المالية حتى لو لم يبدأ النادي في بناء ملعب جديد، من المقرر افتتاحه في بداية موسم 2024 - 2025.
لكن القيام بثورة تصحيح حقيقية داخل النادي قد يكون صعباً، لأن الأهداف المتوسطة إلى طويلة الأجل معقدة للغاية بسبب الضرورة الملحة للبقاء في الدوري الإنجليزي الممتاز. لقد نجح فولهام ونيوكاسل في العودة إلى المسار الصحيح بعد اللعب لموسم واحد في دوري الدرجة الأولى، ويبدو أن بيرنلي يسير في الاتجاه نفسه. إن أسهل طريقة للخروج من هذا المأزق هي اتباع مسار نيوكاسل بالبحث عن مالك لديه موارد مالية غير محدودة، وتشير تقارير إلى أن قطر مهتمة بشراء إيفرتون. لكن إذا تعذر ذلك، وسواء بقي فرهاد مشيري رئيس النادي أو باعه، فإن مستقبل إيفرتون الناجح يجب أن يبدأ بتقييم واقعي لحاضره.


مقالات ذات صلة


حفاة الأقدام... كيف خسرت الهند صراع المونديال منذ خطيئة 1950؟

منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
TT

حفاة الأقدام... كيف خسرت الهند صراع المونديال منذ خطيئة 1950؟

منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)
منتخب الهند في أولمبياد لندن 1948 (ويكيبيديا)

تحتفظ الذاكرة الرياضية الآسيوية بمفارقة لافتة، ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم كل أربعة أعوام صوب المحفل الكروي الأكبر، يظل ثاني أكبر تكتل بشري على وجه الأرض خارج دائرة الضوء.

الهند، هذا العملاق الديموغرافي والجغرافي الذي يتنفس رياضة الكريكيت بشغف يصل حد التقديس، يواصل غيابه اللغز عن نهائيات كأس العالم لكرة القدم.

ورغم أن القارة الصفراء باتت تحظى بنصيب وافر من المقاعد، ورغم التاريخ المنسي الذي يربط «النمور الزرقاء» باللعبة، فإن الهوة بين الطموح والواقع لا تزال سحيقة.

فما الذي يحرم دولة يقطنها أكثر من مليار وأربعمائة مليون نسمة من حجز مقعد لها في محفل الساحرة المستديرة؟

اللغز البرازيلي عام 1950: خطيئة «الفرصة المهدرة»

تبدأ السردية التاريخية لكرة القدم الهندية من مفترق طرق دراماتيكي عام 1950. في ذلك العام، كان المونديال يعود إلى الحياة في البرازيل بعد مخاض الحرب العالمية الثانية.

ووضعت الأقدار منتخب الهند على أعتاب التاريخ بتأهل تلقائي بعد انسحاب منافسيه في المجموعة الآسيوية (إندونيسيا والفلبين وميانمار). لكن الرحلة لم تكتمل، وانسحبت الهند قبل أيام من ركل الكرة الأولى.

عقود طويلة عاشت الجماهير على أسطورة تزعم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) منع الهنود من اللعب لأنهم اشترطوا خوض المباريات «حفاة الأقدام» كما فعلوا قبلها بسنتين في أولمبياد لندن 1948، لكن الحقيقة التاريخية الموثقة في أروقة الاتحاد الهندي لكرة القدم تكشف عن حسابات مغلوطة؛ إذ اعتبرت الإدارة الرياضية آنذاك أن تكلفة السفر الباهظة عبر المحيطات إلى أميركا الجنوبية لا تبرر المشاركة في بطولة كانت تنظر إليها نيودلهي بوصفها حدثاً أقل شأناً من دورة الألعاب الأولمبية أو الألعاب الآسيوية، كانت خطيئة استراتيجية دفعت الكرة الهندية ثمنها تهميشاً دام عقوداً.

العصر الذهبي المنسي: صدمة فرنسا ومباركة ملك بريطانيا

لم تكن الهند نكرة في عالم كرة القدم، بل عاشت «عصراً ذهبياً» امتد بين عامي 1951 و1964 تحت قيادة المدرب الأسطوري سيد عبد الرحيم. غير أن الشرارة الحقيقية التي أبهرت الغرب سبقت ذلك العصر بقليل، وتحديداً في أولمبياد 1948، حين واجه المنتخب الهندي منتخب فرنسا العتيد، وخسر بصعوبة بالغة بنتيجة (2 - 1) بعد إهدار ركلتي جزاء

قائد الهند (يمين) في أول مباراة دولية للمنتخب بوصفهم مواطنين يمثلون دولة الهند المستقلة في أولمبياد لندن 1948 (الاتحاد الهندي لكرة القدم)

في تلك الملحمة، لعب أغلب عناصر الهند حفاة الأقدام برباط طبي، ونالوا إعجاب الصحافة البريطانية.

وعندما سُئل قائد الفريق تاليميرن آو عن سر غياب الأحذية، أطلق جملته الشهيرة الساخرة: «نحن نلعب كرة القدم بينما أنتم تلعبون كرة الأحذية».

وامتدت الأصداء إلى قصر باكنغهام عندما استقبل الملك جورج السادس الفريق، ورفع مازحاً طرف سروال اللاعب سيلين مانا ليتأكد إن كانت ساقاه من فولاذ حقاً كما يُشاع، وكان النجم سارنغاباني رامان هو صاحب الهدف الهندي الوحيد بـ«الأقدام العارية».

صورة من أرشيف صحيفة «إكسبريس» الهندية الصادرة في الأول من أغسطس 1948

هذا المشهد التاريخي استغلته الفضاءات الرقمية في السنوات الأخيرة؛ إذ ضجت بمنشورات تزعم أن لاعبي الهند خاضوا المباراة حفاة لأن الحكومة حديثة الاستقلال لم تكن تملك الموارد لشراء أحذية رياضية.

غير أن التحقيقات التوثيقية لـ«تقصي الحقائق» فككت هذه الرواية المزيفة بالكامل؛ إذ لم تكن الأزمة شحاً مالياً، بل مسألة «راحة واعتياد فني» للاعبين ترعرعوا على اللعب دون أحذية لرؤيتهم أنها تمنح مرونة أكبر للتحكم بالكرة. الأرشيف البصري يفضح هذا المجاز، فالصورة الشهيرة المتداولة نُشرت مجتزأة لإثبات الفقر، بينما تُظهر نسختها الأصلية الكاملة المدافع الشهير «ثينمادوم ماثيو فارغيز» (بابان) وهو يرتدي حذاءه الرياضي كاملاً على اليمين إلى جوار زملائه.

المنتخب الهندي لكرة القدم خلال مباراة ضد فرنسا في أولمبياد لندن 1948 وهم حفاة الأقدام (الاتحاد الهندي لكرة القدم)

وبحسب تقارير صحيفة «إكسبريس الهندية» الصادرة في الأول من أغسطس 1948، فإن 8 لاعبين فقط من أصل 11 فضلوا اللعب بلا أحذية طواعية.

ورغم نجاح تجربة الحفاء أولاً، فإن قرار فرض الأحذية قسرياً صدر سريعاً بعد صدمة أولمبياد هلسنكي 1952، عندما تجمدت أقدام الهنود من البرد وخسروا بنتيجة ثقيلة أمام يوغوسلافيا (10 - 1).

منتخب يوغوسلافيا يسجل في شباك الهند على ملعب «تولون بالوكينتا» في هلسنكي خلال أولمبياد 1952 (ويكيبيديا)

ومع التزامهم بالدخول في «عصر الأحذية»، لم تقف معجزات تلك الحقبة، ففي الجولة الأوروبية التمديدية صدمت الهند نادي أياكس أمستردام الهولندي العريق وهزمته بنتيجة (5 - 1).

تلاها الإنجاز التاريخي الأبرز في أولمبياد ملبورن 1956، باحتلال الهند المركز الرابع آسيوياً، وشهدت البطولة تسجيل النجم نيفيل ديسوزا لأول «هاتريك» آسيوي في تاريخ الأولمبياد، وكان ذلك في شباك أستراليا.

منتخب الهند لكرة القدم في أولمبياد 1956 خلال مباراة ضد بلغاريا (ويكيبيديا)

أسر الكريكيت: كيف التهمت اللعبة الواحدة ميزانيات الرعاية؟

لا يمكن فهم المشهد الرياضي في شبه القارة الهندية دون تلمّس «السطوة الطاغية» للعبة الكريكيت، منذ التتويج التاريخي للهند بكأس العالم للكريكيت عام 1983، تحولت هذه الرياضة من مجرد إرث استعماري بريطاني إلى «دين وطني» يجمع الأمة.

الرئيس الهندي الأسبق غياني زيل سينغ يستقبل المنتخب الهندي للكريكيت بعد التتويج بلقب كأس العالم 1983 (ويكيبيديا)

هذه الهيمنة أحدثت تجفيفاً كاملاً للمنابع المالية للرياضات الأخرى. تتدفق أموال الشركات الرائدة وحقوق البث المليارية نحو الدوري الهندي الممتاز للكريكيت، بينما تُركت كرة القدم لسنوات طويلة تعاني شح التمويل، وغياب البنية التحتية، وملاعب لا ترقى للمعايير الدولية.

في الهند، يولد الطفل وفي يده مضرب كريكيت، بينما تظل كرة القدم خياراً ثانوياً في المدارس والأكاديميات، باستثناء بعض الجيوب الجغرافية التاريخية مثل ولايات البنغال الغربية، وغوا، وكيرالا.

المعضلة الهيكلية: غياب التكوين وتأخر الاحتراف

على الصعيد الفني، عانت الكرة الهندية طويلاً من غياب الرؤية طويلة المدى، فالدوري المحلي ظل لسنوات يعتمد على الهواة والمؤسسات الحكومية، ولم يدخل نظام الاحتراف الحقيقي إلا متأخراً مع إطلاق «الدوري الهندي الممتاز في العقد الماضي.

ورغم أن هذا الدوري نجح في جذب أسماء عالمية في أواخر مسيرتها وجلب بعض الزخم الجماهيري، فإنه لم يفلح بعد في سد الفجوة الفنية العميقة. المشكلة الأساسية تكمن في «جذور اللعبة»، حيث تفتقر البلاد إلى نظام كشافين محترف يغطي الأقاليم الشاسعة، وتغيب أكاديميات الفئات السنية التي تصنع لاعباً قادراً على المنافسة في الرتم السريع للكرة الحديثة. اللاعب الهندي، وإن امتلك الموهبة الفطرية، يصطدم بنقص التكوين التكتيكي والبدني مقارنة بنظرائه في اليابان، وكوريا الجنوبية، أو دول الخليج العربي.

استشراف المستقبل: هل تكسر زيادة مقاعد المونديال العقدة؟

المنتخب الهندي لكرة القدم خلال مباراة ودية مع بورتو ريكو سبتمبر 2016 (ويكيبيديا)

قد تكمن بارقة الأمل الحالية في التغييرات التي أحدثها فيفا برفع عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم إلى 48 منتخباً، مما منح القارة الآسيوية حصة أكبر. هذا التحول وضع أمام صانع القرار الرياضي الهندي فرصة تاريخية ثانية لترتيب الأوراق.

الوصول إلى المونديال لم يعد حلماً مستحيلاً، لكنه يتطلب ثورة شاملة تبدأ من المدارس، وتمر عبر خصخصة الأندية وتطوير المنظومة التدريبية، وصولاً إلى تغيير العقلية الإدارية لترى في كرة القدم استثماراً قومياً وقوة ناعمة قادرة على وضع الهند على خريطة الثقافة العالمية بجانب ثقلها الاقتصادي والسياسي.

وحتى يتحقق ذلك، سيبقى «العملاق الآسيوي» متفرجاً من مقاعد الجماهير، بانتظار اليوم الذي تزأر فيه «النمور الزرقاء» في المونديال.


خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية
TT

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

خبايا العلاقات الثنائية بين نجوم المغرب وكندا في الملاعب الأوروبية

لا تبدو موقعة «هيوستن» المرتقبة بين المغرب وكندا مجرد صدام عابر بين قارتين كرويتين مخضرمتين، بل هي امتداد لقصص زمالة وصراعات تكتيكية خفية تدور رحاها أسبوعياً في الملاعب الأوروبية الكبرى. فالعديد من الأسماء في كتيبة «أسود الأطلس» لمدربهم محمد وهبي، يتشاركون غرف الملابس أو يتواجهون وجهاً لوجه مع نجوم منتخب كندا «الحُمر» تحت قيادة جيسي مارش، مما يحول مباراة السبت إلى حوار تكتيكي مكشوف ومألوف للاعبين.

البريميرليغ يجمع فولهام... حوار عيسى ديوب ولوك دي فوجيرول

عيسى ديوب مثَّل المغرب في مواجهة الإكوادور(منتخب المغرب)

في الدوري الإنجليزي الممتاز، تبرز زمالة مباشرة وحية في خط دفاع نادي فولهام الإنجليزي. حيث يلعب المدافع المغربي عيسى ديوب (البالغ من العمر 29 عاماً) جنباً إلى جنب مع المدافع الكندي الشاب والموهوب لوك دي فوجيرول (صاحب الـ20 عاماً). هذه الزمالة اليومية في تمارين النادي اللندني تمنح ديوب معرفة دقيقة بنقاط قوة وضعف زميله الكندي، وهي أسرار تكتيكية ثمينة سينقلها المدافع المغربي لخط هجوم الأسود لتفكيك الحصون الدفاعية للمنتخب الكندي في هيوستن.

المدافع الكندي لوك دي فوجيرول (ويكيبيديا)

معارك الليغا الإسبانية... صراع لارين وأمرابط في الأندلس

خط الوسط المغربي سفيان أمرابط (غيتي)

بالانتقال إلى الملاعب الإسبانية، يتحول المشهد من الزمالة إلى الصراع المباشر والشرس في خط الوسط والدفاع؛ فالمهاجم الكندي القوي سايل لارين (البالغ 31 عاماً)، والذي يقود خط هجوم نادي ريال مايوركا الإسباني، يجد نفسه دائماً في مواجهات بدنية طاحنة ضد صمام الأمان المغربي سفيان أمرابط (29 عاماً)، الذي ينشط في صفوف نادي ريال بيتيس. هذا الاحتكاك المستمر في الـ«لا ليغا» يجعل من مراقبة لارين مألوفة تماماً لأمرابط، الذي يملك شفرة إيقاف خطورته البدنية ومنعه من المحطة الهجومية التي يعتمد عليها الكنديون.

المهاجم الكندي سايل لارين (ويكيبيديا)

مدرسة ليل وتحديات الكالتشيو... إرث جوناثان ديفيد وأيوب بوعدي

أيوب بوعدي لاعب المنتخب المغربي (أ.ف.ب)

في الدوري الفرنسي، ترك الهداف الكندي التاريخي جوناثان ديفيد (26 عاماً) إرثاً كبيراً في نادي ليل قبل انتقاله الأخير إلى يوفنتوس الإيطالي. وخلال فترته في فرنسا، عاصر ديفيد صعود الموهبة المغربية في خط وسط ليل أيوب بوعدي (المولود عام 2007). رغم انتقال ديفيد إلى الملاعب الإيطالية، فإن بوعدي وبقية زملائه في خط الوسط يدركون تماماً أسلوب تحرك الهداف الكندي وسرعته في التموقع، مما يمنح الدفاع المغربي قراءة مسبقة لخطورة الهداف الأول لمنتخب كندا.

الهداف الكندي التاريخي جوناثان ديفيد (ويكيبيديا)

صراع بلجيكا الساخن... الواحدي يتحدى ساليبا

الدولي المغربي زكرياء الواحدي (فيسبوك)

لا يقتصر الصراع على الدوريات الكبرى، ففي الدوري البلجيكي الممتاز، يشتعل التنافس بصفة مستمرة بين الظهير الأيمن المغربي المتألق زكرياء الواحدي (24 عاماً)، النجم الأبرز لنادي جينك البلجيكي، ومدافع خط الوسط الكندي الصلب ناثان ساليبا (22 عاماً)، الذي يدافع عن ألوان غريمهم التقليدي نادي أندرلخت.

مدافع خط الوسط الكندي ناثان ساليبا (ويكيبيديا)

المواجهات المباشرة بين الواحدي وساليبا في البطولة البلجيكية تنعكس بوضوح على قمة السبت؛ إذ يعرف كل لاعب منهما مفاتيح السرعة والاندفاع للآخر، مما يجعل الجبهات الجانبية للملعب كتاباً مفتوحاً للطرفين.


دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
TT

دموع خلف خط التماس... الموت يفجع ديشان وديسابر في المونديال

ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)
ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا (يمين) وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية (يسار)

في الوقت الذي تشرئب فيه أعناق الملايين نحو الملاعب وتشتعل المدرجات بهتافات الفوز والهزيمة، أثبتت نهائيات كأس العالم 2026 أن ما وراء الخطوط الفنية ليس مجرد تكتيك وخطط، بل هو مسرح لدراما إنسانية قاسية يتجرعها القادة في صمت وتدبر. هذا ما عاشه المدربان الفرنسيان، ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا، وسيباستيان ديسابر المدير الفني لمنتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، اللذان خاضا أشرس معاركهما الكروية وهما مثقلان بآلام الفقد الأبدي لأعز ما يملكان.

ديشامب وعزاء الوالدة خلف مستطيل أميركا الشمالية

فقد عاش ديدييه ديشان أياماً عصيبة ومحطمة تماماً بعدما فُجع بنبأ وفاة والدته عقب نهاية الجولة الثانية من دور المجموعات، مباشرة بعد فوز الديوك على العراق بثلاثية نظيفة.

مدرب منتخب فرنسا ديدييه ديشامب (أ.ب)

اضطر ديشان لمغادرة معسكر المنتخب على عجل والعودة إلى فرنسا للوقوف بجانب عائلته وتشييع جثمانها، مما منعه من قيادة فريقه في المباراة اللاحقة ضد النرويج. ومع ذلك، فضّل الرجل العودة سريعاً لقيادة بلاده في دور الـ32 أمام السويد، معترفاً بأن البقاء مشغولاً في معترك المونديال كان متنفساً ضرورياً وملاذاً للتغلب على أحزانه العميقة.

مشهد سريالي لوداع ديسابر المزدوج في أتلانتا

أما السيناريو الأكثر قسوة والتهاماً للمشاعر، فقد كان من نصيب مواطنه سيباستيان ديسابر في مدينة أتلانتا الأميركية، ففي الوقت الذي كان يقاتل فيه على خط التماس ويوجه كتيبة «الفهود» في ملحمة بطولية كادت تقصي إنجلترا قبل أن تخسر الكونغو بصعوبة (2-1)، كان ديسابر يجهل تماماً أن والده فارق الحياة.

سيباستيان ديسابر (إ.ب.أ)

ولم تكن خسارة حلم المونديال هي الصدمة الوحيدة، بل تحول المؤتمر الصحافي اللاحق إلى مشهد سريالي تناقلته وسائل الإعلام العالمية باستهجان وذهول.

فبمجرد انتهاء الأسئلة الفنية، أخذ المنسق الإعلامي الكلمة ليعلن ببرودة تامة أمام الكاميرات: «نعلن أن المدرب فقد والده، خالص تعازينا». اتسعت عينا ديسابر مصدوماً من المفاجأة وإخراج فاجعته الخاصة إلى العلن، قبل أن يتمسك بوقاره ويرد مقتضباً شكراً، ويغادر القاعة بوجه منهار حاملاً في قلبه مرارة وداعين، وداع بطولة تاريخية شرف بها الكرة الكونغولية، ووداع أبدي لوالده الراحل.