كوريا الجنوبية «مصدومة» من الإنفاق الدفاعي الياباني

كوريا الجنوبية «مصدومة» من الإنفاق الدفاعي الياباني
TT

كوريا الجنوبية «مصدومة» من الإنفاق الدفاعي الياباني

كوريا الجنوبية «مصدومة» من الإنفاق الدفاعي الياباني

جاء رد فعل كوريا الجنوبية على زيادة الإنفاق الدفاعي لليابان صادماً، إذ عدّت حكومة الرئيس يون سوك يول هذه الخطوة «مسألة خطيرة»، وحذرت من أن طوكيو بحاجة إلى التشاور مع سيول بشأن أي قضايا أمنية تتعلق بشبه الجزيرة الكورية.
كذلك كتبت صحيفة «كوريان تايمز»، الكورية الجنوبية، في افتتاحيتها، «على طوكيو ألا تنسى دروس حرب المحيط الهادي، التي انتهت قبل ما يقرب من 80 سنة... للجماعات اليمينية اليابانية هدف واحد هو استعادة النفوذ العسكري والسياسي السابق لبلدهم». في حين جاء في افتتاحية صحيفة «ذا كوريا هيرالد» أن «خطط اليابان لتطوير قدرة هجوم مضاد تمثل تغييراً جذرياً في سياسات البلاد»، لافتة إلى أن طوكيو قد تستخدم قوتها العسكرية الجديدة للقيام بمزيد من الأعمال الاستفزازية لاستعادة الجزر، التي تسيطر عليها كوريا الجنوبية بين شبه الجزيرة واليابان، وتدعي اليابان أنها تابعة لها، وهذه الجزر يدعوها الكوريون الجنوبيون «دوك – دو»، يطلق عليها اليابانيون اسم «تاكيشيما».
هذا، وتساءل الصحافي مايكل والتون في صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» قائلاً «هل النسخة ذات الطابع العسكري لليابان تصب في مصلحة آسيا... بالنسبة للولايات المتحدة، فإن هذه النسخة قد تكون وسيلة فعالة من حيث الكلفة لمواجهة الصين، إلا أنها قد تمثل مخاطرة بالنسبة لليابان نفسها». مع هذا يبدو أنها على استعداد لتحمل هذه المخاطر في سعيها لتحقيق طموحها، أما بالنسبة لبقية دول المنطقة، يمكن لطوكيو المُعاد تسليحها أن تغير النظام الإقليمي بشكل جذري خارج سيطرة الولايات المتحدة، وصحيح أنه قد لا يكون هذا هو الحال حتى الآن، ولكن بمجرد بدء أي أعمال استفزازية، فإن صدى عدم الاستقرار في آسيا سيتردد في جميع أنحاء العالم.
وعن الداخل الياباني، يشير محللون إلى أن خطة رئيس الوزراء الياباني لزيادة الإنفاق الدفاعي قد تواجه معارضة من الجبهة الداخلية عندما يضطر على الأرجح إلى رفع الضرائب، وهو احتمال صعب نظراً لشيخوخة السكان في اليابان، الذين تتطلب رعايتهم حصة متزايدة باستمرار من الموارد. ثم إن كيشيدا نفسه لا يحظى بشعبية واسعة. وبالعكس تقول تقارير من صحيفة «يابان تايمز»، إنه «في حين كان الناخبون اليابانيون تقليدياً يشككون في إجراء أي تعديلات مباشرة في الدستور، فإن الدعم العام لوجود جيش أكثر قوة في البلاد قد نما منذ حرب أوكرانيا، ووسط مخاوف من أن الغزو الصيني لتايوان يمكن أن يشكل تهديداً لأمن اليابان نفسها».


مقالات ذات صلة

«سامسونغ» تواجه غضباً عمالياً في توقيت سيئ

الاقتصاد «سامسونغ» تواجه غضباً عمالياً في توقيت سيئ

«سامسونغ» تواجه غضباً عمالياً في توقيت سيئ

تواجه شركة الإلكترونيات الكورية الجنوبية العملاقة «سامسونغ إلكترونيكس» أول إضراب لعمالها، بعد أن هددت نقابة عمالية مؤثرة بالإضراب احتجاجاً على مستويات الأجور ومحاولات الشركة المزعومة لعرقلة عمل هذه النقابة. وذكرت «وكالة بلومبرغ للأنباء» أن النقابة التي تمثل نحو 9 في المائة من إجمالي عمال «سامسونغ»، أو نحو 10 آلاف موظف، أصدرت بياناً، أمس (الخميس)، يتهم الشركة بإبعاد قادتها عن مفاوضات الأجور.

«الشرق الأوسط» (سيول)
العالم كوريا الشمالية تتعهد بتعزيز «الردع العسكري» رداً على إعلان واشنطن

كوريا الشمالية تتعهد بتعزيز «الردع العسكري» رداً على إعلان واشنطن

تعتزم كوريا الشمالية تعزيز «الردع العسكري» ضد كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، منتقدة اتفاق القمة الذي عقد هذا الأسبوع بين البلدين بشأن تعزيز الردع الموسع الأميركي، ووصفته بأنه «نتاج سياسة عدائية شائنة» ضد بيونغ يانغ، وفقاً لما ذكرته وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية. ونشرت وكالة الأنباء المركزية الكورية (الأحد)، تعليقاً انتقدت فيه زيارة الدولة التي قام بها رئيس كوريا الجنوبية يون سيوك - يول إلى الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة، ووصفت الرحلة بأنها «الرحلة الأكثر عدائية وعدوانية واستفزازاً، وهي رحلة خطيرة بالنسبة لحرب نووية»، وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء الألمانية. وذكرت وكالة أنباء «

«الشرق الأوسط» (سيول)
العالم كوريا الشمالية تحذر من «خطر أكثر فداحة» بعد اتفاق بين سيول وواشنطن

كوريا الشمالية تحذر من «خطر أكثر فداحة» بعد اتفاق بين سيول وواشنطن

حذرت كيم يو جونغ شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون من أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لتعزيز الردع النووي ضد بيونغ يانغ لن يؤدي إلا إلى «خطر أكثر فداحة»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. كانت واشنطن وسيول حذرتا الأربعاء كوريا الشمالية من أن أي هجوم نووي تطلقه «سيفضي إلى نهاية» نظامها. وردت الشقيقة الشديدة النفوذ للزعيم الكوري الشمالي على هذا التهديد، قائلة إن كوريا الشمالية مقتنعة بضرورة «أن تحسن بشكل أكبر» برنامج الردع النووي الخاص بها، وفقا لتصريحات نقلتها «وكالة الأنباء الكورية الشمالية» اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ)
العالم الرئيس الكوري الجنوبي يشيد أمام الكونغرس بالتحالف مع الولايات المتحدة

الرئيس الكوري الجنوبي يشيد أمام الكونغرس بالتحالف مع الولايات المتحدة

أشاد رئيس كوريا الجنوبية يوون سوك يول اليوم (الخميس) أمام الكونغرس في واشنطن بالشراكات الاقتصادية والثقافية والعسكرية التي تربط كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، وتحدّث عن وحدة القوتين في وجه كوريا الشمالية، مشيراً إلى «تحالف أقوى من أي وقت مضى». وقال يوون، أمام مجلس النواب الأميركي، إنه «تشكل تحالفنا قبل سبعين عاماً للدفاع عن حرية كوريا». كما أوردت وكالة «الصحافة الفرنسية». وأشار إلى أن «كوريا الشمالية تخلّت عن الحرية والازدهار ورفضت السلام»، وحض الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان على «تسريع» التعاون فيما بينها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد 23 مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الكوري ـ الأميركي

23 مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الكوري ـ الأميركي

أعلنت وزارة الصناعة الكورية الجنوبية يوم الأربعاء أن كوريا الجنوبية والولايات المتحدة وقعتا 23 اتفاقية أولية لتعزيز التعاون الثنائي بشأن الصناعات المتقدمة والطاقة، مثل البطاريات وأجهزة الروبوت وتوليد الطاقة النووية. وذكرت وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية للأنباء أن وزارة التجارة والصناعة والطاقة الكورية الجنوبية قالت إنه تم توقيع مذكرات التفاهم خلال فعالية شراكة في واشنطن مساء الثلاثاء، شملت 45 مسؤولا بارزا بشركات من الدولتين، وذلك على هامش زيارة الرئيس الكوري الجنوبي يون سوك يول للولايات المتحدة. وأضافت الوزارة أن من بين الاتفاقيات، 10 اتفاقيات بشأن البطاريات والطيران الحيوي وأجهزة الروبوت وال

«الشرق الأوسط» (سيول)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.


سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن


مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)
TT

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن


مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران يتلخص بـ«لا للحرب» No a la Guerra، كان يعرف أنه يتكلّم باسم غالبية مواطنيه، وأيضاً غالبية الأوروبيين الذين ما زالت تحترق أصابعهم بنار الحرب الدائرة في أوكرانيا. وكان يعرف أيضاً أن خطوته تلك هي المجازفة الأكبر في مسيرته السياسية الحافلة بالمفاجآت والانعطافات المذهلة. لكنه لم يكن يتوقع أبداً، كما قال لنا أحد مساعديه المقربين، أنه قبل نهاية الأسبوع الثاني من هذه الحرب التي بدأت شظاياها الاقتصادية تتساقط على الاتحاد الأوروبي، سيبني شركاؤه الأوروبيون موقفهم المشترك استناداً إلى تلك الخطوة المتقدمة التي قام بها. «الشرق الأوسط» رافقت من كثب صيرورة هذا الموقف الإسباني، الذي استبق مواقف العواصم الأوروبية الكبرى من الحرب التي فتحت خامس أزمة بين واشنطن وبروكسل في غضون أقل من 14 شهراً منذ وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.

بعدما شكّل بيدرو سانشيز ثلاث حكومات متتالية وهو لا يزال دون منتصف العقد الخامس من العمر، يُعدّ رئيس الوزراء الإسباني الحالي الرئيس الأكثر تمرّساً وخبرة في الشؤون الخارجية، مقارنة بكل من سبقه منذ أن عادت الديمقراطية إلى إسبانيا.

سانشيز وصل إلى قيادة الحزب الاشتراكي الإسباني من الصفوف الخلفية، وضد إرادة القيادات التاريخية للحزب. واستطاع أن يكمل ولايتيه الأوليين ضد كل التوقّعات التي رجَّحت سقوطه غير مرة بسبب عوزه للدعم البرلماني الكافي وهشاشة تحالفاته. وها هو اليوم في طريقه لإكمال الولاية الثالثة مع أن حزبه خسر الانتخابات العامة الأخيرة لصالح الحزب الشعبي المحافظ، الذي فشل في جمع الغالبية البرلمانية اللازمة لتشكيل حكومة.

آخر يساريي أوروبا

يقود بيدرو سانشيز اليوم الحكومة اليسارية الوحيدة المتبقية في الاتحاد الأوروبي، والحكومة الوحيدة بين الدول الأعضاء التي رفعت الصوت بوجه إسرائيل خلال «حرب غزة» إلى أن سحبت أخيراً سفيرتها من تل أبيب. وهذا، بجانب كونها الوحيدة بين حكومات البلدان الوازنة في الاتحاد التي قالت «لا» للحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. وبهذا الموقف، جازفت وتجازف بمواجهة غير متكافئة على كل الصُّعد ضد «الحليف» الأميركي الذي سارع إلى التهديد بمعاقبتها، كذلك تخاطر بأن تبقى وحدها في أوروبا مبحرة بعكس الرياح الترمبية.

غير أن هذا الموقف الإسباني، الذي فاجأ بوضوحه وقوته القاصي والداني، جاء – كما يقول مراقبون – ثمرة دراسة متأنية للمشهدين الإقليمي والدولي، كما هو وليد خبرة سانشيز وحدسه السياسي، ورهانه الذي بدأت مؤشرات نجاحه تتبدّى في الأفق الأوروبي.

في الواقع، بعد ساعات قليلة من اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، صدرت عن رئيس الوزراء الإسباني مواقف قوية ومختلفة عن تلك التي صدرت عن نظرائه الأوروبيين الذين أحجموا في تصريحاتهم عن انتقاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ولذا؛ بدا سانشيز وكأنه سيبقى وحيداً في الاعتراض على القرار الأميركي عندما قال: «نرفض العملية العسكرية الأحادية التي تقوم بها الولايات المتحدة وإسرائيل، مثلما نرفض أعمال النظام الإيراني و(الحرس الثوري). إننا لا يمكن أن نسمح بنشوب حرب أخرى مدمّرة في الشرق الأوسط». وجاء هذا الموقف من إسبانيا، بينما اختارت كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا الصمت أو إطلاق تصريحات خشبية للتعليق على القرار الأميركي - الإسرائيلي.

موقفان لليمين الإسباني

المعارضة اليمينية في إسبانيا سارعت إلى انتقاد سانشيز، وأبدت في البداية ارتياحها لقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، معتبرة أن رئيس الوزراء سانشيز «يغرّد وحده بعيداً عن السرب» الأوروبي. لكن مع مرور الساعات والأيام بدأ المشهد يتغّير، ونحت معظم العواصم الأوروبية، بما فيها روما التي تفاخر بعلاقات رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني الوثيقة مع ترمب، إلى الاقتراب من موقف سانشيز.

وحقاً، صباح الخميس من الأسبوع الماضي استيقظت رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية المتشددة على عناوين الصحف الكبرى منوّهة بموقف سانشيز الذي يتمتع بشعبية واسعة وتقدير في أوساط الرأي العام الإيطالي. وعلى الأثر قرّرت إرسال وزير دفاعها إلى البرلمان ليقول: «من البديهي أن هذه الحرب تجاهلت أحكام القانون الدولي والشرعية الدولية. وأما بالنسبة للقواعد الأميركية في إيطاليا، فإننا سنحذو حذو بيدرو سانشيز...». وفي أول مثول لها أمام البرلمان الإيطالي، قالت ميلوني إن بلادها ليست في وارد الدخول في هذه الحرب التي اندلعت خارج الشرعية الدولية.

وبعد أحد عشر يوماً على إعلان سانشيز قرار حكومته منع استخدام القواعد الأميركية في العمليات العسكرية ضد إيران - الأمر الذي استدعى تهديدات قاسية من لدن ترمب - بدأت الحرب تثير الرفض بين القيادات الأوروبية، وفي أوساط الرأي العام الأوروبي، كما أظهرت جميع الاستطلاعات. وهذا بينما كان الرأي العام الأميركي أيضاً يميل إلى رفضها.

أمام هذا التحول السريع، اندفعت المعارضة الإسبانية إلى القول بأنها لم تؤيد الحرب أبداً، محاولة النأي بنفسها عن القرار الذي اتخذه رئيس الوزراء الأسبق خوسيه ماريا آزنار بتأييد حرب جورج بوش على العراق عام 2003. ولكن كان من الصعب إبطال مفاعيل التصريحات الأولى التي أدلى بها قياديون بارزون في الحزب الشعبي تأييداً للحرب على إيران.

المعركة السياسية داخل إسبانيا

خارج إسبانيا، رسّخ موقف سانشيز صورته كعدو للرئيس الأميركي ورهان كبير لليسار الأوروبي المترنح منذ سنوات. لكن المعركة الحقيقية بالنسبة لسانشيز تدور رحاها في الداخل الإسباني، حيث تتراجع القوى اليسارية أمام اندفاع القوى اليمينية وصعودها المطّرد كما بيّنت الانتخابات الإقليمية الأخيرة.

أوساط الحزب الاشتراكي تقول إنه من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان الموقف الرافض للحرب سيعكس هذا المنحى، كما حصل في عام 2003، عندما انقلب الرأي العام لصالح اليسار، وبالتالي خسر الحزب الشعبي رئاسة الحكومة بعدما مني بهزيمة قاسية في الانتخابات العامة.

وحالياً، يركّز سانشيز حملته الداخلية مستنداً إلى موقفه الرافض للحرب وشق المعاناة الاقتصادية التي ستتسبب فيها. إذ يقول: «هذه الحرب ستتسبب في المزيد من التضخم والمعاناة، ولذلك أيضاً؛ يجب أن نرفضها. والرفض هذا هو تأييد للسلم ودعم لشركاتنا وعمالنا وزراعتنا». ويتابع أن حكومته بدأت تستعد لتقديم الدعم إلى الأفراد والمؤسسات، مستفيدة من حسن أداء الاقتصاد الإسباني الذي يسجّل أعلى مستويات النمو في الاتحاد الأوروبي منذ ثلاث سنوات. ولقد جاءت تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس صباح الأربعاء؛ لتعزز التوجه نحو الاصطفاف الأوروبي بجانب سانشيز، عندما قال: «ليس من مصلحة أوروبا أن تستمر هذه الحرب التي لا نرى نهاية لها في الأفق».

أكثر من هذا، تذهب بعض الأوساط القريبة من سانشيز في تفاؤلها إلى حد ترجيح انقلاب المشهد السياسي الداخلي، وإقدام رئيس الوزراء على حل البرلمان والدعوة لإجراء انتخابات مسبقة.

لكن يبدو ان سانشيز ما زال يتريّث في اتخاذ هذا القرار وانتظار تحوّل أوضح في الموقف الأوروبي المشترك لناحية موقفه؛ إذ إنه يدرك جيداً مدى ضعفه في البرلمان، ويتفهّم الهزائم التي تعرّض لها حزبه أخيراً في الانتخابات الإقليمية. وهذا، فضلاً عن فضائح الفساد التي تطال قيادات بارزة في حزبه... والتي لم تصل بعد إلى خواتيمها القضائية.

الأبعاد والتداعيات الأوروبية

أما على الصعيد الأوروبي، فيتطلّع كثيرون إلى أن يؤدي هذا التحوّل إلى استعادة القوى «التقدمية» (الليبرالية والاشتراكية) تفاؤلها بكبح موجة اليمين المتطرف التي تجتاح العالم، مدعومة من الرئيس الأميركي، بعدما بدأت تتضّح تبعات بعض سياساته على العالم منذ وصوله إلى السلطة. ويعوّل هؤلاء على انحسار ما يسمونه «الإعصار الترمبي» بعد الانتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة الخريف المقبل.

في هذه الأثناء، الدائرة الضيقة حول سانشيز، والتي تحدثت «الشرق الأوسط» إلى بعض أفرادها، تبدو على يقين من أن رئيس الوزراء الإسباني أصاب في قراءته المشهد السياسي منذ اللحظة الأولى، وأن خبرته في استباق الأحداث هي التي كانت وراء ذلك. إذ كشف أحد مساعديه عن أن سانشيز كان يتابع منذ أسابيع طويلة كل التطورات في المنطقة، وأيضاً الموقف الأميركي، على ضوء تصريحات ترمب. وبدأ، من ثم، يستعد لمثل «السيناريو» الراهن وخيارات الردّ عليه، ووفق هؤلاء، كان هذا الرد كان جاهزاً عندما بدأت العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية.

ثم أن الزعيم الإسباني، وفق هؤلاء المقرّبين، كان على تواصل دائم مع غالبية نظرائه الأوروبيين، وأيضاً بعض القيادات الوازنة في منطقتي الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. وأن تنسيقه بعيداً عن الأضواء مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لعب دوراً حاسماً في اتخاذه الموقف الرافض للحرب. وكشفت مصادر أخرى عن أن ماكرون سارع إلى الاتصال بسانشيز والإعراب له عن تضامنه بعد تهديدات الرئيس الأميركي بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا لرفضها السماح باستخدام القواعد الأميركية الموجودة على أراضيها.

ومن معلومات مصدر مطّلع، أن سانشيز كان قد اتفق مع ماكرون على إرسال سفينة حربية إسبانية للمشاركة في تشكيل قوة أوروبية للدفاع عن قبرص، التي تتولى حالياً الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي. إلا أن مدريد قرّرت التريّث في الكشف عن ذلك الاتفاق للإيحاء بأنها تتردّد في اتخاذ هذا الموقف.

وفي سياق متّصل، فإن بعض الأوساط الأوروبية تتطلّع إلى أن يصبح الموقف الإسباني «نواة» للموقف المشترك من هذه الحرب، التي بدأت تظهر تداعياتها القوية في أوساط الرأي العام على مستوى القارة.

وحسب هذه الأوساط، ثمة ميل أوروبي واضح لرفض فكرة ظهور الولايات المتحدة كقوة استبدادية ومزاجية واعتباطية قادرة على المجازفة بشن حرب غير شرعية في أكثر مناطق العالم سخونة في غياب استراتيجية واضحة لها أو احتساب تداعياتها الاقتصادية والأمنية والإنسانية.

بالتوازي، يرى مراقبون، أن ما يعزّز موقف سانشيز، أنه يتطابق تماماً مع الموقف الذي اتخذته إسبانيا عندما نشبت الحرب في أوكرانيا، وأيضاً عندما شنت إسرائيل عدوانها الوحشي على غزة حين اكتفى رئيس الوزراء الإسباني بالدفاع عن القانون الدولي والشرعية المنبثقة من الأمم المتحدة، ليصبح الصوت الأوروبي الأعلى المناهض لإسرائيل، ومرجعاً لليسار على الصعيد الدولي. رئيس الوزراء الإسباني: «نرفض العملية العسكرية الأحادية التي تقوم بها الولايات المتحدة وإسرائيل

مثلما نرفض أعمال النظام الإيراني والحرس الثوري»


سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)
سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)
TT

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)
سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

> لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له منافع سياسية على الصعيد الداخلي، مثل تحفيز القوى اليسارية والتقدمية، التي تكاد تكون في حالة من الإغماء منذ سنوات. وبذا؛ فهو يراهن أيضاً على أن الناخبين يميلون - في ظروف معينة - أكثر فأكثر إلى التحرّك تحت تأثير المشاعر والانفعالات، وليس استناداً إلى البرامج والحجج والمنطق.

وهكذا، مرة أخرى، قد تعود السياسة الخارجية لتنقذ سانشيز من الركود الذي يصيب شعبيته؛ فيندفع بكل قوته للدخول في المعركة السياسية ضد الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. لذا؛ فهو يكثّف اتصالاته الدولية، خاصة مع نظرائه الأوروبيين، للانضمام إلى الموقف الرافض لهذه الحرب التي لم يعد مستبعداً ان تطال شرارتها بلدان الاتحاد الأوروبي.

يركّز سانشيز اتصالاته مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا الذي تربطه به صداقة وطيدة، ويبدي انفتاحاً على التواصل مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بعد التحول الطارئ على موقفها.

وخارج أوروبا، كما يجري الزعيم الإسباني اتصالات مع الرئيس البرازيلي «لولا»، ورئيسة المكسيك كلاوديا شاينباوم التي أعربت عن تأييدها لموقفه الرافض للحرب.

وفعلاً، يتولّى وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل آلباريس الاتصالات المكثفة مع نظرائه في الاتحاد لتغيير الموقف الأوروبي الراجح بعدما كان في البداية يكاد يتماهى مع الموقف الأميركي. وتستند مدريد في تحركاتها هذه إلى استطلاعات الرأي، الأوروبية والدولية، التي تشير إلى معارضة الرأي العام للحرب وتعاطفه مع القيادات التي ترفضها. وتقول مصادر مقربة من سانشيز إنها بدأت «تلمس في الأيام الأخيرة»، خاصة بعد إطلاق صافرات الإنذار المحذرة من تبعات اقتصادية وخيمة لهذه الحرب، «تحولاً تدريجياً في مواقف العواصم الأوروبية، باستثناء برلين التي يستبعد أن تخرج عن انحيازها التاريخي لجانب إسرائيل»، وهذا، مع أن أوساطاً إعلامية وازنة في ألمانيا صارت تنتقد موقف المستشار الألماني ميرتس وتصريحاته، بما في ذلك زيارته الأخيرة إلى واشنطن.

وأخيراً، يتوقع مستشارو بيدرو سانشيز أيضاً أن يتكرّر هذه المرة ما حصل يوم اعترفت إسبانيا بـ«الدولة الفلسطينية» في خضمّ العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد غزة. وفي حينه، بدت إسبانيا وحيدة في موقفها إلى جانب آيرلندا. ولكن مع احتدام الحرب وتفاقم الخسائر البشرية الفلسطينية، تغيّر الموقف الأوروبي بصورة غير مسبوقة، لا سيما عندما أقدمت بريطانيا وفرنسا على الاعتراف بـ«الدولة».