غلاف الكتاب العربي في سوق نشر ضعيفة

ينافس فنياً رغم محدودية الإمكانات (1 من 2)

«دار الساقي» كانت أغلفتها بقرار جماعي
«دار الساقي» كانت أغلفتها بقرار جماعي
TT

غلاف الكتاب العربي في سوق نشر ضعيفة

«دار الساقي» كانت أغلفتها بقرار جماعي
«دار الساقي» كانت أغلفتها بقرار جماعي

يزداد اهتمام دور النشر العربية بأغلفة كتبها، مع مجاراتها لتطور فنون التصميم في العالم أجمع. لكن الناشرين اللبنانيين يؤكدون أن الاهتمام بالأغلفة ليس جديداً، فثمة تجارب عربية مهمة في القرن الماضي، والمصممون ليسوا مقطوعين من شجرة، بل لهم جذور ومصادر إلهام ضاربة في التاريخ.
يتفق الناشرون على أن أغلفة الكتب التي يقدمونها للقراء، تبلور بمرور الزمن، وبفعل التراكم، هوية الدار التي يديرونها. ومع ذلك، لا يزال الكتاب العربي من حيث التصميم والغلاف أقل جمالية من الكتب الغربية، رغم محاولات حثيثة لإضفاء لمسات فنية عليه. «هذا عائد إلى ضعف سوق النشر العربية مقارنة بالغرب. هناك فرق بين السوقين، فحين تتطور السوق تطور معها أدواتها». يقول الشاعر الفلسطيني خالد سليمان الناصري، صاحب «منشورات المتوسط»: «إن الغلاف له جانب تسويقي، وهو يزدهر في أزمنة الرفاهية والبحبوحة».
وتدفع الدور العربية ما بين 100 و500 دولار لمصمم الغلاف. وهو مبلغ زهيد إذا ما قيس بما تدفعه دار فرنسية مثل «روبير لافون» على سبيل المثال، التي تنتج أكثر من 200 كتاب في السنة. إذ تقول مديرة الدار إلسا لافون: «إن الغلاف الواحد يكلف الدار ما بين 600 يورو و5 آلاف يورو». أي أن السعر يبدأ حيث تنتهي ميزانية الغلاف العربي. وتنفق دار «روبير لافون» أكثر من 300 ألف يورو سنوياً على الرسامين، وتوظف 4 مصممي غرافيك بدوام كامل، وعشرات المصممين المستقلين.

غلاف الكتاب اللبناني ينهل من المخطوطات كما التكنولوجيا
«غلاف رديء قد يتسبب في سوء تسويق كتاب جيد جداً»، تقول رانيا المعلم، مديرة تحرير «دار الساقي»، شارحة لنا كيف أن الغلاف الجذاب لا يقل أهمية عن العنوان. فأن تتمكن «دار النشر» من التوصل إلى إنتاج أغلفة كتب تبقى في ذاكرة القراء لهو عنصر أساسي في صناعة الكتاب. لهذا فإن «دار الساقي» لا تستخف باختيار أغلفتها، بل تعطيها حيزاً مهماً من وقتها وعنايتها. بعد أن يقدم المصمم اقتراحه، تعقد الدار اجتماعاً تشارك فيه هيئة التحرير وقسم التوزيع، لأن الموزع يعرف ذوق القارئ. «نحن ندرك أن الكتاب في النهاية هو سلعة، يجب أن يقدم بشكل لائق. فالغلاف هو الواجهة، وهو أول ما تقع عليه عين القارئ، إن لم يستحسنه انصرف عنه، بصرف النظر عن مضمونه». لكن في الوقت نفسه، تشرح رانيا المعلم بأن «ثمة حرصاً على عدم رفع تكلفة الغلاف، لأن ذلك ينعكس ارتفاعاً في سعر الكتاب، ويحمّل القارئ أعباء ترهقه. أي أن المسألة تحتاج موازنة، لكن من دون مساومة بين الجمالية، والجاذبية، والتكلفة المعقولة».
«الجديد» كلاسيكية ولكن...
هل بهدف التوفير، استخدمت «دار الجديد» منذ تأسيسها الأغلفة المتقشفة، الكلاسيكية، البسيطة والأنيقة، التي تتبع خطاً واحداً؟ تجيب صاحبة الدار رشا الأمير، بأن هذا الخيار لم يكن سببه التوفير، ولا الاستسهال، لأن العمل على تصميم وتطوير هذا الغلاف الأبيض بخطوط حمراء، مستمر ودائم، وليس مستقراً على حال واحدة. «أردنا غلافاً يشبه شخصية الدار. وعندنا نمطان؛ واحد بالأبيض مع خطوط حمراء، هو الذي يغلّف دواوين أنسي الحاج ومحمود درويش وكتب عبد الله العلايلي، وهذا حاول كثيرون تقليده على بساطته. ونمط آخر أكثر تنوعاً، نلجأ من خلاله إلى رسم أو صورة أو تصميم يخلط بين أكثر من عنصر». وتعتبر رشا الأمير أن الدور العربية التي رسمت لنفسها خطاً ومشت عليه، حيث يمكننا معرفة كتبها من أغلفتها، قليلة جداً. عشرات الأسماء من مصممين، ورسامين، وخطاطين، وفنانين، تعاونت معهم «دار الجديد» منذ انطلاقتها، من بين آخرهم الأردني تامر الأحمر، الذي صمم النسخة الأولى لغلاف كتاب إسكندر رياشي «نسوان من لبنان»، والفنان المصري أحمد بدر.
الغلاف العربي ضارب في القدم
رشا الأمير تقول إن «مرجعيتنا في صناعة الأغلفة تعود إلى أجدادنا أيام كانوا يجلّدون المخطوطات، وتلك كانت حرفة فنية». ولا يزال التجليد موجوداً، وإن قلّ عدد العاملين في المهنة. وتعود الأمير إلى المخطوطات وهوامشها لأنها تحب أن تستوحي منها في صناعة كتبها، وترى في ذلك فائدة جليلة.
وتلفت مديرة «دار الآداب» رنا إدريس إلى أن اهتمام دارها بالأغلفة بدأ من يوم أسسها والدها الأديب الراحل سهيل إدريس. «كانت للمصريين تجربة مهمة في هذا المجال في الستينات والسبعينات. وارتأى والدي أن يصمم بعض أغلفته في مصر، أيام إصدار كتب عدلي رزق الله وإدوارد الخراط. هذا يظهر مدى الاهتمام بالغلاف، رغم أن التواصل لم يكن سهلاً ويحتاج أياماً».
نجاح طاهر وهوية «الآداب»
تروي رنا إدريس أن الروائية حنان الشيخ جاءت إلى «دار الآداب» نهاية الثمانينات، ومعها مخطوطة روايتها «مسك الغزال»: «يومها، أخبرتنا أنها تحب رسومات الفنانة نجاح طاهر، وتريدها أن تصمم لها الغلاف. من حينها، والفنانة طاهر تصمم أغلفتنا، وتعطي لكتبنا هويتها الفنية».
تعود رنا إدريس بالذاكرة إلى أيام كانت تعمل فيها الفنانة نجاح طاهر في غرفة زجاجية، خصصتها كمشغل لها في منزلها في الرملة البيضاء. هناك كانت السيدتان تناقشان معاً أمر أغلفة كتب «دار الآداب»، قبل أن تنتقل نجاح طاهر إلى مقرها الجديد في «الزاوية». تقول رنا إدريس: «نجاح فنانةٌ تقرأ النص قبل أن تستوحي غلافها. عندها تذوق أدبي رفيع. ونحن في (دار الآداب) نحب هذا، وأنا شخصياً أحب شغل نجاح، لأنها أعطت لـ(دار الآداب) طابعها الخاص. صارت لكتبنا بفضل أغلفتها صيغة معينة، وشخصية خاصة».
تتميز «منشورات المتوسط» بأن مؤسسها وصاحبها خالد سليمان الناصري، إضافة إلى أنه شاعر، هو مصمم أيضاً، صمم كتباً لدور عربية كثيرة، منها «دار المدى»، ثم عمل مع دور نشر إيطالية، قبل أن تصبح له داره، ويعنى بأغلفتها. ويعتبر الناصري أن «المتوسط» تمكنت من أن تجعل الغلاف يُحكى عنه، ويخرج من نمطيته. الغلاف بالنسبة له قد يكون سبباً لجذب القراء. فغلاف كتاب «سيمفونية الموتى» لصاحبه المؤلف الإيراني غير المعروف، عباس معروفي، كان سبباً في بيع الكتاب ورواجه. الغلاف عبارة عن صفحة نوتات موسيقية على شكل أجساد بشرية، لفتت النظر بشكل كبير، وهناك من طلب أن يستخدم الغلاف كبوستر. لكن الناصري لا ينكر أنه بعد الفرح بالغلاف، إما أن يكون النص على مستوى جيد وإما لا يكون.
«المتوسط» على ضفتين
مع تجربته على الضفتين، يعتقد الناصري أن بعض الدور الإيطالية لها أغلفة ممتازة وعظيمة، لكن ثمة دوراً أخرى لا تلقي بالاً للأمر. أما أجمل الأغلفة التي أقيمت حولها دراسات فهي أغلفة «دار بنغوين» الإنجليزية، و«يجب ألا نغمط من سبقونا حقهم. ففي مصر تجربة مهمة مع محيي الدين اللباد وحلمي التوني، و(دار الريس) قدمت أغلفة مهمة أيضاً».
موضوع الغلاف تقام حوله الأطاريح والأبحاث. ومع هذا، يلفت صاحب «منشورات المتوسط» إلى أنه تخصص غير موجود في الجامعات العربية، باستثناء فرع واحد في جامعة الرباط بالمغرب.
غلاف الكتاب يتألف من تركيبة معقدة من العناصر، حسب رشا الأمير. وهو فن له تطوره التاريخي، وعناصره المتغيرة، وتحولاته في الزمن الذي نحن فيه؛ حيث دخلت على صناعته التكنولوجيا بشكل كبير. وهي تأنف من الأغلفة البشعة التي تُصنع بروح تجارية، وتقول: «حين أضطر إلى قراءة كتاب غلافه بشع، أنزع الغلاف وأرميه في أول مزبلة، بكل راحة ضمير، كي أتمكن من إكمال القراءة. لست مضطرة إلى تحمل ألوان وأشكال مزعجة».

من يختار الغلاف؟
تميل دور النشر العربية عموماً للتفاهم مع الكاتب حول الغلاف الذي تقرره. هي تعرف أفضل منه كيف يجب أن يكون العنوان، أو ما هو شكل الغلاف الأكثر جذباً. وإذا كانت «دار الساقي» تقرر مع فريق عملها شكل الغلاف، وكذلك «دار الجديد»، و«دار الآداب» لها فنانتها، فإن الكاتب تبقى له كلمته. أما الناصري فيقول إن الكلمة النهائية حول الغلاف في «منشورات المتوسط» تعود للدار: «بالنسبة لي، أعتقد أنني أعرف أكثر من الكاتب ما يمكن أن يساعد على لفت النظر إلى الكتاب، إلا إذا كان للكاتب رأي آخر، وتصميم استطاع أن يقنع الدار به. أما إذا لم نقتنع فالقرار للدار».

الكتب المترجمة... أي أغلفة؟
بينما تعتبر «دار الآداب» أن الكتاب المترجم يجب أن ينقل إلى العربية بروح مختلفة وبغلاف خاص، لأنه يعيش حياة ثانية حين ينتقل إلى لغة أخرى، نجد «دار الجديد» أقل تشدداً، وتترك الأمر لظروفه. «في عمليات النشر، كثير من الاتفاقات والتفاهمات التي تتم حول تفاصيل صغيرة، أو أمور أكبر، ومن بينها الغلاف، الذي يمكن أن يتغير، أو يتم الاحتفاظ به عند الترجمة»، كما تقول الأمير. وهو أيضاً رأي «منشورات المتوسط» التي تعمل على أغلفة جديدة لترجماتها إلى اللغة العربية: «لكن يحدث أن يكون الاحتفاظ بغلاف الكتاب الأصل أكثر جذباً للقارئ، خصوصاً في حال الكتب المشهورة». وتشرح لنا رنا إدريس بأن استخدام غلاف الكتاب الأجنبي عند ترجمته إلى العربية ليس بالأمر المتاح دائماً. شراء حقوق الترجمة والنشر لا يتضمن حقوق استعمال الغلاف: «حين استفسرت عن حقوق استخدام غلاف رواية (أيها العالم الجميل أين أنت؟) للروائية الشهيرة سالي روني، أُخبرت أن عليّ أن أتواصل مع 3 جهات مختلفة: الرسام، والمصمم، ومن طبع الغلاف، وأدفع لكل منهم حقوقه، هذا عدا الجهد المطلوب للمراسلة والنقاشات». وتضيف: «مع سوق النشر العربية الضعيفة التي تعاني فوضى القرصنة، لا يمكن لأي دار عربية أن تدفع على الغلاف، كما دار نشر أجنبية. من بين كل 10 كتب مترجمة، بالكاد تباع بشكل جيد 3 عناوين. ومن بين كل 20 كتاباً عربياً جديداً يطبع، نعرف سلفاً أن عنواناً أو اثنين لا أكثر، يمكن أن يصلا إلى الطبعة الثانية».



الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت
TT

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم، قدمّه سفين بيكرت، المؤرخ الأميركي (من أصل ألماني) وأستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، مستنداً إلى بحث أرشيفي هائل يغطي القارات الخمس، ليطرح سردية تاريخية تتجاوز المركزية الأوروبية التقليدية، وترسم خريطة لنظام وُلد عالمياً منذ لحظاته الأولى، وتغذى على تحالف وثيق بين «السوق» و«المدفع».

يستهلُّ بيكرت سرديته بجرأة ملحوظة، ليختار عام 1150 وميناء عدن (في اليمن) نقطة لانطلاق الرأسمالية، بدلاً من مصانع مانشستر أو أمستردام كما في الرواية التقليدية، ويرى في شبكات التجار التي ربطت بين القاهرة، وعدن، وتشانغتشو الصينية، وتجار البندقية، جزراً لرأس المال مارست منطق الربح والاستثمار عبر المسافات الطويلة قبل قرون من صعود الغرب. ويؤسس هذا لفكرته المركزية: الرأسمالية نظام عالمي في جوهره، نشأ من تضافر جهود تجارية عابرة للقارات، وتطوَّر عبر آليات ربطت بين المنتِج في أقاصي آسيا والمستهلِك في أوروبا.

ينقّب النص في طبقات التاريخ محاولاً توضيح الكيفيّة التي تحولت بها هذه الجزر المعزولة نظاماً مهيمناً. فمع الربط العظيم الذي تحقق بين الشرق والغرب في القرنين الـ15 والـ16، دمج التجار الأوروبيون قارات العالم الجديد في شبكاتهم، مستفيدين من القوة العسكرية لدولهم. هنا، يبرز دور «رأسمالية الحرب» بوصفها قاطرة للنمو. فالتوسع التجاري تطلب أساطيلَ مسلحة، وحمايةً حكومية، وقدرةً على انتزاع الأراضي والموارد بالقوة.

وثمّة مساحة واسعة مؤلمة في الكتاب لرصد التكلفة البشرية لهذا الصعود، مستخدماً إحصاءات ووثائق تاريخية دقيقة، فيقف مطولاً - على سبيل المثال - عند مدينة بوتوسي (في بوليفيا الحالية) خلال القرن الـ17، التي كانت تنتج 60 في المائة من فضة العالم، ويصفها السكان المحليون بـ«الجبل الذي يلتهم الرجال»، حيث لقي ربع من نزلوا إلى المناجم حتفهم جراء العمل القسري والتسمم بالزئبق، بينما استمتعت نخب المدينة بالبضائع الفاخرة المستوردة من البندقية والصين.

تتجلى وحشية النظام في اعتماد الرأسمالية المبكرة - واللاحقة - على العمل القسري؛ إذ تشير البيانات التي يوردها الكتاب إلى نقل التجار الأوروبيين 4.38 مليون أفريقي مستعبد إلى الأميركيتين قبل عام 1760، وهو رقم يمثل ضعف عدد المهاجرين الأوروبيين في الفترة ذاتها، ويجادل بأن العبودية لم تكن نقيضاً للرأسمالية أو مرحلة سابقة عليها، بل كانت قلبها النابض الذي ضخ الدماء في شرايين الثورة الصناعية، موفرةً المواد الخام (القطن والسكر) والأسواق والتمويل اللازم للتصنيع. وحتى بعد إلغاء العبودية رسمياً، استمرت أشكال القهر عبر أنظمة العمل بالتعاقد التي نقلت ملايين العمال الآسيويين للعمل في ظروف شبيهة بالرق في مزارع المطاط والشاي.

يناهض «الرأسماليّة: تاريخ عالميّ» بقوة فكرة «السوق الحرة» التي تنظم نفسها بنفسها، مؤكداً أن الدولة القوية كانت الشرط المسبق لنجاح الرأسمالية؛ فمن تمويل الحملات الاستعمارية، إلى سن قوانين تجرم التشرد وتجبر الفلاحين على العمل في المصانع، وصولاً إلى التدخلات العسكرية لفتح الأسواق في الصين والهند، لعبت الدولة دور «قابلة توليد» للثروة.

ويستمر هذا الدور في العصر الحديث، حيث يروي المؤلف حكاية صعود النيوليبرالية في تشيلي تحت حكم بينوشيه، واصفاً إياه بـ«لينين النيوليبرالية». ويوضح كيف تطلب فرض آليات السوق الحرة في تشيلي تدخلاً عسكرياً وقمعاً للنقابات العمالية بدعم من المؤسسات الدولية؛ مما يعيد إنتاج نمط «رأسمالية الحرب» في قالب حديث. وفي السياق ذاته، يرى في صعود الصين الصناعي وتطور مناطق مثل شينزين استمراراً لهذا التحالف بين «الدولة ورأس المال»، حيث توفر الدولة البنية التحتية والعمالة المهاجرة من الأرياف (وغالبيتها من النساء) لخدمة سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم الإجماع على القيمة التوثيقية للنصّ، فإن أطروحاته أثارت انقساماً حاداً بين المختصين لناحية كفاءة تفسيره طبيعة الرأسمالية؛ إذ عدّ البعض تعريفه إياها بوصفها تراكماً مستمراً لرأس المال اختزالاً لتعقيدات النظام الرأسمالي والدوافع الفردية البشرية، وإغفالاً لدور ريادة الأعمال والابتكار بوصفهما عاملين ذَوَيْ حيثية. فشخصيات، مثل إيلون ماسك (تيسلا)، وسام والتون (وول مارت)، وجيف بيزوس (أمازون)، لم يحركهم مجرد «التراكم الأعمى» للأموال، بل رغبة في بناء مؤسسات، أو تغيير أنماط الاستهلاك، أو حتى استكشاف الفضاء. الثروة هنا، جاءت نتيجة الفاعلية في تلبية حاجات السوق وتقديم الابتكارات، وليست مجرد عملية استخلاص للقيمة.

الجانب الآخر من الانتقادات عدّ أنه يصور الرأسمالية على أنها «وحش» أو «ذكاء اصطناعي مارق» هدفه الوحيد التوسع دون نهاية؛ مما يغيّب الوجه الآخر لها: الارتفاع الهائل في مستويات المعيشة، وزيادة متوسط العمر المتوقع، والتطور التقني الذي أتاح للبشرية رفاهية غير مسبوقة، فيبدو في بعض فصوله «تاريخاً دون أبطال»، يركز على الهياكل والأنظمة وآليات القهر، ويقلل من شأن الوكالة البشرية والقدرة على الإصلاح من داخل النظام، مثل دور الحركات العمالية ودولة الرفاه في ترويض الرأسمالية خلال القرن الـ20.

ومع ذلك، يظل «الرأسمالية: تاريخ عالمي» عملاً فكرياً ذا ثقل استثنائي، ينجح في زعزعة المسلّمات بشأن نشأة النظام الاقتصادي العالمي وطبيعته، ويقدم سرداً يضج بالحياة والتفاصيل؛ يربط بين عمال المناجم في بوليفيا خلال القرن الـ17 وعمال النسيج في كمبوديا اليوم، موضحاً وحدة المنطق الذي يحكم هذا التاريخ الطويل. ولعل قيمته الكبرى تكمن في شمولية نظرته، وفي تذكيره الدائم بأن الأسواق لا تعمل في فراغ، بل تتشكل عبر موازين القوى السياسية والعسكرية.

وسواء أتفقنا مع رؤية بيكرت للرأسمالية على أنها آلة تراكم وحشية، أم انحزنا إلى رؤية النقاد الذين يبرزون جانبها الإبداعي والتنموي، فإن الكتاب يفرض نفسه مرجعاً أساساً لا غنى عنه لفهم القوى التي شكلت، ولا تزال تشكل، عالمنا المعاصر. إنه كما دعوة مفتوحة للتفكير في تكلفة الرخاء، وفي الجذور الدموية للاقتصاد المًعَوْلَم، وفي مستقبل نظام أثبت قدرة هائلة على التكيف والبقاء رغم كل التنبؤات بنهايته.

* Capitalism: A Global History by Sven Beckert Allen Lane / Penguin Press 2025


«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد
TT

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون، بتحديد الفضاءين الزماني والمكاني اللذين تنطلق منهما الأحداث، إذ ينص في عنوان الفصل الأول على أن الأحداث تدور في المدينة البيضاء عام 2030، فزمن الرواية يتجاوز الزمن الواقعي، ما يجعلها أقرب إلى نبوءة أو استشراف لما يمكن أن يحدث مستقبلاً في هذه المدينة التونسية، والأقرب أنها «سيدي بوسعيد»، المشهورة باسم المدينة البيضاء، لكن السارد لم يسمها بشكل واضح، فتبدو استعارة لكثير من المدن الساحلية التي تشبهها في الوطن العربي كله.

تنطلق الرواية - الصادرة عن دار مسكلياني، وصدرت طبعتها المصرية عن دار صفصافة في 350 صفحة - من مقابر المدينة، التي تبدو مركز ثقل سردي، بكل ما يكتنف المقابر من حمولات تتعلق بالموت، والماضي، والتاريخ الذي انقضى، والبشر الذين رحلوا، والمذاهب والأفكار التي اندثرت.

في المقابر، ووسط صخب استثنائي، تتجمع قوة حكومية لاستخراج جثة مدفونة منذ ما يقارب عقدين من الزمان، لتشريحها ومعرفة سبب الموت الحقيقي، إنها جثة البطل والسارد، مختار الفاطمي، الذي نرى الحكاية كلها من وجهة نظره، حكايته في الماضي القريب، وحكايته مع الماضي البعيد، وحكاية الراهن السردي في عام 2030، وما اكتنف المدينة من تحولات.

مع انفتاح المقبرة واستخراج الصندوق، ينفتح العالم الروائي، وينفتح معه باب الغرابة، فقد استخرجوا الجسد، الذي كان محنطاً وملفوفاً في كتان على طريقة المومياوات الفرعونية، لكن الروح كانت حية، والذاكرة لم تزل نشطة، وكانت تتنصت طوال هذه السنوات لما يحدث خارج القبر، وبمجرد انفتاحه حلقت بعيداً، لتطوف فوق سماء المدينة، لنرى حاضرها بعيني هذه الذاكرة الهائمة وروحها المعذبة، عين مختار الفاطمي، الذي كان باحثاً في التاريخ الإسلامي، وتحديداً تاريخ الدولة الفاطمية، ويسعى عبر دراسة المخطوطات لاكتشاف أسرار اندثار أجداده الفاطميين وآثارهم، وكان هذا شغفه ومشروع حياته، فقد كان منشغلاً بالماضي، والمسكوت عنه فيه، لعله يعثر على أسباب وهن الحاضر، على خلاف والده، الذي كان يحثه على النظر للمستقبل، ولا يحبس نفسه في مقابر التاريخ وأقبيته المعتمة، التي لن تغير من الواقع شيئاً.

رغم تحديد الزمان والمكان في مطلع الرواية، فإن هذه الذاكرة الهائمة، وهي البطل الراوي، تحلق بالقارئ بين زمانين، الأول هو زمن الراهن السردي، في 2030، الذي اندلعت فيه حرب عنيفة، بين القوات النظامية لزعيم لم يسمه السارد، وأعداء الوطن والخونة، هكذا في المطلق، بعد تفشي إنفلونزا الخنازير بشكل وبائي خطير، وهجوم الخنازير على المدينة بشكل كاسح. والزمن الثاني هو زمن ما قبل رحيل مختار، في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، وثورات الربيع العربي، وما هيمن عليها من تحولات عنيفة، عبر استرجاع الذاكرة لأحداث تلك الفترة. فالسرد يراوح بين هذين الزمنين، زمن الحرب الراهن الذي تعاينه الروح وتصفه سردياً، وزمن الثورات الذي تستعيده عبر ذكرياتها عن تلك الفترة وما حدث لها حتى لحظة الرحيل الغامض.

تنفتح الرواية على فضاءات مكانية متعددة، ولا تتوقف عند حدود المدينة البيضاء، إذ يطوف الراوي الباحث الشاب مختار الفاطمي، عبر تقنية الاسترجاع، في شوارع العاصمة المصرية القاهرة، وتحديداً منطقة وسط البلد الشهيرة، التي تمثل مقصداً لكل الباحثين والمثقفين، فقد سافر إلى مصر في بعثة علمية لمدة عام. وتصادف هذا مع اعتلاء جماعة الإخوان سدة الحكم، ومحاولتهم السيطرة على مقاليد الأمور، في مقابل ثورة الشعب عليهم. في هذه الأجواء الملتهبة سياسياً واجتماعياً، يعاين البطل جوهر فكرة الإقصاء والإزاحة، ورفض التعدد، وفرض هيمنة التيارات الدينية المتشددة، التي لا تختلف في مصر عنها في تونس، بما يمنح الرواية أبعاداً تتصل بالنقد الاجتماعي والسياسي، وتتواشج هذه الوقائع مع بحثه في أسباب محو كل أثر للدولة الفاطمية، بما يجعل للإقصاء في الحاضر بعداً تاريخياً قديماً ومتأصلاً في الوعي العربي، وينبئ عن تاريخ طويل من الإقصاء والمحو والإزاحة يعيد إنتاج نفسه، عبر اختلاف الأزمنة والأمكنة على مدار الوطن العربي، زمنياً من الماضي إلى الحاضر، ومكانياً من مصر إلى تونس.

نصف أحداث الرواية يدور في فضاء عالم المثقفين في مصر، بين القاهرة والإسكندرية، في عام حكم الإخوان. ونصفها الآخر تقريباً يدور في المدينة البيضاء، إذ تتحول إلى ديستوبيا حقيقية، مفعمة برائحة الموت ودماء البشر الذين تقتلهم كتائب الزعيم بدم بارد، بمجرد الاشتباه في إصابتهم بعدوى إنفلونزا الخنازير، كما تتحول الشوارع والميادين وحتى محطات القطار والأنفاق والمستشفيات، إلى ساحات حرب حقيقية، بين قوات الزعيم والخنازير التي تتغول، أو يقال إنها تغولت، حتى تحولت إلى عدو افتراضي مجهول، يتم باسمها تجييش أهل المدينة لمحاربتها، بينما رائحة الروث والعفن والجثث الآدمية تملأ كل ركن وشارع وزقاق، بما يشير إلى حمولات رمزية هائلة عن عفن الواقع وأزماته في 2030، الزمن الذي اختاره الراوي ليكون فضاء للأحداث، ويمنحها غرائبيتها.

هذه الغرائبية تحضر منذ أولى صفحات الرواية، عبر الرواي نفسه، الذي يبدو كطيف هائم، وذاكرة عائمة تنظر لكل شيء من علٍ، بدءاً من نظره لجثته نفسها، مروراً برؤيته واسترجاعه لماضيه والشخصيات التي قابلها في القاهرة والإسكندرية، حتى لحظة قتله على يد جماعة الإخوان، الذين قتلوه على هويته الفاطمية، ووصولاً إلى تحديقه في خراب المدينة البيضاء، تحت دعاوى محاربة الخنازير ومن يدعمهم من الخونة. فالرواي هنا مجرد ذاكرة، روح فارقت الجسد، لتروي لنا ما حدث وما يحدث، وربما ما يمكن أن يحدث، كاشفة عن تواطؤ إخوان تونس مع إخوان مصر في التنكيل به حياً وميتاً، ففي مصر قتلوه على هويته، وشحنوه في صندوق إلى وطنه، وهناك في تونس تستر الإخوان الحاكمون وقتها أيضاً على حقيقة قتله، وأعلنوا أنه مات نتيجة صاعقة أصابته في الإسكندرية، وتكتموا على السبب الجنائي، ومنعوا حتى أسرته من رؤية الجثة، فدفنوه بالصندوق الذي أرسل به.

وإذا كانت الرواية تراوح بين زمنين ومكانين، فإنها أيضاً تراوح بين فضح خطابين استبداديين، أحدهما (الإخوان) وسر خراب الماضي والحاضر، يقتل باسم الدين كل من يختلف معه، ويتعاطى مع المختلفين بوصفهم مارقين، والآخر يقتل - باسم الوطن والحفاظ عليه - كل من يعترض على خطابه، ويعدّهم خونة متحالفين مع الخنازير. هذه، إذن، رواية مفعمة بالطرافة، عن روح تحدق في عالمنا وتاريخنا، في واقعنا ومستقبلنا، برشاقة سردية بالغة، وعبر حيلة سردية غرائبية، لكنها رغم هذا المدخل الفانتازي، تبدو مسكونة بالواقع، والآيديولوجيا، ومحاولة الإمساك - فكرياً - بجوهر التخلف ومسبباته، فهي لا تبحث فقط عن الأسرار وراء مقتل البطل وفك لغز الجثة، لكنها تبحث عما هو أعمق، عن سر إعادة إنتاج الاستبداد في واقعنا، وسر خراب الماضي والحاضر رغم مرور السنين واختلاف المدن.


أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا
TT

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا، في نيو جيرسي ونيويورك بالتحديد، من خلال عائلتين، إحداهما هاجرت في منتصف القرن العشرين، والأخرى في بداية الثمانينات بعد أحداث الفتنة الطائفية في منطقة «الزاوية الحمراء» بالعاصمة المصرية، فتضيء بذلك فترة مهمة في التاريخ المصري الحديث.

يتعرَّض «مايكل بشارة»، بعد ثلاثة وأربعين عاماً من هجرته إلى أميركا، لحادث سير في نيويورك، يؤدي إلى إصابته بفقدان ذاكرة كلِّي ينسيه كل ماضيه، ولا يجعله قادراً على تكوين ذاكرة جديدة، مع إشعاعات نادرة تسمح له بالنفاذ إلى مرحلة دراسته الجامعية في نهاية حكم السادات حتى اغتياله على يد أعضاء الجماعات المتطرفة الذين أخرجهم من السجن وسمح لهم بالتمدد. هذه هي الثيمة الأساسية التي تتمحور حولها أحداث الرواية.

تسير الأحداث في خطين زمنيين متوازيين، يفصلهما ثلاثة وأربعون عاماً، الخط الأول في الزمن الراهن، ويرصد مسيرة العائلتين وأحوالهما وعلاقاتهما، خاصَّة شباب الجيلين الثاني والثالث، أما الخط الآخر فيرصد مرحلة الدراسة الجامعية للبطل «مايكل بشارة»، حين كان يدرس الفلسفة في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، مصوِّراً الحركات السياسية التي كانت تعمل في الجامعات وقتها، وصراعاتها.

ورغم أن البطل الرئيسي هو نفسه في المستويين، بكل أفكاره وطموحاته وأحلامه وإحباطاته، فإن وضعهما متجاورين يكشف عن الاختلاف الشاسع بين زمنين، ومكانين: الإسكندرية ونيويورك، لكلٍّ منهما خصوصيته وملامحه المميزة التي تنعكس على تصرفات الشخصيات.

اللغة رصينة تناسب دراسة الشخصية الرئيسية وثقافتها، تميل ناحية الشعر أحياناً من حيث التكثيف، وتستدعي الكثير من الأغنيات والأفلام السينمائية لتضيء بعض المواقف، وتعكس الطريقة التي يفكر بها بعض الأشخاص، والمآزق الحياتية التي يجدون أنفسهم غارقين في تفاصيلها الكثيرة المؤلمة.

المؤلف سمير درويش من شعراء الثمانينات في مصر، أصدر عدداً من الدواوين، منها «قطوفها وسيوفي» 1991 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، و«ديك الجن» عن دار ميريت للنشر 2021. كما أصدر ثلاث روايات من قبل: «خمس سنوات رملية» 2004، و«طائر خفيف» 2006، و«ليس بعيداً عن رأس الرجل - عزيزة ويونس» 2024، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية دورة 2025. كما أصدر كتابين فكريين: «دولة الملتحين» 2014 و«أفول العقل العربي» 2023، إضافة لكتابين في النقد الأدبي، وأصدر الكتاب الأول من سيرته الذاتية بعنوان «العشر العجاف - من الهزيمة إلى النصر» عن دار الآن ناشرون وموزعون بالأردن 2018.