أسعد رشدان لـ «الشرق الأوسط» : الممثل اللبناني في عمري يعاني

قال إن الشهرة والأضواء لم تعد تهمّه

أسعد رشدان لـ  «الشرق الأوسط» : الممثل اللبناني في عمري يعاني
TT

أسعد رشدان لـ «الشرق الأوسط» : الممثل اللبناني في عمري يعاني

أسعد رشدان لـ  «الشرق الأوسط» : الممثل اللبناني في عمري يعاني

يلقّبونه بـ«جوكر» الدراما اللبنانية؛ كونه يستطيع تأدية أدوار الشر بامتياز، تماماً كتلك المتعلقة بالخير والرومانسية والفقر والثراء وغيرها. فالممثل اللبناني أسعد رشدان، الذي مضى على مشواره الفني نحو 50 عاماً، لا يزال يتمتع بحضور لافت في أعمال الدراما. محلياً وعربياً سطع اسمه وبرزت قدراته التمثيلية في أكثر من عمل، كما في «بارانويا» و«ورد جوري» و«أمير الليل» و«الهيبة» و«التحدي» و«رصيف الغرباء»، وغيرها.
حالياً يطلّ رشدان في «أسماء من الماضي» مع المُخرج إيلي معلوف في دور قريب إلى ضيف الشرف، وهو لا ينكر أنه دور عادي، ولكنه ينتظر أن يجسد واحداً من أحلى أدواره في تعاون آخر مع معلوف بعنوان «الزيتونة». ويعلّق: «لست ضد الإطلالة كضيف شرف، شرط أن تكون محورية، وهو أمر قدّمته في أعمال عديدة تركت أثرها عند المشاهد».
وفي حديثك معه تقلِّب صفحات غنية منذ بدايات الدراما اللبنانية وصولاً إلى اليوم. اليوم حيث ما عاد الإنتاج المحلي يشكل ذروة عصره، ولكن يبقى رشدان واحداً من أركانه الأصيلة. ويعلق، لـ«الشرق الأوسط»: «لا يزال للإنتاج المحلي جمهوره ومتابعوه، وهذه الشريحة من الناس لا يهمها سوى الحدوتة من العمل. فلا تدقق في التقنيات ولا في عمليات الإخراج. وكما في أي بلد آخر، الإنتاج المحلي يمثل هذه العلاقة الوطيدة بين بلد وشعبه. وحالياً لم يبق من منتجيها سوى قلة قليلة مثل مروان حداد وإيلي معلوف».

«جوكر» الدراما اللبنانية  جسد أدواراً بالمئات

ولا ينسى أن يُشيد بمنتجين لبنانيين كجمال ورائد سنان وصادق الصباح الذين أسهموا في ازدهار صناعة الدراما اللبنانية، وكذلك في تلوينها بأساسات محلية من مخرجين وممثلين.
وهل هو راض عن دوره الحالي في «أسماء من الماضي»؟ يردُّ: «لا أعتبره دوراً محورياً، ولكني أقوم بعملي على أكمل وجه. هناك معاناة أعيشها كغيري من الزملاء بعمري، سيما وأن أجورنا المادية تتراجع مع تراجع سعر صرف الليرة أمام الدولار. وأنا شخصياً لست متفائلاً بما يحدث للبنان، لا بل يمكن القول إني قطعت الأمل بعودة الأمور إلى سابق عهدها».
يسير أسعد رشدان بين النقاط، فهو لم ييأس بعدُ ولم يستسلم لواقع قاتم، ولكنه في الوقت نفسه يكمل مشواره من باب شغفه بالتمثيل. وبرأيه، إن هناك شريحة من الممثلين محظوظة، في حين أن غيرها تجاهد كي تبقى وتستمر. وماذا تعني بالـ«محظوظة»؟ يوضح، لـ«الشرق الأوسط»: «أعني أن الأعمار تلعب دوراً أساسياً في انطلاقة مدوِّية لممثل، فعندنا أسماء ممثلين شباب يُعترف لهم بحرفيتهم وبمطرحهم على الساحة. فباسم مغنية ويوسف الخال وبديع أبو شقرا وغيرهم يقطفون الفرص التي تُقدَّم لهم، وهو أمر طبيعي. ومن ناحية ثانية تلعب الشللية والمصلحة دورهما في هذا الموضوع؛ لأن بعض شركات الإنتاج تطبِّقها في خياراتها التمثيلية».
وفق رشدان، فإن الدراما اللبنانية المحلية تشكو من بعض الشوائب كالبطء في عملية الإخراج، وكذلك اتباع أسلوب تقليدي غير حديث في حبكة العمل ككل.
وعن الفرق بين الأمس واليوم في هذا الإطار يقول: «الفرق شاسع، ولا مجال للمقارنة بين الزمنين. في الماضي كان الاتكال الأول على الممثلين وعلى مواهب تركت بصمتها على الشاشة. فمَن منا لا يتذكر محمود سعيد وعبد المجيد مجذوب وسمير شمص وإيلي صنيفر وغيرهم. فهؤلاء كانوا أصحاب مواهب ولم يدرسوا يوماً في معاهد فنية، أما اليوم فالتمويل يلعب الدور الأكبر والأهم، ولكن هؤلاء بنوا الدراما اللبنانية وأسّسوا لها بإنتاجات ونصوص جميلة ضمن أعمال لا تتعدى حلقاتها الـ13. واليوم عادت هذه القاعدة تنتشر من جديد؛ لأن الأعمال القصيرة تختصر الوقت ولا يعود هناك مكان للملل، كما أنها تخفف من ارتكاب الأخطاء وتضييع الوقت في تصوير عجلة سيارة أو حصان أو أي تفصيل آخر، فهذا البطء لا يخدم العمل بتاتاً، بل يتم حسابه (فوترته) على ساعات الإنتاج ليس أكثر، فهذا الأسلوب ينتج عنه التطويل الذي لا يقع في مصلحة العمل ولا مشاهده. فالتكنولوجيا قلبت قواعد كثيرة، ومواكبة العصر ضرورة، في حين أن بعض أعمالنا المحلية لا تزال تقبع في زمن آخر».
يصف أسعد رشدان نفسه بالممثل الذكي والمُلمّ بعلوم كثيرة؛ لأنه كان متفوقاً في دروسه وحتى في جامعته. «أنا إنسان حساس جداً، ولديّ منسوب عاطفي كبير ولكنني عصبيّ في الوقت نفسه. وعندما أمثل أستعمل كل هذه العناصر معاً وأستعيرها في وقتها اللازم كي أجسد الشخصية التي ألعبها بما يقنع المشاهد. وبرأيي، أن أساس النجاح عند الممثل هو تمتعه بالموهبة، وبعدها تأتي عناصر أخرى يجتهد كي يبلورها في عمله».
يغوص أسعد رشدان وهو يحدثك عن الحياة، اليوم، في أمور وجدانية إلى حد شعورك بأنه زاهد في الدنيا، فلا الشهرة ولا الأضواء ولا الأمجاد تلفته أو يهتم بتحقيقها. «صرت اليوم أميل أكثر نحو الوجدانيات والفلسفة، إذ أشعر بأني من خلالها أستطيع أن أكون جاهزاً للرحيل. حتى أغراضي الخاصة ما عادت تعني لي أي شيء. تبرعت بغالبية مقتنيات مكتبتي إلى صديق وهو محامٍ، ولم أتوان عن إعطاء أولادي بعض مقتنيات أخرى كانت عزيزة على قلبي. نظرتي للحياة وأنا في السبعين من عمري تغيرت وما عادت تشبه تلك التي عندما كنت شاباً. أسئلة كثيرة عن سر الوجود تراودني أحاول إيجاد أجوبة لها، وبذلك أكون مستعداً لساعة الصفر والانتقال إلى عالم آخر. لا أتكلم عن ذلك من باب اليأس أو الاستسلام أو في التفكير بالانتحار أبداً. فأنا متعلق بالحياة وما زلت أعطي لكل وقت ما يستحقه، ولكنني صرت أكثر واقعية وأحاول قدر الإمكان الحفاظ على سلامة صحتي».
الطاقة الإيجابية لا تزال تسكن أسعد رشدان، فالمراحل التي قطعها في حياته من طلعات ونزلات وتوقف عن التمثيل دام نحو 15 عاماً، إثر هجرته إلى أميركا، زادته خبرة. ويقول: «أنا حاضر اليوم لأي دور، فالتمثيل شغفي، وألبِّي عروضاً كثيرة من هذا المنطلق، ولكن الأدوار في عمري تقلّ، ويمكن أن يستفيد منها شخصان أو ثلاثة ليس أكثر. ولذلك بالكاد نلحظ حضور ممثلين من أبناء جيلي أمثال طوني مهنا وعصام الأشقر وجورد دياب».
قد تكون خسارته أصدقاء عزيزين على قلبه أثّرت على نمط حياته، فقد حزن لغياب أقربهم إلى قلبه الممثل بيار شمعون، وكذلك الرسام بيار شديد. اتجه نحو الوجدانيات وصار يغوص أكثر فأكثر في أسرار الحياة والموت. «كلنا نصل إلى هذه المرحلة مع التقدم في العمر، ومن الجيد وُلوجها بعمر أبكر، فموضوعات الإيمان والفلسفة والوجدانيات تزوِّدنا بالنضج وبخبرات قد تكون الأهم في مشوارنا».
ومن ناحية ثانية يفتخر رشدان بما حققه حتى اليوم في عالم التمثيل. ويتذكر بداياته يومَ مثَّل إلى جانب الراحلة صباح في مسرحية «ست الكل»، وفي مسلسل «البركة» و«اسمها لا»، وكذلك في مسلسل «بارانويا» إلى جانب قصي الخولي. ويختم: «أعلم جيداً أن لديّ طاقات كبيرة، وأنه كان في استطاعتي استخدامها بشكل أهم لو أتيحت لي الفرص».



نيفين رجب: استحضرت ذكرياتي مع هاني شاكر في «ناس تغيب»

تحرص نيفين على الاستماع إلى رأي ونصائح والدها وشقيقتها الفنانة غادة رجب (الشرق الأوسط)
تحرص نيفين على الاستماع إلى رأي ونصائح والدها وشقيقتها الفنانة غادة رجب (الشرق الأوسط)
TT

نيفين رجب: استحضرت ذكرياتي مع هاني شاكر في «ناس تغيب»

تحرص نيفين على الاستماع إلى رأي ونصائح والدها وشقيقتها الفنانة غادة رجب (الشرق الأوسط)
تحرص نيفين على الاستماع إلى رأي ونصائح والدها وشقيقتها الفنانة غادة رجب (الشرق الأوسط)

قالت الفنانة المصرية نيفين رجب إن تقديمها أغنية «ناس تغيب»، إهداءً لروح الفنان هاني شاكر في افتتاح مهرجان الموسيقى العربية، يحمل بالنسبة لها معنى يتجاوز المشاركة في حفل؛ إذ يجمع بين تقديرها لمسيرته وذكريات شخصية تعود إلى طفولتها، حين نشأت على أغنياته، وتعرفت إليه من خلال صداقته بوالدها الموسيقار رضا رجب، متمنية أن يترك العمل أثراً لدى الجمهور، وأن يصبح محطة مميزة في مشوارها.

وأضافت نيفين رجب، في حوارها مع «الشرق الأوسط»، أن علاقتها بدار الأوبرا المصرية بدأت منذ سنوات طويلة، حتى أصبحت تعتبرها بيتها الفني، مشيرة إلى أن الوقوف على مسارحها يمنحها شعوراً بالفخر تصاحبه رهبة المسؤولية أمام جمهور يعرف الموسيقى ويستمع إلى تفاصيلها. وأوضحت أن «قيمة المكان وتاريخه، إلى جانب طبيعة جمهوره، تجعلان كل مشاركة فيه تجربة تستدعي استعداداً خاصاً وحرصاً على مستوى ما تقدمه».

نيفين رجب خلال تحضيرات أغنية «ناس تغيب» (الشرق الأوسط)

ولفتت إلى أن أغنية «ناس تغيب» كُتبت خصيصاً لهذه المناسبة، وأن ترشيحها لأدائها جاء من دار الأوبرا وفريق العمل، لتبدأ بعدها التحضيرات مع الشاعر عبد الله حسن والملحن والموزع شريف حمدان ومهندس الصوت محمد جودة. مؤكدة أن العمل جمعهم على هدف واحد، وهو تقديم أغنية تليق بالفنان هاني شاكر، وتعبر عن محبتهم له وتقديرهم لتاريخه على المستويين الفني والإنساني.

وتابعت أن «التحضير للأغنية استغرق جهداً متواصلاً، وفريقها تفرغ للعمل حتى يصل إلى الصيغة التي يقتنع بها»، واصفة تلك الفترة بأنها أشبه بمعسكر جمعهم حول تفاصيل الكلمات واللحن والتوزيع والأداء.

وأكدت أنها كانت تستحضر هاني شاكر في أثناء حفظ الأغنية وتسجيلها؛ أغنياته وحفلاته وضحكته واللقاءات التي جمعتها به، إلى جانب مشاعر الوداع، مشيرة إلى أن الكلمات أعادتها أيضاً إلى ذكريات أشخاص رحلوا وبقيت أصواتهم وتفاصيل حضورهم في الذاكرة، وهو ما منح الأداء مساحة شخصية من التأثر.

وعن علاقتها به، أوضحت نيفين رجب أنه كان صديقاً مقرباً لوالدها، وأنها كانت تلتقيه في حفلات عديدة، فضلاً عن معرفتها بأسرته. واستعادت لقاءها به خلال ترشحه لمنصب نقيب المهن الموسيقية، حين ذهبت لانتخابه والتقطت صورة معه، مشيرة إلى أن ما بقي في ذاكرتها هو بساطته ولطفه وطريقته الودودة في التعامل.

نيفين رجب (الشرق الأوسط)

وبيّنت أن «أكثر ما تعلمته من طريقته في الغناء هو الإحساس، وقدرته على إيصال معنى الكلمات إلى المستمع»، موضحة أنها حملت هذا التأثر إلى «ناس تغيب»، مع حرصها على التعبير بصوتها وشخصيتها، بحيث يمر تقديرها له عبر تجربتها الخاصة وذكرياتها معه.

وعن اختياراتها في الحفلات، قالت رجب إنها تسعى إلى تحقيق توازن بين أغاني التراث والأعمال المعاصرة، بما يمنح الجمهور برنامجاً متنوعاً يجمع المتعة والقيمة الغنائية، مشيرة إلى أن اهتمامها يمتد إلى شكل الفرقة وتوزيع العازفين على المسرح وطريقة ظهورها ووقوفها، لأن هذه العناصر تشارك في تكوين التجربة التي يتلقاها الجمهور، وترغب دائماً في تقديمها بصورة أنيقة تحمل طابعها الخاص.

وأرجعت جانباً أساسياً من تكوينها إلى نشأتها في بيت موسيقي، فوالدها عازف كمان وأستاذ للموسيقى، ووالدتها عازفة بيانو وخريجة كلية التربية الموسيقية وعملت معيدة بها. مؤكدة أن الموهبة كانت حاضرة لديها ولدى شقيقتها غادة رجب منذ الصغر، لكن الأسرة منحتها الأساس الذي يساعد على فهم الموسيقى وحسن الاستماع واختيار ما تغنيه، فضلاً عن تعلم كيفية التعامل مع الكلمات والألحان.

أغنية «منسية» أتاحت لي تقديم حالة درامية والتعبير عن مشاعر تمسّ كثيرين

واستعادت مرافقتها لوالدها إلى الاستوديوهات، حيث كانت تتعلم منه ملاحظات دقيقة تتعلق بالنطق والإحساس وطريقة أداء الجملة الغنائية، إلى جانب ذكريات طفولتها في بيوت موسيقيين وملحنين مثل عمار الشريعي وحلمي بكر وميشيل المصري وبليغ حمدي، مؤكدة أن «الاستماع في المنزل إلى عبد الحليم حافظ ووردة وفريد الأطرش وفيروز وفايزة أحمد ومحمد عبد الوهاب أسهم في بناء ذائقتي، وظل أثره حاضراً في اختياراتي».

ومن ذكرياتها التي تعتز بها منذ صغرها حضور حفل لفيروز بمنطقة الأهرامات، وكان والدها من العازفين المشاركين فيه، مؤكدة أن مشاهدة هذه التجارب عن قرب تركت أثراً ممتداً في علاقتها بالغناء.

وأضافت أنها، رغم تكوّن شخصيتها الفنية واستقلال اختياراتها، ما زالت تحرص على الاستماع إلى رأي والدها وشقيقتها، لما تمنحه لها خبرتهما من ملاحظات تساعدها على مراجعة أعمالها وتطويرها.

وأرجعت اتجاهها إلى الأغنيات المنفردة إلى تغير ظروف الإنتاج والاستماع، مقارنة بالفترة التي كانت فيها الألبومات وشركات الإنتاج أكثر حضوراً، لافتة إلى أن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وتبدل طرق وصول الأغنيات إلى الجمهور دفعاها إلى العمل بصورة تدريجية، فبدأت بأغنية «كل آخر يوم» مع الملحن مدين، ثم قدمت معه «حالة»، لتنتقل بعدها إلى تجربة مختلفة في أغنية «منسية».

وأضافت أن «منسية» أتاحت لها تقديم حالة درامية لم تختبرها من قبل بهذه الصورة، وأن كلماتها ولحنها جذباها إلى التعبير عن مشاعر قوية رأت أنها تمس كثيرين، كما منحها تصويرها تجربة جديدة.


بيار خضرا لـ«الشرق الأوسط»: ظاهرة «الترند» تقترب من نهايتها

لا يستبعد خضرا أن تتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي مستقبلاً وتتيح أساليب أفضل (حسابه على إنستغرام)
لا يستبعد خضرا أن تتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي مستقبلاً وتتيح أساليب أفضل (حسابه على إنستغرام)
TT

بيار خضرا لـ«الشرق الأوسط»: ظاهرة «الترند» تقترب من نهايتها

لا يستبعد خضرا أن تتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي مستقبلاً وتتيح أساليب أفضل (حسابه على إنستغرام)
لا يستبعد خضرا أن تتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي مستقبلاً وتتيح أساليب أفضل (حسابه على إنستغرام)

لا يحصر المخرج بيار خضرا موهبته في حدود الصورة، بل يوظّف خلفيته الفنية المتنوعة لصياغة لغة بصرية تحمل بصمته الخاصة. ففي كليباته، تتلاقى عين المخرج مع حسّ مصمم الرقص وخبرة الفنان المتمرّس، لتولد رؤية إخراجية توظّف عناصر متعددة في خدمة العمل وتمنحه طابعاً متفرّداً.

تجلّى ذلك أخيراً في كليبي أغنيتي «اشتقتلّك» و«تك تك» لنجوى كرم، إذ قدّم صاحبة لقب «شمس الأغنية اللبنانية» بقالب بصري لافت، متحرّراً من القوالب الإخراجية التقليدية.

خضرا حرص على تقدّيم الفنانة نجوى كرم في قالب يشبه شخصيتها الحقيقية (حسابه على إنستغرام)

في الكليب الأول، أدخل خضرا نجوى كرم عالم الدراما، مقدّماً إياها بأزياء بسيطة وإطلالة غير مبالغ فيها، مختلفة عن صورتها على المسرح. أما في الثاني، فأعادها إلى المساحة الفنية التي تنتمي إليها، على حدّ قوله لـ«الشرق الأوسط»: «أحببت أن يرى الناس نجوى التي يعرفونها، فجعلت من بساطة المشهد عنصراً أساسياً في العمل. واستحضرت المائدة اللبنانية ولمّة العائلة حولها، لكن ضمن قالب يواكب عصرنا».

في الماضي القريب، كانت الكليبات اللامعة والفخمة تستقطب الجمهور، أما اليوم فتبدّلت المعايير وتغيّرت الأذواق. ويقول خضرا: «أتابع دائماً تعليقات الناس على الأعمال التي أنجزها، وفي أحدثها لمست ميلاً نحو الأعمال الغنية بالإحساس. في هذين الكليبين، أعدت نجوى إلى الصورة التي عرفها الجمهور بها سابقاً مع سعيد الماروق، وأضفت إليها لمسة من الحداثة. في تلك المرحلة، كانت تُرصد ميزانيات ضخمة لإنتاج الكليبات، لكن هذا الواقع تغيّر. لم أقدّم نجوى بصورة غريبة عنها، بل أعدتها إلى المساحة الفنية التي اعتادها الناس فيها، مع الحفاظ على روح العصر».

مشهد من كليب أغنية «تك تك» الذي يحمل توقيع خضرا (حسابه على إنستغرام)

ويشير خضرا إلى أنه استند في كليب «اشتقتلّك» إلى فكرة قديمة، واختار أيمن قيسوني لمشاركة نجوى التمثيل، مستفيداً من خبرته المهنية. ويعلّق: «كان الكليب بمثابة تذكير بعالم الكليبات الجميل، لكن برسالة أقدّمها بصورة جديدة إلى الجيل الشاب. كنت أرغب في إحداث تغيير ملحوظ، لا سيما أنني لمست سابقاً الجانب التمثيلي لدى نجوى».

أما في كليب «تك تك»، فكان المرح وخفّة الظل أساسي الرؤية الإخراجية. ويوضح: «لم يكن مناسباً تقديم الأغنية في قالب معقّد، فأخذت نجوى في رحلة تذكّرنا بشخصيتها المرحة التي عرفناها بها في (أرابس غوت تالنت). وأردت أيضاً تذكير الناس بعفويتها. لذلك، أجلستها إلى مائدة طعام محاطة بأفراد العائلة. فهي معروفة بحبّها لتحضير التبولة. الناس يحبون رؤية نجوى على طبيعتها، وكل ما قدّمته استوحيتُه من شخصيتها الحقيقية».

قبل «تك تك» قدّمت نجوى «دم دم تك تك» فهل تشكّل امتداداً للعمل السابق؟ يردّ بيار خضرا: «حرصت نجوى على التذكير بها في مقدمة العمل، منعاً لأي تداخل ممكن بين الأغنيتين. وهو ما يعكس ذكاء نجوى وفطنتها، لأنها استبقت التعليقات والانتقادات المحتملة بشأن التشابه بين الأغنيتين».

الثقة ركيزة أساسية في علاقة بيار خضرا مع نجوى كرم (حسابه على إنستغرام)

ويثني المخرج على التزام نجوى بعملها وحرصها على إنجاح كل تجربة تخوضها. ويكشف أن نقاشاً دار بينهما حول الكليب الأول «اشتقتلّك»؛ نظراً إلى اضطرارها للتمثيل فيه. ويوضح: «لم تكن ترغب في الإقدام على خطوة غير واثقة منها. تردّدت في البداية، ثم اقتنعت بالفكرة، لذلك استعنت بممثل رفيع المستوى لتشعر بالراحة».

ويروي الكليب قصة امرأة متزوجة ترفض السفر مع زوجها لأنها لا تريد ترك والدها المريض وحيداً. واعتمد خضرا على الأداء التمثيلي لنجوى كرم وأيمن قيسوني، بعيداً عن تحريك الشفاه تزامناً مع كلمات الأغنية (ليبسينغ). فجاء العمل أقرب إلى فيلم قصير يتميز بالمشاهد التمثيلية.

ويؤكد خضرا أن الثقة المتبادلة بينه وبين نجوى، تمنحه مساحة واسعة من الحرية. ويقول: «حتى عندما تشعر بالخوف من خطوة ما، تسلّمني زمام الأمر. وقد ترسّخت هذه الثقة بيننا منذ تصويري لها كليب (تعا نقعد). وأصغيت إليها باهتمام عندما اقترحت إضافة شخصية الأب إلى العمل، فاخترنا أن يكون مرضه السبب الأساسي لعدم مرافقة الزوجة زوجها في رحلته وابتعادها عنه. وهذا واقع يعيشه كثيرون، إذ يضطرون إلى تعليق عمل أو مشروع بسبب ظرف استثنائي مشابه لما ورد في القصة».

ويعترف خضرا بأن الخوف من ردود فعل الجمهور يرافقه دائماً، لكن حرصه على خلوّ أعماله من أي إساءة إلى الآداب العامة، وتقديمه الصورة البصرية بالمستوى الفني المطلوب، يمنحانه الثقة. ويضيف أن جرأته ترتبط بهذين العنصرين، شرط أن تحمل أعماله هوية خاصة تميّزها عن غيرها.

لا يتوقف خضرا عن البحث غير المتوقع، معتبراً أن ذلك نابع من شخصيته وينعكس على أعماله. فهو يحرص على استقطاب الفنان إلى عالمه، لا العكس، ما يمنح كليباته طابعاً مميزاً يجعل المشاهد يتعرّف إلى صاحب الرؤية من خلف الكاميرا. ويقول: «إذا كان العمل المصوّر لا يترك أثراً لدى المشاهد ولا يضيف بُعداً فنياً إلى الأغنية، فأفضّل عدم إنجازه من الأساس».

وعن واقع الكليبات الغنائية، يرى خضرا أنها لم تتقدّم أو تتراجع، بل دخل عليها عنصراً جديداً هو وسائل التواصل الاجتماعي، التي أتاحت للجميع إمكانية تصوير كليب. ويضيف أن عالم الفن بات يرزح تحت ضغط الترند ونسب المشاهدة، لكنه يعتقد أن هذه الظاهرة تقترب من نهايتها، مع عودة الجودة إلى الواجهة. فبعدما بات تحقيق الانتشار الواسع متاحاً للجميع، أصبح الكليب الجميل هو العنصر المميّز.

ويؤكد أن الاعتقاد بانتهاء زمن الكليبات غير صحيح. فهي لا تزال تمثّل الصورة الأساسية للفنان وأغنيته، وقد يؤثر إخفاق الكليب سلباً في الأغنية نفسها.

أما عن دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال، فيقول: «أعدّه حجة يتسلّح بها من لا يملك الميزانية اللازمة لإنجاز عمل بالمستوى المطلوب. كأننا نكذب على أنفسنا ونصدّق الكذبة. صحيح أنه يخفّض الكلفة ويختصر وقت التنفيذ، لكنه قد يشير إلى كسل المخرج، لا سيما أن الإحساس يغيب عن كليبات الذكاء الاصطناعي». ولا يستبعد أن تتطور هذه التقنية مستقبلاً وتتيح أساليب أفضل، لكنه لا يلجأ إليها إلا لرسم صورة معينة قد يستغرق تنفيذها بالكاميرا وقتاً أطول، رافضاً استخدامها في صناعة كليب يحمل توقيعه.

ويشير إلى أنه يحاول كسر الحواجز بينه وبين الناس، بعيداً عن الابتذال، انطلاقاً من احترامه خصوصية كل مجتمع. ومهما ابتعدت الفكرة عن المألوف، يحرص على إبقائها ضمن حدود لا تؤذي أحداً.

وسبق لخضرا أن قدّم الفنان الشامي في كليبي «بي بي» و«بعدك» بقالب حديث. ويوضح: «أعمل دائماً وفق استراتيجية يوحي بها إلى الفنان الذي أتعاون معه. وعندما أستمع إلى أغنية، أتبع الإحساس الذي تمنحني إياه. وهذا ما حصل مع الشامي، إذ رأيت أن إدخال الممثلة جنيفر عازار إلى جانبه أضفى على العمل نضجاً انعكس على الأغنية».

ويؤكد أنه يعيش اليوم أفضل مراحل حياته المهنية، إذ يتعاون مع فنانين كبار وآخرين من الجيل الجديد. ويقول: «أقف في الوسط بين جيلين عظيمين؛ أرتقي مع الموهبة الجديدة، وأذهب نحو الحداثة مع الجيل القديم».

ويختم بالكشف عن تحضير مشاريع جديدة مع نجوى كرم، مشيراً إلى أنه يفضّل أخذ استراحة بين عمل وآخر كي تتبلور أفكاره. أما العنوان العريض الذي يختصر به رؤيته للكليب اليوم، فهو «الذوق السليم». ويقول: «لدينا نقص في الذوق العام، لناحية اختيار عناصر فنية منسجمة تستند إلى حسّ جمالي. ولو توافرت لدينا نسبة أكبر من الذوق في أعمالنا المصوّرة، لاستطعنا تقديم الأفضل».


منى عزيز لـ«الشرق الأوسط»: هاني شنودة مطوّر الموسيقى الكلاسيكية

منى عزيز في أحد اللقاءات التلفزيونية (حسابها على «فيسبوك»)
منى عزيز في أحد اللقاءات التلفزيونية (حسابها على «فيسبوك»)
TT

منى عزيز لـ«الشرق الأوسط»: هاني شنودة مطوّر الموسيقى الكلاسيكية

منى عزيز في أحد اللقاءات التلفزيونية (حسابها على «فيسبوك»)
منى عزيز في أحد اللقاءات التلفزيونية (حسابها على «فيسبوك»)

من الولايات المتحدة الأميركية جاءت خصيصاً المطربة المصرية منى عزيز لتشارك في مهرجان «هي الفنون» الذي أقامته الجامعة الأميركية بالقاهرة، جاءت وفاء لأستاذها الموسيقار الراحل هاني شنودة، لتشارك في تكريمه وتغني ألحانه التي قدمتها معه من خلال «فرقة المصريين»، هذه الفرقة التي ظهرت في السبعينات وأحدثت تغييراً كبيراً في الأغنية ببساطة كلماتها وموسيقاها الجديدة التي طوّع فيها شنودة الآلات الغربية ومزجها بألحان شرقية ورددها معهم الشارع المصري، وانضمت لها منى عزيز في الثمانينات لتحقق نجاحاً بأغنيتها «ماشية السنيورة» عام 1985، وتوالت أعمالها مع الفرقة قبل أن تتزوج وتسافر لأميركا.

وفي حوارها مع «الشرق الأوسط»، قالت منى عزيز إن هاني شنودة كان هو الأب الروحي لها، مؤكدة أنها رغم سفرها وابتعادها عن «فرقة المصريين»، فإنه ظل خيطاً يربطها بها، وأنها ليست المرة الأولى التي تشارك في حفل لتكريم شنودة؛ فقد شاركت قبل 3 سنوات في حفل تكريمه خلال حياته بـ«موسم الرياض».

تقول منى في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «جئت خصيصاً للاحتفاء بالموسيقار الراحل هاني شنودة، وتبرعت بأجري للمشاركة في مهـرجان (هـي الفنون) تقديراً واحتفاء بأبي الروحي، وسعدت جداً بالمشاركة في هـذا المهـرجان، وهذه فرصة لأوجه التحية للدكتورة نيفين قناوي مديرة المهرجان على مجهـودهـا الرائع».

منى عزيز قالت إن تجربتها مع «فرقة المصريين» كانت ناجحة بكل المقاييس (الشرق الأوسط)

هاني شنودة الذي اختبرها ذات يوم واختارها لتكون مطربة الفرقة، تقول منى عما يمثله لها في حياتها كمطربة: «لقد كان بالنسبة لي بمنزلة المُرشد والمُعلم».

وتلفت منى إلى أنها «شاركت في حفل تكريمه بـ(موسم الرياض 2023)، وهو الحفل الذي غنى فيه كل نجوم الغناء الذين قدمهم وتغنوا بألحانه، وكان سعيداً بالتفاف الجميع حوله، وها أنا أعود لحفل يحتفي به وبما أنجزه للموسيقى والأغنية العربية».

وتنفي منى عزيز ما تردد عن اعتزالها الفن بطريقة عملية وتقول: «منذ سفري لم أنقطع عن المشاركة في حفلات بمصر، ومن بينها حفل افتتاح (مهـرجان الأغنية) 2001. وقدمت حفلاً بـ(ساقية الصاوي) في 2018، وشاركت في 2022 بحفل في الأوبرا، ثم قدمت حفلاً بالإسكندرية وآخر بـ(مسرح الجمهورية)... فكلما أتيح لي تقديم حفلات لا أتردد للقاء الجمهور».

وقدمت منى قبل عامين أغنية مع الموسيقار هاني شنودة بعنوان «الأيام» غنتها بالعربية والإنجليزية والفرنسية، من كلمات الدكتور هاني زكي، كما قدمت أغنيات خاصة بها قبل ذلك مثل «فرسان هزموا الهزيمة» و«لا للإدمان» ضمن حملة للتصدي لظاهرة الإدمان.

وتصف منى تجربتها مع «فرقة المصريين» قائلة: «أراها تجربة موفقة جداً وكُللت بالنجاح؛ إذ أفادتني بالتدريب والخبرة، كما أنني بطبيعتي أُحب العمل الجماعي وروح التعاون، وقد جمعت بيننا المحبة والمشاعر الطيبة».

وعَدّت منى عزيز الموسيقار هاني شنودة «رائد الأغنية الحديثة المتطورة والهـادفة»، وتضيف: «لعل أهم ما يميزه أنه اختصر الأغنية الكلاسيكية الطويلة ليقدمها في 4 أو5 دقائق، وألبسها ثوباً عصرياً لتلائم الأجيال الجديدة».

وخلال الحفل الذي قدمته بالمهرجان في 2 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، كانت أغنية «ماشية السنيورة» من أكثر الأغنيات التي انتظرها جمهور الحفل، مثلما يطلبها الجمهور في كل حفل، وتفسر منى تعلق الجمهور بها قائلة: «لأنها تمس كل البنات، وقد تميزت بكلماتها اللطيفة سهلة الترديد، ولحنها المماثل، وأعتبر نفسي محظوظة؛ لأنهـا من تأليف العبقري صلاح جاهين، وكان هاني شنودة قد وضع لحنها وأعطاها ليقوم جاهين بكتابة الكلمات، وسعدت أنني التقيته وهاني، وكنت أشعر برهبة، لكنه بدّدها تماماً».

وقدمت منى عزيز شارة مسلسل «عائلة شلش» الذي قام ببطولته في التسعينات الفنانان صلاح ذو الفقار وليلى طاهر، وتقول: «أرحب بتكرار هذه التجربة، وأتمنى أن أقدم المزيد منها؛ فقد حقق تتر المسلسل والعمل ككل نجاحاً كبيراً».

منى عزيز تستعيد أغاني هاني شنودة (الشرق الأوسط)

وفي السينما شاركت منى عزيز ببطولة فيلمَي «صراع الحسناوات» و«سرقوا أم علي»، وتوضح أن «الفيلم الأول كان التجربة الأولى لي في التمثيل، وكان ينقصني الخبرة، لكنني أعتز كثيراً بتجربتي في (سرقوا أم علي)؛ فقد وجدت تشجيعاً وروحاً طيبة من الزملاء في العمل، كما كنت قد اكتسبت قدراً من الخبرة».

ولا تزال أغنيات «فرقة المصريين» تمثل «نوستالجيا» لدى أجيال عاصرتها وأخرى لم تعاصرها، وقد عبّر عنها مسلسل «حالة خاصة»؛ إذ ظهر بطل العمل الفنان طه دسوقي مرتبطاً بها، فكان يضع السماعة في أذنه منفصلاً عن العالم ليسرح مع أغنياتها، ومن بينها «أوقات» التي تقول كلماتها: «أوقات أشوف ملامحك في صورتي في المراية.. وأحس الشوق في قلبي واخدني للنهاية»، وقد أحب أغنياتها، وتؤكد منى عزيز أن هذا المسلسل ألقى الضوء على أغنيات «فرقة المصريين» وما تركته من تأثير في أجيال عديدة.