غلاف الكتاب العربي في سوق نشر ضعيفة

ينافس فنياً رغم محدودية الإمكانات (1 من 2)

«دار الساقي» كانت أغلفتها بقرار جماعي
«دار الساقي» كانت أغلفتها بقرار جماعي
TT

غلاف الكتاب العربي في سوق نشر ضعيفة

«دار الساقي» كانت أغلفتها بقرار جماعي
«دار الساقي» كانت أغلفتها بقرار جماعي

يزداد اهتمام دور النشر العربية بأغلفة كتبها، مع مجاراتها لتطور فنون التصميم في العالم أجمع. لكن الناشرين اللبنانيين يؤكدون أن الاهتمام بالأغلفة ليس جديداً، فثمة تجارب عربية مهمة في القرن الماضي، والمصممون ليسوا مقطوعين من شجرة، بل لهم جذور ومصادر إلهام ضاربة في التاريخ.
يتفق الناشرون على أن أغلفة الكتب التي يقدمونها للقراء، تبلور بمرور الزمن، وبفعل التراكم، هوية الدار التي يديرونها. ومع ذلك، لا يزال الكتاب العربي من حيث التصميم والغلاف أقل جمالية من الكتب الغربية، رغم محاولات حثيثة لإضفاء لمسات فنية عليه. «هذا عائد إلى ضعف سوق النشر العربية مقارنة بالغرب. هناك فرق بين السوقين، فحين تتطور السوق تطور معها أدواتها». يقول الشاعر الفلسطيني خالد سليمان الناصري، صاحب «منشورات المتوسط»: «إن الغلاف له جانب تسويقي، وهو يزدهر في أزمنة الرفاهية والبحبوحة».
وتدفع الدور العربية ما بين 100 و500 دولار لمصمم الغلاف. وهو مبلغ زهيد إذا ما قيس بما تدفعه دار فرنسية مثل «روبير لافون» على سبيل المثال، التي تنتج أكثر من 200 كتاب في السنة. إذ تقول مديرة الدار إلسا لافون: «إن الغلاف الواحد يكلف الدار ما بين 600 يورو و5 آلاف يورو». أي أن السعر يبدأ حيث تنتهي ميزانية الغلاف العربي. وتنفق دار «روبير لافون» أكثر من 300 ألف يورو سنوياً على الرسامين، وتوظف 4 مصممي غرافيك بدوام كامل، وعشرات المصممين المستقلين.

غلاف الكتاب اللبناني ينهل من المخطوطات كما التكنولوجيا
«غلاف رديء قد يتسبب في سوء تسويق كتاب جيد جداً»، تقول رانيا المعلم، مديرة تحرير «دار الساقي»، شارحة لنا كيف أن الغلاف الجذاب لا يقل أهمية عن العنوان. فأن تتمكن «دار النشر» من التوصل إلى إنتاج أغلفة كتب تبقى في ذاكرة القراء لهو عنصر أساسي في صناعة الكتاب. لهذا فإن «دار الساقي» لا تستخف باختيار أغلفتها، بل تعطيها حيزاً مهماً من وقتها وعنايتها. بعد أن يقدم المصمم اقتراحه، تعقد الدار اجتماعاً تشارك فيه هيئة التحرير وقسم التوزيع، لأن الموزع يعرف ذوق القارئ. «نحن ندرك أن الكتاب في النهاية هو سلعة، يجب أن يقدم بشكل لائق. فالغلاف هو الواجهة، وهو أول ما تقع عليه عين القارئ، إن لم يستحسنه انصرف عنه، بصرف النظر عن مضمونه». لكن في الوقت نفسه، تشرح رانيا المعلم بأن «ثمة حرصاً على عدم رفع تكلفة الغلاف، لأن ذلك ينعكس ارتفاعاً في سعر الكتاب، ويحمّل القارئ أعباء ترهقه. أي أن المسألة تحتاج موازنة، لكن من دون مساومة بين الجمالية، والجاذبية، والتكلفة المعقولة».
«الجديد» كلاسيكية ولكن...
هل بهدف التوفير، استخدمت «دار الجديد» منذ تأسيسها الأغلفة المتقشفة، الكلاسيكية، البسيطة والأنيقة، التي تتبع خطاً واحداً؟ تجيب صاحبة الدار رشا الأمير، بأن هذا الخيار لم يكن سببه التوفير، ولا الاستسهال، لأن العمل على تصميم وتطوير هذا الغلاف الأبيض بخطوط حمراء، مستمر ودائم، وليس مستقراً على حال واحدة. «أردنا غلافاً يشبه شخصية الدار. وعندنا نمطان؛ واحد بالأبيض مع خطوط حمراء، هو الذي يغلّف دواوين أنسي الحاج ومحمود درويش وكتب عبد الله العلايلي، وهذا حاول كثيرون تقليده على بساطته. ونمط آخر أكثر تنوعاً، نلجأ من خلاله إلى رسم أو صورة أو تصميم يخلط بين أكثر من عنصر». وتعتبر رشا الأمير أن الدور العربية التي رسمت لنفسها خطاً ومشت عليه، حيث يمكننا معرفة كتبها من أغلفتها، قليلة جداً. عشرات الأسماء من مصممين، ورسامين، وخطاطين، وفنانين، تعاونت معهم «دار الجديد» منذ انطلاقتها، من بين آخرهم الأردني تامر الأحمر، الذي صمم النسخة الأولى لغلاف كتاب إسكندر رياشي «نسوان من لبنان»، والفنان المصري أحمد بدر.
الغلاف العربي ضارب في القدم
رشا الأمير تقول إن «مرجعيتنا في صناعة الأغلفة تعود إلى أجدادنا أيام كانوا يجلّدون المخطوطات، وتلك كانت حرفة فنية». ولا يزال التجليد موجوداً، وإن قلّ عدد العاملين في المهنة. وتعود الأمير إلى المخطوطات وهوامشها لأنها تحب أن تستوحي منها في صناعة كتبها، وترى في ذلك فائدة جليلة.
وتلفت مديرة «دار الآداب» رنا إدريس إلى أن اهتمام دارها بالأغلفة بدأ من يوم أسسها والدها الأديب الراحل سهيل إدريس. «كانت للمصريين تجربة مهمة في هذا المجال في الستينات والسبعينات. وارتأى والدي أن يصمم بعض أغلفته في مصر، أيام إصدار كتب عدلي رزق الله وإدوارد الخراط. هذا يظهر مدى الاهتمام بالغلاف، رغم أن التواصل لم يكن سهلاً ويحتاج أياماً».
نجاح طاهر وهوية «الآداب»
تروي رنا إدريس أن الروائية حنان الشيخ جاءت إلى «دار الآداب» نهاية الثمانينات، ومعها مخطوطة روايتها «مسك الغزال»: «يومها، أخبرتنا أنها تحب رسومات الفنانة نجاح طاهر، وتريدها أن تصمم لها الغلاف. من حينها، والفنانة طاهر تصمم أغلفتنا، وتعطي لكتبنا هويتها الفنية».
تعود رنا إدريس بالذاكرة إلى أيام كانت تعمل فيها الفنانة نجاح طاهر في غرفة زجاجية، خصصتها كمشغل لها في منزلها في الرملة البيضاء. هناك كانت السيدتان تناقشان معاً أمر أغلفة كتب «دار الآداب»، قبل أن تنتقل نجاح طاهر إلى مقرها الجديد في «الزاوية». تقول رنا إدريس: «نجاح فنانةٌ تقرأ النص قبل أن تستوحي غلافها. عندها تذوق أدبي رفيع. ونحن في (دار الآداب) نحب هذا، وأنا شخصياً أحب شغل نجاح، لأنها أعطت لـ(دار الآداب) طابعها الخاص. صارت لكتبنا بفضل أغلفتها صيغة معينة، وشخصية خاصة».
تتميز «منشورات المتوسط» بأن مؤسسها وصاحبها خالد سليمان الناصري، إضافة إلى أنه شاعر، هو مصمم أيضاً، صمم كتباً لدور عربية كثيرة، منها «دار المدى»، ثم عمل مع دور نشر إيطالية، قبل أن تصبح له داره، ويعنى بأغلفتها. ويعتبر الناصري أن «المتوسط» تمكنت من أن تجعل الغلاف يُحكى عنه، ويخرج من نمطيته. الغلاف بالنسبة له قد يكون سبباً لجذب القراء. فغلاف كتاب «سيمفونية الموتى» لصاحبه المؤلف الإيراني غير المعروف، عباس معروفي، كان سبباً في بيع الكتاب ورواجه. الغلاف عبارة عن صفحة نوتات موسيقية على شكل أجساد بشرية، لفتت النظر بشكل كبير، وهناك من طلب أن يستخدم الغلاف كبوستر. لكن الناصري لا ينكر أنه بعد الفرح بالغلاف، إما أن يكون النص على مستوى جيد وإما لا يكون.
«المتوسط» على ضفتين
مع تجربته على الضفتين، يعتقد الناصري أن بعض الدور الإيطالية لها أغلفة ممتازة وعظيمة، لكن ثمة دوراً أخرى لا تلقي بالاً للأمر. أما أجمل الأغلفة التي أقيمت حولها دراسات فهي أغلفة «دار بنغوين» الإنجليزية، و«يجب ألا نغمط من سبقونا حقهم. ففي مصر تجربة مهمة مع محيي الدين اللباد وحلمي التوني، و(دار الريس) قدمت أغلفة مهمة أيضاً».
موضوع الغلاف تقام حوله الأطاريح والأبحاث. ومع هذا، يلفت صاحب «منشورات المتوسط» إلى أنه تخصص غير موجود في الجامعات العربية، باستثناء فرع واحد في جامعة الرباط بالمغرب.
غلاف الكتاب يتألف من تركيبة معقدة من العناصر، حسب رشا الأمير. وهو فن له تطوره التاريخي، وعناصره المتغيرة، وتحولاته في الزمن الذي نحن فيه؛ حيث دخلت على صناعته التكنولوجيا بشكل كبير. وهي تأنف من الأغلفة البشعة التي تُصنع بروح تجارية، وتقول: «حين أضطر إلى قراءة كتاب غلافه بشع، أنزع الغلاف وأرميه في أول مزبلة، بكل راحة ضمير، كي أتمكن من إكمال القراءة. لست مضطرة إلى تحمل ألوان وأشكال مزعجة».

من يختار الغلاف؟
تميل دور النشر العربية عموماً للتفاهم مع الكاتب حول الغلاف الذي تقرره. هي تعرف أفضل منه كيف يجب أن يكون العنوان، أو ما هو شكل الغلاف الأكثر جذباً. وإذا كانت «دار الساقي» تقرر مع فريق عملها شكل الغلاف، وكذلك «دار الجديد»، و«دار الآداب» لها فنانتها، فإن الكاتب تبقى له كلمته. أما الناصري فيقول إن الكلمة النهائية حول الغلاف في «منشورات المتوسط» تعود للدار: «بالنسبة لي، أعتقد أنني أعرف أكثر من الكاتب ما يمكن أن يساعد على لفت النظر إلى الكتاب، إلا إذا كان للكاتب رأي آخر، وتصميم استطاع أن يقنع الدار به. أما إذا لم نقتنع فالقرار للدار».

الكتب المترجمة... أي أغلفة؟
بينما تعتبر «دار الآداب» أن الكتاب المترجم يجب أن ينقل إلى العربية بروح مختلفة وبغلاف خاص، لأنه يعيش حياة ثانية حين ينتقل إلى لغة أخرى، نجد «دار الجديد» أقل تشدداً، وتترك الأمر لظروفه. «في عمليات النشر، كثير من الاتفاقات والتفاهمات التي تتم حول تفاصيل صغيرة، أو أمور أكبر، ومن بينها الغلاف، الذي يمكن أن يتغير، أو يتم الاحتفاظ به عند الترجمة»، كما تقول الأمير. وهو أيضاً رأي «منشورات المتوسط» التي تعمل على أغلفة جديدة لترجماتها إلى اللغة العربية: «لكن يحدث أن يكون الاحتفاظ بغلاف الكتاب الأصل أكثر جذباً للقارئ، خصوصاً في حال الكتب المشهورة». وتشرح لنا رنا إدريس بأن استخدام غلاف الكتاب الأجنبي عند ترجمته إلى العربية ليس بالأمر المتاح دائماً. شراء حقوق الترجمة والنشر لا يتضمن حقوق استعمال الغلاف: «حين استفسرت عن حقوق استخدام غلاف رواية (أيها العالم الجميل أين أنت؟) للروائية الشهيرة سالي روني، أُخبرت أن عليّ أن أتواصل مع 3 جهات مختلفة: الرسام، والمصمم، ومن طبع الغلاف، وأدفع لكل منهم حقوقه، هذا عدا الجهد المطلوب للمراسلة والنقاشات». وتضيف: «مع سوق النشر العربية الضعيفة التي تعاني فوضى القرصنة، لا يمكن لأي دار عربية أن تدفع على الغلاف، كما دار نشر أجنبية. من بين كل 10 كتب مترجمة، بالكاد تباع بشكل جيد 3 عناوين. ومن بين كل 20 كتاباً عربياً جديداً يطبع، نعرف سلفاً أن عنواناً أو اثنين لا أكثر، يمكن أن يصلا إلى الطبعة الثانية».



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).